HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٠١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ. فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
ج ١ ص ٢٤٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٣٩٨
[٦٩٩] (٣٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمَكِّيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، وَأنا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ) أبو سليمان العطّار العبديّ، ثقةٌ [٨]، (ت ٤ أو ١٧٥) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٢ - (مَنْصُور) بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الْعُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ القرشيّ العبديّ الْحَجَبيّ المكيّ، وهو ابن صفيّة بنت شيبة، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أمه صفية بنت شيبة، ومُسافِع بن شيبة الحجبيّ، وسعيد بن جبير، ومحمد بن عَبّاد بن جعفر، وأبي سعيد مولى ابن عباس. ورَوَى عنه أخوه محمد، وزائدة، وابن جريج، ووهيب، وزهير بن معاوية، وزهير بن محمد، وداود بن عبد الرحمن العَطّار، وفضيل بن سليمان، والسفيانان، وآخرون. قال الأثرم: سئل عنه أحمد؟ فأحسن الثناء عليه، وقال: ابنُ عيينة يثني عليه، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان ثبتًا ثقةً، وقال الْحُمَيديّ، عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة، وقال هشام بن الكلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يَحْجُب البيت، وهو شيخ كبير، وقال ابن حزم: ليس بالقويّ. قال الجامع عفا الله عنه: تضعيفُ ابن حزم المتأخر بعد توثيق الأئمة المتقدّمين الخبيرين به، مما لا يُلتفت إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قيل: مات سنة سبع، أو ثمان وثلاثين ومائة. أخرج لي البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٣٠١) و(٣٣٢) و(٩٠٦) وأعاده بعده، و(١٢٣٦) و(٢١٢٢) و(٢٩٧٥) وأعاده بعده. ٣ - (أُمُّهُ) هي: صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الْعُزّى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية، لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية. رَوَت عن النبي - ﷺ -، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وأم عثمان بن أبي سفيان بن حرب، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة، أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وحبيبة بنت أبي تجْراةَ، وغيرهم. ورَوى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن الْحَجَبِيّ، وابنُ أخيها عبد الحميد بن جُبير بن شيبه، وابنُ أخيها الآخر، مُسافع بن عبد الله بن شبيب، وابن ابن أخيها الآخر، مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وسبطها محمد بن عمران الحجبي، وإبراهيم بن مهاجر، والحسن بن مسلم، وقتادة، والمغيرة بن حكيم، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وأم صالح بنت صالح، وغيرهم. قال ابن معين: لم يسمع ابن جريج منها، وقد أدركها، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. وقال العجليّ: مكيّةٌ تابعيّة ثقة. وقال الحافظ: ذكر الْمِزّيُّ في «الأطراف» أن البخاري قال في «صحيحه»: قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي - ﷺ -، ففي هذا رَدٌّ على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته على «الأطراف». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد ما كتبه الحافظ على «الأطراف» في هذا الحديث، ونصّ المكتوب في «الأطراف» بعد ذكره الحديث المذكور من تعليق البخاري، ثم من رواية ابن ماجه موصولًا: قالت: سمعت النبيّ - ﷺ - يخطب عام الفتح، فقال بهذا. لو صحّ هذا الحديث لكان صريحًا في سماعها من النبيّ - ﷺ -، لكن في إسناده أبان بن صالح، وهو ضعيف. انتهى. ثم أورد حديثًا من رواية أبي داود، وابن ماجه، ثم قال: هذا الحديث يضعّف قولَ من أنكر أن تكون لها رؤية، فإنه حسن الإسناد. انتهى . وقال في «الإصابة»: مختلفٌ في صحبتها، وأبعد مَن قال: لا رؤية لها، فقد ثبت حديثها في «صحيح البخاريّ» تعليقًا، ثم ذكر حديث أبان بن صالح المذكور، ثم قال: وأخرج ابن منده من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر، عن صفيّة بنت شيبة، قالت: «والله لكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - حين دخل الكعبة …» الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٦٩ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقد صرّح بالتحديث، فالإسناد صحيح. والحاصل أن ثبوت صحبتها هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والباقيان تقدّما في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة، فمدنيّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعيّ، عن تابعيّة، على القول بأنه لا رؤية لصفيّة، ورواية صحابيّة، عن صحابيّة، على القول بثبوت صحبتها، وهو الحقّ، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَّكِئُ)، أي يعتمد، قال الفيّوميّ ﵀: اتّكأ وزنه افْتَعَلَ، ويُستَعْمَل بمعنيين: أحدهما: الجلوس مع التمكّن، والثاني: القعود مع تمايل، معتمِدًا على أحد الجانبين، وقال أيضًا: توكّأ على عصاه: ابعتمد عليها، واتّكأ: جلس متمكّنًا، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]، أي يجلسون، وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، أي مجلسًا يَجلسن عليه، قال ابن الأثير: والعامّة لا تعرف الاتّكاء إلا الميل في القعود معتمدًا على أحد الشِّقّين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعًا، يقال: اتّكأ: إذا أسند ظهره، أو جنبه إلى شيء يَعتمد عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء، فقد اتّكأ عليه، وقال السَّرَقُسْطِيُّ أيضًا: اتّكاتُهُ: أعطيته ما يتّكئ عليه، أي ما يجلس عليه، والتاء مبدلة من واو، والاسمُ التُّكَأَةُ، مثالُ رُطَبَة. انتهى . وفي رواية البخاريّ في «التوحيد»: كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض«، فعلى هذا يكون المراد بالاتّكاء وضع رأسه في حجرها . (فِي حِجْرِي) قال القاضي عياض ﵀: كذا لعامّة شيوخنا، وكافّة الرواة، وكذا عند البخاريّ، ووقع للعذريّ:«في حُجْرتي»- أي بضمّ الجيم، وبالتاء المثنّاة من فوقُ - وهو وَهَمٌ، والمعروف الأول. انتهى . و«الْحِجْر»: بفتح الحاء المهملة، وقد تُكْسَر، وسكون الجيم: الْحِضْنُ، وهو ما بين الإبط إلى الْكَشْح، وفسّره في«النهاية»بأنه طرَفُ الثوب المقدّم، وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. (وَأَنَا حَائِضٌ) قال القاضي عياض ﵀: وقع في هذا الحديث عند بعض الرواة:«وأنا حائضة»، وكذا كان عند شيخنا الصدفيّ، والْخُشنيّ، والوجهان جائزان، قال الله تعال ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقال تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال الأعشى [من الطويل]: أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ … وَمَوْمُوقَةٌ مَا دُمْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ فأما إثبات الهاء فيها على إجرائها على فغل المؤنّث، حاضت فهي حائضة، وأما قولهم: حائضٌ، فللنحاة فيها وجهان: أحدهما: أن حائض، وطالق، ومُرضِع مما لا يشترك فيه المذكَّر، فاستُغني فيه عن علامة التأنيث. والثاني: - وهو الصحيح - أن ذلك على طريق النسب، أي ذات حيض، ورضاع، وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزّمل: ١٨]. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . [تنبيه]: جملة«وأنا حائض»في محلّ نصب حال، قال الكرمانيّ: إما من فاعل«يتّكئ»، وإما من المضاف إليه، وهي ياء المتكلّم في قوله:«في حجري». قال الجامع عفا الله عنه: تعقّبه العينيّ في قوله: من فاعل«يتكئ». وعندي أن ما قاله الكرمانيّ صحيح، كما لا يخفى، فهو كقولك: جاء زيد، وأنا جالسٌ، وجواز مثل هذا لا خفاء فيه. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه، أعني ياء المتكلّم في«حجري»؛ لكون المضاف جزءًا، أو كجزء من المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وإلى هذا أشار في«الخلاصة»حيث قال: وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ … إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفَا … أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحِيفَا قال في«العمدة»: وكلمة«في»في قولها:«في حجري»بمعنى«على»، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل، قال: وفائدة العدول عنه بيان التمكّن فيه، كتمكّن المظروف في الظرف. انتهى . (فَيَقْرَأُ) بالبناء للفاعل، أي يقرأ النبيّ - ﷺ - (الْقُرْآنَ) قيل: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: فيقرأ القرآن إنما يَحسُنُ التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت القراءة لها جائزةً لكان هذا التوهّم منتفيًا، كذا قال ابن دقيق العيد. وعكس القاضي عياض - ﵀ -، فقال: وقد استدلّ به بعض مشايخنا على قراءة الحائض القرآن، وإليه نحا البخاريّ في«كتابه»، وكذلك في حملها المصحف. انتهى . وقال ابن الملقّن - ﵀ -: وجه استدلاله أنها لو كانت ممتنعةً من القراءة لامتنع النبيّ - ﷺ - من قراءته في محلّ حامل للحيض؛ تشريفًا للقرآن؛ لأن قراءتها له في تلك الحالة حالة استقذار، وقراءته في حجرها قراءة في مكان حامل لمستقذر، ولا فرق بين حالة الاستقذار، ومكان الاستقذار في تنزيه القرآن، كما مُنِعت قراءته في الحمام والسوق، ونحوهما . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحرير الخلاف في هذه المسألة، وترجيح القول بجواز قراءة الحائض والجنب القرآن - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٣/ ٦٩٩] (٣٠١)، و(البخاريّ) في «الحيض» (٢٩٧)، و«التوحيد» (٧٥٤٩)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٦٠)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٤٧)، و«الحيض» (١/ ١٩١)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٣٤)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٢٥٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٦٨ و٦٩ و٧٢ و١١٧ و١٣٥ و١٤٨ و١٥٨ و١٩٠ و٢٠٤ و٢٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣١٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣١٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٠٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها، وثيابها على الطهارة ما لم يَلحَق شيئًا منها نجاسةُ الحيض. ٢ - (ومنها): جواز القراءة مضطجعًا، ومتّكئًا على الحائض، وبقرب محلّ النجاسة، قاله النوويّ - ﵀ - . ٣ - (ومنها): جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرةً، وهو أحد القولين عند المالكيّة، قاله القرطبيّ - ﵀ - . ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: هذه الأحاديث متّفقةٌ على الدلالة على أن الحائض لا يَنجُسُ منها شيء، ولا يُجتَنَب منها إلا موضع الأذى فحسبُ. انتهى . ٥ - (ومنها): استحباب تبليغ العلم للناس، والإخبارِ بأحواله - ﷺ - ليُتأسَّى به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قراءة القرآن للحائض، والجنب: قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: اختَلَف أهل العلم في قراءة الجنب والحائض القرآن، فكَرِهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئًا من القرآن، وممن رُوِيَ عنه أنه كره ذلك عمر، وعليّ، والحسن، وإبراهيم، والزهريّ، وقتادة. ورُوي عن جابر بن عبد الله بأنه سئل عن المرأة الحائض والنفساء: هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ قال: لا. وقال عَبِيدة: الجنب مثل الحائض، وقال عطاء: الحائض لا تقرأ شيئًا، والجنب الآية يُنفِذها، وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهريّ، وابن جبير: الحائض لا تقرأ من القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تُتِمّ الآية. واختُلِف في قراءة الحائض عن الشافعيّ، فحَكَى أبو ثور عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض، ولا يَحمِلان المصحف. وحَكَى إسحاق بن منصور عن أحمد أنه قال: يقرأ الجنب طرف الآية والشيءَ، وكذلك قال إسحاق. وحَكَى أبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا تقرأ الحائض، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن. ورَخَّصت طائفة للجنب في القرآن، رَوَينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ وِرْده، وهو جنب، فقيل له؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك، وعنه قال: لا بأس أن يقرأ الجنب الآية ونحوها، وعن أبي مِجْلَز قال: دخلت على ابن عباس، فقلت له: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: دخلتَ عليَّ، وقد قرأت سُبُع القرآن وأنا جنب. وكان عكرمة لا يرى بأسًا للجنب أن يقرأ القرآن، وقيل لسعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: نعم، أليس في جوفه؟. وقال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، وكذلك الحائض؟. وقال الأوزاعيّ: لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن إلا آية الركوب، إذا ركب قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، وآية النزول: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وفيه قول ثالثٌ، قاله محمد بن مسلمة، كَرِه للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، قال: وقد أُرخِص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما، وأما الحائض ومن سواها فلا يُكرَه لها أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها يطول، فلا تَدَع القرآن، والجنب ليس كحالها. قال ابن المنذر: احتج الذين كَرِهوا للجنب قراءة القرآن بحديث عبد الله بن سَلِمة، قال: دخلت على عليّ، فقال: كان النبيّ - ﷺ - يقضي الحاجة، ثم يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يَحْجُبُه عن القرآن شيء، ما خلا الجنابة . واحتَجَّ مَن سَهَّل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه . قال ابن المنذر: فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن وغيره، فكلُّ ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يُمْنَع منه أحدٌ، إذا كان النبيّ - ﷺ - لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث عليّ - ﵁ - لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سَلِمَة تفرد به، وقد تَكَلَّم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سَلِمة وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل بخبره، فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثَبَتَ خبر عليّ - ﵁ - لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم يَنْهَهُ عن القراءة، فيكونَ الجنب ممنوعًا منه. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن المنذر - ﵀ - هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه. والحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن القرآن شيء يُعتدّ به، كما أوضحه العلماء، ومنهم البيهقيّ، والنوويّ في «المجموع»، فإنه ضعّف الأحاديث التي احتجّ بها المانعون. وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب، وهو - كما قال في «الفتح» - مذهب البخاريّ، والطبريّ، وابن المنذر، واحتجّوا بحديث عائشة - ﵂ - المذكور. لكنه مع ذلك يُكره؛ لحديث: «إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر»، قاله في ردّ السلام، فالقرآن أولى من السلام، لكنه لا يُنافي الجواز، وقد أشبعت البحث في «شرح النسائيّ» ، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: «لا يقرأ الجنب، ولا الحائض شيئًا من القرآن»، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ضعيفٌ؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عيّاش، وروايته عن غير أهل بلده ضعيفة، وهذا رواه عن موسى بن عقبة، وهو حجازيّ. وكذا حديث جابر - ﵁ -، مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض، ولا النفساء من القرآن شيئًا»، رواه الدارقطنيّ، ففيه محمد بن الفضل، وهو متروك، أو منسوب إلى الوضع، وقد رُوي موقوفًا، وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، كذّاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسّ الجنب والحائض المصحف: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختَلَف أهل العلم في مَسّ الحائض والجنب المصحف، فكَرِه كثير منهم ذلك، منهم ابن عمر، قال: لا يمس المصحف إلا متوضئ، وكره الحسن للجنب مس المصحف، إلا أن يكون له عِلاقة، ورُوِي ذلك عن الشعبيّ، وطاوس، والقاسم، وعطاء، وقال الحكم، وحماد في الرجل يَمَسّ المصحف، وليس بطاهر قالا: إذا كان في عِلاقة فلا بأس، وكره عطاء، والزهريّ، والقاسم، والنخعيّ، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير وضوء. وكره مالك أن يَحْمِل المصحف بعِلاقته، أو على وسادة أحد إلا وهو طاهر، قال: ولا بأس أن يَحمله في الْخُرْج، والتابوت، والغِرَارة، ونحو ذلك مَن على غير وضوء، ويَحْمِل النصرانيّ، واليهوديّ المصحف في الغِرَارة والتابوت، في مذهبه. وقال الأوزاعيّ، والشافعيّ: لا يَحمل المصحف الجنب والحائض، وقال أحمد، وإسحاق: لا يقرأ في المصحف إلا متوضئٌ، قال إسحاق: لِمَا صَحّ قول النبيّ - ﷺ -: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، وكذلك كان فعل أصحاب النبيّ - ﷺ -، وكره أحمد أن يمس المصحف أحد على غير طهارة، إلا أن يتصفحه بعُود أو بشيء. وقال أبو ثور: لا يمس المصحفَ جنبٌ، ولا حائض، ولا غير متوضئ، قال: وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله. وحَكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب: يأخذ الصُّرّة فيها دراهم، فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعِلاقته قال: لا بأس، وقال: لا يأخذ الدراهم إذا كان جنبًا، وفيها السورة من القرآن في غير صُرّة، وكذلك المصحف في غير عِلاقته. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يأخذ ذلك، وهو على غير وضوء إلا في صُرّة، أو في عِلاقة. قال ابن المنذر: أعلى ما احتَجّ به مَن كَرِه أن يمس المصحف غير طاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن حزم، قال: في كتاب النبيّ - ﷺ - لعمرو: «لا تَمَسّ القرآن إلا على طُهُور». ورَخَّص بعض مَن كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف، ولبس التعويذ، وممس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة، وقال: معنى قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وقال: وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خبر بضم السين، ولو كان نهيًا لقال: لا يَمَسَّنّه. واحتَجّ بحديث أبي هريرة، وحذيفة - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «المؤمن لا يَنْجُس»، متّفقٌ عليه. والأكثر من أهل العلم على القول الأول. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز للمحدث أن يمسّ القرآن؛ لصحّة حديث عمرو بن حزم المذكور: «لا يمسّ القرآن إلا طاهر»، وقد أشبعت الكلام في صحته، وفي بيان أدلّة المانعين، والمجوّزين في «شرح النسائيّ»، فارجع إليه تجد ما يشفيك - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في المرأة تُجنب، ثم تحيض قبل الاغتسال: قال ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في المرأة تُجنب، فلا تغتسل حتى تَحيض، فقالت طائفة: تغتسل، فإن لم تفعل فغسلان عند طهرها، هذا قول الحسن، والنخعيّ، وعطاء، وجابر بن زيد. وقال أبو ثور في الجنب: عليه أن ينوي بغسله الطهارة والجنابة، فإن اغتسل للجنابة ولم يتوضأ، ولم ينو به الوضوء أجزأه للجنابة، وتوضأ وضوءه للصلاة، وليس له أن يصلي إلا بوضوء. وقالت طائفة: يجزيها غسل واحد إذا طهرت من الحيض، وروي هذا القول عن عطاء، وبه قال ربيعة، وأبو الزناد، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقد اختلف فيه عن الأوزاعي: فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه قال: تغتسل من الجنابة وتقيم على الحيضة، وحكى الوليد بن يزيد عنه أنه قال: إن تركت الغسل فلا حرج، وإن اغتسلت فحسن وأستحب الاغتسال. وقد احتجّ بعض من أوجب عليها للجنابة غسلًا، وللحيض غسلًا بأن الله تعالى أوجب الاغتسال من الجنابة، وأوجب الاغتسال من الحيض، وكل واحد منهما غير الآخر، فلا يجوز إسقاط أحد الغسلين عنها إلا بحجة من كتاب، أو سنة، أو اتفاق، ومعنى كل واحد منهما غير الآخر.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «تحفة الأشراف» ١١/ ٣٤٣.

٢. «الإصابة» ٨/ ٢١٣.

٣. «المصباح المنير»١/ ٧٦ و٢/ ٦٧١.

٤. راجع:«عمدة القاري»٣/ ٣٨٩.

٥. «إكمال المعلم»٢/ ١٣٢.

٦. «إكمال المعلم»٢/ ١٣٤ - ١٣٥، بزيادة من«المفهم»١/ ٥٦٠.

٧. أي: على اختلاف معنى الحجر، هل هو الحِضن، أو الثوب المقدّم أمامه؟ كما سبق.

٨. «عمدة القاري»٣/ ٣٨٩.

٩. «إكمال المعلم» ٢/ ١٣٢.

١٠. القول بكراهة قراءة القرآن في السوق ونحوه فيه نظرٌ لا يخفى، فتنبّه.

١١. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.

١٢. «شرح النوويّ» ٣/ ٢١١.

١٣. «المفهم» ١/ ٥٦٠.

١٤. «المفهم» ١/ ٥٥٩.

١٥. حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود في: «سننه» ١/ ٥٩.

١٦. سيأتي للمصنف برقم (٣٧٣).

١٧. «الأوسط» ٢/ ٩٦ - ١٠٠.

١٨. راجع: «ذخيرة العقبى» ٤/ ٣٩١ - ٣٩٣.

١٩. راجع: «الأوسط» ٢/ ١٠١ - ١٠٤.

٢٠. راجع: «ذخيرة العقبى» ٤/ ٣٩٣ - ٣٩٩.