(ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثُمَّ نَامَ») فيه أن النوم بعد الاستيقاظ في الليل ليس بمكروه، وقد جاء عن بعض زهاد السلف كراهة ذلك، ولعلهم أرادوا مَن لم يَأْمَن استغراق النوم بحيث يفوته وظيفته، ولا يكون مخالفًا لما فعله النبيّ - ﷺ -، فإنه - ﷺ - كان يأمن من فوات أوراده ووظيفته، قاله النووي - ﵀ - .
[تنبيه]: هذا الحديث هنا مختصر، وسيأتي مطولًا في«الصلاة»برقم (٧٦٣) ، ويأتي شرحه مستوفًى هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في«الحيض»[٥/ ٧٠٤] (٣٠٤)، وفي«الصلاة»(٧٦٣)، و(البخاريّ) في (٦٣١٦)، و(أبو داود) في (٥٠٤٣)، و(الترمذيّ) في«الشمائل»(٢٥٥)، و(ابن ماجه) في«الطهارة»(٥٠٨)، و(أبو عوانة) (٧٩٢ و٧٩٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٦٩٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه» (١٤٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ جَوَازِ نَوْمِ الْجُنُبِ، وَاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لَهُ، وَغَسْلِ الْفَرْجِ إَذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ، أَو يَنَامَ، أَوْ يُجَامِعَ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أول الكتاب قال:
[٧٠٥] (٣٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ ينام»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه مكثٌ [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين - ﵄ - ماتت سنة (٥٧) عدى الصحيح (ع)، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهم، وذلك لاختلافهم في كيفيّة التحمل، فإن يحيى، وابن رمح أخذا من الليث بقراء غيرهما عليه، ولهذا قالا: أخبرنا، وقتيبة سمعه من لفظه، ولهذا قال: حدّثنا، وأيضًا «الليث» فيه «أل» للّمح عندهما، بخلافه.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير يحيى، وابن رُمح، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريون، غير يحيى، فنيسابوريّ، ودخل مصر، وقتيبة بغلانيّ، ودخل مصر أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتهر بالكنية، واختُلف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: اسماعيل، والصحيح أن اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - («أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (تَوَضَّأَ) جواب»إذا«(وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ ينام»)، أي توضّأ وضوءًا مثل وضوئه لا صلاة، قيّدته به لئلا يُظنّ أن المراد الوضوء اللغويّ، كأن يغسل يديه، وفرجه، وما أصابه من الأذى.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على بطلان قول من قال: إنه الوضوء اللغويّ. انتهى .
وقال النوويّ - ﵀ -: حاصل هذه الأحاديث كلِّها أنه يجوز للجنب أن ينام، ويأكل، ويشرب، ويجامع، قبل الاغتسال، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وأجمعوا على أن بَدَن الجنب، وعَرَقه طاهران، وفيها أنه يُسْتَحَبّ أن يَتوضأ، ويغسل فرجه لهذه الأمور كلِّها، ولا سيما إذا أراد جماع مَن لم يجامعها، فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره.
قال الجامع عفا الله عنه: الفرق بين التي جامعها والتي لم يُجامعها فيه
نظر، فقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه طاف على نسائه، وهنّ تسع بغسل واحد، ولم يُنقَل أنه توضّأ لكلّ أيضًا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وقد نَصّ أصحابنا أنه يُكره النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء، وهذه الأحاديث تدل عليه، ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب، وبهذا قال مالك، والجمهور.
وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه، وهو مذهب داود الظاهريّ، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل.
وأما حديث ابن عباس المتقدم في الباب قبله في الاقتصار على الوجه واليدين، فقد قدّمنا أن ذلك لم يكن في الجنابة، بل في الحدث الأصغر.
وأما حديث أبي إسحاق السبيعيّ عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان ينام، وهو جنب، ولا يمس ماءً»، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم، فقال أبو داود، عن يزيد بن هارون: وَهِمَ أبو إسحاق في هذا - يعني في قوله: «لا يمس ماءً» -، وقال الترمذيّ: يَرَون أن هذا غلطٌ من أبي إسحاق، وقال البيهقيّ: طَعَن الحفاظ في هذه اللفظة، فبان بما ذكرناه ضعف الحديث.
وإذا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يُعْتَرَض به على ما قدمناه، ولو صحّ لم يكن أيضًا مخالفًا، بل كان له جوابان:
[أحدهما]: جواب الإمامين الجليلين، أبي العباس بن سُرَيج، وأبي بكر البيهقيّ أن المراد لا يَمَسّ ماءً للغسل.
[والثاني]: وهو عندي حسنٌ أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يَمَسّ ماءً أصلًا؛ لبيان الجواز؛ إذ لو واظب عليه لتُوُهِّم وجوبه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٦/ ٧٠٥ و٧٠٦ و٧٠٧] (٣٠٥)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٨٦ و٢٨٨)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٢٢)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٣٩)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٨٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنفه» (١٠٧٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٦١ و٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٦٠ و٦١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢١٣ و٢١٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٢١٧ و١٢١٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٢٥)، و(البيهقي) في «الكبرى» (١/ ٢٠٢ و٢٠٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٨٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الوضوء للجنب عند إرادة النوم والأكل تخفيفًا.
٢ - (ومنها): بيان أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يُضيّق عند القيام إلى الصلاة، وهذا أمر مُجمع عليه، قال النوويّ - ﵀ -: وقد اختلف أصحابنا في الموجب لغسل الجنابة، هل هو حصول الجنابة بالتقاء الختانين، أو إنزال المنيّ، أم هو القيام إلى الصلاة، أم هو حصول الجنابة مع القيام إلى الصلاة؟ فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا، ومن قال: يجب بالجنابة، قال: هو وجوب مُوسَّع، وكذا اختلفوا في موجب الوضوء، هل هو الحدث، أم القيام إلى الصلاة، أم المجموع؟ وكذا اختلفوا في الموجب لغسل الحيض، هل هو خروج الدم، أم انقطاعه؟، والله تعالى أعلم. انتهى .
٣ - (ومنها): استحباب التنظّف عند النوم، قال ابن الجوزيّ - ﵀ -: والحكمة فيه أن الملائكة تبعُد عن الوسخ، والريح الكريهة بخلاف الشياطين، فإنها تقرُب من ذلك، أفاده في «الفتح».
٤ - (ومنها): أن في قولها: «وضوءه للصلاة» دلالةً على أن المراد بالوضوء هنا هو الوضوء الشرعيّ، لا اللغويّ، وبه قال جمهور العلماء، فيُردّ
به على الطحاويّ حيث جنح إلى أن المراد به التنظيف، واحتجّ بأن ابن عمر - ﵄ - روى هذا الحديث، وكان يتوضّأ، وهو جنبٌ، ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في «الموطّأ» عن نافع، عنه، ويردّ أيضًا بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في مرويّه، ولا تصلح لمعارضته، وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): ما قيل: إن الحكمة في هذا الوضوء تخفيف الحدث، ولا سيّما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات، عن شدّاد بن أوس الصحابيّ - ﵁ -، قال: «إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فليتوضّأ، فإنه نصف غسل الجنابة» .
وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد رَوَى البيهقيّ بإسناد حسن، عن عائشة - ﵂ - أنه - ﷺ - كان إذا أجنب، فأراد أن ينام توضأ، أو تيمم، وَيحْتَمِل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، ذكره في «الفتح» .
وقال النوويّ - ﵀ -: واختَلَفَ العلماءُ في حكمة هذا الوضوء، فقال أصحابنا: لأنه يُخَفِّف الحدث، فإنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء، وقال أبو عبد الله المازريّ - ﵀ -: اختُلِف في تعليله، فقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين؛ خشيةَ أن يموت في منامه، وقيل: بل لعله أن يَنشَط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه، قال المازريّ: ويجري هذا الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام، فمن عَلَّل بالمبيت على طهارة استحبّه لها. انتهى.
قال النوويّ: وأما أصحابنا فإنهم متفقون على أنه لا يستحب الوضوء للحائض والنفساء؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما، فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعيّة من عدم استحباب الوضوء
للحائض هو الحقّ؛ لأنه لا دليل عليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجنب إذا أراد النوم:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: اختلفوا فيما يفعله الذي يريد النوم، وهو جنب، فقالت طائفة بظاهر هذه الأخبار التي رُويت في هذا الباب، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك: عليّ، وشداد بن أوس، وأبو سعيد، وابن عباس، وعائشة، والنخعيّ، والحسن، وعطاء، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقد رَوَينا عن ابن عمر أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا غسل قدميه، وذلك إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام.
وفيه قول ثالث، قاله ابن المسيِّب، قال: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ.
وقال أصحاب الرأي في الجنب إذا أراد أن ينام، أو يعاود أهله قبل أن يتوضأ، فلا بأس بذلك، إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، فإذا أراد أن يأكل غسل يديه، وتمضمض، ثم يأكل.
قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، وذلك للأخبار الثابتة عنه - ﷺ - الدالة على ذلك، قال: وفي قوله: «يتوضأ وضوءه للصلاة»، دليل على أن الوضوء الذي يتوضأه من أراد النوم، وهو جنب وضوءٌ كاملٌ تامّ، لو لم يكن جنبًا كان له أن يصلي به. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر: من أن من أراد أن ينام يتوضّأ وضوء الصلاة هو الذي أختاره؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، وقد ذُكر بعضها في الباب، وسيأتي بيان الخلاف هل هذا الوضوء واجب أم مستحبّ؛ في هذا الباب عند شرح حديث عمر - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الجنب إذا أراد الأكل والشرب:
(اعلم): أنهم اختَلَفوا في هذه المسألة على أقوال:
[الأول]: القول بظاهر أحاديث الباب، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك عليّ، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو.
[والثاني]: أنه ذهب بعضهم إلى أنه يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا غسل القدمين، هذا قول ابن عمر - ﵄ -.
[والثالث]: أنه لا يزيد على غسل كفيه، وروي هذا القول عن عبد الله بن عمرو، ومجاهد، والزهري.
[والرابع]: قال ابن المسيِّب: يَغسل كفيه، ويمضمض، ثم يأكل، وقال النخعيّ: لا بأس أن يشرب الجنب قبل أن يتوضأ، وقال مالك: يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما، وقال أحمد، وإسحاق: يغسل يده وفاه، وقال أصحاب الرأي: إذا أراد أن يأكل يغسل يده، ويمضمض، ثم يأكل، ولا يضرّه إن كانت يداه نظيفتين أن يأكل، ولم يغسلهما.
قال ابن المنذر - ﵀ - بعد ذكر هذه الأقوال: أُحِبّ إذا أراد أن يطعم أن يتوضأ، فإن اقتصر على غسل فرجه، وتمضمض طَعِمَ، وأحبّ إليّ أن يغسل كفيه إن كان بهما أذى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر - ﵀ - هو الذي أختاره؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٠٦] (…) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ووَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَآةَ، عَنِ الحَكَم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣.
٢ - (غُنْدَر) هو: محمد بن جعفر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع)، تقدّم في «المقدّمة» ١/ ١.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أول الكتاب قال:
[٧٠٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.