HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣١٥

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ (وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ) عَنْ زَيْدٍ (يَعْنِي أَخَاهُ)؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ! فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا. فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ. فَقَالَ «سَلْ» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ» قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ» قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ «زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ» قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا» قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ «مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» قَالَ: صَدَقْتَ. قَال: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَالَ «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَالَ «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ. فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ، أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ، آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ» قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ. وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ. وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ منه. حتى أتاني الله به».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص173
ج ١ ص ٢٥٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٥٢٣
هو صحيح المعنى، ملائم للفظ الحديث، كما سبق بيانه في كلام النوويّ - ﵀ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (دَعِيهَا)، أي اتركيها تسأل عما أشكل عليها من حكم الاحتلام، لأنه مهمّ دينيّ، لا بد للمكلّف أن يعلمه. وقوله: (وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ) بفتحتين، أو بفتح، فسكون: أي المشابهة، وتمام شرح الحديث، وكذا مسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٢] (٣١٥) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّام، عَنْ زيدٍ، يَعْنِي أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ، أَنَّ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَدَّثَهُ، قَالَ: كنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُود، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً، كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي»، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَشْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟»، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِعُودٍ مَعِهُ، فَقَالَ: «سَلْ»، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هُمْ فِي الظُّلْمَة، دُونَ الْجِسْرِ»، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ»، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «زِيادَةُ كَبِدِ النُّونِ»، قَالَ: فَمَا غَدَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّة، الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا»، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، إِلَّا نَبِيُّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَان، قَالَ: «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟»، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟، قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِي الْمَرْأَة، أَذْكَرَا بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُل، آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ»، قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافط، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الْحَلَبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠]. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وأبي المليح الحسن بن عُمر الرقيّ، ومعاوية بن سلام، والهيثم بن حميد، ويزيد بن المقدام بن شُريح بن هاني، وعبيد الله بن عَمْرو الرقيّ، وسعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود فأكثر، وروى له البخاري بواسطة الحسن بن الصباح البزار، وروى له أبو داود في «المراسيل» بواسطة إسماعيل بن مسعدة، ومسلم بواسطة الحسن بن علي الحلوانيّ، والنسائي بواسطة إبراهيم بن يعقوب، ومحمد بن يحيى بن كثير الحرانيّ، وأبو حاتم، وابن ماجه بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأبو الأحوص العكبريّ، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الأثرم، وعبد الله الدارميّ، ويعقوب بن سفيان، وموسى بن سعيد الدندانيّ، وعبد الكريم بن الهيثم الدير عاقوليّ، وغيرهم. قال النسائيّ: أخبرنا سليمان بن الأشعث، سمعت أحمد يقول: أبو توبة لم يكن به بأس، كان يجيئني، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، وذكر أبا توبة، فأثنى عليه، وقال: لا أعلم إلا خيرًا، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، حجةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: أبو توبة، كان يحفظ الطِّوَال، يجيء بها، ورأيته يمشي حافيًا، وعلى رأسه طويلةٌ، وكان يقال: إنه من الأبدال، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكر أبو الوليد الباجيّ في «رجال البخاري» أنه ليس له عند البخاري سوى حديث واحد موقوف، وغَفَل عن حديثٍ أخرجه له في «المزارعة» مرفوعًا، لكن قال فيه: قال الربيع بن نافع، فذكره. مات سنة (٢٤١). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٣١٥) و(٨٠٤) و(٨٦٥) و(١٠٠٧) و(١٥٤٤) و(١٥٣٦) و(١٨٧٩). ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنَ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] (ت في حدود ١٧٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ - بالمهملة، ثم الموحّدة، ثم المعجمة - الدمشقيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ، ثقةٌ يُرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ) عمرو بن مَرْثَد الدمشقيّ، ويقال: ابنُ سميع: اسم أبيه أسماء، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ثوبان، وأبي ذر، وشداد بن أوس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني. ورَوَى عنه أبو الأشعث الصنعاني، وأبو قلابة الجرمي، وشداد أبو عَمّار، ومكحول الشامي، وراشد بن داود الصنعانى، ويحيى بن الحارث الذماري، وربيعة بن يزيد القصير، والصالح بن جبير. قال العجلي: شامي تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن زبر: «الرَّحَبيّ»: نسبة إلى رَحَبة دمشق، قرية من قُراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة«. وذكر أبو سعد ابن السمعاني أنه من رَحَبَة حِمْيَر، وقال: مات في خلافة عبد الملك بن مروان. ويُروَى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرَّحَبيّ عبدُ الله. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٧ - (ثوبان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الهاشمي، مولى النبيّ - ﷺ -، قيل: أصله من اليمن، أصابه سِبَاء، فاشتراه النبيّ - ﷺ -، فأعتقه، وقال:«إن شئت أن تَلْحَق بمن أنت منهم فعلتَ، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهلَ البيت»، فثبت، ولم يزل معه في سفره وحضره، ثم خرج إلى الشام، فنزل الرَّمْلة، ثم حِمْص، وابتنى بها دارًا، ومات بها في إمارة عبد الله بن قُرْط، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أبو أسماء الرَّحَبيّ، ومعدان بن أبي طلحة اليعمريّ، وأبو حيّ المؤذن، وراشد بن سعد، وجُبير بن نُفير، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخولاني، وجماعة. قال صاحب«تاريخ حِمْص»: بلغنا أن وفاته كانت سنة (٥٤)، وكذا قال ابن سعد، وغير واحد. أخرج له البخاريّ في«الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فحُلْوانيّ، ثم مكيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو سلّام، عن أبي أسماء، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلًّا من أبي سلّام وأبي أسماء من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن ثوبان صحابي مشهور، اشتهر بخدمة رسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْد) بن سلّام (أَنَّهُ سَمِعَ) جدّه (أَبَا سَلَّامٍ) ممطورًا الحبشيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَني أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد (الرَّحَبِيُّ) بفتحتين، تقدّم بيان نسبته في ترجمته آنفًا (أَنَّ ثَوْبَانَ) - ﵁ - (مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَدَّثَهُ)، أي حدّث أبا أسماء، وقوله: (قَالَ) بيان وتوضيح و«حدّث» (كُنْتُ قَائِمًا) ولفظ أبي عوانة، وأبي نُعيم في «مستخرجيهما» من طريق الربيع بن نافع، عن معاوية: «كنت قاعدًا» (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ) «الْحِبْر» بفتح الحاء، وكسرها لغتان مشهورتان: هو العالم، قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «الْحِبْرُ» بالكسر: المِداد الذي يُكتب به، وإليه نُسِب كعبٌ، فقيل: كعبُ الْحِبْر؛ لكثرة كتابته بالحِبر، حكاه الأزهريّ عن الفرّاء، والْحِبْرُ: العالم، والجمع أحبار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، والْحَبْرُ بالفتح لغةٌ فيه، وجمعه حُبُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، واقتَصَرَ ثَعْلبٌ على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الْحِبْرُ: العالم، يقال: بفتح الحاء وكسرها، وأما الْحِبْر: المداد فبالكسر لا غير. انتهى . [تنبيه]: هذا الحبر قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف اسمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي لا يبعد أن يكون عبد الله بن سلام - ﵀ -؛ لأن قصّته مشابهة لهذه القصّة، ويحتمل أن يكون غيره. وقصّة عبد الله بن سلام - ﵁ - أخرجها الإمام البخاريّ - ﵀ -: في «صحيحه» من طريق حميد الطويل، عن أنس بن مالك - ﵁ -، أن عبد الله بن سلام بَلَغَه مَقْدَم النبيّ - ﷺ - المدينةَ، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: «أخبرني به جبريل آنفًا»، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: «أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماءَ المرأة نَزَع الولدَ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل، نَزَعَت الولد»، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، فاسألهم عني قبل أن يَعْلَموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبيّ - ﷺ -: «أَيُّ رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وأفضلنا، وابن أفضلنا، فقال النبيّ - ﷺ -: «أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟»، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قالوا: شرُّنا، وابن شرنا، وتنقّصوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله. انتهى . (فَقَالَ) ذلك الحبر (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ) قال ثوبان - ﵁ - (فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً)، أي نحّيته تَنْحيةً، وأبعدته إبعادًا (كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا) بالبناء للمفعول: أي يُطرح على الأرض، قال المجد - ﵀ -: الصَّرْعُ - أي بالفتح - ويُكسَر: الطرحُ على الأرض، كالمَصْرَع، كمَقْعَد، وهو موضعه أيضًا، وقد صَرَعه، كمَنَعَهُ. انتهى . وفي رواية النسائيّ الآتية من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن سلّام: «فدفعته، حتى صرعته». (فَقَالَ) ذلك الحبر (لِمَ تَدْفَعُنِي؟)، أي لأيّ سبب دفعتني؟، (فَقُلْتُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، وفي نسخة: بتشديدها، وهي أداة تحضيض مختصّةٌ بالجملة الفعليّة الخبريّة (تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؟)، أي ألا تناديه بما فيه تعظيمه، واحترامه، وهو الوصف بالرسالة؟، (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ) أي نناديه (بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ)، أي وهو محمد - ﷺ -، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِن اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي»)، وفي رواية النسائيّ المذكورة: فقال رسول الله - ﷺ -: «أَجَلْ، أهلي سَمَّوني محمدًا». والمراد بأهله هنا جدّه عبد المطّلب؛ لأنه الذي سمّاه به بإلهام من الله تعالى، وهو اسم مفعول من حُمّد مضعّفًا، منقول من صفة الحمد، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، وقد أخرج البخاريّ في «التاريخ الصغير» من طريق عليّ بن زيد قال: كان أبو طالب يقول [من الطويل]: وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ والمحمَّد هو الذي حُمِد مرةً بعد مرة، كالممَدَّح، قال الأعشى [من الطويل]: إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ وَجِيفُهَا … إِلَى الْمَاِجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ أي الذي حُمِد مرة بعد مرة، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. قال القاضي عياض - ﵀ -: كان رسول الله - ﷺ - أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود؛ لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حَمِدَ ربه قبل أن يَحمَده الناس، وكذلك في الآخرة يَحمد ربه، فيُشَفِّعه، فيحمده الناس، وقد خُصّ بسورة الحمد، وبلواء الحمد، وبالمقام المحمود، وشُرع له الحمد بعد الأكل، وبعد الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسُمِّيت أمته الحمادين، فجُمعت له - ﷺ - معاني الحمد، وأنواعه. وقال عياضٌ أيضًا: حَمَى الله هذا الاسم أن يُسَمَّى به أحد قبله، وإنما تَسَمَّى بعض العرب محمدًا قرب ميلاده لَمّا سَمِعوا من الكهان والأحبار أن نبيًّا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمدًا، فرَجَوْا أن يكونوا هم، فسَمَّوا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، وتعقّبه الحافظ بما يأتي. وقال السهيليُّ في «الرَّوْض الأُنُف»: لا يُعْرَف في العرب مَن تسمى محمدًا قبل النبيّ - ﷺ - إلا ثلاثة: محمد بن سفيان بن مُجاشع، ومحمد بن أُحيحة بن الْجُلاح، ومحمد بن حُمران بن ربيعة، وسَبَقَ السهيليّ إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في «كتاب ليس». وتعقَّب كلّ هذا الحافظ - ﵀ -، فقال: هو حصرٌ مردودٌ، وقد جمعتُ أسماء من تَسَمَّى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين، لكن مع تكرر في بعضهم، ووَهَمٍ في بعض، فيتلخّص منهم خمسة عشر نفسًا، ثم ذكرهم ، وسنذكرهم في «كتاب الفضائل» حيث يذكر المصنّف - ﵀ - حديث: «لي خمسة أسماء …» الحديث، - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ) بالياء، وهي الياء الفارقة بين اسم الجنس وواحده، كروم وروميّ، ومجوس ومجوسيّ، وقد تقدّم أن اليهود اسم للقبيلة المنسوبة إلى يهودا بن يعقوب - ﵇ -، وهو غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل (جِئْتُ أَسْأَلُكَ)، أي عن شيء مما يتبيّن به صدق نبوّتك، وجملة «أسألك» في محلّ نصب على الحال المقدّرة، أي حال كوني مقدّرًا وقاصدًا سؤالك، وهو كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟»)، أي هل أنت قاصد بسؤالك الانتفاع بما أحدّثك به، وليس قصدك التحدّي والمعاكسة. (قَالَ) اليهوديّ: (أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ) بصيغة التثنية، ووقع في نسخة بالإفراد، والمراد به المثنّى؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، وليس المراد أنه يسمع بأذنيه، ولا يعقل، ويتأثّر، بل مراده أنه يسمع، ثم ينظر فيما سمعه، هل هو محلّ للاتّباع أم لا؟ يدلّ على ذلك قوله في الأخير: «صدقت، وإنك لنبيّ» (فَنَكَتَ) بفتح النون والكاف، وبالمثنّاة من فوقُ، من باب نصر، ومعناه يضرب بالعود في الأرض، ويؤثّر به، وهذا يفعله من يُفكّر في أمر ما . وقال القرطبيّ - ﵇ -: ونَكْتُ النبيّ - ﷺ - الأرض بعود معه: هو ضربُهُ فيها، وهذا العُود هو المسمّى بالمِخْصرة، وهو الذي جرت عوائد رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها، بحيث تَصِلُ إلى خَصْره، ويَشْغَل بها يديه من العبث، وإنما يَفعَل ذلك النَّكْتَ المتفكّر. انتهى . (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِعُودٍ) متعلّق بـ «نكت»، والْعُود بالضمّ: أي الخشب، جمعه عِيدان بالكسر، وأعواد بالفتح، وقوله: (مَعَهُ) متعلّق بصفة لـ «عُود»، (فَقَالَ) - ﷺ -: («سَلْ») بفتح السين، أمر من سال يسأل، من باب خاف يخاف، ويقال في المثنى سَلا، وفي الجمع: سلوا، على غير قياس؛ إذ القياس أن يقال: سالا، كخافا، وسالوا، كخافوا، وَيَحْتَمل أن يكون سَلْ مخفّفَ اسأل بهمزة الوصل، أمرًا من سأل يسأل، كقرأ يقرأ، (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؟)، وفي رواية النسائيّ: «أرأيت إذا بُدِّلت السماوات غير السماوات، والأرض غير الأرض؟». قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن معنى هذا التبديل إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثير من الناس: إنها تُبدَّل صفاتها، فتُسَوَّى آكامها، وتغيّر صفاتها، وتُمَدّ مَدَّ الأديم، ولو كان هذا لَمَا أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولَمَا جُمِعوا على الصراط، وقد دلّ على صحّة الظاهر المتقدّم حديث عائشة - ﵂ - إذ سألت عن هذا رسول الله - ﷺ -، فقال مجيبًا لها: «على الصراط»، رواه مسلم . والأرض المبدّلة هي الأرض التي ذُكرت في حديث سهل بن سعد الساعديّ - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُحْشَر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عَفْراء، كقُرْصة النَّقِيّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحد»، متّفقٌ عليه . انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: ما نفاه القرطبي من تبدّل صفات الأرض قد دلّ عليه بعض النصوص، فلا ينبغي نفيه، بل يُطْلَب الجمع فيه، ولا يستغرب أن يُحمل على اختلاف الأوقات، ففي بعضها تُبدّل صفاتها، وفي بعضها، وهو الموقف تُبدّل ذاتها، والعلم عند الله تعالى، وسيأتي تحقيق البحث فيه في «كتاب صفة القيامة، والجنة والنار» حيث يسوق المصنّف الأحاديث المتعلّقة بهذا - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هُمْ فِي الظُّلْمَة، دُونَ الْجِسْرِ») بفتح الجيم وكسرها: ما يُعْبَر عليه، والمراد به هنا الصراط، و«دون» بمعنى فوق، كما بيّنه حديث عائشة - ﵂ - المتقدّم: «على الصراط» . [فائدة]: «دُونَ» بالضمّ: تأتي لمعانٍ، تكون نقيض «فوقَ»، ويكون ظرفًا، وبمعنى «أَمَامَ»، و«وراءَ»، و«فوقَ»، فهو ضدّ، وبمعنى «غَيْرِ»، قيل: ومنه «ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ»، أي من غير خمس أواق، قيل: ومنه الحديث: «أجاز الْخُلْعَ دون عِقَاص رأسها»، أي بما سوى عِقَاص رأسها، أو معناه: بكلّ شيء حتى بعِقاص رأسها، وتأتي بمعنى الشريف، والخسيس، ضدٌّ، وبمعنى الأمر، والوعيد، قاله المجد في «القاموس» . وقد نظمت هذه المعاني بقولي: لِـ«دُونَ»تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي … قَبْلُ وَفَوْقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي أَمَامُ وَالسَّاقِطُ وَالإِغْرَاءُ … وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ وَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ … فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ السَّعْدُ (قَالَ) اليهوديّ: (فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟) بكسر الهمزة، وبالزاي، ومعناه جوازًا ومرورًا على الصراط، وفي رواية النسائيّ: «فمن أول الناس أجازه الله؟». (قَالَ) - ﷺ - («فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ») الإضافة بمعنى «من»، أو هو من إضافة الصفة للموصوف، يعني الصحابة الذين هاجروا من مكة فرارًا بدينهم، ونصرةً لرسول الله - ﷺ -، وتركوا أهلهم، وأموالهم؛ طلبًا لرضا الله تعالى، كما قال - ﷿ -: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. (قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ)، وفي رواية النسائيّ: «فأَيْشٍ يُتْحَفُ أهل الجنّة؟». و«التُّحْفَةُ» - بضمّ التاء الفوقيّة، وفتح الحاء المهملة، وتُسَكَّن -: ما يُهدى إلى الشخص، ويُخصّ، ويُلاطَف به، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «التُّحَفَةُ» وزانُ رُطَبة: ما أتحفت به غيرك، وحَكَى الصغانيّ، سكون الحاء أيضًا، قال الأزهريّ: والتاء أصلها واوٌ. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: «التُّحفة»: طُرْفة الفاكهة، وقد تُفْتَح الحاء ، والجمع التُّحَف، ثم تُستَعمَل في غير الفاكهة من الألطاف والنَّعَص، قال الأزهريّ: أصل تُحفة وُحفة، فأُبدلت الواو تاءً، فيكون على هذا من حرف الواو. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: التُّحفة: ما يُتحف به الإنسان من الفواكه، والطُّرَف؛ محاسنةً، ومُلاطفَةً. انتهى . (حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟) ظرف و«تُحْفَتهم». (قَالَ) - ﷺ - («زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ») بنونين الأولى مضمومة، وهو الحوت، وجمعه نِينَان، أي قطعة من كبد الحوت، قال القاضي عياض - ﵀ -: زيادة الكبد، وزائدتها هي القطعة المنفردة المتعلّقة بها، وهي أطيبه، وقال أيضًا: وجاء في بعض روايات مسلم: «كبد الثور»، وهو تصحيف. انتهى. وقال بعضهم: تعريف النون يُشعر بأنه حوتٌ مخصوص، وهذا من الأمور السمعيّة التي ينبغي الإيمان بها تعبّدًا. انتهى . وقد جاء نحو هذا في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال النبيّ - ﷺ -: «تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدةً، يتكَفّؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السَّفَر ؛ نزلًا لأهل الجنة»، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: «بلى»، قال: تكون الأرض خُبزة واحدةً، كما قال النبيّ - ﷺ -، فنظر النبيّ - ﷺ - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا. متفقٌ عليه . فقال في «الفتح»: قوله: «يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا»، قال عياض: زيادة الكبد وزائدتها: هي القطعة المنفردة المتعلقة بها، وهي أطيبه، ولهذا خُصّ بأكلها السبعون ألفًا، ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فُضِّلوا بأطيب النزل، ويحتمل أن يكون عَبّر بالسبعين عن العدد الكثير، ولم يُرِد الحصر فيها، قال: وفي مسائل عبد الله بن سلام: «أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت»، وأن عند مسلم في حديث ثوبان: «تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون»، وفيه: «غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها»، وفيه: «وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا»، وأخرج ابن المبارك في الزهد بسند حسن، عن كعب الأحبار: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جَزُورًا، وإني أَجْزُركم اليوم حوتًا وثورًا، فيُجْزَر لأهل الجنة». انتهى . (قَالَ) اليهوديّ: (فَمَا غَدَاؤُهُمْ) روي بالوجهين: أحدهما بكسر الغين، وبالذال المعجمتين، من الغذاء، وهو الطعام الذي يغذّى به الجسم في أيّ وقت من الأوقات، والثاني: بفتح الغين المعجمة، وبالدال المهملة، من الغداء، وهو الأكل أول النهار، قال القاضي عياض: هذا الثاني هو الصحيح، وهو رواية الأكثرين، قال: والأول ليس بشيء. وتعقّبه النووي: فقال: له وجه، وتقديره: ما غذاؤهم في ذلك الوقت؟ وليس المراد السؤالَ عن غذائهم دائمًا. انتهى . (عَلَى إِثْرِهَا؟) بكسر الهمزة، مع إسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعًا لغتان مشهورتان، أي بعد تناولهم تحفتهم (قَالَ) - ﷺ - («يُنْحَرُ) بالبناء للمفعول (لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ) الإضافة بمعنى»في«، أي الثور الذي كان في الجنة، و»الثور«بفتح فسكون: الذكر من البقر، والأنثى ثورةٌ، والجمع ثِيرَان، وأَثْوار، وثِيَرَة، وزانُ عِنَبَة . (الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا») بفتح الهمزة، جمع طَرَف بفتحتين، أي أطراف الجنة، وهذا يُشعر بأن ذلك الثور معهود ومعروفٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) اليهوديّ (فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟) أي على ما أكلوه من الغداء، أو من لحم ذلك الثور. (قَالَ) - ﷺ - («مِنْ عَيْنٍ)، أي من ماء عين، فهو على حذف مضاف فلا وجه لاعتراض بعضهم بأن الجواب لم يُطابق السؤال، إذ السؤال عن الشراب، والجواب عن مكان الشراب، فعلى ما قلناه، يذهب الإشكال، ويضمحلّ، والله تعالى أعلم. والجارّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوف دلّ عليه السؤال، أي يشربون من عين، وقوله: (فِيهَا) متعلّق بصفة لـ«عين»، وقوله: (تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا«) ببناء الفعل للمفعول صفة لـ »عين« بعد صفة، أو حال منها؛ لوصفها بالجارّ والمجرور، أي سَلِسَة السبيل، سَهْلةَ الْمَشْرَع. قال النوويّ - ﵀ -: قال جماعة من أهل اللغة والمفسّرين: السلسبيل اسم للعين، وقال مجاهد وغيره: هي شديدة الْجَرْي، وقيل: هي السَّلِسَةُ اللَّيِّنة. انتهى . وقال في «اللسان» السلسبيل: الليّن الذي لا خشونة فيه، وربما وُصف به الماء، وقال أيضًا: ويقال: شراب سَلْسلٌ، وسلسالٌ، وسلسبيلٌ، وقال الزجّاج: سلسبيلٌ اسم العين، وهو في اللغة في غاية السلاسة، فكأن العين سُمّيت لصفتها، وقال غيره: السلسبيل: اسم عين في الجنّة، ويقال: عين سَلْسَلٌ، وسلْسَالٌ، وسلسبيلٌ معناه: عذبٌ سهل الدخول في الحلق، قيل: جمع السلسبيل سلاسبُ، وسلاسيبُ، وجمع السلسبيلة سلسبيلات، وقال عبد الله بن رواحة [من الخفيف]: إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي جِنَانٍ … يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ والسَّلْسَبِيلَا الرحيق: الخمر، والسلسبيل: السهل المدخلِ في الحلق. انتهى بتصرّف . (قَالَ) اليهوديّ (صَدَقْتَ، قَالَ) اليهوديّ (وَجِئْتُ أَسألكَ عَنْ شَيْءٍ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، إِلا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَانِ) كناية عن قلّة من يعرفه، بحيث لا يعرفه، إلا من أوحى الله إليه بعلمه، أو من أخبره ذلك النبيّ، وهم قليلون، (قَالَ) - ﷺ - («يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟») بتقدير همزة الاستفهام، (قَالَ) اليهوديّ (أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟)، وفي حديث أنس - ﵁ - عند البخاريّ في قصّة عبد الله بن سلام: «ومن أيِّ شيء يَنْزع الولد إلى أبيه، ومن أيِّ شيء يَنْزع إلى أخواله؟»، وفي رواية: وما بالُ الولد يَنْزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ «. (قَالَ) - ﷺ - («مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا)، أي في الرحم (فَعَلَا)، أي غلب (مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَة، أَذْكَرَا)، أي وُلد لهما ولدٌ ذكرٌ، وقال ابن الأثير - ﵀ -: »أذكرا«، أي وَلَدا ذَكَرًا، وفي رواية: »أذكرت«، أي ولدت ذكرًا، يقال: أذكرت المرأة، فهي مُذْكِرٌ: إذا ولدت ذَكَرًا، فإذا صار ذلك عادتها قيل: مِذْكَارٌ. انتهى . (بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُل، آنثَا)، أي وُلد لهما ولدٌ أُنثى، وقال المجد - ﵀ -: آنثت المرأة إيناثًا: وَلَدَت أُنثى، فهي مؤنثٌ، ومُعتادتها مِئْنَاثٌ. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: معنى الأول: كان الولد ذكرًا، ومعنى الثاني: كان الولد أُنثى، وقوله: آنثا بالمدّ في أوله، وتخفيف النون، وقد رُوي بالقصر، وتشديد النون. انتهى . (بِإِذْنِ اللهِ») - ﷾ -. (قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ)، أي في كلّ ما أخبرت به؛ لأنه موافق لما كان أخذه من التوراة، (وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ). قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن مجرّد التصديق من غير التزام الشريعة، والدخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يُحكَم له بالإسلام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ صحيح، لكن استدلاله بهذا الحديث غير صحيح، بل الذي يظهر أن هذا السائل عبد الله بن سلام؛ لتشابه القصتين، وأن قوله في هذه الرواية: «وإنك لنبيّ»، كقوله: في حديث أنس: «أشهد أنك رسول الله»؛ إذ لا فرق بين مفهوميهما، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ انْصَرَفَ) اليهوديّ عن مجلس النبيّ - ﷺ -، أو مواصلة الأسئلة، وعلى كونه عبد الله بن سلام، فيكون المراد بالانصراف انصرافه عن غرائب المسائل، فإنه ثبت في حديث أنس زيادة: «ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ إن عَلِمُوا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله - ﷺ -: أَيُّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟، قالوا: أعلمنا، وابنُ أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شَرُّنا، وابن شَرِّنا، ووَقَعُوا فيه». (فَذَهَبَ) إلى مكان حاجته، وقال بعضهم: قد يكون العطف في قوله:«فذهب»عطف تفسير لرفع توهّم أنه انصرف عن قبول الحقّ مع بقائه في المجلس، وقد يكون عطف مغاير، بأن يراد من الانصراف تولية ظهره، ومن الذهاب البعد عن المجلس بحيث لا يسمع، وهذا هو الظاهر. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا)، أي اليهوديّ (عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ)، أي من هذه المسائل المتقدّمة، (وَمَا) نافية (لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ) أي من الذي سأله عنه (حَتَّى أتانِيَ اللهُ بِهِ»)، أي أوحى الله إليّ بعلمه، وحديث أنس في قصّة عبد الله بن سلام:«فقال رسول الله - ﷺ -: خَبَّرني بهنّ آنفًا جبريل، قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثوبان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الحيض»[٧/ ٧٢٢ و٧٢٣] (٣١٥)، و(النسائيّ) في«عشرة النساء»(١٨٨)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٤١٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧٤٢٢)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٣/ ٤٨١ - ٤٨٢) و(أبو عوانة) في«مسنده»(٨٤٣ و٨٤٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٧١٠)، وفي«صفة الجنة»(٣٣٧)، و(البيهقيّ) في«البعث» (٣١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفة منيّ الرجل، ومنيّ المرأة، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. ٢ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً للنبيّ - ﷺ -، حيث أخبر بالمغيّبات، واطّلع على أسرار علوم الناس، وعرف ما سيكون في الآخرة من أحوال الناس، ومآل أهل الجنّة، وما يُكرمون به من أصناف الضياف، ما قد خفي على غيره من الناس، وإنما اعترف له اليهوديّ، حيث قال له: صدقتَ، وإنك لنبيّ؛ لما لديه من العلم بالتوراة مما أوحى الله تعالى على موسى - ﵇ - كما أوحاه إلى نبيّنا - ﷺ - في وقت السؤال. ٣ - (ومنها): ما أكرم الله تعالى به نبيّه - ﷺ -، حيث سئل عن أشياء لا علم له بها، ولا يعلمها إلا الله - ﷾ -، أو من أعلمه بالوحي، فجاءه جبريل - ﵇ - في الحال، وأعلمه بها، ففي حديث أنس - ﵁ - قال - ﷺ -: «أخبرني بهنّ جبريل آنفًا»، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٤ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الْمِخْصَرة، ونحوها للحاجة، ونَكتِ الأرض بها عند التفكّر في الأمر، وليس مُخِلًّا بالمروءة كما يظنّه بعضهم. ٥ - (ومنها): ما قاله عياض - ﵀ -: فيه أن من قال مثل هذا - يعني قوله: «صدقت، وإنك لنبيّ» - من أهل الكتاب عن غير التزام للشريعة، فلا يُحسب قوله إيمانًا حتى يعتقده، ويلتزمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد قدّمنا احتمال أن يكون اليهوديّ عبد الله بن سلام، وعليه فلا يصحّ هذا الاستنباط، فتأمّله، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه على كون الحبر عبد الله بن سلام يؤخذ من صنيعه هذا فضل العلم الذي اتّصف به عبد الله، حيث بدأ بالسلام، وسأل الدافع سبب دفعه، ولم يُعنّفه، وقال: «إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله»، ولم يقل ما قالته قريش في الحديبية: «لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك»، فهذا من جراءتهم، ومعاندتهم، فإنهم يعلمون رسالته، ولكنهم يكابرون، فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقد أخرج الحاكم، في «المستدرك» من طريق أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن عليّ - ﵁ - قال: قال أبو جهل للنبيّ - ﷺ -: إنا لا نكذّبك، ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من حسن الخلق، واستئلاف الخلق إلى الإيمان، حيث قال: «إن اسمي الذي سمّاني به أهلي محمد». ٧ - (ومنها): بيان فضل فقراء المهاجرين، حيث أكرمهم الله تعالى بسبق غيرهم في الجواز على الصراط. قال الأبيّ - ﵀ -: ولا يدلّ هذا على أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم، للإجماع على أن عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي هريرة، وأبي ذرّ - ﵃ -، وقد يختصّ المفضول بخاصيّة ليست في الفاضل، ولا يكون بسببها أفضل، ولهذا المعنى لا يُحتجّ به لترجيح الفقراء، ولا يشترط في فقر المهاجرين دوامه، بل فقر زمنه - ﷺ -. انتهى . ٨ - (ومنها): ما قاله أبو محمد بن أبي جمرة فيما يتعلّق بتبدّل الأرض: فيه دليلٌ على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة، ليكون السامع على بصيرة، فيُخَلِّص نفسه من ذلك الهول، لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضةَ النفس، وحملَها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتةً. انتهى. ٩ - (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًّا، والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حقٍّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه - ﷾ - على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده. انتهى ملخصًا، ذكره في «الفتح» . ١٠ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمَحَلَّت، وأُعدِمت، وأن أرض الموقف تجددت ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَاد، بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: «زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ»، وَقَالَ: «أَذْكَرَ، وَأَنَّثَ »، وَلَمْ يَقُلْ: «أَذْكَرَا، وَآنَثَا»). رجال هذا الإسناد: ثلاثةٌ: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ متقنٌ، إمام [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) بن حيّان التّنِّيسيّ - بكسر المثنّاة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانيّة، ثم مهملة - البكريّ، أبو زكريّا البصريّ، سكن تِنِّيس، ثقةٌ [٩]. رَوَى عن وهيب بن خالد، ومعاوية بن سلام، وابن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، والحمادين، وقريش بن حيان، ومحمد بن راشد المكحوليّ، وجماعة. ورَوى عنه الشافعيّ، ومات قبله، وابنه محمد بن يحيى، ودُحَيم، وأحمد بن صالح المصريّ، والربيع بن سليمان المراديّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن مسكين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن الْبَرْقيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ، وقال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، صاحب حديث، وقال العجليّ: كان ثقةً مأمونًا عالِمًا بالحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر البزار: يحيى بن حسان ثقةٌ، صاحب حديث، وقال مُطَيَّن: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال مروان بن محمد: لم نكن نطلب الحديث حتى قَدِم يحيى بن حسان، وقال ابن يونس: كان ثقةً، حسن الحديث، وصنَّفَ كتبًا، وحَدَّث بها، وتُوُفِّي بمصر سنة ثمان ومائتين، وقال البخاريّ، عن الحسن بن عبد العزيز الجزريّ: مات سنة ثمان ومائتين، وفيها ذكره جماعةٌ، وقيل: مات سنة سبع، وقال دُحَيم: وُلد سنة أربع وأربعين . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. وقوله: (فِي هَذَا الإسْنَاد، بمِثْلِهِ) يعني إسناد معاوية بن سلّام الماضي، وهو عن زيد بن سلّام، عن أَبي سلّام، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ، عن ثوبان - ﵁ -. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا … إلخ) الضمير ليحيى بن حسّان، يعني أنه قال في روايته: «كنت قاعدًا إلخ» بدل قول الربيع بن نافع: «كنت قائمًا …» إلخ. وقوله: (وَقَالَ: «زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ») يعني أن يحيى أيضًا قال في روايته: «زائدة كبد النون» بدل قول الربيع: «زيادة كبد النون»، وهو بمعناه، كما تقدّم بيانه. وقوله: (وَقَالَ: «أَذْكَرَ، وَأَنَّثَ … إلخ) يعني أن يحيى أيضًا قال في روايته:»أذكر، وأنث«بضمير الواحد المذكّر، بدل قول الربيع:»أذكرا، وآنثا«بضمير التثنية، ولا يختلف المعنى؛ لأن معنى أذكر، وآنث: وُلد له ولدٌ ذكر، وولد أنثى، فهو بمعنى«أذكرا، وآنثا»؛ لأنه إذا ثبت للرجل ولد ذكرٌ، أو أنثى، فقد ثبت لامرأته، كما لا يخفى. وقوله: (وَأنَّثَ) بفتح الهمزة بلا مدّ، وتشديد النون، هكذا في النسخة التي شرحها الأبيّ - ﵀ -، ووقع في النسخة التي شرحها النووي - ﵀ -:«وآنث»بالمدّ، والأول هو الموافق لما في رواية النسائيّ الآتية، فتنبّه. [تنبيه]: رواية يحيى التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية الربيع بن نافع، لم أجد نصها، إلا أن الإمام النسائيّ أخرج نَحْوَها في«كتاب عشرة النساء»، من«السنن الكبرى» (٥/ ٣٣٧)، من رواية مروان بن محمد، عن معاوية بن سلام، فقال - ﵀ -: (٩٠٧٣) أخبرني محمود بن خالد، عن مروان بن محمد، قال: نا معاوية بن سلام، قال: أخبرني أخي، أنه سمع جدَّه أبا سلام، يقول: حدثني أبو أسماء الرَّحَبِيّ، عن ثوبان، قال: كنت قاعدًا عند رسول الله - ﷺ -، فأَتَى حِبْرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، قال: فدفعته حتى صَرَعته، فقال: لم دفعتني؟ قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهوديّ: أنا أُسَمِّيه بالاسم الذي سماه به أهله، فقال رسول الله - ﷺ -: «أَجَلْ أهلي سَمَّوني محمدًا»، قال: جئت لأسأل، قال: «فينفعك إن أخبرتك؟»، فقال: أسمع بأذنيّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «سل عما بدا لك»، فقال اليهوديّ: أرأيتَ إذا بُدِّلت السماوات غير السماوات والأرض غير الأرض، أين يكون الناس؟ قال: «في الظلمة، دون الْجِسر»، قال: فمَنْ أَوَّلُ الناس أجازه الله؟ قال: «فقراء المهاجرين»، قال: فأَيْشٍ يُتْحَفُ بها أهل الجنة؟ قال: «زائدة كبد نون»، قال: فما غذاؤهم على إثر ذلك؟ قال: «يُنْحَر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها»، قال: فما شرابهم؟ قال: «من عين تسمى سلسبيل»، قال: صدقت، قال اليهوديّ: أسألك عن واحدة لا يعلمها إلا نبيّ، أو رجل، أو رجلان، قال: «هل ينفعك إن أخبرتك؟»، قال: أسمع بأذني، قال: «سل عما بدا لك»، قال: من أين يكون شبه الولد؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إن ماء الرجل غليظٌ أبيض، وماء المرأة أصفر رقيقٌ، فإن علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَ بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل أَنَّثَ بإذن الله»، قال: صدقت، وأنت نبيّ، ثم
مصادر المؤلف (٤٠)

١. وفي نسخة:«ألّا»بتشديد اللام.

٢. وفي نسخة:«بأذني»بالإفراد.

٣. وفي بعض النسخ:«فما غِذَاؤهم»بالذال المعجمة.

٤. «شرح النوويّ»٣/ ٢٢٦.

٥. «المصباح المنير»١/ ١١٧.

٦. «المفهم»١/ ٥٧٣.

٧. «تنبيه المعلم»ص ١٠٧.

٨. أخرجه البخاريّ في: «صحيحه» رقم (٣٩٣٨).

٩. «القاموس» ص ٦٦٣.

١٠. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٤١ - ٦٤٣ «كتاب المناقب» رقم الحديث (٣٥٣٢).

١١. راجع: «شرح النوويّ» ٣/ ٢٢٦.

١٢. «المفهم» ١/ ٥٧٣.

١٣. سيأتي للمصنّف في: «كتاب صفة القيامة» رقم (٢٧٩١)، ونصّه: عن عائشة قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فأين يكون الناس يومئذ، يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».

١٤. أخرجه البخاريّ في: «الرقاق» (٦٥٢١)، ومسلم في: «صفة القيامة» (٢٧٩٠).

١٥. «المفهم» ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤.

١٦. انظر: «المفهم» ١/ ٥٧٤.

١٧. «القاموس المحيط» ص ١٠٧٩.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٧٣.

١٩. تقدّم عن المصباح ما يقتضي أن فتحها هو الأصل، فتأمّل.

٢٠. «النهاية» ١/ ١٨٢.

٢١. «المفهم» ١/ ٥٧٤.

٢٢. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٣٠٥.

٢٣. بفتحتين السفر المعروف خلاف الحضر، ورواه بعضهم بضم أوله، جمع سُفْرة.

٢٤. رواه البخاريّ في: «الرقاق» برقم (٦٥٢٠)، ومسلم في: «صفة القيامة» برقم (٢٧٩٢).

٢٥. «الفتح» ١١/ ٣٨٢ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢٠).

٢٦. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٢٧.

٢٧. «المصباح» ١/ ٨٧.

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٢٧.

٢٩. راجع: «لسان العرب» ١١/ ٣٤٤.

٣٠. «النهاية» ٢/ ١٦٣.

٣١. «القاموس المحيط» ص ١٥١.

٣٢. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨.

٣٣. «فتح المنعم»٢/ ٣٠٦.

٣٤. «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٤.

٣٥. رواه الحاكم ٣/ ٣١٥.

٣٦. «شرح الأبيّ» ٢/ ٩١.

٣٧. «الفتح» ١١/ ٣٨٣.

٣٨. المصدر السابق.

٣٩. وفي نسخة: وآنث بالمدّ.

٤٠. أي: بعد المائة.