HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٢١

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِهِ. فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَغَسَلَهَا. ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ، عَلَى الأَذَى الَّذِي بِهِ، بِيَمِينِهِ. وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ. حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إناء واحد. ونحن جنبان.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص176
ج ١ ص ٢٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٢٨
غيره، وهو متعيّنٌ، ولا يُظَنّ بهنّ فعلُهُ في حياته - ﷺ -، وفيه دليلٌ على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٥] (٣٢١) - (حَدَّثَنَا هَارُون بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِه، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاء، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِه، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِه، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: كلنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَحْنُ جُنبَانِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) - بالفتح - السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م دس ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ) بن عبد الله، أبو الْمِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م دس) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٤ - (أَبُوه) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: تقدّم انتقاد الحفّاظ لهذا السند بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادةٌ أخوها من الرضاعة، وقال النوويّ، وجماعة: إنه عبد الله بن يزيد، معتمدين على ما وقع في «صحيح مسلم» في «الجنائز» عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، رَضِيع عائشة عنها، فذكر حديثًا غير هذا، ولم يتعين عندي أنه المراد هنا؛ لأن لها أخًا آخر من الرضاعة، وهو كثير بن عُبيد، رَضِيع عائشة، رَوَى عنها أيضًا، وحديثه في «الأدب المفرد» للبخاري، و«سنن أبي داود» من طريق ابنه سعيد بن كثير، عنه، وعبد الله بن يزيد بصريّ، وكثير بن عبيد كوفيّ، فيَحْتَمِل أن يكون المبهم هنا أحدَهُما، وَيحْتَمِل أن يكون غيرهما، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن أخا عائشة هنا لم يتعيّن؛ إذ لم تأت رواية تعيّنه، ولكن مثل هذه الحالة لا تضرّ؛ لأنه ليس من رجال الإسناد، وإنما وقع ذكره في المتن، والجهالة الواقعة فيه لا تضرّ، فتنبه، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلهَا) أي أخوها المذكور (عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -)، وفي نسخة: «عن غسل رسول الله - ﷺ -»، و«الغُسْل» بضمّ الغين المعجمة: اسم مصدر من اغتسل، وبفتحها: مصدر «غَسَلَ»، ويجوز فيه الضمّ أيضًا، قاله أهل اللغة، والمشهور في استعماله عند الفقهاء فتح الغين إذا أُضيف إلى المغسول، كغَسْل الثوب، وضمّ الغين إذا أُضيف إلى غيره، كغُسل الجنابة. والمراد به هنا معناه المصدريّ، أي عن كيفيّة اغتساله - ﷺ -، وعن قدر الماء الذي يغتسل منه. (مِنَ الْجَنَابَةِ؟)، أي بسبب حصول الجنابة له، فـ «من» سببيّة. و«الغسل» لغةً: الإسالة، وشرعًا: إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد بنيّة رفع الجنابة. و«الجنابة» في الأصل: البعد، وسُمّي من اتّصف بها جُنُبًا؛ لأنه منهيّ عن قربان مواضع الصلاة حتى يتطهّر، وشرعًا: أمرٌ معنويّ يقوم بالبدن، فيمنع من صحّة الصلاة ونحوها، حيث لا مرخّص . (فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ) أي طلبت ماءً في إناءٍ (قَدْرِ الصَّاعِ) بالجرّ بدلًا من «إناء»، وفي رواية البخاريّ: «فدعت بإناء، نحوًا من صاع». وأشار بقوله: «قدر صاع» إلى أنها دعت ماءً في إناءٍ مقدار الصاع تقريبًا لا تحديدًا، والله تعالى أعلم. (فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل «اغتسلت»، وفي رواية النسائيّ: «فسَتَرَت سِتْرًا»، أي جعَلَت بيننا وبينها ساترًا، و«السّتْرُ» بالكسر: ما يُستَرُ به، جمعه سُتُور، و«السَّتْرُ» بالفتح: مصدر سَتَرَ، يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْرًا، من باب نصر، ويقال لما يَنصِبه المصلّي قُدّامه علامةً لمصلّاه، من عصًا، وتسنيم تُرَاب وغيره: سُتْرَةٌ بالضمّ؛ لأنه يستُر المارّ من المرور، أي يَحجُبُه، أفاده الفيّوميّ . والمناسب هنا الكسر، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ: «وأفاضت على رأسها، وبيننا وبينها حجاب» (وَأفرَغَتْ) وفي نسخة: «فأفرغت» بالفاء، أي صبّت الماء، وهو تفسير لقوله: «فاغتسلت»، وفي رواية البخاريّ: «وأفاضت» (عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا) قال القاضي عياض ﵀: ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها، وأعالي جسدها، مما يَحِلّ نظره للمَحْرَم إلى ذات محرمه؛ لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع، أرضعته أختها أمُّ كلثوم، وإنما سَتَرت أسافل بدنها مما لا يَحِلّ للمَحْرَم النظر إليه، ولولا أنهما شاهدا ذلك، ورأياه لم يكن لاستدعائها الماء، وطهارتها بحضرتهما معنًى؛ إذ لو فعلت ذلك كلّه في ستر عنهما، لكان عَنَاءً، ورجع الحال إلى وصفها له، ويكون الستر الذي بينها وبينهما عن سائر جسدها، وما لا يحلّ لهما رؤيته، كما شُوهد غسل النبيّ - ﷺ - من وراء الثوب، وطأطأ عن رأسه حتى ظهر لمن أراد رؤيته. انتهى . وقال النوويّ ﵀: «وفي هذا الذي فعلته عائشة - ﵂ - دلالةٌ على استحباب التعليم بالوصف بالفعل؛ فإنه أوقع في النفس من القول، وَيثبُت به من كتابه، كما قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، لكن الجواب عن المصنّف أنه إنما أورده متابعةً، لا استقلالًا، فإنه قد ساق حديث عائشة - ﵂ - في هذا الباب بأسانيد متعدّدة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف: أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (»كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد الاغتسال، قيل: هذا الأسلوب يدلّ على العادة والغالب والشأن الكثير . (بَدَأَ بِيَمِينِهِ)، أي بغسل يده اليُمنَى، واليمين مؤنّثة، وجمعها أَيْمُنٌ، وأَيمانٌ (فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ) «من» تبعيضيّة، ويحتمل أن تكون ابتدائيّة (فَغَسَلَهَا)، أي يده اليمين (ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الأذَي)، أي على موضع الأذى، والأذى أعمّ من النجاسة، كالبول ونحوه، وغيرها، كالمنيّ، وما أصابه من رطوبة الفرج، وقد تقدّم طهارتهما على الأصحّ (الَّذِي بِهِ)، أي بجسده الشريف - ﷺ - (بِيَمِينِهِ) متعلّق بـ «صبّ» (وَغَسَلَ عَنْهُ) كان الظاهر «وغسله»، لكنه ضُمّنَ «غَسَلَ» معنى «أزال»، وحذف مفعوله: أي أزال عنه الأذى (بِشِمَالِهِ) بكسر الشين: خلاف اليمين، وهي أيضًا مؤنّثةٌ، وجمعها أَشْمُل، مثلُ ذِراعٍ وأَذْرُع، وشَمَائلُ ، أي غسل الأذى بيده اليسرى (حَتَّى إِذَا فَرَغَ) غاية للغسل (مِنْ ذَلِكَ)، أي من غسل الأذى (صَبَّ عَلَى رَأسِهِ)، قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ)، وقد تقدّم أنه يسمّى الْفَرَق، وهو ثلاثة آصُع (وَنَحْنُ جُنُبَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، قال النوويّ ﵀: هذا جارٍ على إحدى اللغتين في الْجُنُب أنه يُثنَّى ويُجمَعُ، فيقال: جُنُبٌ، وجُنُبان، وجُنُبُون، وأَجْنَابٌ، واللغة الأخرى: رجلٌ جُنُبٌ، ورجلان جُنُبٌ، ورجالٌ جُنُبٌ، ونساءٌ جُنُبٌ بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وهذه اللغة أفصح وأشهر. ويقال في الفعل: أجنب الرجلُ، وجُنِبَ - بضمّ الجيم، وكسر النون، والأولى أفصح وأشهر، وأصل الجنابة في اللغة البعد، وتُطلق على الذي وجب عليه غسلٌ بجماع، أو خروج منيّ؛ لأنه يجتنب الصلاة والقراءة والمسجد، ويتباعد عنها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تخريج الحديث، وسائر مسائله قريبًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْر، أَن عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا، أنهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاَثةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) بن أبي زيد القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الثقة العابد الزاهد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خُرَاسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (لَيْث) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل حديثين. ٤ - (يَزِيدُ) بن أبي حبيب - واسمه سُويد - أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، يُرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٥ - (عِرَاك) - بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء - ابن مالك الغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت بعد ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٦ - (حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، زوجة المنذر بن الزبير، ثقةٌ [٣]. رَوَت عن أبيها، وعمتها عائشة، وأم سلمة، وعنها عِرَاك بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، ويوسف بن ماهك، وعون بن عباس. قال العجليّ: تابعية ثقةٌ، وذكرها ابن حبان في «الثقات». أخرج لها المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقولها: (فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاَثةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ) قد ذكر القاضي عياض ﵀ في تفسير هذه الجملة وجهين: [أحدهما]: أن كل واحد منهما ينفرد في اغتساله بثلاثة أمداد. [والثاني]: أن يكون المراد بالمدّ هنا الصاع، ويكون موافقًا لحديث الْفَرَق، ويكون ذلك مفسّرًا له، إن لم تكن لفظة «أمداد» هنا وَهَمًا، على ما ذهب إليه بعضهم، وعلى الوجه الأول لا تأويل، ولا إشكال فيه . قال النوويّ ﵀: ويجوز أن يكون هذا وقع في بعض الأحوال، واغتسلا من إناء يسع ثلاثة أمداد، وزاداه لَمّا فرغ. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قولها: «يسع ثلاثة أمداد» تعني مفترقِينَ، أو سَمَّت الصاعَ مُدًّا، كما قالت في الْفَرَق الذي كان يسع ثلاثة آصُع، وكأنها قصدت بذلك التقريب، ولذلك قالت فيه: «أو قريبًا من ذلك»، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنه لا يتأتّى أن يغتسل اثنان من ثلاثة أمداد؛ لقلّتها، والله تعالى أعلم. وهذا يدلّ على استحباب التقليل مع الإسباغ، وهو مذهب كافّة أهل العلم والسنّة؛ خلافًا للإباضيّة والخوارج، واتّفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته، ووضوئهما معًا من إناء واحد، إلا شيئًا رُوي في كراهية ذلك عن أبي هريرة - ﵁ -، وحديثُ ابن عمر، وعائشة، وغيرهما يردّه. وإنما الاختلاف في وضوئه، أو غسله من فضلها، فجمهور السلف، وأئمة الفتوى على جوازه، ورُوي عن ابن المسيّب، والحسن كراهة فضل وضوئها، وكَرِهَ أحمد فضل وضوئها وغسلها، وشَرَطَ ابنُ عمر إذا كانت حائضًا أو جُنُبًا. وذهب الأوزاعيّ إلى جواز تطهّر كلّ واحد منهما بفضل صاحبه ما لم يكن أحدهما جنبًا، أو المرأة خاصّةً حائضًا. وسبب هذا الاختلاف اختلافُهُم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومن صخحها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها، ومما يعارضها، كحديث ميمونة أنه - ﷺ -: «كان يغتسل بفضلها»، رواه مسلم، وكحديث ابن عبّاس الذي أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، قال فيه: اغتسل بعض أزواج النبيّ - ﷺ - في جَفْنة، فأراد النبي - ﷺ - أن يتوضّأ منه، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال - ﷺ -: «إن الماء لا يُجْنِبُ». ولا شكّ في أن هذه الأحاديث أصحّ وأشهر عند المحدّثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضًا فقد اتّفقوا على جواز غسلهما معًا، مع أن كلَّ واحد منهما يغتسل بما يُفضِله صاحبه عن غَرْفِهِ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم البحث في هذه المسألة قريبًا، وأن الأرجح هو الجمع بين الأحاديث بحمل النهي على التنزيه، فهذا أقرب للعمل بها كلّها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٧] (…) - (حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، قَالَ: حَدَّثنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيه، مِنَ الْجَنَابَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت في أول ٢٢١) بمكة (خ م دت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (أفلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ النجاريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفَيراء، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن حزم، وسليمان بن عبد الرحمن بن جندب، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن وهب، وأبو عامر الْعَقَديّ، ووكيع، وأبو نعيم، وحماد بن زيد، والثوريّ، وحاتم بن إسماعيل، والمعافى بن عِمْران، والقعنبيّ، وهو آخر مَن حَدّث عنه، وغيرهم. قال أحمد: صالحٌ، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن صاعد: كان أحمد يُنكر على أفلح قوله: «ولأهل العراق ذات عرق»، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يُحَدِّث عنه يحيى، قال: ورَوَى أفلح حديثين منكرين: «أن النبيّ - ﷺ - أشعر»، وحديث: «وَقَّتَ لأهل العراق ذاتَ عِرْق»، وكناه عبد الغني أبا محمد، والمعروف أن كنيته أبو عبد الرحمن، وقال ابن عديّ: ولم يُنكِر أحمد - يعني سوى هذه اللفظة - وقد تفرد بها عن أفلح مُعَافًى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمةً. قال الواقديّ: مات سنة (١٥٨)، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان مكفوفًا، مات سنة (١٦٥)، قال: وقيل سنة (١٥٨). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٣٢١) و(٦٤٩) و(١١٨٩) و(١٢١١) وكرره مرة، و(١٢٩٠) و(١٣٢١). والقاسم تقدّم قبل باب، وعائشة - ﵄ - الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٣) من رباعيّات الكتاب. وقولها: (تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ) ببناء الفعل للفاعل، و«أيدينا» مرفوع على الفاعليّة، بضمة مقدّرة؛ للاستثقال، والاختلاف ضدّ الاتّفاق، والمراد اختلاف أيديهما عند الغرف من الإناء بالرفع والوضع، بأن يرفع يده أحدهما من الإناء، ويضعها الآخر فيها. وقولها: (مِنَ الْجَنَابَةِ) تقدّم أن المعنى بسبب الجنابة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٨] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَل، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي، حَتى أقولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي، قَالَتْ: وَهُمَا جُنبانِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ المذكور أول الباب. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٦٢. ٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت بعد سنة ١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٤ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعَدَويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، امرأة صِلَةَ بن أشيم، ثقةٌ [٣]. رَوَت عن عائشة، وعليّ، وهشام بن عامر، وأم عمرو بنت عبد الله بن الزبير. ورَوَى عنها أبو قِلابة، وقتادة، ويزيد الرِّشْك، وأيوب، وعاصم الأحول، وسليمان بن عبد الله البصريّ، وإسحاق بن سعيد، وأم الحسن، جدَّة أبي بكر العدويّ، وغيرهم. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وذكرها ابن حبان في «الثقات»، وقال: كانت من العابدات، يقال: إنها لم تتوسد فراشًا بعد أبي الصهباء حتى ماتت، قال الحافظ: رَوَينا في «فوائد عبد العزيز المشرقيّ» بسند له، عن أبي بِشْر، شيخ من أهل البصرة، قال: أتيت معاذة، فقالت: إني اشتكيت بطني، فوُصِف لي نبيذ الجرّ، فأتيتها منه بقدَح فوضعته، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدّثتني أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن نبيذ الجرّ، فاكفنيه بما شئت، قال: فانكفأ القَدَح، وأهريق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها. انتهى . أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٣٢١) و(٣٣٥) وكرّره ثلاث مرّات، و(٧١٩) وكرّره مرّتين، و(١١٦٠) و(١٤٧٦) و(١٩٩٥). وقولها: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -) تقدّم قريبًا سبب الإتيان بالضمير المنفصل، فلا تغفل. وقولها: (مِنْ إِنَاءٍ بَيْني وَبَيْنَهُ) الظرف متعلّق بمحذوف، صفة لـ«إناء»، أي موضوع بيني وبينه - ﷺ -. وقولها: (وَاحِدٍ) بالجرّ صفة لي«إناء» بعد وصفه بالجارّ والمجرور. وقولها: (فَيُبَادِنُي) أي يسابقني النبيّ - ﷺ - إلى الاغتراف من ذلك الإناء. وقولها: (حَتَّى أقُولَ) بالنصب بـ «أن» مضمرة بعد «حتّى» وجوبًا؛ لكون الفعل مستقبلًا، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ «حَتَّى» هَكَذَا إِضْمَارُ «أَنْ» … حَتْمٌ ك«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ» وَتِلْوَ «حَتَّى» حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا ووقع في بعض النسخ مضبوطًا بالقلم «حَتَّى أَقُولُ» بالرفع، فعليه يكون الفعل حالًا، فيُفع عطفًا على «يبادرني»، أي فأقولُ إلخ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١١)

١. «شرح النوويّ» ٤/ ٤ - ٥.

٢. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٣١١ - ٣١٢.

٣. »المصباح المنير«١/ ٢٦٦.

٤. »إكمال المعلم«٢/ ١٦٣.

٥. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٣١١ - ٣١٢.

٦. «المصباح» ١/ ٣٢٣.

٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٤ - ٥.

٨. «إكمال المعلم» ٢/ ١٦٤.

٩. «شرح النوويّ» ٤/ ٦.

١٠. «المفهم» ١/ ٥٨٢ - ٥٨٤.

١١. «تهذيب التهذيب» ١٢/ ٤٧٩.