HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٢٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (قَالَ يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص) عَنْ أَبِي إِسْحَاق، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أفيض على رأسي ثلاث أكف».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص177
ج ١ ص ٢٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٥٥
سفينة، قاله قبله القاضي عياض ، لكن الذي ذكره الحافظ في «تهذيب التهذيب» يفيد أن الذي كَبِرَ هو أبو ريحانة، ودونك عبارته: «وقال مسلم في»صحيحه«: حدثني علي بن حُجْر، ثنا ابنُ علية، أخبرني أبو ريحانة، وكأنه قد كَبِر، وما كنت أَثِق بحديثه». انتهى . والذي يظهر أن الكلام محتمل، إلا أن ما نقله في «التهذيب» ليس نصّ مسلم، كما لا يَخفى، بل نقله بحسب ما فهمه منه، فلو كان نصّ مسلم كما قال كان ظاهرًا في كونه لأبي ريحانة، إلا أن الأمر ليس كذلك، ومهما كان الأمر فليس ذكر مسلم الحديث بهذا الإسناد اعتمادًا عليه، بل شاهدًا لأحاديث الباب فلا يضرّه ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْس، ثَلَاثًا) وبالسند المتّصل إلى الامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٤٦] (٣٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْل، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ بَعْض الْقَوْمِ: أمّا أَنَا، فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقن [٧] [١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابد، اختَلَط، ويُدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ) - بضمّ المهملة، وفتح الراء - ابن الْجَوْن بن أبي الْجَوْن بن مُنقِذ بن ربيعة بن أصرم بن حَرَام الْخُزاعيّ، أبو مطرّف الصحابيّ الكوفيّ. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أُبَيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وجُبَير بن مُطْعِم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، ويحيى بن يَعْمُر، وعديّ بن ثابت، وعبد الله بن يسار الجهنيّ، وأبو الضُّحى، وغيرهم. قال ابن عبد البر: كان خيرًا فاضلًا، وكان اسمه في الجاهلية يسارًا، فسماه النبيّ - ﷺ - سليمان، سَكَن الكوفة، وكان له سِنّ عاليةٌ، وشَرَفٌ في قومه، وشَهِدَ مع عليّ صِفِّين، وكان فيمن كَتَب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قَدِمها ترك القتال معه، فلما قُتِل قَدِم سليمان هو والمسيَّب بن نَجَبَة الفزاريّ، وجميعُ مَن خَذَله، وقالوا: ما لنا توبة إلا أن نَقْتُل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنُّخَيلة، ووَلَّوْا سليمان أمرهم، ثم ساروا، فالتَقَوا بعبيد الله بن زياد بموضع يقال له عين الوَرْدَة، فقُتِل سليمان والمسيَّب، ومن معهم في ربيع الآخر، سنة خمس وستين، وقيل: رماه يزيد بن الحصين بن نُمير بسهم، فقَتَله، وحَمَل رأسه إلى مروان، وكان سليمان يوم قتل ابن (٩٣) سنةً، وذكر ابن حبان أن قتله كان سنة (٦٧) والأول أصحّ، وأكثرُ . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٢٧) وأعاده بعده، و(٢٦١٠) حديث: «إني لأعلم كلمةً، لو قالها لذهب عنه الذي يجد …» الحديث، وأعاده أيضًا. ٤ - (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ، قَدِمَ على النبي - ﷺ - في فداء أُسارَى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعنه سليمان بن صُرَد، وأبو سِرْوَعَة، وابناه محمد ونافع ابنا جبير، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن باباه، وغيرهم. قال الزبير: كان يؤخذ عنه النسب، وكان أَخَذَ النسبَ عن أبي بكر، وسَلَّحَ عمرُ بن الخطاب جُبيرًا سيفَ النعمان بن المنذر. وقال ابن الْبَرْقيّ وخليفة: تُوفي سنة (٥٩) بالمدينة، وقال المدائني سنة (٥٨). وحَكَى ابنُ عبد البر أنه أوّلُ من لَبِسَ الطيلسان بالمدينة، وقال العسكري: كان جُبير بن مُطْعِم أحدَ من يُتحاكَم إليه، وقد تَحاكم إليه عثمان وطلحة في قضية، ومات سنة (٥٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط ، برقم (٣٢٧) وأعاده بعده، و(٤٦٣) و(١٢٢٠) و(٢٣٥٤) وأعاده بعده، و(٢٣٨٦) و(٢٥٣٠) و(٢٥٥٦) وأعاده بعده. وشيوخه الثلاثة تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها)؛ أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا إلخ» فيه إيضاح لاختلاف شيوخه في كيفيّة التحمّل، والأداء، فيحيى سمع قارئًا يقرأ على أبي الأحوص، ولذا قال: «أخبرنا»، وقتيبة، وأبو بكر سمعا من لفظ أبي الأحوص، ولذا قالا: حدّثنا، فقوله: «أبو الأحوص» تنازعه كلّ من «أخبرنا»، و«حدّثنا». ٣ - (ومنها): أن رجاله من رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: سليمان، عن جبير - ﵁ -، وهو من رواية الأقران ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) بضمّ المهملة، وفتح الراء، وهو من أفاضل الصحابة - ﵁ - (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، بصيغة اسم الفاعل، وهو من مشاهير الصحابة - ﵁ - ، أنه (قَالَ: تَمَارَوْا) أي اختلفوا، وتنازعوا، والتماري، والمماراة: المجادلة على مذهب الشكّ والرِّيبة، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كلّ واحد منهما يستخرِج ما عند صاحبه يمتريه كما يمتري الحالب اللبنَ من الضرع، قاله في «اللسان» . (فِي الْغُسْلِ) تقدّم أنه بفتح الغين، وضمّها، أي في كمّيّة غسل الرأس، بدليل قوله: «فإني أغسل رأسي»، والمراد بالغسل أيضًا غسل الجنابة، بدليل الرواية الآتية من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: «ذُكِر عنده الغسلُ من الجنابة» (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ظرف متعلّق بـ «تماروا» (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأسِي كَذَا وَكَذَا) وفي نسخة: «بكذا وكذا»، وهو كناية عن عدد أكثر من الثلاثة، بدليل قوله - ﷺ -: «فإني أفيض على رأسي ثلاث أكُفّ» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا أَنَا)»أما« في الكلام حرف شرط، وتوكيد دائمًا، وتفصيل غالبًا، وهي بفتح الهمزة، وتشديد الميم، وقد تُبدَل ميمها الأولى ياء، كقول الشاعر [من الطويل]: رَأَتْ رَجُلًا أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ … فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ أما كونها حرف شرط، فبدليل لزومها الفاء بعدها، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ …﴾ [البقرة: ٢٦]، وأما كونها للتأكيد، فلأنها تعطي الكلام فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه ذاهبٌ لا مَحَالةَ تقول: أما زيد فذاهمب، وأما كونها للتفصيل، فهو غالب أحوالها، كما في الآية السابقة، وقد تأتي لغير تفصيل أصلًا، نحو أما زيد فمنطلق. إذا تقرّر هذا، فـ «أمّا» في الحديث هنا يحتمل أن تكون للتفصيل، حُذف قسيمها لدلالة الكلام عليه، فكأنه قال: أما أنا فأُفيض إلخ، وأما أنتم فلا أدري ماذا تفعلون؟، أو نحو ذلك، ويدلّ على هذا قول بعض الناس: إني لأغسل كذا وكذا، ويَحْتَمِل أن تكون لمجرّد التوكيد، فلا تفصيل فيها، ولا تحتاج إلى تكرارها، وقد أشبعت البحث في هذا في «شرح النسائيّ»، وتقدّم أيضًا في «شرح المقدّمة» عند قول المصنّف ﵀: «ما بعدُ إلخ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَإِنِّي أُفِيضُ) بضمّ الهمزة، من الإفاضة، وهو الإسالة والصبّ: أي فأصبّ (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ اَكُفٍّ») بفتح الهمزة، وضمّ الكاف: جمع كَفّ، وتُجمع أيضًا على كفُوف، مثلُ فَلْس وأَفْلُس وفُلُوس، وهي مؤنّثة، وهي الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَكُفّ الأذى عن البدن، أفاده الفيّوميّ ﵀ . [تنبيه]: كون الكفّ مؤنّثةً هو الذي نصّ عليه في«المصباح»حيث قال: الكفّ من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزَعَمَ من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعْرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفّ مُخَضَّبٌ، فعلى معنى ساعدٍ مُخَضَّبٍ. انتهى . فعلى هذا فما وقع في الرواية هنا«ثلاث أكفّ»جار على الفصيح، وأما ما وقع في«صحيح البخاريّ»في حديث جابر - ﵁ -:«كان النبيّ - ﷺ - يأخذ ثلاثة أكُفّ»فيحتاج للتأويل بمعنى العضو، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال في«الفتح»عند قوله:«ثلاث أكفّ»وفي رواية كريمة:«ثلاثة أكفّ»، وهي جمع كفّ، والكفّ تُذكّر وتؤنّث. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا صرّح في«الفتح» بأن الكفّ يذكّر، ويؤنّث، وكذا صرّح العينيّ به، وهو خلاف الصواب، فقد صرّح أهل اللغة، ونصّوا على أن الكفّ مؤنّث، كما أسلفته، ومن الغريب اعتراض العينيّ في هذا على الكرمانيّ، ودونك عبارتهما: قال الكرمانيّ: [فإن قلت]: الكفّ مؤنّثة، فلم دخلت التاء في الثلاثة؟ [قلت]: المراد من الكفّ قدر ما فيها، فباعتباره دخلت، أو باعتبار العضو. انتهى. فاعترض عليه العينيّ، فقال: قلت: في الجواب الأول نظرٌ، والثاني لا بأس به، والأحسن أن يقال: الكفّ يذكّر ويؤنّث، فيجوز دخول التاء، وتركه على الاعتبارين. انتهى . وهذا الاعتراض غير صحيح، فما قاله الكرماني من التأويل وجيه، فما استحسنه العينيّ من جواز التذكير والتأنيث فلا وجه له؛ لأنه لم يأت له بحجة من كلام أهل اللغة، بل نصّوا على أنه غلط. ثم وجدت السيّد محمد المرتضى ﵀ في «شرح القاموس» قد حقّق الموضوع، فأفاد وأجاد، ودونك نصّه: قال: قال شيخنا: الكفّ مؤنّثة، وتذكيرها غلطٌ، غير معروف، وإن جوّزه بعضٌ تأويلًا، وقال بعض: هي لغة قليلةٌ، فالصواب أنه لا يُعرف، وما ورد حملوه على التأويل، ولم يتعرّض المصنّف - يعني صاحب «القاموس» - لذلك قصورًا، أو بناءً على شُهرته، أو على أن الأعضاء المزدوجة كلها مؤنّثة. انتهى ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. قال في «الفتح»: والمراد أنه يأخذ في كلّ مرّة كفّين، ويدلّ على ذلك رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال في آخر الحديث: «وبسط يديه»، ويؤيّده حديث جُبير بن مُطعم، حيث قال: «وأشار بيديه كلتيهما»، قال: والكفّ اسم جنس، فيُحمل على الاثنين، ويَحْتَمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويَحْتَمِل أن يكون لكلّ جهة من الرأس، كما جاء ذلك في حديث القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ -، يعني الحديث السابق: «فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه» . ومعنى الحديث: فإني أُفيض على رأسي ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفْنة منهنّ بملء الكفّين جميعًا، كما بيّنته رواية أحمد في «مسنده» من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، عن جُبَير بن مُطْعِم، قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند النبيّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما أنا، فآخذُ ملء كفي ثلاثًا، فأُصُبُّ على رأسي، ثم أُفيض بعدُ على سائر جسدي». ويدلّ على كون المراد ملء الكفّين ما في رواية البخاريّ، قال: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما»، أي أشار النبيّ - ﷺ - بيديه على كيفيّة أخذه الماء. ودلّ هذا على أنه - ﷺ - كان لا يُفيض على رأسه أكثر من ثلاث، ودلّ أيضًا على أن غسل سائر الجسد ليس فيه التثليث؛ لأنه قال: «ثم أفيض إلخ»، ولم يذكر الثلاث، فالمطلوب فيه التعميم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جُبير بن مطعم - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٠/ ٧٤٦ و٧٤٧] (٣٢٧)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٥٤)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٣٩)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٣٥)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٧٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٥٥ و٨٥٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٣١، ٧٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز المناظرة، والمباحثة في العلم. ٢ - (ومنها): جواز مناظرة الفاضل بحضرة المفضول، ومناظرة الأصحاب بحضرة إمامهم وكبيرهم. ٣ - (ومنها): جواز التنازع عند النبيّ - ﷺ - من غير رفع صوت، وأما ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عبّاس - ﵂ - قال: لَمّا اشتد بالنبيّ - ﷺ - وَجَعُه قال: «ائتوني بكتاب، أكتبْ لكم كتابًا لا تضلوا بعده»، قال عمر: إن النبيّ - ﷺ - غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، فقال: «قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع …» الحديث. فهذا محمولٌ على التنازع الذي يؤدّي إلى الخصام، ورفع الصوت، كما يدّل عليه سياق الحديث، فإنه صريحٌ في كون تنازعهم أدّى إلى رفعِ الصوت، والإخلال بالتعظيم الذي أوجبه الله ﷿ على الأمة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢]. ٤ - (ومنها): كون الإفاضة على الرأس ثلاث غرفات، وهو القدر الكافي فيه، فلا ينبغي تجاوزه، لأن خير الهدي هدي محمد - ﷺ - الذي قال الله ﷿ في حقّه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وأَلْحَق به أصحابنا سائر البدن قياسًا على الرأس، وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبنيّ على التخفيف، ويتكرر، فإذا استُحِبّ فيه الثلاث، ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ صاحب «الحاوي» من أصحابنا، فإنه قال: «لا يستحب التكرار في الغسل»، وهذا شاذّ متروكٌ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد الماورديّ بقوله: «لا يستحبّ التكرار في الغسل» غسلَ الرأس، فقوله باطلٌ مردودٌ بهذه الأحاديث الصحيحة، كما أشار النوويّ ﵀، وإن أراد بذلك سائر الجسد - ولا أظنّه يريد إلا هذا - فالظاهر أن ما قاله هو الصواب؛ لأنه لم يُذكر في هذه الأحاديث الصحيحة التثليث إلا في الرأس، وأما سائر الجسد، ففيها الإفاضة فقط، فبأيّ دليل يقال: إن قوله شاذّ متروك؟، فتأملّ بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): التلطّف في التعليم، حيث إنه - ﷺ - لم يقل لهم: هذا حرامٌ، أو نحو ذلك، بل أرشدهم إلى ما هو عليه من الهدي؛ ليهتدوا به، فما أكرمه - ﷺ - من معلّم، وأحسنه من مرشد - ﷺ -. ٧ - (ومنها): أنه قد يستفاد منه أن الوضوء قبل الغسل غير واجب، حيث لم يذكره - ﷺ - هنا، لكن يُجاب عنه بأنه إنما ذَكَرَ محلّ التنازع، حيث قال بعضهم: إني أغسل رأسي كذا وكذا مرّةً، وقد تقدّم ترجيح القول بعدم وجوب هذا الوضوء، وإنما هو مستحبّ، بدليله، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٤٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَة، فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأُفْرغُ عَلَىَ رَأْسِي ثَلَاثًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببُنْدَار، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أَو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقون تقدّموا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (أنَّهُ ذُكرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ) ببناء الفعل للمفعول، و«الغسل» نائب
مصادر المؤلف (١٥)

١. راجع كلامه في: «إكمال المعلم» ٢/ ١٦٧.

٢. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٣٥.

٣. وفي نسخة: «وحدثنا».

٤. وفي نسخة: «بكذا وكذا».

٥. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٩٨ - ٩٩.

٦. ذكرت في: «قرّة العين»: أن له من الأحاديث (٦٠) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديث واحد، ومسلم بحديث آخر.

٧. راجع: «الفتح» ١/ ٤٣٧.

٨. المصدر السابق.

٩. «لسان العرب» ١٥/ ٢٧٨.

١٠. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦.

١١. «المصباح المنير»٢/ ٥٣٥.

١٢. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٣٠١.

١٣. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٦/ ٢٣٤.

١٤. «الفتح» ١/ ٤٣٩.

١٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٩.