HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٠

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي. فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ. ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فتطهرين».
ج ١ ص ٢٥٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٧٦
٨ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن خير الهدي هديُ محمد - ﷺ -، فقد ضَمِن الله تعالى الفلاح والسعادة الأبدية في اتّباعه، فقال الله ﷿: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ حُكْمِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ الْمُغْتَسِلَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٠] (٣٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، فَأَنَّقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثيَاتٍ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ، فَتَطْهُرِينَ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ المذكور قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ الإمام المذكور قبل باب. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ الإمام المذكور قبل باب. ٦ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن نافع، ومكحول، وحميد بن نافع، وسعيد المقبريّ، والزهريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وأبيه موسى، وجدّه سعيد بن العاص، ولم يدركه، وجماعة. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد، وهو من أقرانه، وشعبة، والسفيانان، والليث، وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومالك، وابن إسحاق، وهشام بن حسان، وغيرهم. قال البخاريّ، عن ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن سعد: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطنيّ: أيوب هو ابن عم إسماعيل بن أمية ثقتان، وقال ابن عيينة: كان أيوب أفقههما، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع، وشَذّ الأزديّ، فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بقول الأزديّ، وقال ابن عبد البر: كان ثقةً حافظًا. قال خليفة: مات سنة (١٣٢)، وقيل غير ذلك، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات في حبس داود بن عليّ مع إسماعيل بن أمية. أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) المخزوميّ، أبو رافع المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عنها، وعن حجاج بن عمرو بن غَزِيّة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه أفلح بن سعيد القُبَائيّ، وأيوب بن خالد بن صفوان، وبكير بن الأشج، وأبو صَخْر حميد بن زياد، وسعيد بن أبي سعيد المقبريّ، والقاسم بن عباس الهاشميّ، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وعكرمة، وهو من أقرانه، وغيرهم. قال العجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». روى له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣٣٠) و(٢٢٩٥) و(٢٧٨٩) و(٢٨٥٧) وأعاده بعده. ٩ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر المخزوميّة، أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت سنة (٦٢) وقيل: غير ذلك (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن قوله: «قال إسحاق إلخ» فيه إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين شيوخه، فالثلاثة أخذوا الحديث عن ابن عيينة سماعًا من لفظه، وإسحاق أخذه سماعًا لقراءة غيره عليه، ولذا قال: «أخبرنا سفيان»، وأيضًا صرّح باسمه. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ، وعمرو الناقد ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه، ومحمد بن يحيى ما أخرج له أبو داود، وكذا عبد الله بن رافع ما أخرج له البخاريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن عبد الله بن رافع، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند، وقيل غير ذلك، زوج النبيّ - ﷺ - - ﵂ -، أنها (قَالَتْ) هكذا في رواية المصنّف صرّح بأن السائلة هي أم سلمة - ﵂ -، وكذا هو عند أبي داود، والنسائيّ، ووقع في رواية لأبي داود: «أن امرأة من المسلمين»، بالإبهام، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأةٌ أَشُدُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، مضارع شدّ، من بأبي نصر، وضرب، أي أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي)، أي نَسْجَ شعر رأسي، وإدخالَ بعضه في بعض، قال النوويّ ﵀: هو بفتح الضاد، وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أُحْكِم فَتْلَ شَعْري، وقال الإمام ابن بَرِّيّ في الجزء الذي صنَّفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم سلمة: «أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي» يقولونه بفتح الضاد، وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد، والفاء جمع ضَفِيرة، كسَفِينة وسُفُن، وهذا الذي أنكره ﵀ ليس كما زعمه، بل الصواب جواز الأمرين، ولكل منهما مَعْنًى صحيحٌ، ولكن يترجح ما قدمناه؛ لكونه المرويّ المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. انتهى . وقال المجد ﵀: ضَفَرَ الشعرَ يَضفِره: نسج بعضه على بعض، والحبلَ فَتَلهُ، وعَدَا، وسَعَى. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «الضَّفِيرة»، من الشعر: الْخُصْلة من الشعر والجمع ضَفائر، وضُفُرٌ بضمّتين، وضَفَرتُ الشعرَ ضَفْرًا، من باب ضرب: إذا جعلته ضفائر، كلُّ ضَفِيرة على حِدَةٍ بثلاث طاقات فما فوقها، والضَّفِيرة: الذُّؤابةُ. انتهى . (فَأَنقُضُهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام، ووقع في بعض النسخ: «أفأنقضه؟» بذكرها، فتكون داخلة على محذوف، أي: ألا يَجزيني غسل الشعر مضفورًا، فأنقضه؟، أو هي مقدّمة من تأخير، كما سبق البحث في ذلك مستوفًى. وقال القرطبيّ ﵀: قولها: «أفأنقضه» صحيح الرواية بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعد فيه من جهة المعنى. انتهى . (لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي لأجل الاغتسال من الجنابة، أو عند إرادة الاغتسال منها، وقد تقدّم بيان معنى الجنابة، وهي إنما سألت عن الوجوب، أي: هل يجب عليّ نقضه أم لا؟ بدليل قوله في الجواب: «لا، إنما يكفيك إلخ». (قَالَ) - ﷺ - («لَا)، أي لا يجب عليك ذلك (إِنَّمَا يَكْفِيكِ)، أي يَجزيك، والكاف مكسورةٌ؛ لأن الخطاب للمؤنّث (أَنْ تَحْثِي) بكسر الثاء المثلّثة، وسكون الياء، أصله تحثيين بياءين، كتضرِبين، أو تحْثُوين، كتنصُرِين، فعلى الأول حُذفت كسرة الياء، للاستثقال، ثم الياء لالتقاء الساكنين، وأما على الثاني، فنُقلت كسرة الواو إلى الثاء المثلّثة بعد سلب حركتها، ثم قُلبت الواو ياءً؛ للمناسبة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم في الحالتين حُذفت النون للناصب، قال القاري: ولا يجوز فتح الياء من«تَحْثِي»لأجل الناصب؛ لأن هذه الياء ليست جزء الكلمة التي تُفتح إذا دخل الناصب على الفعل، وإنما هي ضمير المؤنّثة. و«أن تحثي»في تأويل المصدر فاعل«يكفيك»، ووقع في بعض نسخ النسائيّ:«أن تحثين»بإثبات النون، ويؤوّل على إهمال«أن»حملًا لها على«ما»المصدريّة، كما قال في«الخلاصة»: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ«أَنْ»حَمْلًا عَلَى …«مَا»أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا وهو لغةٌ لا ضرورة، قال الشاعر [من البسيط]: أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا … مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدَا والْحثْيُ: الرَّمْيُ، والمراد به هنا الصبّ، يقال:«حَثَا الرجل التراب يحثوه حَثْوًا، من باب غزا، ويَحْثِيه حَثْيًا، من باب رَمَى: هاله، أي صبّه بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثم رماه، ومنه: »فاحثُوا التراب في وجهه«، ولا يكون إلا بالقبض والرمي، أفاده الفيّوميّ. وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: قوله - ﷺ -: «تحثي على رأسك ثلاث حثيات» هي بمعنى الْحَفَنات في الرواية الأخرى، و«الْحَفْنة»: ملء الكفّين من أيّ شيء كان، ويقال: حثَيتُ، وحثوتُ بالياء والواو، لغتان مشهورتان. انتهى . (عَلَى رَأْسِكِ) متعلّق بـ «تحثي» (ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) مفعول مطلق على النيابة، وأصله: حَثَياتٍ ثلاثًا (ثُمَّ تُفِيضِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإفاضة، وهو الصبّ، وثبتت النون؛ لأنه مرفوعٌ على الاستئناف، وأشار في هامش النسخة الهنديّة إلى أنه وقع في بعض النسخ بحذف النون، وهو القياس، على أن يكون منصوبًا عطفًا على «تَحْثِي» (عَلَيْكِ)، أي بقيّة بدنك، وفي رواية النسائيّ: «على جسدك» (الْمَاءَ) منصوب على المفعوليّة لـ«تُفيضين» (فَتَطْهُرِينَ«) فيه دلالة على أن هذا الفعل، من الحثيات الثلاث على الرأس، وإفاضة الماء على سائر الجسد يكفي في تمام الطهارة، ولا يحتاج إلى الدَّلْك، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، وقالت المالكيّة بوجوب الدلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٥٠ و٧٥١ و٧٥٢] (٣٣٠)، و(أبو داود) في«الطهارة»(٢٥١ و٢٥٢)، و(الترمذيّ) في«الطهارة»(١٠٥)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١/ ١٣١) وفي«الكبرى»(١٣٨/ ٢٤٣)، و(ابن ماجه) في«الطهارة»(٦٠٣)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٠٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٧٣)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٢٩٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٢٨٩ و٣١٤ - ٣١٥)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٢٦٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٢٤٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١١٩٨)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٩٨)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٢٣/ ٦٥٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ١٨١) وفي«المعرفة»(١/ ٤٢٨)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٢٥١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٨٦٧ و٨٦٨ و٨٦٩)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (٧٣٦ و٧٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب نقض المرأة شعرها المضفور في حالة غسلها من الجنابة، أو الحيض؛ لحديث أم سلمة - ﵂ - هذا، فلا يجب عليها إيصال الماء إلى أصول شعرها، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يسأل حكم ما يجهله من أمر دينه، كما أمر الله ﷿ بذلك، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ٣ - (ومنها): أنه يجب على المرأة أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات من الماء إذا اغتسلت من الجنابة، أو الحيض. ٤ - (ومنها): وجوب تعميم سائر البدن بإفاضة الماء عليه. ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيّات من شدّة حرصهنّ في تعلّم دينهنّ، ولا سيّما ما يخصّهُنّ مما يتعلّق بغسل الحيض، والنفاس. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: (اعلم): أن غسل الرجل والمرأة من الجنابة والحيض والنفاس وغيرها من الأغسال المشروعة سواء في كل شيء، إلا ما سيأتي في المغتسلة من الحيض والنفاس أنه يستحب لها أن تستعمل فِرْصَةً من مسك، وقد تقدم بيان صفة الغسل بكمالها في الباب السابق. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الرجل يخالف المرأة في نقض ضفيرته، فيجب عليه دونها؛ لحديث ثوبان - ﵁ - الآتي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: فإن كانت المرأة بكرًا لم يجب إيصال الماء إلى داخل فرجها، وإن كانت ثيبًا وجب إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة؛ لأنه صار في حكم الظاهر، هكذا نصَّ عليه الشافعيّ، وجماهير أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: لا يجب على الثَّيِّب غسل داخل الفرج، وقال بعضهم: يجب ذلك في غسل الحيض والنفاس، ولا يجب في غسل الجنابة، والصحيح الأول. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نقض ضفيرة المرأة في الغسل: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَفَ أهلُ العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: ليس على المرأة نقض رأسها في الاغتسال من المحيض والجنابة، روي هذا القول عن عائشة، وأمّ سلمة، وقال نافع: كُنّ نساء ابن عمر، وأمهات أولاده، إذا اغتسلن لم ينقضن عُقُصَهن من حيض ولا جنابة، وهذا قول عطاء، والحكم، والزهريّ، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إنها تنقض شعرها كلّه لغسل الجنابة، هكذا قال النخعيّ في الْعَروس، ورُوي عن حذيفة - ﵁ - أنه قال لامرأته: خللي شعرك بالماء، لا تخلله نارٌ. وقال حماد بن أبي سليمان: إن كانت تَرَى أن الماء أصاب أصول شعرها، فقد أجزأ عنها، وإن كانت ترى أن الماء لم تصبه فلتنقضه، وقد روينا عن الحسن وطاوُس أنهما فَرّقَا بين الجنب والحائض، فقالا في الحائض: تنقض شعرها إذا اغتسلت، فأما من الجنابة فلا. قال ابن المنذر ﵀: وبالقول الأول أقول؛ للحديث الثابت عنه - ﷺ -، وهو قول عائشة، وأم سلمة - ﵂ -، وعليه الأكثر من أهل الْفُتيا من علماء الأمصار. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: «لا إنما يكفيك إلخ» يدلّ على صحّة ما ذهب إليه مالك وغيره من الرخصة في نقض الضُّفُر مطلقًا للرجال والنساء، وقد منعه بعضهم، منهم عبد الله بن عمر، وقد أجازه بعضهم للنساء خاصّةً، متمسّكًا في ذلك بحديث ثوبان - ﵁ -، مرفوعًا: أنهم استفتوا النبيّ - ﷺ - عن غسل الجنابة، فقال: «أما الرجل، فلينشر رأسه، فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها» أخرجه أبو داود ، وهذا نصّ في التفرقة، غير أن هذا الحديث من حديث إسماعيل بن عيّاش، واختُلف في حديثه، غير أن الذي صار إليه يحيى بن معين وغيره أن حديثه عن أهل الحجاز متروك على كلّ حال، وحديثه عن الشاميين صحيح، وهذا الحديث من حديثه عن الشاميين، فهو صحيح على قول يحيى بن معين، وهذا فيه نظرٌ، فإن كان ما قاله يحيى فالفرق واضح، وإن لم يكن، فعدم الفرق هو القياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، كما صار إليه الجمهور. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله يحيى بن معين في إسماعيل بن عياش هو الذي صار إليه المحقّقون، كأحمد، وابن المدينيّ، والبخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، ودُحيم، ويعقوب بن شيبة، والدولابيّ، وابن عديّ، وغيرهم، راجع ترجمته في «التهذيب» ، فقد ثبت كون هذا الحديث صحيحًا، فثبت الفرق بين الرجل والمرأة، فيجب عليه نقض ضفيرته، لا عليها؛ لهذا الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال أيضًا: لا يُفهم من التخفيف في ترك حلّ الضُّفُر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر؛ لما يأتي في حديث أسماء بنت شَكَل - ﵄ -، من قوله - ﷺ - لها: «ثم تصبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها . . .» الحديث، ولحديث عليّ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن تَرَك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعِل بها كذا وكذا من النار»، قال عليّ: فمن ثَمّ عاديت رأسي ثلاثًا، وكان يَجُزّ شعره . انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف . قال الجامع عفا الله عنه: القول بإيجاب إيصال الماء إلى داخل شعر المرأة، فيه نظر لا يخفى، بل الحقّ أنه لا يجب عليها، بل يكفيها أن تحثي ثلاث حثيات على رأسها، كما هو نصّ حديث أم سلمة - ﵂ - المذكور هنا، حيث قال: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك إلخ»، وكذا حديث ثوبان - ﵁ - المذكور نصّ أيضًا، حيث قال: «وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها»، فدلّ على أن صبها على ظاهر رأسها كافٍ في غسلها. وأما حديث عليّ - ﵁ - المذكور، فضعيف؛ لأنه من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، وهو إنما روى عنه بعد اختلاطه، وقد كنت صححته في «شرح النسائيّ» تبعًا للحافظ، لكن تبيّن لي ضعفه؛ لما ذكرته، فتنبّه. وأما قوله - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: «انقضي رأسك، وامتشطي. . .» الحديث، رواه مسلم، فإنه في غسل النظافة للإحرام بالحجّ، لا لغسل الطهارة من الحيض؛ لأنها لم تزل في ذلك الوقت من حيضها، وعلى تقدير أنه يشمل الطهارة من الحيض، فيُحمَل على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين هذين الحديثين. وكذلك حديث أسماء بنت شكل - ﵂ - الآتي، حيث قال لها النبيّ - ﷺ -: «فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها. . .» الحديث، فمحمول أيضًا على وجه الكمال، والاستحباب أيضًا، لا على الوجوب؛ جمعًا بين النصوص. وأما ما أخرجه الطبراني، والدارقطنيّ في «الأفراد»، والضياء المقدسيّ في «المختارة» من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطميّ وأُشنان، وإن اغتسلت من جنابة صبّت الماء على رأسها صبًّا، وعصرته». فحديث ضعيف، ولا تغترّ بإخراج الضياء له، فإن له في «المختارة» أحاديث ضعيفة، كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الشأن، وقد بيّن الشيخ الألبانيّ ﵀ ضعف هذا الحديث في «السلسلة الضعيفة» ٢/ ٣٤٢ رقم (٩٣٧). وخلاصة القول في المسألة أن أرجح الأقوال قول من قال: إن المرأة يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاثًا، ولا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها، وهذا كله يعمّ الجنابة، والحيضة؛ لزيادة رواية عبد الرزاق الآتية للحيضة، وهي زيادة ثقة غير منافية لرواية غيره، فتُقبل، وأما دعوى ابن القيّم شذوذها فغير مقبول، هذا كلّه في حقّ المرأة. وأما الرجل فيجب عليه نقض ضفيرته حتى يصل الماء إلى أصول شعره؛ لحديث ثوبان - ﵁ - المتقدّم: «أما الرجل فليَنشُر إلخ»، وهو حديث صحيح، كما سبق آنفًا. فقد بيّن الفرق بين الرجل والمرأة، فأوجب عليه النقض دونها. والحاصل أن الرخصة في عدم نقض الضفيرة خاصّ بالمرأة في الحيض والجنابة، وأما الرجل فيجب عليه النقض؛ لما ذكرناه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح)، وَحَدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالَا: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أيّوبَ بْنِ مُوسَى، فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «فَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ؟»، فَقَالَ: «لَا»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبدٌ لقبه، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السّلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة العابد، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقيان تقدّما في المسند الماضي. وقوله: (قَالَا) الضمير ليزيد بن هارون، وعبد الرزّاق. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة - ﵂ -. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير الثوريّ. وقوله: (لِلْحَيْضَةِ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء التحتانيّة، المرّة من الحيض، وفي نسخة: «للحيض» من غير هاء. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن الثوريّ، هذه أخرجها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٥٤٥٥) حدثنا يزيد، قال: حدثنا سفيان الثوريّ، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضفر رأسي، أفأنقضه عند الغسل من الجنابة؟ فقال: «إنما يكفيك ثلاث حَفَنات، تَصُبِّينها على رأسك». انتهى. وأما رواية عبد الرزّاق، عن الثوريّ، فقد أخرجها البيهقيُّ: في «السنن الكبرى» (١/ ١٨١) فقال: (٨٢٢) وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكريّ ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصقار، ثنا أحمد بن منصور الرَّمَاديّ، ثنا عبد الرزاق، أنا الثوريّ، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضَفْر رأسي، أو قالت: عَقْص رأسي، أفأنقضه للجنابة والحيضة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تُفْرِغي عليكِ ثلاث حَفَنات، ثم قد طهرت». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى،
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة: «ثلاث حفنات».

٢. «شرح النوويّ»٤/ ١١.

٣. «القاموس المحيط»ص ٣٨٧.

٤. «المصباح المنير»٢/ ٣٦٣.

٥. «المفهم»١/ ٥٨٥.

٦. «شرح النوويّ»٤/ ١١.

٧. «شرح النوويّ» ٤/ ١٢.

٨. «الأوسط» ٢/ ١٣٢ - ١٣٤.

٩. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود في: «سننه» برقم (٢٥٥)، من طريق إسماعيل بن عيّاش، حدثني ضمضم بن زُرْعة، عن شُرَيح بن عبيد، قال: أفتاني جُبير بن نفير عن الغسل من الجنابة، أن ثوبان حدثهم، أنهم استفتوا النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: «أما الرجل فلينشر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها»، وهذا إسناد صحيح، وأعلّه بعضهم بإسماعيل بن عياش، وتُعُقّب بأنه من روايته عن الشاميين، وهو ثقة في أحاديثهم، وإنما ضُعّف في أحاديث الحجازيين والعراقيين، فتنبّه، وصححه الشيخ الألبانيّ ﵀.

١٠. «تهذيب التهذيب» ١/ ١٦٣ - ١٦٤.

١١. أي: أصوله.

١٢. حديث صحيح، أخرج أحمد في: «مسنده» (١/ ٩٤ و١٣٣)، وأبو داود في: «سننه» (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٩٩).

١٣. راجع: «المفهم» ١/ ٥٨٦.

١٤. وفي نسخة: «للحيض».

١٥. وفي نسخة: «أحمد بن سعيد الدارميّ».