بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: «أفَأَحُلُّهُ، فَأَغْسِلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَيْضَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ) هو: أحمد بن سعيد بن صخر الدارميّ، أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م دت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣.
٢ - (زَكَريَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقَةٌ جليلٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (بخ م مدت س ق)، تقدّم في «المقدّمة» تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢.
٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م دس ق) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد أيوب بن موسى الماضي.
وقوله: (وَقَالَ: «أَفَأَحُلُّهُ) فاعل»قال« ضمير روح بن القاسم.
وقوله: (أَفأَحُلُّهُ) بضم الحاء المهملة، من باب نصر، يقال: حَلَّ الْعُقْدة: إذا نقضها .
قال الجامع عفا الله عنه: رواية روح بن القاسم، عن أيوب بن موسى هذه، لم أجد من أخرجها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥٣] (٣٣١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو
هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أفَلَا يَأمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟، لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩.
٣ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد على عهد النبيّ - ﷺ -، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا إسماعيل ابن عليّة» أشار به إلى أن شيخه يحيى صرّح باسم شيخه إسماعيل، وبإخباره له، بخلاف الآخرين، فلم يصرّحا بذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فيحيى، وعلي بن حُجْر ما أخرج لهما أبو داود، وابن ماجه، وأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي الزبير، عن عُبيد بن عُمير.
٥ - (ومنها): أن عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) الليثيّ المكيّ ﵀، أنه (قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو) بن العاص - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ، وتقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٤/ ١٨. (يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ) وفي رواية أبي عوانة: «كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر المرأة إذا اغتسلت من الجنابة أن تنقض قرون رأسها» (أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ) أي ضفائر رؤوسهنّ، قال النوويّ ﵀: هذا يُحْمَل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهنّ، ويكون ذلك في شعور لا يَصِل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له أنه يجب النقض بكل حال، كما حكيناه عن النخعيّ، ولا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة - ﵄ -، ويَحْتَمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط، لا للإيجاب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن هذا مذهب له، وأنه لم يبلغه حديث النبيّ - ﷺ - في ذلك، وأما التفريق بين الشعر الذي يصل إليه الماء، وبين غيره، فقد تقدّم أن الراجح أنه لا فرق بينهما، وأن المرأة لا يجب عليها إيصال الماء إلى أصول شعرها، كما هو ظواهر النصوص المتقدّمة، وحديث عائشة - ﵂ - هذا أيضًا دالّ عليه: «ولا أزيد على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات»، فلو كان الإيصال واجبًا لبيّنته، وقيّدت به، ولم تنكر على ابن عمرو إنكارًا مطلقًا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرِو) هذا تعجّب من فعل ابن عمرو - ﵄ -، ثم إذا نُوّن «عَجَبًا» كان مفعولًا مطلقًا لفعل مقدّر، أي أَعْجَبُ عجبًا، والمنادى محذوف، أي يا قوم، أو «يا» حرف تنبيه، وإذا لم يُنَوّن كان هو المنادى، وأصله: يا عجبي، فأبدلت الياء ألفًا؛ للتخفيف، بعد قلب الكسرة قبلها فتحة.
[تنبيه]: حكم الاسم المتعجّب منه كحكم الاسم المستغاث منه، فيقولون: يا للماء، ويا للدواهي، إذا تعجّبوا من كثرتهما، ويقال: يا لَلْعَجب، ويا عَجَبَا لزيد، ويا عجبُ لزيد، كما يقولون: يا لَزيد، ويا زيدَا، ويا زيدُ لعمرو، قال في «الخلاصة»:
وَلَامُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ … وَمِثْلُهُ اسْمٌ ذُو تَعَجُّبٍ أُلِفْ
وقولها: (هَذَا) بدل من ابن عمرو (يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ) بضمّ القاف، من باب نصر، كما سبق في الماضي (رُءُوسَهُنَّ) أي شعور رؤوسهنّ، فهو على حذف مضاف (أفَلَا يَأمُرُهُنَّ) تقدّم أن الهمزة مقدّمة من تأخير على مذهب الجمهور، وأصلها: فألا يأمرهنّ، قُدّمت على العاطف، لوجوب الصدارة لها، أو هي داخلةٌ على مقدّر، يُعطف عليه المذكور، على رأي الزمخشريّ.
والاستفهام إنكاريّ، وهو بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، فهو كقوله ﷿: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، أي أُعموا، فلا ينظرون، أي فلينظروا إلى الإبل كيف خلقت؟.
فيكون التقدير هنا: أَيَتَشَدّد في دينه هذا التشدّد، فلا يأمرُهنّ، أي فليأمرهنّ، والكلام على سبيل التهكّم .
(أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول «يأمر»، أي ألا يأمرهنّ بحلق رؤوسهنّ حتى يتضرّرن بنقضها كلّما اغتسلن.
وفي رواية أبي عوانة: «أفلا يأمرهنّ بجَزّ نواصيهنّ».
(لَقَدْ) اللام هي الموطّئة للقسم، أي والله لقد (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَما) ضمير منفصلٌ للمتكلّم أُتي لأجل العطف على الضمير المتّصل، كما سبق غير مرّة، (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -) عطف على الضمير المتّصل في الفعل (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وهذا الإناء فُسّر في رواية أخرى، فقد أخرج النسائيّ الحديث من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عُبيد بن عُمير، أن عائشة قالت: «لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من هذا، فإذا تَوْرٌ موضوع مثل الصاع، أو دونه، فنشرع فيه جميعًا، فأفيض على رأسي بيديَّ ثلاث مرّات، وما أنقض لي شعرًا».
و«التَّوْر» بفتح، فسكون، فَراء: إناء من صُفْر، أو حجارة.
ويَحتمل أن يكون هو الفَرَق الذي تقدّم قبل باب في حديث عروة،
عن عائشة - ﵂ -، وفسّره ابن عيينة بأنه ثلاثة آصع، لكن الأول أولى؛ لأن تفسير الرواية بما جاء في نفس الرواية من طريق أخرى أولى، وأقرب، فيُحمل هذا على بعض الأحيان، أو يُحمَل على اختلاف الصيعان بالصغر والكبر، فقد يكون بعضها كبيرًا يسع ثلاثة من صغارها، والله تعالى أعلم.
(وَلَا أَزِيدُ)، وفي نسخة: «فلا أزيد» بالفاء (عَلَى أَنْ أُفْرغَ) بالبناء للمفعول (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ) هو معنى ما سبق بلفظ: «ثلاث حثيات»، وبلفظ: «ثلاث حَفَنات»، فيكون المعنى أنها تأخذ الماء بكفيها، فتصبه على رأسها، وفي رواية أبي عوانة: «فما أزيد على أن أَحْفِنَ على رأسي ثلاث مرات».
وفي الحديث دلالة على أنه لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها في الاغتسال من الجنابة، وكذا الحيض، كما سبق تحقيقه في شرح الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١١/ ٧٥٣] (٣٣١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٢٠٣)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩١٣ و٩١٤ و٩١٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٨٠)، وبقيّة مباحث الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.