HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ. فَقَالَ «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي. ثُمَّ صَلِّي» فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ إن رسول الله ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص180
ج ١ ص ٢٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص١٤٢
فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة«، قيل له: فالغسل؟ قال:»ذلك لا يشك فيه أحد». انتهى. وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ، وجرير بن عبد الحميد، فلم أجد من أخرجهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦١] (٣٣٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ ، رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي»، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ، إمام [٧] (ت ١٧٥) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. والباقون تقدّموا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهما، فالأول قال: «حدّثنا ليث»، لأنه سمعه من لفظه مع غيره، والثاني قال: «أخبرنا الليث»؛ لكونه سمع قراءة من يقرأ عليه، وأيضًا اختلفا في إدخال «أل» على «ليث»، وهو جائز؛ للمح الأصل، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وقتيبة وإن كان بَغْلانيًّا، إلا أنه سكن مصر أيضًا. ٤ - (ومنها): مسلسلٌ بالفقهاء. ٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة، عن خالته عائشة - ﵂ -. ٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵁ - (أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ)، أي طلبت الْفَتْوى، ويقال: الْفُتْيا، وهو اسم مِن أفتى العالم: إذا بَيَّن الحكم . (أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ)، وفي نسخة: «ابنة جحش»، وهي أخت زينب أم المؤمنين، وهي مشهورة بكنيتها، وقد قيل: اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب، بغير هاء، قاله الواقديّ، وتبعه الحربيّ، ورجحه الدارقطنيّ، والمشهور في الروايات الصحيحة: «أم حبيبة» بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف، كما ثبت عند المصنّف من رواية عمرو بن الحارث الآتية. ووقع في «الموطأ» عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة: «أن زينب بنت جحش، التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، كانت تُستحاض …» الحديث، فقيل: هو وَهَمٌ، وقيل: بل صوابٌ، وأن اسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها، أم المؤمنين زينب، فإنه لم يكن اسمها الأصليّ، وإنما كان اسمها بَرَّة، فغَيَّره النبيّ - ﷺ -. وفي أسباب النزول للواحديّ أن تغيير اسمها كان بعد أن تزوجها النبيّ - ﷺ -، فلعله - ﷺ - سماها باسم أختها؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية، فأُمِن اللبس. ولهما أخت أخرى، اسمها حَمْنة - بفتح المهملة، وسكون الميم، بعدها نون - وهي أيضًا إحدى المستحاضات، كما تقدم. قال الحافظ ﵀: وتَعَسَّف بعض المالكية، فزعم أن اسم كلٍّ من بنات جحش زينب، قال: فأما أم المؤمنين، فاشتهرت باسمها، وأما أم حبيبة، فاشتهرت بكنيتها، وأما حمنة، فاشتهرت بلقبها، ولم يأتِ بدليل على دعواه بأن حمنة لقبٌ. ولم ينفرد «الموطأ» بتسمية أم حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» عن ابن أبي ذئب حديث الباب، فقال: إن زينب بنت جحش. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وأما قوله: «أم حبيبة»، فقد قال الدارقطنيّ: قال إبراهيم الحربيّ: الصحيح أنها أم حبيب، بلا هاء، واسمها حبيبة، قال الدارقطنيّ: قول الحربيّ صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن، قال غيره: وقد رُوي عن عمرة، عن عائشة أن أم حبيب. وقال أبو عليّ الغسانيّ: الصحيح أن اسمها حبيبة، قال: وكذلك قاله الحميديّ، عن سفيان . وقال ابن الاثير: يقال لها: أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، قال: والأول أكثر، وكانت مستحاضة، قال: وأهل السير يقولون: المستحاضة أختها حَمْنة بنت جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح أنهما كانتا تستحاضان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي الجمع بين هذه الراويات، فأم حبيبة كنيتها، كما صحّ في مسلم، وتقدّم عن الحافظ أنه المشهور في الروايات، ويقال لها أيضًا: أم حبيب بلا هاء، واسمها زينب، كما صحّ عن مالك، وابن أبي ذئب، ويقال لها أيضًا حبيبة، كما صحّ في رواية الحميديّ عن سفيان. وأما تغليط مالك في تسميتها بزينب، فلا وجه له؛ لأنه إمام متقن، على أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه ابن أبي ذئب، كما تقدّم آنفًا، وكذلك تغليط تكنيتها بأم حبيبة، لا وجه له؛ لصحّته في رواية مسلم، بل هو المشهور في الروايات، كما تقدّم، فتصحيح الدارقطنيّ، تبعًا لإبراهيم الحربيّ كون كنيتها أم حبيب بلا هاء، محلّ نظر، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال في «الفتح» عند شرح حديث عائشة - ﵂ -: «أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت، وهي مستحاضة». قوله: «بعض نسائه». قال ابن الجوزيّ ما عرفنا من أزواج النبيّ - ﷺ - مَن كانت مستحاضةً، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها: «من نسائه»، أي النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش. قال الحافظ: يرد هذا التأويل قوله في الرواية الثانية: «امرأة من أزواجه»، وقد ذكرها الحميديّ عقب الرواية الأولى، فما أدري كيف غَفَل عنها ابن الجوزيّ؟، وفي الرواية الثالثة: «بعض أمهات المؤمنين»، ومن المستبعد أن تعتكف معه - ﷺ - امرأة غير زوجاته، وإن كان لها به تعلق. وقد حَكَى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث، كُنّ مستحاضات: زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي المشهورة منهنّ بذلك. وذكر أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: «استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبيّ - ﷺ -: اغتسلي لكل صلاة»، وكذا وقع في «الموطأ» أن زينب بنت جحش استحيضت، وجزم ابن عبد البر بأنه خطأ؛ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف إنما هي أم حبيبة أختها. وقال شيخنا الإمام البلقينيّ: يُحْمَل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتًا، بخلاف أختها، فإن استحاضتها دامت. قال الحافظ: وكذا يُحْمَل على ما سأذكره في حقّ سودة وأم سلمة، والله أعلم. قال: وقرأت بخط مغلطاي في عَدّ المستحاضات في زمن النبيّ - ﷺ - قال: وسودة بنت زمعة، ذكرها العلاء بن المسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين، فلعلها هي المذكورة. قال الحافظ: وهو حديث ذكره أبو داود، من هذا الوجه تعليقًا، وذكر البيهقيّ أن ابن خزيمة أخرجه موصولًا، قال الحافظ: لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا جعفر تابعيّ، ولم يذكر من حدثه به. قال: وقرأت في «السنن» لسعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة، أن امرأة من أزواج النبيّ - ﷺ - كانت معتكفةً، وهي مستحاضةٌ، قال: وحدثنا به خالد مرةً أخرى، عن عكرمة، أن أم سلمة، كانت عاكفةً، وهي مستحاضةٌ، وربما جَعَلت الطست تحتها، قال الحافظ: وهذا أولى ما فُسِّرت به هذه المرأة؛ لاتحاد المخرج. وقد أرسله إسماعيل ابن علية، عن عكرمة، ووصله خالد الطحان، ويزيد بن زريع، وغيرهما، بذكر عائشة فيه، ورجح البخاريّ الموصول، فأخرجه، وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية هذا الحديث، كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة لـ«استفتت» (فَقَالَتْ) هذا تفسير لمعنى «استفتت» (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مضارع استُحيضت المرأة بالبناء للمفعول: إذا استمرّ بها الدم في غير أيام الحيض، (فَقَالَ) - ﷺ - («إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ)، أي دم عِرْق انفجر، بسبب ركضة الشيطان، (فَاغْتَسِلِي)، وفي رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب الآتية:»إن هذه ليست بالحيضة، ولكنّ هذا عرق، فاغتسلي، وصلّي«، وفي رواية عراك، عن عروة الآتية:»امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي«، (ثُمَّ صَلِّي») فيه وجوب الصلاة على المستحاضة، وهو مُجْمَعٌ عليه، كما تقدّم بيانه، (فَكَانَتْ) أم حبيبة (تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)، أي عند إرادة أداء كلّ صلاة (قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرِ)، وفي نسخة: «ولم يذكر» بالواو (ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ) معنى كلامه: أنَّ ابن شهاب في رواية الليث بن سعد عنه لم يذكر أمر النبيّ - ﷺ - لها بالاغتسال، بل إنما كانت تغتسل من عند نفسها، وقد اختُلف في هذا الاغتسال، هل هو من عندها، أو بأمر النبيّ - ﷺ -؟ وسيأتي تحقيقه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ) معنى كلامه أن في رواية شيخه محمد بن رُمح وقع قوله: «استفتت ابنة جحش»، بدل قول قتيبة: «استفتت أم حبيبة»، وهذا من احتياطات المصنّف ﵀، وشدّة تحرّيه في أداء ما سمع كما سمع، وإن لم يختلف المعنى؛ إذ لا اختلاف بين ابنة جحش، وأم حبيبة، وقد تقدّم له نظير هذا غير مرّة، ونبّهت عليه مرَارًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٣/ ٧٦١ و٧٦٢ و٧٦٣ و٧٦٤ و٧٦٥ و٧٦٦] (٣٣٤)، و(البخاريّ) في «الحيض» (٣٢٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٩٠)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١١٧ و١١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٨٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٩٦ و١٩٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٥٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٣١ و٣٤٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٩٩)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ١٧٣ - ١٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٣٠ و٩٣١ و٩٣٢ و٩٣٣ و٩٣٥ و٩٣٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٤٩ و٧٥٠ و٧٥١ و٧٥٢ و٧٥٣ و٧٥٤ و٧٥٥)، والله تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في أمر النبيّ - ﷺ - أم حبيبة - ﵂ - بالاغتسال لكلّ صلاة: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقد ذكر المصنّف عن الليث بن سعد أنه شيء فعلته هي، وقال النووي في «شرح المهذّب»: لم يصحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه أمرها بالغسل إلا مرّة واحدة عند انقطاع الحيض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يصحّ إلخ فيه نظر، بل صحّ وثبت من حديث الزهريّ، من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق، عنه، ومن رواية ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، ومن رواية يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، كما سيأتي بيانه قريبًا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. ثم ذكر النوويّ عن الشافعيّ أنه قال: إنما أمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشكّ أن غسلها كان تطوّعًا غير ما أُمرت به، وذلك واسع لها. انتهى . وممن تصدّى لتضعيف رواية الأمر بالغسل لكل صلاة البيهقيّ في «سننه»، لكن ردّ عليه العلّامة المحقّق ابن التركمانيّ، فأجاد، وأفاد، ودونك حوارهما: أخرج البيهقيّ ﵀ بسنده عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة استُحيضت، فذكرت للنبيّ - ﷺ - ذلك، فقال: «إنها ليست بحيضة، ولكنها رَكْضة من الرحم، فلتنظر قدر أقرائها التي كانت تحيض، فتترك الصلاة، ثم تغتسل عند كل صلاة، وتصلي». قال البيهقيّ: قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ. فردّ ذلك ابن التركمانيّ ﵀ بقوله: إن أراد غير محفوظ عنه، فليس كذلك، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق ابن أبي حازم عنه، وأخرجه النسائيّ من طريق بكر بن مضر عنه، وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من طريق عبد العزيز الدّرَاوَرْديّ عنه، فهؤلاء ثلاثة رووه عنه. وإن أراد أنه غير محفوظ منه، فليس كذلك أيضًا؛ لأن ابن الهاد من الثقات المحتجّ بهم في «الصحيح». ثم أسند البيهقيّ من طريق أبي داود بسنده عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش: «استحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها بالغسل لكل صلاة»، ثم قال البيهقيّ: رواية ابن إسحاق عن الزهريّ غلط؛ لمخالفتها سائر الرواة عن الزهريّ. فردّه ابن التركمانيّ بقوله: المخالفة على وجهين: مخالفة ترك، ومخالفة تعارض وتناقض، فإن أراد مخالفة الترك والتناقض، فلا تناقض في ذلك، وإن أراد مخالفة التعارض فليس كذلك؛ إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبيّ - ﷺ - لها بالغسل عند كلّ صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق سليمانُ بن كثير، كما ذكره البيهقيّ قريبًا، وخبر ابن الهاد المتقدّم شاهد لذلك. ثم قال البيهقيّ: وكيف يكون الأمر بالغسل عند كلّ صلاة ثابتًا من حديث عروة؟ وقد أخبرنا أبو أحمد، فذكر بسنده عن عروة قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غُسلًا واحدًا، ثم تتوضّأ بعد ذلك للصلاة، وأسند عن عائشة نحوه. قال ابن التركمانيّ: كأنه ضعّف الأمر بالغسل لكلّ صلاة بمخالفة فتوى عروة وعائشة له، وقد عُرف من مذهب المحدّثين أن العبرة لما رَوَى الراوي، لا لرأيه. ثم ذكر البيهقيّ من طريق الحسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأةً كانت تُهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها النبيّ - ﷺ - أن تغتسل عند كلّ صلاة، ثم قال: خالفه هشام الدستوائيّ، فأرسله، ثم ذكر من جهة هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أم حبيبة سألت … إلخ. قال ابن التركمانيّ: في تسمية هذا مرسلًا نظر، وعلى تقدير تسليمه قد عُرف ما في الإرسال مع زيادة الثقة للإسناد … إلى آخر كلامهما رحمهما الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: الإرسال الذي ذكره البيهقيّ في روايته فقط، وسيأتي في رواية ابن حزم أنه قال: «عن أم حبيبة»، فرواه بـ «عن»، فثبت اتّصاله، فظهر بهذا أن حديث الأمر بالغسل صحيح، وأن العلل التي ذكروها غير مقبولة على قواعد المحدّثين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ولقد أجاد الإمام الناقد أبو محمد بن حزم في سوق الأحاديث في كتابه «الْمُحَلَّى» حيث قال: حدثنا حُمَام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا علان، ثنا محمد بن بشار، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، هو ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أم حبيبة بنت جحش، أنها كانت تُهَراق الدم، وأنها سألت رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة. وبه إلى ابن أيمن: ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث بن سعيد التَّنُّوريّ، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة المخزوميّ: «أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأن رسول الله - ﷺ - أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وتصلي». قال: زينب هذه ربيبة رسول الله - ﷺ - نشأت في حجره ﵇، ولها صحبة . وبه إلى ابن أيمن: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أم حبيبة بنت جحش، «أنها استُحيضت، فأمرها رسول الله - ﷺ - بالغسل عند كل صلاة». حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا ابن السليم، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو داود، ثنا هناد بن السريّ، عن عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: «أن أم حبيبة بنت جحش استُحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها بالغسل لكل صلاة». حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك الخولانيّ، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن إسماعيل، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عُميس، قالت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استُحيضت، فقال رسول الله - ﷺ -: «لتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا، وتتوضأ فيما بين ذلك». قال ابن حزم: فهذه آثار في غاية الصحة، رواها عن رسول الله - ﷺ - أربع صواحب: عائشة أم المؤمنين، وزينب بنت أم سلمة ، وأسماء بنت عُميس، وأم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كلّ واحدة، من عائشة، وأم حبيبة عروة، وأبو سلمة، ورواه أبو سلمة عن زينب بنت أم سلمة، ورواه عروة عن أسماء. انتهى كلام ابن حزم باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في رواية البيهقيّ أنه ثابت أيضًا من رواية ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ -، وقد أجاد البحث في هذا الشيخ الألباني ﵀ في «صحيح أبي داود»، فراجعه . والحاصل أن الحديث في أمر النبيّ - ﷺ - بغسل المستحاضة لكلّ صلاة ثابت، فوجب القول به، وأما تغليط الحفّاظ كما ادّعاه البيهقيّ، وغيره، أو دعوى النسخ كما ادّعاه الطحاويّ، فغير صحيح، بل الأولى والأحسن الجمع بين الأحاديث بحمل الأمر على الندب كما هو رأي الجمهور، والصارف له عن الوجوب صحة أمره - ﷺ - لها بالوضوء لكلّ صلاة، وقد أشبعت البحث في المستحاضة في «شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزبَيْر، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ، استُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَة، وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، وَصَلِّي»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ، فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا، زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ هِنْدًا، لَوْ سَمِعَتْ بِهَذِهِ الْفُتْيَا، وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّ، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في «المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. والباقون تقدّموا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في هذه الرواية، عن عروة بن الزبير، وعمرة، وهو الصواب، وكذلك رواه ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن عروة، وعمرة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عروة، وعمرة، كما رواه الزهريّ، وخالفهما الأوزاعيّ، فرواه عن الزهريّ، عن عروة، عن عمرة بـ «عن»، جَعَلَ عروة راويًا عن عمرة. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الجامع عفا الله عنه: وهكذا وقع عند البخاريّ في «صحيحه» من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، ولفظه: «عن عروة، وعن عمرة» بإعادة الجارّ، قال في «الفتح»: يعني كلاهما عن عائشة، كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بحذف الواو، فصار من رواية عروة عن عمرة، وكذا ذكر الإسماعيليّ أن أحمد بن الحسن الصوفي حدثهم به، عن خَلَف بن سالم، عن مَعْن، والمحفوظ إثبات الواو، وأن الزهريّ رواه عن شيخين: عروة وعمرة، كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره من طُرُق، عن ابن أبي ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، وأبو داود من طريق الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ عنهما، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الليث، عن الزهريّ، عن عروة وحده - يعني الرواية الماضية - ومسلم أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود من طريق يونس، كلاهما عن الزهريّ عن عمرة وحدها - يعني الرواية التالية - قال الدارقطنيّ: هو صحيح من رواية الزهريّ، عن عروة وعمرة جميعًا. انتهى . (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ -، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) مجرورٌ على البدليّة، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ، أي هي، أو النصب، بتقدير فعل، أي أعني (أَنَّ أمّ حَبِيبَةَ) تقدّم الخلاف في اسمها، وكنيتها في شرح الحديث الماضي (بِنْتَ جَحْشٍ) بفتح الجيم، وسكون الحاء المهملة، آخره شين معجمة (خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بنصب «خَتَنَة» على البدليّة، وهو: بفتح الخاء المعجمة، والتاء المثنّاة من فوقُ - ومعناه: قريبة زوج النبيّ - ﷺ -؛ لأنها أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين - ﵂ -. قال الفيّوميّ ﵀: «الْخَتَنُ» بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أَخْتان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَة: أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة، والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأَصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة، يقال: خاتنهم: إذا صاهرهم. انتهى . (وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ)، وفي نسخة: «وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف»، والمراد أنها زوجته، قال النوويّ ﵀: عَرَّفها بشيئين: أحدهما: كونها أخت أم المؤمنين، زينب بنت جَحْش، زوج النبيّ - ﷺ -، والثاني: كونها زوجة عبد الرحمن. انتهى. (اسْتُحِيضَتْ) بالبناء للمفعول (سَبْعَ سِنِينَ) قال في «الفتح»: قيل: فيه حجة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصلاة إذا تركتها ظانّةً أن ذلك حيضٌ؛ لأنه - ﷺ - لم يأمرها بالإعادة، مع طول المدّة، ويحتمل أن يكون المراد بقولها: «سبع سنين» بيان مدّة استحاضتها، مع قطع النظر، هل كانت المدّة كلها قبل السؤال، أو لا؟ فلا يكون فيه حجة لما ذُكِر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن القاسم في هذا عندي هو الحقّ، وهو الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وقد ذكرت تحقيقه في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. (فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ)، أي في شأن الاستحاضة، فقالت: إني أُستحاض، أفأدع الصلاة؟، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ هَذِهِ)، أي الحالة التي أصابتك من استمرار الدم في غير أيام العادة (لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ) تقدّم ضبطه بالفتح، والكسر (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وفي نسخة بتخفيفها (هَذَا) إنما ذكّره هنا، مع أنه أنّثه في السابق؛ نظرًا للخبر، وهو قوله: (عِرْقٌ)، أي دم عرق انفجر (فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي»)، أي إذا مضى قدر أيام الحيض، فاغتسلي، وصلّي الصلاة، وفي الرواية الآتية من طريق عراك، عن عروة ﵀: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي»، قال النوويّ ﵀: في هذين اللفظين دليلٌ على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جاريًا، وهذا مُجمع عليه، وقد قدّمنا بيانه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ولكن هذا عِرْقٌ، فاغتسلي» قد يَتمسّك به من يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلّله بكونه دمَ عِرْق، وهذا لا حجة فيه؛ لما بُيِّن في الرواية الأخرى أن هذا الغسل إنما هو للحيضة، فإنه قال فيها: «امكُثي قدر ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثم اغتسلي». انتهى . (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵁ -: (فَكَانَتْ)، أي أم حبيبة (تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ) بكسر الميم، وفتح الكاف، وهو الإجّانة التي تُغسل فيها الثياب، قاله النوويّ، وفي «القاموس»: «الْمِرْكن»: بكسر الميم، كمِنْبَر: إناء معروف. انتهى. و«الإِجّانة»: بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناء تُغسل فيه الثياب، والجمع أَجَاجين، والإِنْجانة لغةٌ تمتنع الفُصحاء من استعمالها، أفاده الفيّوميّ . (فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا) متعلّق بـ «تغتسل»، و«الْحُجْرة» بضمّ، فسكون، وزانُ غُرْفة: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، كغُرَفٍ وغُرُفَات (زْينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) بجرّ «زَينب» بالفتحة؛ لكونه غير منصرف؛ للعلميّة والتأنيث، بدل من «أُختها» (حَتَّى تَعْلُوَ)، أي تغلب (حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) المراد أنها كانت تجلس في الْمِركن، ثم تصُبّ عليها الماء من غيرها، فيستنقع الماء فيها، فتعلو حمرة الدم السائل منها الماء؛ لكثرتها، ثم تخرح منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغيّر بالدم، أفاده القرطبيّ ﵀ . وزاد في رواية النسائيّ من طريق النعمان بن المنذر، والأوزاعيّ، وحفص بن غَيْلان، كلهم عن الزهريّ: «وتخرُج، فتصلي مع رسول الله - ﷺ -، فما يمنعها ذلك من الصلاة». (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) ﵀ (فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ)، أي بهذا الحديث الذي حدّثه به عروة، عن عائشة - ﵂ - (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة، فقيهٌ، عابد من [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك، وتقدّم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٠. (فَقَالَ) أبو بكر لَمّا سمع هذا (يَرْحَمُ اللهُ هِنْدًا) كتب في هامش نسخة محمد ذهني ﵀ وهو من المحققين ما نصّه: لقوله: «يرحم الله هندًا» لم يَذكُر من هي؟، فلم يُدْرَ أقريبته، أم حليلته؟ وفي آخر «الإصابة» لابن حجر: «هند» غير منسوبة وقع ذكرها في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عند مسلم إلى آخر ما هنا بعينه، ولم يزد عليه شيئًا. انتهى . (لَوْ سَمِعَتْ بِهَذهِ الْفُتْيَا) بضمّ الفاء، وسكون التاء الفوقيّة، مقصورًا، ويقال له: الفُتْوَى، ويُجمع على الفتاوي - بكسر الواو - على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف، قاله في «المصباح»، وفي «القاموس»: «الْفُتْيَا، والْفُتْوَى - يعني بضم الفاء - وتُفتح - يعني الأخيرةَ -: ما أفتى به الفقيه. انتهى . (وَاللهِ إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا وقعت اللام الفارقة بعدها، أي إنها (كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي)، أي لاستمرار الدم بها، وظنّها أنه كالحيض يمنع الصلاة، مع أن حكمه مخالف له، كما بيّنه النبيّ - ﷺ - لأم حبيبة، وغيرها من النساء، حين قالت:»أفأدع الصلاة؟ قال: لا … « الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ، إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَتِ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، إِلَى قَوْلِهِ: تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ) الوَرَكَانيّ - بفتحتين - الخراسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إلخ) يعني أن حديث إبراهيم بن سعد مثل حديث عمرو بن الحارث، إلا أنه انتهى إلى قوله: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). وقولها: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) معناه: أنها كانت تغتسل في الْمِرْكَن، فتجلس فيه، وتصبّ عليها الماء، فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فيَحْمرّ الماء، ثم إنه لا بدّ أنها كانت تتنظّف بعد ذلك عن تلك الغسالة المتغيّرة، قاله النوويّ ﵀ . [تنبيه]: رواية إبراهيم بن سعد هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀ في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٣٨١)، فقال: (٧٥١) حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمد بن جعفر الْوَرَكَانيّ، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله - ﷺ -، وكانت استُحِيضت سبع سنين، فاشتكت ذلك إليه، واستفتته فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن هذا ليس بحيضة، ولكنه عِرْق، فاغتسلي، ثم صلي»، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، فكانت تجلس في الْمِرْكن ، فيعلو الدم الماء، ثم تصلي. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ). قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول، وكذا نقله القاضي عياض ﵀ عن جميع رُواة مسلم، إلا السمرقنديّ، فإنه جَعَل عروة مكان عمرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن رواية السمرقنديّ خطأ، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ). قال القاضي عياض رحم الله في الرواية: إنه وقع في نسخة أبي العباس الرازيّ: «أن زينب بنت جحش»، قال القاضي: اختَلَف أصحاب «الموطأ» في هذا عن مالك، وأكثرهم يقولون: «زينب بنت جحش»، وكثير من الرواة يقولون: «عن ابنة جحش»، وهذا هو الصواب، ويُبَيِّنُ الوهمَ فيه قولُهُ: «وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف»، وزينب هي أم المؤمنين، ولم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قطّ، إنما تزوجها أوّلًا زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله - ﷺ -، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أمُّ حبيبة أختها، وقد جاء مُفَسَّرًا على الصواب في قوله: «خَتَنَة رسول الله - ﷺ -، وتحت عبد الرحمن بن عوف»، وفي قوله: «كانت تغتسل في بيت أختها زينب». قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: قيل: إن بنات جحش الثلاث: زينب، وأم حبيبة، وحَمْنة، زوج طلحة بن عبيد الله، كُنّ يُسْتَحَضْنَ كلُّهنّ، وقيل: إنه لم يستحض منهنّ إلا أم حبيبة. وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه «الْمُوعِب» في شرح «الموطأ» مثل هذا، وذكر أن كل واحدة منهنّ اسْمُها زينب، ولُقِّبَت إحداهنّ حَمْنة، وكُنِيت الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هذا هكذا، فقد سَلِمَ مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب. وقد ذكر البخاريّ من حديث عائشة - ﵂ - أن امرأة من أزواجه - ﷺ -، وفي رواية: «إن بعض أمهات المؤمنين»، وفي أخرى: «إن النبيّ - ﷺ - اعتَكَفَت معه بعضُ نسائه، وهي مستحاضة». انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: هكذا رُوي «أن ابنة جحش»، وفي بعض النسخ عن أبي العبّاس الرازيّ: «أن زينب بنت جحش كانت تُستحاض»، وهو وَهَمٌ، والمستحاضة ليست زينب، وإنما هي أم حبيبة بنت جحش، وزعم قوم أن اسمها حبيبة، وتُكنى أم حبيبة، ثم أخرج بسنده عن محمد بن المثنّى، عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش، كانت تُستحاض، وكذلك قال الْحُميديّ، عن سُفيان، وهو الصحيح. ثم أخرج بسنده، عن الحميديّ، عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - ﷺ - … الحديث. قال: وحَكَى أبو الحسن الدارقطنيّ، عن أبي إسحاق الحربي، أنه قال: الصحيح قول من قال في الحديث: «أن أم حبيب» بلا هاء، واسمها حبيبة. قال أبو الحسن الدارقطنيّ: قول إبراهيم صحيحٌ، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من كلام هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - أن رواية من روى «زينب بنت جحش» غلطٌ، والصواب ما وقع في أكثر الأصول «ابنة جحش»، وهي حبيبة أخت زينب أم المؤمنين - ﵄ -، وتُكنى أم حبيب بلا هاء، كما قاله الحربيّ، وصححه الدارقطنيّ، فتفطّن، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن سفيان بن عيينة حدث عن الزهريّ نحو حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وإبراهيم بن سعد عن الزهريّ. [تنبيه]: رواية سفيان هذه أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٣٢٢) فقال: (٩٣٦) - حدثنا إبراهيم الحربيّ، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ عن عمرة، عن عائشة، أن ابنة جحش، استُحِيضت، فكانت تمكث سبع سنين، وتجلس في الْمِرْكَن، فيعلوه الدم، فأتت النبيّ - ﷺ -، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل، وتصلي، تقول: ثم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة. انتهى. وأخرجها أيضًا أبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٣٨١) فقال: (٧٥٢) - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، وحدثنا فاروق، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ قالا: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، عن عمرة، قالت: عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش، استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنما ذاكِ عرق، وليس بالحيضة»، فأمرها أن تغتسل، وتصلي، كانت تغتسل لكل صلاة، وتجلس في مِرْكن، فيعلو الدم الماء. لفظ الحميديّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِن أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الدَّمِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أمْكُثي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاء المصريّ، واسم أبيه سُويد، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (جَعْفَر) بن ربيعة بن شُرَحبيل بن حسَنَةَ الْكِنْديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٣ - (عِرَاك) بن مالك الْغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أحاديث. وقولها: (مَلْآنَ دَمًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول ببلادنا، وذكر القاضي عياض: أنه رُوي أيضًا «ملآى»، وكلاهما صحيح، الأول على لفظ «المركن»، وهو مذكّر، والثاني على معناه، وهو «الإجّانة»، وهي مؤنّثةٌ. ثم ظاهر العبارة يقتضي أنه كان مملوءًا دمًا خالصًا، وليس كذلك، بل الصواب أنه كان مملوءًا بالماء الأحمر المشبه للدم، أي ماءًا كالدم، ففي الكلام استعارة تصريحيّة أصليّة، أفاده بعض الشرّاح . وقوله: («امْكُثِي) بضمّ الكاف، مضارع مكُث، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب نصر: إذا أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ فيه، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ، أفاده الفيّوميّ . وقوله: (قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي») معناه: انتظري بلا صلاة، ونحوها مما تُمْنَع منه الحائض عدد الأيام التي كانت تمنعك حيضتك فيها عنه، ثم اغتسلي، وافعلي جميع ما كنت ممنوعةً منه أيام الحيض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال.: [٧٦٦] (…) - (حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْن مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي»، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ) هو: موسى بن قُريش بن نافع التميميّ البخاريّ، مقبول [١١]. رَوَى عن إسحاق بن بكر بن مضر، ويحيى بن صالح الْوُحاظيّ، ورَوَى عنه مسلم بن الحجاج، قال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: كانت رحلة محمد بن إسماعيل، وسفيان بن عبد الحكم، وموسى بن قُريش في آخر سنة عشر ومائتين. انتهى. وتوفي موسى قبل محمد بن إسماعيل بمدة، أرَّخه القراب في سنة اثنتين وخمسين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و(٢٠٥١) حديث: «نعم الأُدُمُ، أو الإدام الخلّ»، و(٢٨٠٣) حديث: «إن القمر انشقّ على زمان رسول الله - ﷺ -». ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم بن سلمان، أبو يعقوب المصريّ، صدوقٌ فقيهٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعنه الربيع الْجِيزيّ، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد الله بن عبد الحكم، وموسى بن قريش، وأبو حاتم الرازي، وقال: لا بأس به، كان
مصادر المؤلف (٣٦)

١. وفي نسخة: «ابنة جحش».

٢. وفي نسخة: «ولم يذكر» بالواو.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٢.

٤. «الفتح» ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩.

٥. راجع: «تقييد المهمل» ٣/ ٧٩٤ - ٧٩٦.

٦. »الفتح«١/ ٤٩٠ - ٤٩١.

٧. نقله النووي في: «المجموع» ٢/ ٤٣٦.

٨. لكن لم يثبت لها رواية، فتنبّه.

٩. فيه نظر؛ إذ لم يثبت أنها سمعت منه - ﷺ -، فتنبّه.

١٠. راجع: «المحلّى» ٢/ ٢١١ - ٢١٣.

١١. ١/ ٧٠ - ٨٦.

١٢. راجع: «المجتبى» ٤/ ١٦٣ - ١٦٧ و١٧٨ - ١٨٤.

١٣. وفي نسخة: «وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف».

١٤. وفي نسخة: «وَلَكِنْ» بتخفيف النون.

١٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٤.

١٦. «الفتح» ١/ ٥٠٨.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ١٦٤.

١٨. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٥.

١٩. «المفهم» ١/ ٥٩٣.

٢٠. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٦.

٢١. »المفهم«١/ ٥٩٣.

٢٢. راجع: نسخته ١/ ١٨١.

٢٣. راجع:»الإصابة«٨/ ٣٥٠.

٢٤. »القاموس المحيط «٤/ ٣٧٣.

٢٥. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٦. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٥.

٢٧. وقع في النسخة: «في الموكز» بالواو بعد الميم، آخره زاي، والظاهر أنه تصحيف، فأصلحته بما عند أبي عوانة فقد أخرجه في: «مسنده» (١/ ٢٦٧) رقم (٩٣٠) من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، وفيه: «وتجلس في مركن» على الصواب، كما وقع في مسلم، فتنبّه.

٢٨. وفي نسخة: «عن عروة».

٢٩. وفي نسخة: «عن عروة».

٣٠. «إكمال المعلم» ٢/ ١٨٠ - ١٨١.

٣١. «تقييد المهمل» ٣/ ٧٩٤ - ٧٩٦.

٣٢. وفي نسخة: بإسقاط «بن سعيد».

٣٣. وفي نسخة: «ملآى».

٣٤. هو صاحب «فتح المنعم» ٢/ ٣٤٨.

٣٥. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٧.

٣٦. وفي نسخة: «شكت - يعني إلى النبي - ﷺ -».