HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٥

حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ. ح وحَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ. أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثم لا تؤمر بقضاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص182
ج ١ ص ٢٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص١٦٤
عنده دُرْجٌ عن أبيه، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وكان يجلس في حلقة الليث، ويفتي بقوله، وكان ثقةً، تُوُفِّي سنة (٢١٨)، وذكر يحيى بن عثمان بن صالح أن مولده سنة (١٤٢)، وذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و(٢٨٠٣) حديث: «إن القمر انشقّ على زمان رسول الله - ﷺ -». ٣ - (أَبُوهُ) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم اختلاف العلماء، هل هذا الغسل من عند نفسها، أم بأمر النبيّ - ﷺ -؟ والجمهور على الأول، لكن الأرجح أنه بأمره - ﷺ -، كما حقّقناه فيما سبق، فتنبّه، وبقيّة شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٧] (٣٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْك، عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا، تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٥ - (يَزِيدُ الرِّشْكُ) - بكسر الراء، وسكون المعجمة - هو: ابن أبي يزيد الضُّبَعيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - مولاهم، أبو الأزهر البصريّ الذّارع المعروف بالرِّشْك، ثقة عابدٌ [٦]. رَوَى عن خالد الأَبَحِّ، وعبد الله بن أنس، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي الْمَلِيح الْهُذَليّ، ومعاذة العدوية. ورَوَى عنه شعبة، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبو قُدَامة، وأبان العطار، وسَلِيم بن حَيَّان، وابن علية. قال أبو طالب، عن أحمد: صالح الحديث، رَوَى عنه شعبة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، والرِّشْك هو الْقَسَّام، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صالحٌ صالحٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان غَيُورًا، فسُمِّي بالفارسية أرشك، فقيل: الرِّشْك، ويقال: الْقَسَّام؛ لأنه مَسَحَ مكة قبل أيام الموسم، فبلغ كذا وكذا، ومسح أيام الموسم، فزاد كذا وكذا، وقال سعيد بن عامر، عن المثنى بن سعيد: بَعَثَ الحجاج يزيد الرشك إلى البصرة، فوجد طولها فرسخين، وعرضها خمسة دوانق، وقال ابن الجوزيّ: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين قال: كان ابن عُلَيَّة يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. ورُوي عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ: قال: كنت أسمع بكاء يزيد الرِّشك، وهو يومئذ ابن مائة سنة. قال ابن حبّان، وابن منجويه: مات سنة ثلاثين ومائة بالبصرة، وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٥) وأعاده بعده، و(٧١٩): «كم كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الضحى …»، و(١١٦٠): «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم»، و(٢٦٤٩): «كلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له». ٦ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعدويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في «الحيض» ٩/ ٧٣٨. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت (٥٧) على الأصحّ (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فقوله: «وحدّثنا حماد» عطف على قوله: «حدثنا حماد» الأول، فقائل: «حدّثنا» هو أبو الربيع، شيخ المصنّف، فله فيه إسنادان: أحدهما: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، عن عائشة - ﵂ -، والثانى: حماد، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، عن عائشة - ﵂ -، فالثاني أعلى بدرجة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلّهم بصريّون سوى عائشة - ﵂ -. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، ورواية أبي قلابة، عن معاذة، من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الثالثة. ٦ - (ومنها): أن فيه يزيد الرِّشْك - بكسر الراء، وإسكان الشين المعجمة - واختَلَف العلماء في سبب تلقيبه بالرشك، فقيل: معناه بالفارسية: القاسم، وقيل: الغيور، وقيل: كثير اللحية، وقيل: الرشك بالفارسية اسم للعقرب، فقيل ليزيد: الرشك؛ لأن العقرب دخلت في لحيته، فمكثت فيها ثلاثة أيام، وهو لا يدري بها؛ لأن لحيته كانت طويلةً عظيمةً جدًّا، حَكَى هذه الأقوال صاحب «المطالع» وغيره، وحَكاها أبو عليّ الغسانيّ، وذكر هذا القول الأخير بإسناده، ذكره النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدوية، البصريّة، معدودة في فقهاء التابعين (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، كما بيّنته رواية يزيد، قال: «سمعت معاذة أنها سألت عائشة»، ورواية عاصم، عن معاذة، قالت: «سألت عائشة»، وقوله: (فَقَالَتْ) تفسير وتوضيح لمعنى سؤالها (أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟) أي حيضها، فـ «المحيض» مصدر ميميّ لـ«حاض»، والظرف لا يتعلّق بـ «تقضي»؛ لأن الصلاة لا تُقضى في أيام المحيض، وإنما هو متعلّق بحال مقدّر من «الصلاة»، أي حال كونها واجبةً أيام محيضها، أو متعلّق بصفة لـ «الصلاة»، بناء على جعل المعرّف بلام الجنسيّة في معنى النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قَلْتُ لَا يَعْنِينِي فجملة «يسبّني» تحتمل الوجهين. وفي رواية عاصم: «ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟». وفي رواية البخاريّ: «أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟»، وهو بفتح أول «تَجْزي»: أي تقضي، و«صلاتَها» بالنصب مفعوله، ويُروى «أتُجزئ» بضمّ أوله، وهمز آخره: أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة، وهي طاهرةٌ، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فـ «صلاتُها» على هذا بالرفع على الفاعليّة، قال الحافظ: والأوّل أشهر، يعني رواية «تَجزي» بالفتح. (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - منكرةً لسؤالها عما لا ينبغي السؤال عنه؛ لوضوح حكمه لدى النساء منذ عهد رسول الله - ﷺ - (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و«حروريّةٌ» خبر مقدَّم، و«أنتِ» مبتدأ مؤخّرٌ، وفائدة تقدُّم الخبر الدلالة على الحصر، أي أحرورية أنت لا غير؟ . قال النوويّ ﵀: «الْحُروريّة» - بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وهي نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، قال السمعانيّ: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، وقال الهرويّ: تعاقدوا في هذه القرية، فنُسبوا إليها، فمعنى قول عائشة - ﵂ - أنّ طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة، هو استفهام إنكار، أي هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة. انتهى . وقال في «الفتح»: «الحروريّ» منسوب إلى حروراء بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضًا: بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمدّ، قال المبرد: النسبة إليها حروراويّ، وكذا كلُّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحروريّ بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروريّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على عليّ - ﵁ - بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دلّ عليه القرآن، ورَدّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار. انتهى . وقال العينيّ ﵀: وكبار فِرَق الحرورية ستة: الأزارقة، والصفرية، والنجدات، والعَجَاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على علي - ﵁ -، ويجمعهم القول بالتَّبَرِّي من عثمان وعلي - ﵁ -، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يُصححون المناكحات إلا على ذلك. وكان خروجهم على عهد علي - ﵁ - لَمّا حكّم أبا موسى الأشعريّ وعمرو بن العاص، وأنكروا على عليّ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله، وحَكَمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا، وقد خرجوا، وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكوا عبد الله، فبَعَث إليهم عليّ عبدَ الله بن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليّ، فقاتلهم. وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض، قالوا: إذا لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها. وقد قلنا: إن حروراء اسم قرية، وهي ممدودة، وقال بعضهم بالقصر أيضًا، حكاه أبو عبيد، وزعم أبو القاسم الغورانيّ أن حروراء هذه موضع بالشام، وفيه نظر؛ لأن عليًّا - ﵁ - إنما كان بالكوفة، وقتاله لهم إنما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام؛ لأن الشام لم يكن في طاعة علي - ﵁ -، وعلى ذلك أطبق المؤرخون. انتهى. وزاد في رواية عاصم الآتية عن معاذة: «فقلت: لا، ولكني أسأل»، أي سؤالًا مجردًا لطلب العلم، لا للتعنت. (قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا)، وفي الرواية التالية: «قد كُن نساء رسول الله - ﷺ - يحضن، أفأمرهنّ أن يَجْزين؟» (تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، أي في زمنه، ووجوده بين أظهرنا، والغرض منه بيان أنه كان مُطّلعًا على حال النساء، من الحيض وتركهنّ الصلاة في أيامه (ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ) ببناء الفعل للمفعول، والكلام فيه حذف، تقديره: أي تحيض، وتترك الصلاة أيام الحيض، ثم لا تؤمر بقضائها بعد الطهر، والمراد من عدم الأمر عدم الوجوب؛ لأن الواجب مأمور به. والمعنى: أنه - ﷺ - مع اطّلاعه على حيضها، وتركها الصلاة ما كان يأمرها بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرها به، كما أمر بقضاء الصوم. وفي رواية البخاريّ: «فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله»، وعند الإسماعيليّ: «فلم نكن نقضي، ولم نؤمر به»، قال في «الفتح»: والاستدلال بقولها: «فلم نكن نقضي» أوضح من الاستدلال بقولها: «فلم نؤمر به»؛ لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب؛ لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء. انتهى . وقال أيضًا: فَهِمت عائشة - ﵂ - طلب الدليل، فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام، أن الصلاة تتكرر، فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصيام، ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يُفَرِّق بأنها لم تخاطب بالصلاة أصلًا. وقال ابن دقيق العيد ﵀: اكتفاءُ عائشة - ﵂ - في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به يحتمل وجهين: [أحدهما]: أنها أَخَذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء، فيُتَمسَّك به حتى يوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء، كما في الصوم. [ثانيهما]: قال: وهو أقرب، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ لتكرر الحيض منهن عنده - ﷺ -، وحيث لم يُبَيِّن دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم، كما في رواية عاصم، عن معاذة الآتية: «فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٤/ ٧٦٧ و٧٦٨ و٧٦٩] (٣٣٥)، و(البخاريّ) في «الحيض» (٣٢١)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٦٢ و٢٦٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٣٠)، و(النسائيّ) في «الحيض» (١/ ١٩١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٢٧٧ و١٢٧٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١٥٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٩٤ و١٢٠ و١٤٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٣٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٤١ و٩٤٢ و٩٤٣ و٩٤٤ و٩٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٥٦ و٧٥٧ و٧٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، ومثلها النفساء، كما لم يجب عليهما أداؤها. ٢ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الصوم عليهما، دون أدائه. ٣ - (ومنها): مشروعيّة سؤال أهل العلم لمن كان يجهل أمرًا من أوامر الشرع. ٤ - (ومنها): استفسار العالم السائل عن وجه سؤاله، هل هو مسترشدٌ، فيُليّن له الجواب، حتى يفهمه، أم هو معارض، فيشدّد له الخطاب، حتى يُفحمه؟. ٥ - (ومنها): ذكر الدليل في محلّ الجواب؛ لأنه يكون كافيًا عن طلب الدليل؛ إذ لو أجابت عائشة - ﵂ - ربّما طالبتها السائلة بالدليل، فتحتاج إلى ذكره مرّةً أخرى. ٦ - (ومنها): أنه إنما أنكرت عائشة - ﵂ - على السائلة لكونها فَهِمت أن السؤال سؤال منكر، لا مستفهم، ولَمّا بيّنت السائلة أنها ليست منكرةً، وإنما تسأل سؤال مستفهم، فرّقت لها عائشة - ﵂ - بالنصّ؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردّ على المخالف، بخلاف الفرق المعنويّ، فإنه عُرْضة للمعارضة، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب ترك الحائض الصلاة والصوم أثناء الحيض؛ لأن القضاء وعدم القضاء مترتّب على الترك. قال النوويّ ﵀: فإن قيل: ليس في الحديث دليل على تحريم الصوم، وإنما فيه جواز الفطر، وقد يكون الصوم جائزً لا واجبًا كالمسافر. قلنا: قد ثبت شدّة اجتهاد الصحابيّات - ﵅ - في العبادات، وحرصهنّ على الممكن منها، فلو جاز الصوم لفعله بعضهنّ، كما في القصر وغيره، ويدلّ أيضًا على التحريم حديث البخاريّ ومسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم». انتهى. ٨ - (ومنها): بيان أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع على ما هو الصحيح، كما هو مذكور في كتب المصطلح. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من الحديث أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرّده، ولا يفتقر إلى معرفة سرّه، وحكمته، أو علّته. ١٠ - (ومنها): أن بعضهم ادّعى أنه ليس في السنّة ما يدلّ على تحريم الصوم على الحائض، وهو قول مردود؛ لحديث الشيخين المتقدّم، ولأن حديث حمنة - ﵂ - صريح في ذلك، حيث قالت للنبيّ - ﷺ -: «إني امرأة أُستحاض حيضة كثيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم …» الحديث، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره بطوله، وقد أقرّها - ﷺ - على ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الحائض وصومها: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها، وإذا سقط فرض الصلاة عنها، فغير جائز أن يلزمها قضاء ما لم يجب عليها في أيام الحيض، من الصلاة بعد طهرها، وثبت عن النبيّ - ﷺ - خبر دالّ على ذلك، ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فصلَّى، وانصرف، فقال: «يا معشر النساء تصدقن، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ، يا معشر النساء»، فقلن له: ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» قلن: بلى، قال: «فذاك من نقصان عقلها، وأليست إذا حاضت المرأة لم تُصَلّ، ولم تصم؟، قال: فذاك من نقصان دينها»، متّفقٌ عليه. قال: فأخبر - ﷺ - أن لا صلاة عليها، ولا يجوز لها الصوم في حال الحيض، ثم أجمع أهل العلم على أن عليها الصومَ بعد الطهر، ونَفَى الجميع عنها وجوب الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . وقال العينيّ ﵀: لا خلاف في أن الحائض لا تقضي الصلاة بين الأمة، إلا لطائفة من الخوارج، قال معمر: قال الزهريّ: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة، قلت: عمن؟ قال: أجمع المسلمون عليه، وليس في كل شيء تجد الإسناد القويّ، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة، متكررة، فيشُقّ قضاؤها، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرةً واحدةً، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة، وتذكر الله تعالى، تستقبل القبلة ذاكرة لله جالسةً، رُوي ذلك عن عقبة بن عامر، ومكحول، وقال: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهنّ، وقال عبد الرزاق: بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة، وقال عطاء: لم يبلغني ذلك، وإنه لحسنٌ، وقال أبو عمر: هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء، بل يكرهونه، قال أبو قلابة: سألنا عن ذلك، فلم نجد له أصلًا، وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرفه، وإنا لنكرهه. قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما قاله أبو قلابة، وسعيد بن عبد العزيز أن ما نُقل عن مكحول من قوله: كان ذلك من هدي نساء المسلمين، غير ثابت عنه، وإن صحّ، فلعله يريد مسلمي بلدته، وقريته، والله تعالى أعلم. قال: وفي «منية المفتي» للحنفية: يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ، وتجلس في مسجد بيتها، تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرةً، حتى لا تبطل عادتها. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكرت هذا القول إلا ليُتَعَجَّب منه، ويستبينه من له مُسكة من اتباع السنة، أليس الاستحباب مما يختصّ به الشارع الحكيم؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢١]، فهل يجوز لمسلم أن يقول: يستحبّ هذا، ويكره هذا، أو يحرم، أو يجب بدون بيّنة من كتاب أو سنة، أو إجماع؟ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قال: وفي الدراية: يكتب لها ثواب أحسنِ صلاةٍ كانت تصلي. قال الجامع: هذا أشدّ وأخطر مما قبله، فهل عِلْمُ مقدار الثواب، وتمييز أحسن الثواب من حسنه من تخصّصات صاحب «الدراية»؟، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. وبالجملة فمن قرأ كتب الفقهاء المتأخرين يَرَى العَجَب الْعُجَاب من هذا النوع، مما يتجاسرون فيه بإيحاب أشياء، أو تحريمها، أو استحبابها، أو نحو ذلك، دون أيّ حجة، وأيّ برهان، بل بما يجول في خَلَدهم من الظنون الخالية عن البراهين الساطعة، وربما يكون ذلك مضادًّا لما ثبت بالنص الصريح، وذلك نتيجة قصور علمهم، وقلّة ورعهم، وما أحسن قول ابن عابدين في «رسم المفتي»: وَلَيْسَ يَجْسُرُ عَلَى الأَحْكَامِ … سِوَى شَقِيٍّ خَاسِرِ الْمَرَامِ والحاصل أن الحقّ هو ما عليه جمهور أهل العلم من أنه لا تجب على الحائض الصلاة، لا أداؤها، ولا قضاؤها، ولا يُشرع لها أن تتشبه بمن تصلي، كما افتات هؤلاء الذين سمعت هذياناتهم، بل الواجب عليها الابتعاد من كلّ ابتداع ما أنزل الله به من سلطان، وإنما الواجب عليها قضاء الصوم فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٨] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ، أَنَّهَا سَاَلتْ عَائِشَةَ: أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَحِضْنَ، أفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: تَعْني يَقْضِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا، فمن أول السند إلى شعبة تقدّموا قبل باب، ومن بعده تقدّموا في السند الماضي، ويزيد هو الرِّشك. وقوله: (قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلخ) هذا على لغة أكلوني البراغيث؛ لأن الأكثر في الاستعمال أن يقال: قد كانت نساء رسول الله - ﷺ -، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ «فَازَ الشُّهَدَا» وَقَدْ يُقَالُ «سعِدَا»، وَ«سَعِدُوا» … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وقوله: (أفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟) بفتح حرف المضارعة، وكسر الزاي مضارع جَزَى، غير مهموز، وقد فسره محمد بن جعفر غندر في الكتاب: أن معناه يَقْضِين، وهو تفسير صحيح، يقال: جَزَى يَجْزِي: أي قَضَى، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: هذا الشيء يَجزِي عن كذا، أي يقوم مقامه، ومنه سُمّي يوم الجزاء، قال القاضي عياض ﵀: وقد حَكَى بعضهم فيه الهمز. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِك، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْم، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧.
مصادر المؤلف (٩)

١. بكسر القاف، وتخفيف اللام، وبالباء الموحدة.

٢. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٧.

٣. «عمدة القاري» ٣/ ٤٤٥.

٤. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٧.

٥. «الفتح» ١/ ٥٠٢.

٦. «الفتح» ١/ ٥٠٣.

٧. «الأوسط» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

٨. «إكمال المعلم» ٢/ ١٨٤.

٩. وفي نسخة: «ولكنْ أسأل».