HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٦

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مالك عن أبي النضر؛ أن أباه مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ. فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ. وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ.
ج ١ ص ٢٦٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص١٧٦
والباقيان تقدّما. وقولها: (مَا بَالُ الْحَائِضِ إلخ) ذكر في «القاموس» من معاني «البال»: الحال، والخاطر، والقلب، والمناسب هنا معنى الحال، أي ما حال الحائض وما شأنها في قضائها الصوم دون الصلاة؟، والاستفهام حقيقيّ، فهي تستفهم، وتسأل عن علة هذه التفرقة. وقولها: (لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ) الباء زائدة في خبر «ليس»، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ«مَا»وَ«لَيْسَ»جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ «لَا» وَنَفْيِ «كَانَ» قَدْ يُجَرْ والمعنى: أني لست أوجب قضاء الصلاة، كالحروريّة، ولكني أسأل عن الحكم سؤال مسترشد، لا سؤال معاند. وقولها: (كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكِ) الإشارة إلى الحيض، والكاف مكسورةٌ، خطابًا للمؤنّثة، أي كان الحيض يصيبنا، فكان النبيّ - ﷺ - يأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٠] (٣٣٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْر، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، أبو زكريّا تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٤ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب، واسمه يزيد الهاشميّ المدَني، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣]. رَوَى عن عَقِيل بن أبي طالب، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن سعيد، وأبي واقد الليثيّ، ورأى الزبير بن العوام. ورَوَى عنه سالم أبو النضر، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن أبي هند، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وإسحاق بن أبي طلحة، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأبو حازم بن دينار، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. قال الواقديّ: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عَقِيلًا، فنُسِب إليه، وكان شيخًا قديمًا، رَوَى عن عثمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: رَوَى عن عثمان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٦) وكرّره أربع مرّات، و(٧٢٢) حديث: «أوصاني حبيبي بثلاث …»، و(٢١٧٦) حديث: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة …». ٥ - (أمَّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند، روت عن النبيّ - ﷺ -، وروى عنها مولاها، أبو مُرَّة، وأبو صالح باذام، وابن ابنها جَعْدة المخزوميّ، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها أيضًا، هارون، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وابنه عبد الله، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء، وكريب، ومجاهد، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عقبة بن أبي مالك، وهي شقيقة عليّ - ﵁ - وإخوته، وكانت تحت هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، فوَلَدت له عمرًا، وبه كان يكنى، وهانئًا، ويوسف، وجَعْدة، ذكره الزبير بن بكار وغيره، أسلمت يوم الفتح، وعاشت بعد عليّ - ﵁ - مدّةَّ، حَكَى هذا الترمذي وغيره، وقد خطبها الرسول - ﷺ -، ماتت في خلافة معاوية - ﵁ -. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ستّ مرات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والقراءة، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا، إلا أنه دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية: أبو مرّة، وأم هانئ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سالم، عن أبي مرّة. ٦ - (ومنها): أن أم هانئ - ﵁ -، وأبا مرّة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وليس لأم هانئ فيه إلا هذا الحديث، وأما أبو مرّة، فله حديثان آخران أيضًا، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) يزيد الهاشميّ (مَوْلَى أُمِّ هَانِيءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ)، تقدّم أنه يقال له أيضًا: مولى عَقِيل بن أبي طالب؛ للزومه إياه (أَخْبَرَهُ)، أي أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) واسمها فاختة، وقيل: غيرها - ﵂ - (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ) المراد فتح مكّة، وكان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وفي الرواية التالية: «أنه لَمّا كان عامُ الفتح أتت رسول الله - ﷺ -، وهو بأعلى مكة». وسبب ذهابها إليه - ﷺ - ما ذكرته هي، قالت: «أتاني حَمَوان لي، فأجرتهما، فجاء عليّ يريد قتلهما، فأتيت النبيّ - ﷺ -، وهو في قبّة بالأبطح بأعلى مكة …» الحديث، وفيه: «قد أجرنا من أجرت، وأمّنّا من أمّنتِ». وقد وقع اختلاف فيمن أجارته أم هانئ - ﵂ -، وسيأتي بيانه في «كتاب الصلاة» - إن شاء الله تعالى -. (فَوَجَدْتُهُ) - ﷺ - (يَغْتَسِلُ) جملة في محلّ نصب على أنه مفعول ثان لـ «وَجَدَ»، أو هو منصوب على الحال من المفعول (وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) - ﷺ - (تَسْتُرُهُ)، أي عن أعين الناس (بِثَوْبٍ) وجملة «وفاطمة تستره» في محلّ نصب على الحال من المفعول أيضًا، والحًديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله في الحديث الآتي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧١] (…) - (حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْح، أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى غُسْلِه، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ، فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا ، إلا واحدًا، وهو: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَاريّ، مولى سمرة بن جندب، المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، وأم هانئ بنت أبي طالب، وذكوان مولى عائشة، وأبي مُرّة مولى أم هانئ، وعَبِيدة السَّلْمانيّ، ومطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، ويزيد بن أبي حبيب، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، وابن إسحاق، وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى، وموسى بن ميسرة، ونافع مولى ابن عمر، والوليد بن كثير، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم. قال ابن سعد: تُوُفّي في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: مات سنة ست وعشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: ذكر عبد الحق أن في «مصنف عبد الرزاق» عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى، في لباس الحرير، كذا قال، وقوله: «عن رجل» زيادة ليست في كتاب عبد الرزاق، ولا غيره، من حديث نافع، نعم رواه عبد الرزاق قال: سمعت عبد الله بن سعيد بن أبي هند، يحدث عن أبيه، عن رجل، عن أبي موسى، أخرجه الحاكم في «المستدرك» من حديث أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، وقال: هو وَهَمٌ، وقع من عبد الله بن سعيد بن أبي هند؛ لسوء حفظه، كذا قال، وأراد ترجيح رواية نافع، عن سعيد، عن أبي موسى، وقد ذكر أبو زرعة وغيره، أن حديثه عنه مرسل. وقال الدارقطنيّ في «العلل»: رواه أسامة بن زيد الليثيّ، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مُرّة، مولى أم هانئ، عن أبي موسى، قال الدارقطنيّ بعد أن أخرجه: هذا أشبه بالصواب. قلت : رواه كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن أسامة، لكن رواه ابن وهب، عن أسامة، فلم يذكر فيه أبا مُرّة، والله تعالى أعلم. انتهى . [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ) - بفتح العين المهملة، وكسر القاف - ابن أبي طالب، تقدّم أنه إنما نُسب إليه؛ للزومه إياه، وإلا فهو مولى أم هانئ، وهذا هو الذي جُعل له في كتب مصطلح الحديث بـ «باب من نُسب إلى خلاف الظاهر»، وإليه أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَنَسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيَّا … لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيَّا كَذَلِكَ الْحَذَّاءُ لِلْجَلَّاسِ … وَمِقْسَمٌ مَوْلَى بَنِي عَبَّاسِ (حَدَّثَهُ)، أي حدّث سعيدًا (أَنَّ أمّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) - ﵂ - (حَدَّثَتْهُ)، أي أبا مرّة (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي أن الحَال والشأن (لَمَّا كَانَ عَامُ الفتْحٍ) بالرفع على الفاعليّة، فـ «كان» هنا تامّة، أي حضر، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، و«عامَ الفتح» خبرها، أي لَمّا كان الزمن عامَ الفتح (أتتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: أتيت إلخ، والجملة جواب «لَمّا» (وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه - ﷺ - نازلٌ بأعلى مكة، وذلك أنه - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح من أعلاها من الموضع المسمّى بكَدا بالفتح والمدّ، وضُربت له خيمة هناك. [تنبيه]: هذا الحديث سيأتي مطوّلًا في «كتاب الصلاة»، فقد أخرجه بهذا السند، عن أبي النضر، أن أبا مرة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ، بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، فقال: «من هذه؟» قلت: أم هانئ، بنت أبي طالب، قال: «مرحبًا بأم هانئ»، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمانيَ ركعات، ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي، عليّ بن أبي طالب، أنه قاتل رجلًا أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»، قالت أم هانئ: وذلك ضحى. وقوله: (قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) جملة في محلّ نصب على الحال بتقدير «قد» على رأي البصريين، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (إِلَى غُسْلِهِ) متعلّق بـ «قام»، وهو بضمّ الغين اسم من الاغتسال (فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ) - ﵂ - (ثُمَّ) بعد تمام غسله (أَخَذَ) - ﷺ - (ثَوْبَهُ) هو الثوب الذي سترته به فاطمة - ﵂ -، ففي الرواية التالية: «فسترته ابنته فاطمة بثوبه، فلما اغتسل أخذه، فالتَحَف به» (فَالْتَحَفَ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي اشتمل به، قال البخاريّ في «صحيحه»: قال الزهريّ: الملتحف: المتوشِّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على المنكبين. انتهى. وقال في «القاموس»: لَحَفَه، كمَنَعَه: غَطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحف به. انتهى . وقال في «العمدة»: الالتحاف لغةً التغطّي، وكلُّ شيء تغطّيتَ به، فقد التحفت به، وقال الليث: اللَّحْفُ: تغطيتك الشيء باللِّحاف، وقال غيره: لَحَفتُ الرجل ألحفه لَحْفًا: إذا طَرَحت عليه اللِّحاف، أو غطّيته بشيء، وتلحّفتُ: اتّخذت لنفسي لِحَافًا. وفائدة الالتحاف: أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع، وأن لا يسقط الثوب إذا ركع، وإذا سجد. انتهى . (ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) بإثبات الياء في «ثماني»، ونصبه على المفعوليّة لـ «صلّى»، وهذا هو الجاري على القاعدة، ووقع في بعض النسخ: «ثمانَ ركعات» بحذف الياء، وهو مشكلٌ؛ لما سيأتي. [تنبيه]: قال الجوهريّ ﵀: يقال: ثمانية رجال، وثماني نسوة، وهو في الأصل منسوب إلى الثُّمُن؛ لأنه الجزء الذي صيَّر السبعةَ ثمانيةً، فهو ثمنها، ثم فتحوا أوّله؛ لأنهم يُغيّرون في النسب، كما قالوا: دُهْريّ، وسُهْليّ، وحذفوا إحدى ياءي النسب، وعوّضُوا منها الألفَ، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فثبتت ياؤه عند الإضافة، كما ثبتت ياء القاضي، فتقول: ثماني نسوة، وثماني مائة، كما تقول: قاضي مكة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجرّ، وتثبت عند النصب؛ لأنه ليس بجمع، فيُجْرَى مَجْرَى جَوَارٍ وسَوَارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غيرَ مصروف فهو على توهّم أنه جمع. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الثمانية بالهاء للمعدود المذكّر، وبحذفها للمؤنّث، ومنه ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والثوب سبع في ثمانية، أي طوله سبع أذرُع، وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى، ولهذا حُذفت العلامة معها، والشبر مذكّرٌ، وإذا أُضيفت الثمانية إلى مؤنّث ثبتت الياء ثبوتها في القاضي، وأُعربت إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوة، ورأيتُ ثمانيَ نسوة، تُظهر الفتحة، وإذا لم تُضِفْ قلت: عندي من النساء ثمانٍ، ومررتُ منهنّ بثمانٍ، ورأيتُ ثماني، وإذا وقعت في المركّب تخيَّرتَ بين سكون الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عشرةَ امرأة، وتُحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّرًا قلتَ: عندي ثمانية عشر رجلًا بإثبات الياء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما وقع في معظم نسخ «صحيح مسلم»، كالنسخة التي شرحها النووي، ونسخة محمد ذهني، بلفظ «ثمانَ ركعات» خلاف الصواب، فالصواب ما وقع في نسخة شرح الأبيّ، وقد أشار إليها محمد ذهني في هامش نسخته، وفي هامش النسخة الهنديّة أيضًا، بلفظ: «ثمانِيَ ركعات» بإثبات الياء، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. وقوله: (سُبْحَةَ الضُّحَى) بضم السين المهملة، وإسكان الباء الموحّدة: هي النافلة، سُمّيت بذلك للتسبيح الذي فيها. قال النوويّ ﵀: هذا اللفظ فيه فائدةٌ لطيفةٌ، وهي أن صلاة الضحى ثماني ركعات، وموضع الدلالة كونها قالت: «سُبْحَة الضُّحى»، وهذا تصريح بأن هذا سنةٌ مقررةٌ معروفةٌ، وصلّاها بنيّة الضحى، بخلاف الرواية الأخرى: «صَلَّى ثماني ركعات، وذلك ضحى»، فإن من الناس من يَتَوَهَّم منه خلاف الصواب، فيقول: ليس في هذا دليل على أن الضحى ثماني ركعات، ويزعم أن النبيّ - ﷺ - صَلَّى في هذا الوقت ثماني ركعات بسبب فتح مكة، لا لكونها الضحى، فهذا الْخَيَال الذي يتعلق به هذا القائل في هذا اللفظ، لا يتأتى له في قولها: «سُبْحة الضُّحى»، ولم يزل الناس قديمًا وحديثًا يحتجون بهذا الحديث على إثبات صلاة الضُّحَى ثماني ركعات. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم هانئ - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٥/ ٧٧٠ و٧٧١ و٧٧٢] (٣٣٦)، وفي «صلاة المسافرين»، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٨٠) و«الصلاة» (٣٥٧) و«الجزية» (٣١٧١) و«الأدب» (٦١٥٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٩١)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (٢٧٣٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٢٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٥٢)، و(ابن أبي شيجة) في «مصنّفه» (٢/ ٤٠٩)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٤٨٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٤٣ و٤٢٣ و٤٢٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٣٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ٤١٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣١٣١ و٦٧٨٥)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٧٥٩ و٧٦٠ و٧٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة التستّر عند الاغتسال. ٢ - (ومنها): جواز اغتسال الرجل بحضرة امرأة من محارمه، إذا حال بينهما ساتر، من ثوب، أو نحوه. ٣ - (ومنها): جواز السلام على من يغتسل؛ لأن أم هانئ سلّمت عليه - ﷺ -. ٤ - (ومنها): جواز كلام المغتسل؛ لأنه - ﷺ - قال لها: «من هذه؟ إلخ». ٥ - (ومنها): أن من سُئل عن اسمه يُجيب بصريح اسمه، كما فعلت أم هانئ، ولا يقول: أنا، فقد ورد الإنكار على من قال ذلك، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: أتيت النبيّ - ﷺ -، فدعوت، فقال النبيّ - ﷺ -: «من هذا؟»، قلت: أنا، قال: فخرج وهو يقول: «أنا أنا». ٦ - (ومنها): استحباب الصلاة عقب الاغتسال. ٧ - (ومنها): التحاف المصلّي بثوبه إذا كان واحدًا، وقد عرفت معنى الالتحاف قريبًا، ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصمّاء، فقد أخرج المصنّف عن جابر - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - نهَى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مُسْتَلْقٍ على ظهره». ٨ - (ومنها): استحباب صلاة الضّحى، وقد اختلف العلماء في صلاته - ﷺ - يوم الفتح، هل هي الشكر للفتح، أم هي صلاة الضحى؟. فمنهم من قال: إنها صلاة الفتح، ومنهم من قال: إنها صلاة الضحى، والصحيح أنها صلاة الضحى؛ لقول أم هانئ - ﵂ - في هذه الرواية: «سُبحةَ الضحى»، وأصرح منها ما في رواية أبي داود بلفظ: «أن رسول الله - ﷺ - صلّى يوم الفتح سُبحة الضحى ثماني ركعات»، لكن في سنده ضعف؛ لأن في سنده عياض بن عبد الله ليّن الحديث. وروى ابن عبد البرّ: في «التمهيد» - كما في «الفتح» - من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ - ﵂ - قالت: قدم النبيّ - ﷺ - مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: ما هذه؟ قال: «صلاة الضحى»، فهذه أصرح في أن تلك الصلاة كانت صلاة الضحى. ٩ - (ومنها): أن صلاة الضحى تكون ثماني ركعات، والمستحبّ فيها أن يسلّم من كلّ ركعتين، لما أخرجه أبو داود في «سننه» في هذا الحديث من طريق كريب مولى ابن عباس، عن أم هانئ بنت أبي طالب «أن رسول الله يوم الفتح صلى سُبحة الضحى، ثمانيَ ركعات، يُسَلّم من كل ركعتين»، لكن في إسناده عياض بن عبد الله وقد عرفتَ حاله، كما مرّ آنفًا. لكن يؤيّده حديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وهو وإن اختُلف فيه إلا أن الأرجح أنه صحيح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في حديث أم هانئ - ﵂ - هذا: (اعلم): أنه وقع اختلاف في محلّ اغتساله - ﷺ -، وصلاته، وفيمن ستره، وفي عدد صلاته، هل هي ثمان، أم ركعتان. ففي رواية: اغتسل في بيتها»، وهي رواية صحيحة، أخرجها أبو داود، وفي رواية:«أنها ذهبت إلى بيت النبيّ - ﷺ -، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل»، وهي رواية المصنّف هنا، ومالك في«الموطّا»، وفي رواية: أن فاطمة سترته«، وهي رواية الشيخين، وغيرهما، وفي رواية أن أبا ذرّ - ﵁ - هو الذي ستره، وهي رواية عند ابن خزيمة، والجواب عن هذه الاختلافات أن يقال: أما الاختلاف في المحلّ فَيُحمل على أنه نزل في بيت أم هانئ بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر، فجاءت فوجدته يغتسل، أو يُحمَل على أن ذلك تكرّر منه - ﷺ -، ويؤيّده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذرّ ستره لَمّا اغتسل، أفاده في «المنهل العذب» . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني فيه بُعدٌ لا يخفى، وأما قوله: يؤيّده ما رواه ابن خزيمة، ففيه أن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها المطّلب بن عبد الله بن حنطب كثير التدليس، وقد عنعنه، فلا يصلح للتقوية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف فيمن ستره، فيجاب بأن أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر ستره في أثنائه، أفاده في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث ستر أبي ذرّ - ﵁ - لا يصحّ، فلا يعارض ما في «الصحيح» من أن فاطمة - ﵂ - هي التي سترته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف في عدد الصلاة، ففي رواية أم هانئ أنه صلى ثماني ركعات، وفي حديث ابن أبي أوفى أنه صلى ركعتين، فقد أخرج الطبرانيّ من حديثه «أنه صفى الضحى ركعتين، فسألته امرأته؟ فقال: إن النبيّ - ﷺ - صلى يوم الفتح ركعتين». والجواب عن هذا أن يُحمل على أن ابن أبي أوفى رأى من صلاته - ﷺ - ركعتين، ورأت أم هانئ الثمانية كلّها، فأخبر كلّ بما رآه، أفاده في «المنهل» أيضًا. قال الجامع عفا الله عنه: رواية الطبرانيّ هذه ضعيفة؛ لأن في سندها الشعثاء بنت عبد الله الأسديّة، وهي مجهولة، وقد أجاد الكلام في هذا الشيخ الألبانيّ ﵀ في «تمام المنّة» فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: فَسَتَرَتْهُ ابْنتهُ فَاطِمَةُ بِثَوْبِه، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَهُ، فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانيَ سَجَدَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحًى). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَليدُ بْنُ كثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. وقوله: (أَخَذَهُ) أي أخذ الثوب الذي سترته به فاطمة - ﵂ -. وقوله: (فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ سَجَدَاتٍ) هكذا «ثماني» في
مصادر المؤلف (١١)

١. فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي.

٢. القائل هو الحافظ، فتنبّه.

٣. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٧ - ٤٨.

٤. «القاموس المحيط» ٣/ ١٩٤ - ١٩٥.

٥. «عمدة القاري» ٣/ ٥٩.

٦. «الصحاح» ٥/ ١٦٨٦.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٨٤ - ٨٥.

٨. راجع: «الفتح» ٣/ ٦٥.

٩. راجع: «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٧/ ١٩٥.

١٠. «تمام المنّة» ١/ ٢٥٩.

١١. وفي نسخة: «ثمان» بحذف الياء.