HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٩

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً. يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ. وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ! مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ. فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ. فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِه. قَالَ فَجَمَحَ مُوسَى بإثره يقول: ثَوْبِي حَجَرُ! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى. قَالُوا: وَاللَّهِ! مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ. قَالَ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ! إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ. ضَرْبُ مُوسَى بالحجر.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص183
ج ١ ص ٢٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٢١١
قال البخاريّ: مات سنة مائتين، وقال ابن سعد: مات سنة (٩٩)، وقال مرّة: مات سنة إحدى ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. وقوله: (عُرْيَةِ الرَّجُل، وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ). قال النوويّ ﵀: ضبطنا هذه اللفظة على ثلاثة أوجه: «عِرْية» - بكسر العين، وإسكان الراء - و«عُرْية» - بضم العين، وإسكان الراء - و«عُرَيَّة» - بضم العين، وفتح الراء، وتشديد الياء - وكلها صحيحةٌ، قال أهل اللغة: عِرية الرجل - بضم العين، وكسرها - هي مُتَجَرَّدُهُ، والثالثة على التصغير. انتهى . [تنبيه]: رواية ابن أبي فُدَيك هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (١/ ٢٨٣)، فقال: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عليّ بن المدينيّ، قال: ثنا ابن أبي فُديك، قال: ثنا الضحاك بن عثمان الأسديّ، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينظر الرجل إلى عِرْيَة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عِرْيَة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد». انتهى، والله تعالى أعلم بالصمواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٦] (٣٣٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِه، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِه، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْه، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير، مات (٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالصنعانيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأما أبو هريرة - ﵁ -، فيمنيّ، ثم مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «هذا ما حدّثنا أبو هريرة … إلخ»؛ إشارةً إلى أن هذا الحديث مما في صحيفة همّام بن منبّه المشهورة، وقد تقدّم بيان هذا وإيضاحه غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصنعانيّ، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع ما يورده من الأحاديث، وقد أسلفت آنفًا أن هذا الحديث من «صحيفة همّام بن منبّه» المشهورة، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: (مَا) اسم موصول، أي الذي (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ)، أي حدّثناه، فالعائد على الموصول محذوف (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ) الضمير لهمّام ﵀ (أَحَادِيثَ، مِنْهَا)، أي من تلك الأحاديث التي ذكرها، فالجارّ والمجرور خبر مقذم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فجملة «وقال إلخ» مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه («كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، أي جماعاتهم، فهو كقوله تعالى: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، فتأنيث الفعل على قول من يقول: حكم الجمع مطلقًا حكم المؤنث غير الحقيقيّ، وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنّث، إلا جمع المذكّر السالم، فتأنيثه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇، فـ«إسرائيل»: اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا، وهم: روبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ويفتالي ، وزبو لون، وجاد، ويساخر، وأشير، ويو سف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله الأسباط، وسُمُّوا بذلك؛ لأن كل واحد منهم والد قبيلة، والسبط في كلام العرب الشجرة الْمُلْتَفَّة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وموسى - ﵊ - من ذرية لاوي، وهو موسى بن عمران بن فاهث بن لاوي . (يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) بضمّ العين المهملة: جمع عار، كقاض وقُضاة، وانتصابه على الحال من الواو. ثم إن ظاهره أن ذلك كان جائزًا في شرعهم، وإلا لَمَا أقرّهم موسى ﵇ ﵇ على ذلك، وكان هو ﵇ يغتسل وحده؛ أخذًا بالأفضل، وأغرب ابن بطّال، فقال: هذا يدلّ على أنهم كانوا عُصاةً له، وتبعه على ذلك القرطبيّ، فأطال في ذلك، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: [فإن قلت]: كشف العورة حرام في حقّ غير الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكيف الذي حصل من موسى ﵇؟. [قلت]: ذاك في شرعنا، وأما في شرعهم فلا، والدليل عليه أنهم كانوا يغتسلون عُرَاةً، وموسى - ﷺ - يراهم، لا يُنكر عليهم، ولو كان حَرَامًا لأنكره. [فإن قلت]: إذا كان كذلك فلم كان موسى ﵇ ينفرد في الخلوة عند الغسل؟. [قلت]: إنما كان يفعل ذلك من باب الحياء، لا أنه كان يجب عليه ذلك، ويَحْتَمل أنه كان عليه إزار رقيق فظهر ما تحته لَمّا ابتل بالماء فرأوا أنه أحسن الخلق فزال عنهم ما كان في نفوسهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال فيه نظرٌ، وسيأتي في كلام الحافظ ما يُبعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ) «السَّوْءَة» بفتح، فسكون: العورة، وهي فرج الرجل والمرأة، والتثنية سَوْءتان، والجمع سوآتٌ، سُمِّيت سَوْءَةً، لأن انكشافها للناس يسُوءُ صاحبها، قاله الفيّوميّ . وجملة «ينظر … إلخ» حال من فاعل «يغتسلون» أيضًا. (وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله بـ «منفردًا»، كما قال في «الخلاصة»: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كـ «وَحْدَكَ اجْتَهِدْ» وفي رواية للبخاريّ في كتاب «الأنبياء» من طريق الحسن وابن سيرين، وخِلاس كلهم عن أبي هريرة - ﵁ -: «إن موسى كان رجلًا حَيِيًّا سَتِيرًا ، لا يُرى من جلده شيءٌ؛ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا الاستتار إلا من عيب بجلده: إما برصٌ، وإما أَدْرَةٌ، وإما آفةٌ …». (فَقَالُوا)، أي بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا) نافيةٌ (يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدّ، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، قال الجوهريّ: «الأُدرة»: نفخة في الْخِصية، وهي بفتحات، وحُكي بضمّ أوله، وإسكان الدال. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله: «آدر» زَعَمَ ثعلب في «الفصيح» أنه كآدم، وقال كراع في «المنتخب»: «الأُدْرَة» على مثال فُعْلة: فَتْقٌ يكون في إحدى الْخِصيتين، وقال عليّ بن حمزة فيما ذكره ابن عميس: يقال: «أُدْرَةٌ»، و«أَدْرَةٌ» - بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح والتحريك - وفي «الْمُخَصَّص» لابن سِيدَهْ: «الأدرة»: الْخُصية العظيمة أَدِرَ الرجلُ أَدَرًا، من باب فَرِحَ فَرَحًا، وقيل: الأَدَرُ الذي ينفتق صفَاقه ، فيقع قُصْبُهُ في صَفْنه، ولا يَنفَتِق إلا من جانبه الأيسر، وقد تَأَدَّر الرجل من داء يصيبه، والشَّرْج ضدّه، وفي «الْمُحْكَم»: الآدَرُ والْمَادُور: الذي ينفتق صِفَاقُهُ، وقيل: هو أن يصيبه فَتْقٌ في إحدى الْخِصيتين، ولا يقال: امرأة أَدْراء، إما لأنه لم يُسْمَع، وإما أن يكون لاختلاف الْخِلْقة، وقد أَدِرَ أَدَراء والاسم الأُدْرَة، وقيل: الْخِصية الأَدْراء: العظيمة من غير فَتْقٍ، وفي «الجامع»: الأُدْرَة، والأَدَر: مصدران، واسم المنتفخة الأَدَرَة، وقيل: أَدِرَ الرجلُ يَأْدَرُ: إذا أصابه ذلك، وفي «الصحاح»: الأُدْرة: نفخة في الْخِصية، يقال: رجل آدرُ: بَيِّنُ الأَدَر، وفي «الجمهرة»: هو العظيم الْخِصيتين. انتهى . (قَالَ) الضمير للنبيّ ﵇، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة - ﵁ - حاكيًا ما سمع منه - ﷺ - (فَذَهَبَ)، أي موسى ﵇ (مَرَّةً يَغْتَسِلُ) جملة حاليّة، وهي حال مقدّرة، أي ذهب حال كونه مقدّرًا الاغتسال، فهو كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. (فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) رُوي عن سعيد بن جبير: أنه قال: الحجر الذي وضع موسى ﵇ ثوبه عليه، هو الذي كان يَحمِله معه في الأسفار، فيضربه، فيتفجر منه الماء، والله تعالى أعلم، ذكره في «العمدة» . وقال في «الفتح»: ظاهره أنه دخل الماء عريانًا، وعليه بوَّب البخاريّ في «كتاب الغسل»: «من اغتسل عُرْيانًا»، قال: ونَقَل ابن الجوزيّ، عن الحسن بن أبي بكر النيسابوريّ أن موسى ﵇ نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج تتبع الحجر، والمئزر مبتلّ بالماء، عَلِمُوا عند رؤيته أنه غير آدر؛ لأن الأُدْرَة تَبِينُ تحت الثوب المبلول بالماء. انتهى. قال: وهذا إن كان هذا الرجل قاله احتمالًا، فيحتمل، لكن المنقول يخالفه؛ لأن في رواية علي بن زيد، عن أنس، عند أحمد في هذا الحديث «أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبه حتى يواري عورته في الماء». انتهى . (فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ)، وفي رواية البخاريّ المذكورة: «وإن الله أراد أن يُبرّئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدا بثوبه …». (قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى) مخفّف الميم: أي جَرَى أشدَّ الجري، قاله النوويّ، وقال ابن الأثير: أي أسرع إسراعًا، لا يرُدّه شيءٌ، وكلُّ شيء مضى لوجهه على أمر، فقد جَمَحَ. انتهى . وفي «القاموس»: جَمَحَ الفرسُ، كمَنَعَ جَمْحًا، وجُمُوحًا، وجِمَاحًا، وهو جَمُوحٌ: اعتزَّ فارسه، وغَلَبَهُ. انتهى . وقال في «العمدة»: زعم ابن سِيدَهْ أنه يقال: جَمَح الفرسُ بصاحبه جَمْحًا، وجِمَاحًا: ذَهَب يجري جريًا عاليًا، وكلُّ شيء مضى ليس على وجهه، فقد جَمَح، قال نِفْطَوَيه: الدابة الْجَمُوح: هي التي تميل في أحد شقيها، وفي «التهذيب» لأبي منصور: فَرَسٌ جَمُوحٌ: إذا رُكِب، فلم يَرُدَّ اللجام رأسه، وهذا ذمّ، وفرسٌ جَمُوح: أي سريعٌ، وهذا مدحٌ. انتهى . (بِإِثْرِهِ) - بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، وبفتحتين أيضًا - لغتان مشهورتان: أي بَعْدَهُ، وفي «القاموس»: «الأثر» محرّكةً: بقيّة الشيء، جمعه آثارٌ بالمدّ، وأُثورٌ بالضمّ. انتهى . وقال في «العمدة» نقلًا عن «الواعي»: «الأَثَرُ» محركةً: هو ما يُؤَثِّر الرَّجُلُ بقدمه في الأرض. انتهى . (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل «جَمَحَ» (ثَوْبِي) مفعول لفعل محذوف: أي أعطني، أو رُدّ ثوبي، والجملة مقول «يقول» (حَجَرُ) منادى بحذف حرف النداء، وهو جائز في السعة، كما قال في «الخلاصة»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وقال الحريريّ ﵀ في «مُلْحَته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وفي رواية البخاريّ من الطريق المذكورة: «فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر»، وفي رواية للبخاريّ في «كتاب الغسل» من طريق همّام: «ثوبي يا حجرُ» بذكر حرف النداء. وإنما خاطب موسى ﵇ الحجر؛ لأنه أجراه مُجْرَى مَن يَعْقِل؛ لكونه فَرَّ بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه، فلما لم يُطِعْه ضربه، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون موسى ﵇ أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويَحْتَمِل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومَشْيُ الحجرِ إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى ﵇ . (ثَوْبِي حَجَرُ) كرّره للتوكيد (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى) أي عورته، وقد تقدّم ضبطها ومعناها آنفًا (قَالُوا: وَاللهِ مَا) نافية، ولا تعمل عمل «ليس»؛ لتقدم خبرها على اسمها، وهذا مذهب ابن مالك، كما بيّنه بقوله: إِعْمَالَ «لَيْسَ» أُعْمِلَتْ «مَا» دُونَ «إِنْ» … مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيب زُكِنْ وجوّز بعض النحاة إعمالها فيما إذا كان خبرَها ظرفًا، أو جارًّا ومجرورًا، كما هنا. وقوله: (بِمُوسَى) الجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (مِنْ بَأْسٍ)، و«من» فيه زائدة، كما قال في «الخلاصة»: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ «مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ» و«البأس» في الأصل هو: العذاب، والشدّة في الحرب، لكن المراد هنا الكناية عن الضرر والعيب، أي ليس بموسى ﵇ ما كنّا نظنّه فيه من عيب خَلْقيّ، يمنعه من الاغتسال معنا عُريانًا، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ في «كتاب الأنبياء» من طريق روح بن عبادة، عن عوف: «حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون»، وفي روايةٍ له: «فرأوه كأحسن الرجال خَلْقًا، فبَرّأه مما قالوا»، وفي رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عند ابن مردويه، وابن خزيمة: «وأَعْدَله صورةً»، وفي روايته: «فقالت بنو إسرائيل: قاتل الله الأَفّاكين، وكانت براءته». (فَقَامَ الْحَجَرُ)، أي توقّف عن الجري (حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول، أي حتى نظرت إليه بنو إسرائيل عريانًا، ورأوا سوأته، والمراد أن الحجر لَمْ يكتف برؤيتهم لموسى - ﵇ -، وهو يجري، بل أوقفه الله تعالى عندهم؛ ليتأكّدوا من براءته مما آذوه به، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الضمير للنبيّ - ﷺ -، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة - ﵁ -، كما سبق آنفًا (فَأَخَذَ) موسى - ﵇ - (ثَوْبَهُ) زاد عند البخاريّ: «فلبسه» (فَطَفَقَ) - بكسر الفاء، وفتحها - لغتان، ومعناه جَعَلَ، وأقبل، وصار ملتزمًا لذلك، قاله النوويّ - ﵀ - . [تنبيه]: «طَفِقَ» من أفعال المقاربة التي تدخل على المبتدأ، فترفعه، والخبر فتنصبه، وتُسمّى أفعال الشروع، وقد ذكرها ابنُ مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: ....................... … وَتَرْكُ «أَنْ» مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا كَـ «أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو» وَطَفَقْ … كَذَا «جَعَلْتُ» وَ«أَخَذْتُ» وَ«عَلِقْ» [تنبيهٌ آخر]: أفعال المقاربة ثلاثة أنواع: (الأول): ما وُضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: «كاد»، و«كَرِب»، و«أوشك». (الثاني): ما وُضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة: «عسى»، و«اخْلَوْلَق»، و«حَرَى». (الثالث): ما وُضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، ومنه طَفِقَ، وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلَّا أربعة، فاستُعْمِل لها مضارع، وهي «كاد»، و«أوشك»، و«طَفَقَ»، و«جَعَل»، واستُعمِل مصدر لاثنين، وهما «طفق»، و«كاد»، وحَكَى الأخفش طُفُوقًا عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ بالكسر، أفاده في «العمدة» . وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء فيه زائدة، و«الحجر» منصوب بقوله: (ضَرْبًا») لأنه نائب مناب يضرب، وقيل: هو منصوب بالفعل المقدّر، والجملة خبر«طَفَقَ». وفي رواية للبخاريّ من الطريق المذكورة:«وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه». قال النوويّ - ﵀ -: يجوز أن يكون موسى - ﵇ - أراد بضرب الحجر إظهار معجزةٍ لقومه بأثر الضرب في الحجر، ويَحْتَمِل أنه أُوحي إليه أن يضربه لإظهار المعجزة، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، قال في «الفتح»: هو من تَتِمّة مقول همّام بن منبّه، وليس بمعلّق (وَاللهِ إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (بِالْحَجَرِ) خبر مقدّم لقوله: (نَدَبٌ) بالنون والدال المفتوحتين: أي أثَرٌ، قال في «المنتهى»: النَّدَبُ: أَثَرُ الْجُرْح إذا لَمْ يرتفع عن الجِلْد، وجُرْحٌ نَدِيبٌ ذُو نَدَبٍ، وقد انتدَبْتُهُ: جعلته نَدَبًا وأَثَرًا، والجمع أَنْدابٌ ونُدُوبٌ، وفي «الاشتقاق» للرمّانيّ، عن الأصمعيّ: النَّدَبُ: هو الجرح إذا بقي منه أثَرٌ مُشرِفٌ، يقال: ضربه حتى أندبه. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: النَّدَبةُ: أَثَرُ الجرح الباقي على الجلد، جمعه نَدَبٌ، وأَندابٌ، ونَدِبَ الجُرْح، كفَرِحَ: صَلُبَتْ نَدَبَته، كأندب، ونَدِبَ الظهرُ نَدَبًا، ونُدُوبَةً ونُدُوبًا: صارت فيه نُدُوبٌ. انتهى . (سِتَّةٌ) بالرفع على البدليّة من «نَدَبٌ»، أي ستّة أَثار (أَوْ سَبْعَةٌ) «أو» للشكّ من الراوي، وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى) خبر لمحذوف: أي هو ضرب موسى - ﵇ -، ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مقدَّر، أي أعني، هذا إن صحّ روايةً. وأعرب بعضهم قوله: «ستّةٌ أو سبعةٌ» خبرًا مقدّمًا، و«ضربُ موسى» مبتدأ مؤخّرًا، والوجه الأول أوضح وأولى، والله تعالى أعلم. وفي رواية للبخاريّ: «فوالله إن بالحجر لندَبًا من أثر ضربه، ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا»، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم، عن أبي هريرة الجزم بستّ ضربات، قاله في «الفتح». وقوله: (بِالْحَجَرِ) ووقع في نسخة: «الحجرَ»، وعلى الأول فالباء فيه زائدة، و«الحجر» مفعول لـ «ضَرْبُ»، ولا تكون الباء أصليّة متعلّقة بـ «ضربُ»؛ لأن ضربه ليس بالحجر، وإنما هو بعصاه، كما نَصّ عليه في الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في الرواية الآتية في «كتاب الفضائل» من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة - ﵁ - قصّة نزول الآية، فقال: (٣٣٩) وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثيّ، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، قال: أنبأنا أبو هريرة، قال: كان موسى - ﵇ - رجلًا حييًّا، قال: فكان لا يُرَى مُتَجَرِّدًا، قال: فقال بنو إسرائيل: إنه آدر، قال: فاغتسل عند مُوَيْهٍ، فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يَسْعَى، واتبعه بعصاه يضربه، ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ حتى وقف على ملأٍ من بني إسرائيل، ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وأخرجه البخاريّ في «كتاب الأنبياء» من طريق الحسن، وابن سيرين، وخِلاس، كلهم عن أبي هريرة - ﵁ -، فقال: (٣٤٠٤) حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا عوفٌ، عن الحسن ومحمد وخِلاس، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن موسى كان رجلًا حييًّا سَتِيرًا لا يُرَى من جلده شئٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التّسَتُّر إلَّا من عيب بجلده، إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما افةٍ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسي، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيانًا، أَحْسَنَ ما خلق اللهُ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطَفِق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لنَدَبًا من أثر ضربه ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قال في «الفتح»: قوله: «فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ لَمْ يقع هذا في رواية هَمّام، ورَوَى ابن مردويه من طريق عكرمة، عن أبي هريرة قال:«قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية، قال: إن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن موسى آدر، فانطلق موسى إلى النهر يغتسل … «فذكر نحوه، وفي رواية علي بن زيد:«فرأوه ليس كما قالوا، فأنزل تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ». انتهى . [تنبيهٌ آخر]: رَوَى أحمد بن منيع في«مسنده» بإسناد حسن ، والطحاويّ، وابن مردويه من حديث عليّ أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون؛ لأنه توجه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فطَعَن فيه بعض بني إسرائيل، وقالوا: أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رَفَعَ لهم جسد هارون - ﵇ -، وهو ميت، فخاطبهم بأنه مات، وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لَمْ يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا؛ لصدق أن كلًّا منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٧/ ٧٧٦] (٣٣٩)، وفي «كتاب الفضائل»، و(البخاريّ) في «كتاب الغسل» (٢٧٨)، و«كتاب أحاديث الأنبياء» (٣٤٠٤)، و«تفسير القرآن» (٤٧٩٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٤ و٣١٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٦٧)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٢/ ٥١ و٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٠١)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٧٦٥)، وهو في «صحيفة همّام بن منبّه» برقم (٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز التعرّي في الخلوة للغسل وغيره بحيث يَأْمَن أعين الناس، قال النوويّ - ﵀ -: فيه التكشف في الخلوة، وأما بحضرة الناس فيحرم كشف العورة، قال العلماء: والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، والتكشف جائز مُدّة الحاجة في الغسل ونحوه، والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصحّ كما قدمنا في الباب السابق أن ستر العورة في الخلوة واجب على الأصح إلَّا في قدر الحاجة، قال: وموضع الدلالة من هذا الحديث أن موسى - ﵊ - اغتسل في الخلوة عُريانًا، وهذا يَتِمّ على قول من يقول من أهل الأصول: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يأتي قريبًا أن القول بالاحتجاج بشريعة من قبلنا هو الحقّ بشروط تأتي، فتنبّه. ٢ - (ومنها): بيان جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إليه، من مُداواة، أو براءة من العيوب، أو إثباتها، كالبرص، كما لو ادَّعَى أحدُ الزوجين على الآخر البرصَ؛ لِيُفْسَخ النِّكَاحُ فأنكر، وغير ذلك مما يتحاكم الناس فيه مما لا بُدّ فيه من رؤية العورة بالبصر، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: قد قدمنا في الباب السابق أنه يجوز كشف العورة في موضع الحاجة في الخلوة، وذلك كحالة الاغتسال، وحال البول، ومعاشرة الزوجة، ونحو ذلك، فهذا كله جائز. انتهى. ٣ - (ومنها): جواز الحلف على الإخبار، كحلف أبي هريرة - ﵁ - هنا. ٤ - (ومنها): الدلالة على معجزة موسى - ﵇ -، وهو مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل، ونداؤه - ﵇ - له، وتأثير ضربه فيه. ٥ - (ومنها): بيان أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في خَلْقهم وخُلُقهم على غاية الكمال، وأن من نَسَبَ نبيًّا من الأنبياء إلى نقص في خِلْقته فقد آذاه، ويُخْشَى على فاعله الكفر. ٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً لموسى - ﵇ -. ٧ - (ومنها): بيان أن الآدمي يغلب عليه طباع البشر؛ لأن موسى - ﵇ - عَلِمَ أن الحجر ما سار بثوبه إلَّا بأمر من الله - ﷿ -، ومع ذلك عامله معاملة مَن يعقل حتى ضربه، ويَحْتَمِل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر. ٨ - (ومنها): بيان ما كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الصبر على الجهّال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم. ٩ - (ومنها): جواز المشي عريانًا للضرورة، وقال ابن الجوزيّ: لَمّا كان موسى - ﵇ - في خلوة، وخرج من الماء، فلم يجد ثوبه، تبع الحجر بناءً على أن لا يصادف أحدًا، وهو عريان، فاتَّفَقَ أنه كان هناك قومٌ، فاجتاز بهم، كما أن جوانب الأنهار وإن خلت غالبًا، لا يؤمن من وجود قوم قريب منها، فبنى الأمر على أنه لا يراه أحدٌ؛ لأجل خلاء المكان، فاتّفَقَ رؤية من رآه. قال الحافظ: والذي يظهر أنه استَمَرَّ يتبع الحجر على ما في الخبر، حتى وَقَفَ على مجلس لبني إسرائيل، كان فيهم من قال فيه ما قال، وبهذا تظهر الفائدة، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة، لَمْ يقع ذلك الموقع. انتهى، وهو تحقيقٌ جيّد. ١٠ - (ومنها): أن صنيع المصنّف - ﵀ - يدلّ على أنه يرى الاحتجاج بشريعة من قبلنا، وهو أيضًا مذهب البخاريّ - ﵀ - حيث أورداه احتجاجًا لجواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، وهو الحقّ، بشروط، وقد ذكرتُ ذلك في «التحفة المرضيّة» في الأصول، حيث قلتُ: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلُ ثَلَاثَةً يُرَى … شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ قَدْ جَرَى وَهُوَ مَا صَحَّ لَدَيْنَا شَرْعَا … وَعِنْدَهُمْ كَالصَّوْم خُذْهُ قَطْعَا وَالثَّانِ مَا لَيْسَ لَنَا بِشَرْعِ … بِلَا خَلَافٍ بَيْنِ أَهْلِ الْقَطْعِ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَدَيْنَا مُثْبَتَا … كَوْنُهُ شَرْعَهُمْ بِنَقْلٍ ثَبَتَا
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «شرح النوويّ» ٤/ ٣٠.

٢. وفي نسخة: «ضربُ موسى الحجرَ».

٣. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٣٦٣.

٤. وقع في بعض المصادر «نفتالي» بالنون.

٥. وقع في بعض المصادر «قاهث» بالقاف.

٦. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤٠ - ٣٤١.

٧. ١/ ٤٦٠.

٨. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤٢.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٨.

١٠. الحيي بفتح المهملة، وكسر التحتانيّة الخفيفة، بعدها أخرى مثقّلة، بوزن فَعِيل من الحياء، وقوله: «سَتِيرًا» بوزنه من الستر، ويقال: سِتِّيرًا بالتشديد، قاله في: «الفتح» ٦/ ٥٠٣ «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم الحديث (٣٤٠٤).

١١. «الصِّفَاق»: ككتاب: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والْمُصْرَان، أو جلد البطن كلّه. انتهى. «القاموس» ٣/ ٢٥٤.

١٢. «الشرْج»: مثل فلس: ما بين الدبر والأنثيين، وأيضًا هو: مجمع حَلْقة الدبر الذي ينطبق، قاله في: «المصباح المنير» ١/ ٣٠٨.

١٣. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤١.

١٤. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤٢.

١٥. «الفتح» ٦/ ٥٥٤.

١٦. «النهاية» ١/ ٢٩١.

١٧. «القاموس المحيط» ١/ ٢١٨.

١٨. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤١.

١٩. «القاموس المحيط» ١/ ٣٦٢.

٢٠. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤١.

٢١. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤١.

٢٢. شرح النوويّ» ٤/ ٣٣.

٢٣. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤٢.

٢٤. «شرح النوويّ» ٤/ ٣٣.

٢٥. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٣٤١.

٢٦. «القاموس المحيط» ١/ ١٣١.

٢٧. «الفتح» ٦/ ٥٠٤ في: «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٠٤).

٢٨. هكذا في: «الفتح» (٦/ ٥٠٥) «بإسناد حسن»، ولا يخفى ما فيه؛ لأنه قال في آخره: وفي الإسناد ضعف، اللهم إلَّا أن يريد بعض الأسانيد، وفيه بعد، فتأمل، والله أعلم.

٢٩. «الفتح» ٦/ ٥٠٥.

٣٠. ٦/ ٥٠٤ - ٥٠٥.