HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٤٠

وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ. جميعا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ. قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن جريج. ح وحدثني إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. وَاللَّفْظُ لَهُمَا. (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ حِجَارَةً. فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَةِ. فَفَعَلَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ. وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ. ثُمَّ قَامَ فَقَالَ «إِزَارِي، إِزَارِي» فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى رقبتك. ولم يقل: على عاتقك.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص184
ج ١ ص ٢٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٢٢٥
مِثْلُ الَّذِي نُقِلَ مِمَّا سَلَفَا … مِنْ كُتُبٍ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا وَفَا أَوْ هُوَ ثَابِتٌ وَلَكِنْ وُضعَا … كَالإِصْرِ وَالأَغْلَالِ إِذْ قَدْ رُفِعَا ثَالِثُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ مَا اشْتَمَلْ … عَلَى ثَلَاثَةِ ضَوَابِطَ اكْتَمَلْ أَوَّلُهَا كَوْنُهُ شَرْعَ مَنْ سَبَقْ … ثَبَتَ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فَاتَّسَقْ وَثَانِهَا أَنْ لَا يَجِي فِي شَرْعِنَا … مُؤَيِّد لَهُ وَإِلَّا شَرْعُنَا ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَجِي مَا يُبْطِلُهْ … فِي شَرْعِنَا فَإِنْ يَجِي لَا نَقْبَلُهْ فَذِي الضَّوَابِطُ إِذَا تَوَفَّرَتْ … بِهِ احْتِجَاجُ الْأَكْثَرِينَ قَدْ ثَبَتْ وَهْوَ الصَّوَابُ إِذْ إِلَاهُنَا عَلَا … مَا قَصَّ الاخْبَارَ سِوَى أَنْ نَعْمَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ لَمَّا أَخْبَرَا … عَنْ رَجُلٍ بِسَقْي كَلْبٍ أُجِرَا سُئِلَ هَلْ نُؤْجَرُ فِي الْبَهَائِمِ … قَالَ نَعَمْ مُقَرِّرًا لِلْهَائِمِ وَرَدُّ ذَا الْخِلَافِ لِلَّفْظِ لِمَنْ … أَمْعَنَ فِي النَّظَرِ تَوْجِيهٌ حَسَنْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَشْيِ عُرْيَانًا، وَالاعْتِنَاءِ بِحِفْظِ الْعَوْرَةِ) وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٧] (٣٤٠) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ حِجَارَةً، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَة، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْض، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاء، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: «إِزَارِي، إِزَارِي»، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ في رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبَتِكَ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عَاتِقِكَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٤ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ العابد، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٧ - (ابْنُ جُرَبجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل، ويُدلّس ٦١، (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٨ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤١] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٩ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - مات بعد (٧٥) من الهجرة، وهو ابن (٩٤) سنة (ع)، تقدّم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بين اثنين منهم على حسب اختلاف كيفيّة التحمّل، كما أوضحته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، والثالث ما أخرج له أبو داود، والرابع ما أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع. ٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله - ﵄ - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ)، أي لَمّا بُدئ بناؤها، قيل: سمّيت الكعبة بهذا الاسم؛ لعلوّها وارتفاعها، ومنه الكعب للعظم البارز في القدم، وقيل: لاستدارتها وعلوّها، ومنه قيل للفتاة: كاعب إذا برز ثديها واستدار، وقيل: لأنَّها مكعّبة الشكل، طولها مثلُ عرضها، ومثل ارتفاعها . [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث مرسل صحابيّ، وقد قدَّمنا أن العلماء من الطوائف، متفقون على الاحتجاج بمرسل الصحابيّ، إلَّا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائنيّ، من أنه لا يحتج به، وقد تقدم دليل الجمهور في الفصول المذكورة في أول الكتاب. انتهى . وقال في «الفتح»: هذا من مرسل الصحابيّ؛ لأن جابرًا - ﵁ - لَمْ يُدْرِك هذه القصة، فيَحتَمِل أن يكون سمعها من النبيّ - ﷺ -، أو ممن حضرها من الصحابة - ﵃ -. وقد رَوَى الطبرانيّ، وأبو نعيم في «الدلائل» من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا: هل يقوم الرجل عريانًا؟ فقال: أخبرني النبيّ - ﷺ - أنه لَمّا انهدمت الكعبة، نَقَلَ كلُّ بطن من قريش، وأن النبيّ - ﷺ - نَقَل مع العباس، وكانوا يضعون ثيابهم على العواتق، يتَقَوَّوْن بها - أي على حَمْل الحجارة - فقال النبيُّ - ﷺ -، فاعتُقِلت رجلي، فخَرَرت، وسقط ثوبي، فقلت للعباس: هَلُمَّ ثوبي، فلست أَتَعَرَّى بعدها، إلَّا إلى الغسل«، لكن ابن لَهِيعة ضعيف، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان، عن أبي الزبير، ذكره أبو نعيم. قال الحافظ - ﵀ -: فإن كان محفوظًا، وإلا فقد حضره من الصحابة العباس، كما في حديث الباب، فلعلَّ جابرًا حمله عنه. ورَوَى الطبرانيّ أيضًا، والبيهقيّ في«الدلائل»من طريق عمرو بن أبي قيس، والطبريّ في«التهذيب»من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في«المعرفة»من طريق قيس بن الربيع، وفي«الدلائل»من طريق شعيب بن خالد، كلهم عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني أبي العباسُ بن عبد المطلب، قال:«لما بَنَتْ قريشٌ الكعبة، انفرَدنا رجلين رجلين، ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أُزُرنا، فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لَبِسنا أُزُرنا، فبينما هو أمامي، إذ صُرع، فسعيت، وهو شاخص ببصره إلى السماء، قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: نُهِيت أن أمشي عريانًا، قال: فكتمته حتى أظهر الله نبوته»، تابعه الحكم بن أبان، عن عكرمة، أخرجه أبو نعيم أيضًا. ورُوِيَ ذلك أيضًا من طريق النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، ليس فيه العباس، وقال في آخره:«فكان أوّل شيء رأى من النبوة»، والنضر ضعيف، وقد خَبَط في إسناده، وفي متنه، فإنه جَعَل القصة في معالجة زمزم بأمر أبي طالب، وهو غلام. وكذا رَوَى ابن إسحاق في«السيرة»عن أبيه، عمن حدَّثه عن النبيّ - ﷺ -، قال:«إني لمع غلمان هم أسناني، قد جعلنا أُزُرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها، إذ لَكَمني لاكم لَكْمةً شديدةً، ثم قال: اشدُد عليك إزارك». قال الحافظ: فكأنّ هذه قصة أخرى، واغتَرّ بذلك الأزرقيّ، فَحَكَى قولًا:«أن النبيّ - ﷺ - لَمّا بُنِيت الكعبةُ كان غلامًا»، ولعل عمدته في ذلك ما سيأتي عن معمر، عن الزهريّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر يتعلّق ببناء الكعبة]: أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل قال:«كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم ، ليسس فيها مَدَرٌ، وكانت قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نَجّارًا، فقَدِمُوا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كُلَّما أرادوا القرب منه لهدمه بَدَت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النَّسْر، فغرز مخالبه فيها، فالقاها نحو أجياد، فهَدَمَت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ - ﷺ - يَحْمِل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خَمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين». قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: الَمّا بَلَغَ رسول الله - ﷺ -«الْحُلُم، أجمرت امرأة الكعبةَ، فطارت شِرارة من مِجْمَرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يُهلك مَن يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللهم لا نريد إلَّا الإصلاح، ثم هَدَم، فلما رأوه سالمًا تابعوه». قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهد: كان ذلك قبل المبحث بخمس عشرة سنةً، وكذا رواه ابن عبد البر، من طريق محمد بن جبير بن مطعم، بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في«مغازيه»، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء. وذكر ابن إسحاق أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أن نَفَرًا سَرَقُوا كنز الكعبة، فذَكَر القصة مطولةً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يَضَع الحجر الأسود، حتى رَضُوا باول داخل، فدخل النبيّ - ﷺ -، فحَكَّمُوه في ذلك، فوضعه بيده، قال: وكانت الكعبة على عهد النبيّ - ﷺ - ثمانية عشر ذراعًا. ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى، عن ابن خُثَيم، عن أبي الطفيل: أن اسم النجار المذكور باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريجٍ مثله، قال: وكان يَتّجِر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عِيري مع عِيركم إلى الشام، أعطيتكم الخشب، ففعلوا. ورَوَى سفيان بن عيينة في «جامعه» عن عمرو بن دينار، أنه سمع عُبيد بن عُمير يقول: اسم الذي بَنَى الكعبة لقريش باقوم، وكان رُومِيًّا. وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتَصَرت قريش منها على ثمانية عشر، ونَقَصُوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الْحِجْر، والله تعالى أعلم . (ذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَعَبَّاس) بن عبد المطّلب، فـ «عبّاس» مرفوعٌ عطفًا على «النبيُّ»، ويجوز نصبه - إن صحّ روايةً - على أنه مفعول معه (يَنْقُلَانِ حِجَارَةً) الجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَةِ) معناه: لِيَقِيك الحجارة، أو من أجل الحجارة، وفي رواية محمد بن رافع: «على رقبتك»، وفي رواية زكريا بن إسحاق الآتية: «على منكبك». و«العاتق»: ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، وجمعه عَوَاتِق، وعُتْقٌ - بضمّ، فسكون - وعُتَّقٌ - بضمّ، فتشديد تاء - وهو مُذَكَّر، قال في «اللسان»: وقد أُنِّث، وليس يَثبُتُ، وزعموا أن هذا البيت مصنوعٌ، وهو: لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفَتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلَا … بَيْنَكُمُ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِ بِالشَّاهِقِ قال ابن بَرّيّ: العاتق مؤنّثة، واستشهد بهذه الأبيات، وقال اللحيانيّ: هو مذكّرٌ لا غيرُ. انتهى . [تنبيه]: أنشد ابن عصفور - ﵀ - في ذكر الأعضاء التي تُذكَّر وتؤنّث، فقال [من الطويل]: وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاءِ مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانًا وَحِينًا يُذَكَّرُ لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكَرُ وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَى … وَعَجْزُ الْفَتَى تَمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ كَذَا كُلّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كِتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمُ مُكْبَرُ يَرَى أَنَّ تَأنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مُنْكِرُ (فَفَعَلَ) النبيّ - ﷺ - ما أمره به العباس - ﵁ - من جعل إزاره على عاتقه؛ ليقيه من الحجارة (فَخَرَّ)، أي سقط - ﷺ - (إِلَى الْأَرْضِ) في رواية زكريا بن إسحاق، الآتية: «فَحَلَّهُ، فجعله على منكبه، فسَقَط مَغْشِيًّا عليه»، (وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ) بفتح الحاء المهملة والميم: أي ارتفعتا، والمعنى أنه صار ينظر إلى فوقُ (إِلَى السَّمَاءِ) متعلّق بـ «طَمَحَت»، (ثُمَّ قَامَ) - ﷺ - (فَقَالَ)، وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ عند البخاريّ: «ثم أفاق، فقال» («إِزَارِي، إِزَارِي») بالتكرار، أي أعطني إزاري (فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ) زاد في رواية زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار الآتية: «في رُؤي بعد ذلك عُريانًا». (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ) هو محمد شيخه الرابع في هذا السند (فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبَتِكَ) أبدل قول الآخرين: «على عاتقك» (وَلَمْ يَقُلْ)، أي ابن رافع (عَلَى عَاتِقِكَ) مؤكّد وموضّح لما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف - ﵀ -) هنا في «الحيض» [١٨/ ٧٧٧ و٧٧٨] (٣٤٠)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٦٤)، و«الحجِّ» (١٥٨٢)، وفي «كتاب المناقب» (٣٨٢٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنفه» (١١٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٥ و٣١٠ و٣٣٣ و٣٨٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٠٢ و٨٠٣ و٨٠٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٦٦ و٧٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بعض ما أكرم الله تعالى به رسولَه - ﷺ -، وأنه كان مصونًا محميًّا في حغره عن القبائح، وأخلاق الجاهلية، وقد تقدّم بيان عصمة الأنبياء - صلوات الله عليهم - في «كتاب الإيمان»، وجاء في رواية في غير «الصحيحين»: «أن الملك نَزَل، فشَدّ عليه - ﷺ - إزاره»، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان أنه - ﷺ - كان جبله الله تعالى على أحسن الأخلاق، والحياء الكامل، حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غُشِي عليه لَمّا تعرّى من إزاره، وانكشفت عورته، فلم يُرَ بعد ذلك عريانًا. ٣ - (ومنها): أنه لا يجوز التعري للإنسان بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يَأْمَن أعين الآدميين إلَّا ما رُخّص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عُرَاةً. ٤ - (ومنها): استحباب المشاركة في فعل الخير، والمسارعة إليه؛ فقد ذهب النبيّ - ﷺ - لنقل الحجارة مع قريش لبناء الكعبة الشريفة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الطبرانيّ بسنده عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن العباس قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفردت قريش رجلين رجلين ينقلون الحجارة، والنساء ينقلن الشِّيد، وكنت أنا وابن أخي، فكنا ننقل على رقابنا، وأزُرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس اتزرنا، فبينا أنا أمشي ومحمد - ﷺ - قُدّامي، ليمس عليه إزار خَرّ، فانبطح على وجهه، فجئت أسعى، والقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره، فقال: «نُهِيت أن أمشي عُريانًا»، فقلت: اكتُمْها مخافةَ أن يقولوا مجنون. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث، وإن كان في سنده مقال؛ لأن سماكًا مضطرب في روايته عن عكرمة، لكنه صحيح بشواهده، كحديث جابر - ﵁ - المذكور في الباب. ثم قيل: إنه يدُلّ على أنه لا يجوز التعرّي في الخلوة، ولو لَمْ يكن مع الناس. لكن الذي يظهر لي أنه محمول على الحال التي كان عليها النبيّ - ﷺ -؛ إذ كانت قريش، رجالُها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، أي في مثل هذه الحالة، فلو كان ذلك نَهْيًا عن التعري في كلّ مكان، لكان قد نهاه عنه في غسل الجناية في الموضع الذي قد أَمِن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعرّي بحيث يراه فيه أحد. قال العينيّ - ﵀ -؛ والقعودُ بحيث يراه مَن لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نَهَى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِياءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَة، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ، دُونَ الْحِجَارةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِه، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْه، قَالَ: فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ)، أي مع قريش. وقوله: (لِلْكَعْبَةِ)، أي لأجل بناء الكعبة. وقوله: (وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ) جملة حاليّة من الفاعل. وقوله: (عَمُّهُ) بالرفع على أنه بدلٌ من العبّاس، أو عطف بيان له. وقوله: (لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ) «لو» يَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى الجواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، وجوابها محذوف، أي لكان أرفق بك، وأسهل عليك. وقوله: (عَلَى مَنْكِبِكَ) بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: مُجتَمَع رأس الْكَتِف والعَضُد. وقوله: (دُونَ الْحِجَارَةِ)، أي تحت الحجارة، والمراد وضع الإزار على المنكب ليكون حائلًا بين الحجارة والكتف؛ تخفيفًا لصلابة الحجارة على الكتف. وقوله: (قَالَ: فَحَلَّهُ) يحتمل أن يكون مقول جابر - ﵁ -، أو مقول من حدّثه، قاله العينيّ . وقوله: (مَغْشِيًّا عَلَيْهِ)، أي مُغْمًى عليه؛ وذلك لانكشاف عورته، و«مغشيّ» مفعولٌ من غُشي عليه بالبناء للمفعول، فأصله مغشويّ، كمنصور، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، فصار مَغْشيًّا، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا .... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قال الفيّوميّ - ﵀ -: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والْغَشْيةُ بالفتح: المرّة، فهو مَغْسيّ عليه، ويُقال: إن الغشي يُعطِّل القُوَى المحرِّكة، والأَورِدة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو بَرْد، أو جُوعٍ مُفرط، وقيل: الغشيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بَلْغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهوٌ يَلْحَقُ الإنسان مع فُتُور الأعضاء لعلّة. انتهى .
مصادر المؤلف (١١)

١. راجع:«فتح المنعم»٢/ ٣٦٤.

٢. «شرح النوويّ»٤/ ٣٤.

٣. أي: في التنبيه التالي.

٤. «الفتح» ٣/ ٥١٦ - ٥١٧ «كتاب الحج» رقم (١٥٨٦).

٥. «الرَّضْمُ» بفتح، فسكون، ويُحرّك، وككتاب: صُخُور عِظامٌ، يُرضم بعضها فوق بعض في الأبنية، قاله في: «القاموس المحيط» ٤/ ١٢٠.

٦. «الفتح» ٣/ ٥١٦ - ٥١٧ «كتاب الحج» رقم (١٥٨٦).

٧. «لسان العرب» ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٨. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٣٦٤.

٩. «عمدة القاري» ٤/ ١٠٧.

١٠. عمدة القاري«٤/ ١٠٧.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.