HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٤٢

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ (وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حديثه: يعني حائط نخل.
ج ١ ص ٢٦٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٢٣٩
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٨/ ٧٧٩] (٣٤١)، و(أبو داود) في «الحمّام» (٤٠١٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٠٥)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٧٦٨ و٧٦٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠/ ٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣١٨)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٩) - (بَابُ بَيَانِ أَحَبِّ مَا يُسْتَتَرُ بِهِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٨٠] (٣٤٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِي، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاس، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْني حَائِطَ نَخْلٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرَّحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٣ - (مَهْدِيٌّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) التيميّ الضبّيّ البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن الحسن بن سعد، مولى الحسن بن عليّ، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وعبد الرَّحمن بن أبي نُعْم البجليّ، ورجاء بن حَيْوَة، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وحميد بن عبد الرَّحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير بن حازم، ومهديّ بن ميمون، وهشام بن حسان، وشعبة، وواصل مولى أبي عيينة، وعثمان بن عبد الحميد اللاحقيّ. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال شعبة في رواية: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، سيد بني تميم، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن نمير: ثقةٌ، نقله أبو الوليد الباجي في رجال البخاري له. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٤٢) وأعاده في «كتاب الفضائل» برقم (٢٤٢٩)، وحديث (٢٥٢٢): «أرأيت إن كان أسلم، وغفار …». ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) هو: الحسن بن سعد بن معبد الهاشميّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبيه، وعن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، والمسعوديّ، وأخوه أبو العُمَيس، والحجاج بن أرطاة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، وجماعة. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووثقه العجليّ، ونقل ابن خَلْفُون أن ابن نُمير وثَّقه أيضًا. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره مرّتين: هنا، وفي «كتاب الفضائل». ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي طالب الهاشميّ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أمه أسماء بنت عُمَيس، وعمه عليّ بن أبي طالب، وعثمان، وعمار بن ياسر. ورَوى عنه بنوه: معاوية، واسحاق، وإسماعيل، وأم أبيها، وابن خالته عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وابن أخيه لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر، والحسن بن الحسن بن عليّ، وابنه عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وأبو جعفر، محمد بن عليّ بن الحسين، والحسن بن سَعْد مولى الحسن بن علي، وخالد بن سارة المخزوميّ، وسعد بن إبراهيم الزهريّ، وعبد الله بن أبي مُليكة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ومُوَرِّق العِجْليّ، وغيرهم. قال الزبير بن بَكّار، عن عمه: قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، حَمَل امرأته أسماء بنت عُميس معه، فوَلَدت له هناك عبد الله، وعَوْنًا، ومحمدًا، ثم قَدِم جعفر بهم المدينة، وذُكِر عن عبد الله بن جعفر قال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله - ﷺ - على أمي، فنَعَى لها أبي، وأخباره في الكرم شهيرةٌ، وقال ابن حبان: كان يقال له قطب الخاء، وكان يوم تُوُفّي النبيّ - ﷺ - ابن عشر، وروى ابن عساكر في «تاريخه» عن عبد الملك بن مروان قال: سمعت أبي قال: سمعت معاوية يقول: رَجُلُ بني هاشم عبدُ الله بن جعفر، وهو أهل لكلّ شَرَفٍ، لا والله ما سابقه أحد إلى شرف إلَّا وسبقه، وقال يعقوب بن سفيان: أَمَّرَه عليّ - ﷺ - في صِفِّين. وقال الزبير: وكان عبد الله بن جعفر جوادًا مُمَدَّحًا، مات زمنه سنة ثمانين، وهو عام الْجُحَاف لسيل كان بمكة، جَحَف الحُجّاج، وكان الوالي أبان بن عثمان، فصلى عليه، وكان يوم توفي ابن (٩٠) سنةً، وقال غيره: مات سنة (٨٠) وهو ابن ثمانين، وقيل: (٩٠) وهو ابن (٩٠) سنةً، وقيل غير ذلك في تاريخ وفاته، والأول أصحّ . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٤٢) وأعاده في «الفضائل» برقم (٢٤٢٩)، وحديث (٢٠٤٣): «يأكل القثّاء بالرُّطَب»، و(٢٤٢٧): «نعم، فحملنا، وتركك»، و(٢٤٢٨): «كان رسول الله - ﷺ - إذا قَدِم من سفر تُلُقّي بصبيان أهل بيته …»، وأعاده بعده، و(٢٤٣٠): «خير نسائها مريم بنت عمران …». لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن جعفرًا، ومحمد بن عبد الله، والحسن بن سعد هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلّ منهم من الحديث فيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب - ﵄ -، أنه (قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)، أي أركبني خلفه، يقال: رَدِفَ الرجلُ بكسر الدال، كسمعه، وعليه اقتصر الجوهريّ وغيره، وفتحها، كنصر، كما تفيده عبارة «القاموس» : إذا ركب خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفك، وقال في «اللسان»: قال الزجّاج: يقال: رَدِفتُ الرجلَ: إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبتُهُ خلفي، قال ابن برّيّ: وأنكر الزُّبَيديّ: أردفتُهُ بمعنى أركبتَهُ معك، قال: وصوابه: ارتدفته، فأما أردفته ورَدِفته، فهو أن تكون أنت رِدْفًا له، وأنشد [من الوافر]: إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفِتِ الثُّرَيَّا … ظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا لأن الجوزاء خلفَ الثُّرَيّا كالرِّدْفِ . قال الجامع عفا الله عنه: ما أنكره الزُّبيديّ يردّه هذا الحديث الصحيح؛ لأن «أردفني» هنا بمعنى أركبني بلا شكّ، فالصواب ما قاله الزّجّاج، فتبصّر، والله تعالى أعلم. والدابّة التي ركبها النبيُّ - ﷺ - كانت بغلة، كما بُيِّنَ في رواية أحمد، ولفظه: «قال: ركب رسول الله - ﷺ - بغلته، وأردفني خلفه». (ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ)، أي يومًا من الأيّام، فـ «ذات» مقحمةٌ، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه على رأي من يُجيزه . (فَأَسَرَّ اِلَيَّ حَدِيثًا)، أي كلّمني به سرًّا، وفي رواية أحمد: «ثم ذهب رسول الله - ﷺ - في الحائط، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسَرَّ إليّ شيئًا، لا أحدّث به أحدًا» (لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ) الجملة في محلّ نصب صفة لـ «حديثًا»، زاد في رواية أحمد: «فحَرَّجنا عليه أن يحدِّثنا، فقال: لا أُفشي على رسول الله - ﷺ - سرَّه حتى ألقى الله». (وَكَانَ أَحَبَّ مَا) اسم موصول، أي الذي (اسْتَتَرَ) بالبناء للفاعل (بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَتِهِ)، أي عند قضاء حاجته، فاللام بمعنى«عند»، كقولهم: كتبته لخمس خلون، وجعل منه ابن جنّي قراءة الْجَحْدريّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥] بكسر اللام، وتخفيف الميم، أي عندما جاءهم . (هَدَف) بفتح الهاء، والدال: ما ارتفع من الأرض، قاله النوويّ ، وقال الفيّوميّ: «الْهَدَف» - بفتحتين -: كلُّ شيء عظيم مرتفع، قاله ابن فارس، مثلُ الجبل، وكَثِيب الرمل، والبناء، والجمعُ: أَهْدافٌ، مثلُ سبب وأسباب، والهدَف أيضًا: الْغَرَضُ، وأَهْدَفَ لك الشيءُ بالألف: انتَصَبَ، واستهدف كذلك، ولأمن صَنَفَ، فقد استَهْدَف«: أي انتَصَبَ كالغَرَض يُرْمَى بالأقاويل. انتهى . (أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) بالحاء المهملة، والشين المعجمة، وقد فسَّره بقوله: (قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ) هو: عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعيّ شيخه الثاني، نسبه لجدّه (فِي حَدِيثِهِ)، أي روايته لهذا الحديث (يَعْنِي) الضمير لعبد الله بن جعفر - ﵁ - (حَائِطَ نَخْلٍ) قال ابن الأثير - ﵀ -: الحائش: النخل الْمُلْتَفّ المجتمع، كأنه لالتفافه يَحُوشُ بعضه إلى بعض. انتهى . وقال في«القاموس»: الحائش: جماعة النخل، لا واحد له. انتهى . [تنبيه]: يقال للحائش أيضًا الْحِشّ، قال المجد - ﵀ -: الْحِشّ مثلّثةً: الْمَخْرَجُ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، جمعه حُشُوشٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْحشّ: البُستان، والفتح أكثر من الضمّ ، وقال أبو حاتم: يقال لبستان النخل: حُبُّ»، والجمع حُشّان - بالضمّ -، وحِشّان - بالكسر - فقولهم: بيت الْحشّ مجاز؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، فلَمّا اتّخذوا الْكُنُفَ، وجعلوها خَلَفًا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم، وقال الفارابيّ: الْحُشّ: البستان، ومن ثَمَّ قيل للمَخْرَج: الْحشّ، وقال في «مختصر العين»: الْمَحَشَّةُ: الدُّبُرُ، والْمَحشّ: الْمَخْرَج: أي مخرَج الغائط، فيكون حقيقةً. انتهى . [تنبيه آخر]: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد - ﵀ -، في «مسنده» مطوّلًا، ولفظ أحمد، فقال: (١٦٦٢) حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب، يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: ركب رسول الله - ﷺ - بغلته، وأردفني خلفه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا تبَرّز كان أحبَّ ما تبرز فيه هَدَفٌ يَستتر به، أو حائش نخل، فدخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضح له، فلما رأى النبيّ - ﷺ - حَنَّ، وذَرَفَت عيناه، فنزل رسول الله - ﷺ -، فمسح ذِفْرَاه ، وسَرَاتَهُ، فسَكَنَ، فقال: «مَن ربُّ هذا الجمل؟»، فجاء شابّ من الأنصار، فقال: أنا، فقال: «ألا تَتَّقِي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكك الله إياها، فإنه شَكَاك إليّ، وزَعَمَ أنك تُجِيعه، وتُدْئبه »، ثم ذهب رسول الله - ﷺ - في الحائط، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسَرَّ إليّ شيئًا، لا أحدِّث به أحدًا، فحَرَّجنا عليه أن يحدثنا، فقال: لا أُفشي على رسول الله - ﷺ - سرَّه حتى ألقى الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن جعفر - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٩/ ٧٨٠] (٣٤٢)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٥٤٩)، و(ابن ماجة) في «الطهارة» (٣٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٠٤)، رقم (١٧٤٧ و١٧٥٧)، و(الدارميّ) في «الطهارة» (١/ ١٧٠ و١٩٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٩٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ١٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط، أو هَدَف، أو وَهْدة، أو نحو ذلك، بحيث يُغيّب جميع شَخْص الإنسان عن أعين الناظرين، وهذه سنّة مؤكّدة، قاله النوويّ - ﵀ - . ٢ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابّة إذا كانت مُطيقة، وما ورد من النهي عن ذلك ، فيُحمل على ما إذا لَمْ تُطق، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع وحسن الخلق، حيث كان يُردف خلفه الصبيان. ٤ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابي عبد الله بن جعفر - ﵄ -، حيث أسرّ إليه النبيّ - ﷺ -، وخصّه دون غيره. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أيضًا من كمال الأدب، وحسن الوفاء بالعهد، حيث كتم سرّ النبيّ - ﷺ - يه حتى يموت، مع أن أصحابه ناشدوه أن يُحدّثهم به. ٦ - (ومنها)؛ ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدّة الرأفة والرحمة على جميع الحيوان، فلما بكى هذا الناضح، وشكا إليه، رحمه، فنزل له، فمسح ذِفراه، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً للنبيّ - ﷺ -، حيث حنّ إليه هذا الناضح، وشكا إليه ما يلقاه من التعب والجوع. ٨ - (ومنها): أيضًا معجزة للنبيّ - ﷺ - حيث أطلعه الله - ﷾ - على المغيّبات، وأعلمه ما تتكلّم به الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٩ - (ومنها): وجوب رحمة البهائم، ولا سيّما التي ينتفع بها الإنسان، فلا يجوز تجويعها، وتكليفها ما لا تُطيق من العمل. ١٠ - (ومنها): بيان كمال الشريعة، وعموم نفعها للجميع، حيث اهتمّت بحفظ حقوق جميع المخلوقات، عقلائها، وبهائمها، فحرّمت الظلم، وأوجبت الإحسان إلى كلّ أحد، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ٤٢]، فسبحان اللطيف الخبير الرؤوف الرحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. = يجوز إذا أطاقت الدابَّة، فقد أخرج الطبريّ بسند جيّد عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «كان يوم بدر ثلاثة على بعير»، وأخرج الطبريّ أيضًا، وابن أبي شيبة عن ابن عمر - ﵄ -: قال: ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابَّة إذا أطاقت حمل ذلك، قاله في: «الفتح» (١٠/ ٤١٠) «كتاب اللباس» رقم (٥٩٦٥).
مصادر المؤلف (٢٢)

١. بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وبالخاء المعجمة، غير منصرف؛ للعلميّة، والعجمة، وتقدّم غير مرّة.

٢. بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة.

٣. راجع: «الإصابة» ٤/ ٣٥ - ٣٩، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٣١٣.

٤. راجع: «القاموس المحيط» ٣/ ١٤٣.

٥. «لسان العرب» ٩/ ١١٥ - ١١٦.

٦. راجع:«الفتح»١١/ ٣٩١.

٧. أي: سألناه بشدّة أن يحدّثنا، وأصل التحريج - كما في:«القاموس المحيط»-: التضييق.

٨. راجع:«مغني اللبيب»ص ٢١٦.

٩. «شرح النووي»٤/ ٣٥.

١٠. «المصباح المنير»٢/ ٦٣٥.

١١. «النهاية» ١/ ٤٦٨.

١٢. «القاموس المحيط» ٢/ ٢٧٠.

١٣. «القاموس المحيط» ٢/ ٢٦٩.

١٤. تقدّم عن القاموس أنه مُثَلَّث، فتنبّه.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ١٣٧.

١٦. «الناضح»: ما يُستقى عليه من الإبل.

١٧. بفتح الراء: أي دمعت.

١٨. بكسر الذال، مقصورًا: العظم الشاخص خلف الأذن. اهـ. «ق».

١٩. أي: تتعبه بالعمل.

٢٠. المراد فوائد الحديث بتمامه، لا ما ساقه المصنّف فقط، فتنبّه.

٢١. «شرح النوويّ» ٤/ ٣٥.

٢٢. قد وردت أحاديث في نهي ركوب الثلاثة على دابة، وأسانيدها ضعيفة، والصحيح =