وبالسند المتّصل إلى «الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٥] (٣٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح)، وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَة، ثُمَّ يُكْسِلُ؟ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَة، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود العتكيّ البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد البصريّ الحافظ الحجة، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أبو المنذر المدنيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الفقيه المدنيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٧ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ المدنيّ، من كبار الصحابة - ﵃ -، شَهِد بدرًا، ونزل النبيّ - ﷺ - حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازيًا بالروم سنة (٥٠)، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣.
٨ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، من فُضلاء الصحابة، مات سنة (١٩) أو (٣٢)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء، حيث وقع في رواية الأول: «حدّثنا هشام بن عروة»، فنسبه إلى أبيه، وفي رواية الثاني: «حدّثنا هشام»، فلم ينسبه.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ له»، أي لأبي كريب، وقد تقدّم البحث فيه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن شيخه الثاني أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريّ، خالد بن زيد - ﵁ - (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ) أي عن حكمه، وقوله: (يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ) أي يجامعها (ثُمَّ يُكْسِلُ) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه بضم الياء، ويجوز فتحها، يقال: أكسل الرجلُ في جماعه: إذا ضَعُفَ عن الإنزال، وكَسِلَ أيضًا بفتح الكاف، وكسر السين، والأول أفصح. انتهى .
ولفظ البخاريّ: «قال: يا رسول الله، إذا جامع المرأة، فلم يُنزِل؟».
(فَقَالَ) - ﷺ - (يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ) خبر بمعنى الأمر، أي لغسل ما أصابه منها، فهو كقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨].
وفي رواية البخاريّ: «يغسل ما مسّ المرأة منه»، أي يغسل الرجل العضو الذي مسّ فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم، وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها، قاله في «الفتح» .
وقال النوويّ ﵀: فيه دليل على نجاسة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف معروف، والأصحّ عند بعض أصحابنا نجاستها، ومن قال بالطهارة يَحْمِل الحديث على الاستحباب، وهذا هو الأصح عند أكثر أصحابنا. انتهى .
(ثُمَّ يَتَوَضأُ») قال في«الفتح»: هذا صريح في تأخير الوضوء عن غسل
الذكر، زاد عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن هشام فيه:«وضوءه للصلاة»، وقوله: (وَيُصَلِّي) أصرح في الدلالة على ترك الغسل من حديث عثمان - ﵁ - الآتي بلفظ:«يتوضّأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره» والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبيّ بن كعب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في«الحيض»[٢٠/ ٧٨٥ و٧٨٦] (٣٤٦)، و(البخاريّ) في«الغسل»(٢٩٣)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٩٥٧ و٩٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٩٥)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١١٣ و١١٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١١٦٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ١٦٤)، وفي«المعرفة»(١/ ٤٥٨)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ٥٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٨١٩ و٨٢١)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (٧٧٤ و٧٧٥).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَلِيِّ، يَعْنِي بقَوْلهِ: الْمَلِيِّ ، عَنِ الْمَلِيِّ، أَبُو أَيُّوبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُل، يَأتي أَهْلَهُ، ثُمَّ لَا يُنْزِلُ، قَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (يَعْني بِقَوْلِهِ: الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَليِّ، أَبُو أَيُّوبَ إلخ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول«أبو أيوب» بالواو، وهو صحيح، والمليّ: الْمُعْتَمَدُ عليه المركون إليه. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وقع في معظم النسخ التي بين يديّ «أبو أيّوب» بالواو، إلَّا النسخة التي شرح عليها الأبيّ، فوقع فيها ما لفظه: «قال: حدّثني أبي، عن المليّ، يعني بقوله: المليّ أبا أيوب إلخ»، وكذا هو في «مستخرج أبي نعيم»، وهو الجاري على القاعدة الجادّة؛ لأن رفع الأسماء الستّة، وهي«أبوك»، و«أخوك»، و«فوك»، و«حَمُوكِ»، و«هنوكَ»، و«ذو» بمعنى صاحب، يكون بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء، ويجوز في «أب» و«أخ»، و«حم» إعرابها إعراب المقصور على الألف، ويجوز نقصها بحذف أواخرها، فتعرب بالحركات الظاهرة على الباء، والخاء، والميم، وأما «هن» فنقصه أشهر، من إتمامه، وإلى هذا كلّه أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال:
وَارْفَعْ بِوَاوِ وَانْصبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ «ذُو» إِنْ صحْبَةً أَبَانَا … وَ«الْفَمُ» حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
«أَبٌ» «أَخٌ» «حَمٌ» كَذَاكَ وَهَنُ … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي «أَبٍ» وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وأما ما وقع في معظم النسخ بلفظ «أبو أيوب» بالواو فلا بدّ من تأويله؛ لأن إعرابه على الواو دائمًا لغة ضعيفة، فلا يجوز تخريج الرواية الصحيحة عليه، فيؤؤل بأنه محكيّ على حالة الرفع، أي من نحو قوله: «حدثنا أبو أيوب»، فيكون «أبو أيوب» مفعولًا به لـ«يعني» منصوبًا بفتحة مقدّرة، منع من ظهورها اشتغال المحلّ بإعراب الحكاية، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عَنِ الْمَلِيِّ) أصله مَلِيءٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّوميّ - ﵀ -: