HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٥١

وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص187
ج ١ ص ٢٧٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٣٠٩
ما لم يقترن به دليل الوجوب، وهنا إنما استفيد من ضمّه إلى الأدلة الأخرى، كحديث: «إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل»، فأراد النبيّ - صلي الله عليه وسلم - أن يؤكد الوجوب المستفاد من قوله بما ذكره من فعله، وقد حقّقتُ هذا الموضوع في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٣] (٣٥١) - (وَحَدثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زيدٍ الْأنصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَن أَبَاهُ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّه) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأَيليّ، ثم المدنيّ، ثم الشاميّ، ثم المصريّ، ثقةٌ ثبت [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل باب. ٦ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) الْمخزومي المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في أول خلافة هشام (ع) تقدم في «الإيمانً» ٢٦/ ٢١٠. ٧ - (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنصَارِيُّ) هو: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاريّ النَّجَّاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣]. أدرك عثمان، وروى عن أبيه، وعمه يزيد، وأسامة بن زيد، وسهيل بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأمه أم سعد بن الربيع، وأم العلاء الأنصارية. ورَوَى عنه ابنه سليمان، وابنا أخويه: سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن زيد، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وابنه محمد بن عبد الله، ومُجالد بن عوف، وأبو الزناد، والزهريّ، وعثمان بن حكيم، وغيره. قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، وقال مصعب الزبيري: كان خارجة، وطلحة بن عبد الله بن عوف يقسمان المواريث، ويكتبان الوثائق، وينتهي الناس إلى قولهما، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن خِرَاش: خارجة بن زيد أجلّ من كل من اسمه خارجة. وقال البخاريّ: إن صحّ قول موسى بن عقبة: إن يزيد بن ثابت قُتل يوم اليمامة؛ فإن خارجة بن زيد لم يدرك عمه. قال ابن نمير، وعمرو بن عليّ: مات سنة (٩٩)، وقال ابن المدينيّ، وغير واحد: مات سنة مائة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وحَكَى القولين جميعًا. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٨ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحاك بن زيد بن لُوذان بن عمرو بن عَبد عَوف بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة المدني، قَدِمَ النبي - ﷺ - المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتب له الوحي، رَوَى عنه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -. وروى عنه ابناه: خارجة، وسلمان، ومولاه ثابت بن عبيد، وأم سَعْد، قيل: إنها ابنته، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وسهل بن حُنيف، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وسهل بن أبي حَثْمَةَ، ومروان بن الحكم، وأبان بن عثمان، وبُسْر بن سعيد، وطاووس، وعُبيد بن السَّبَّاق، وعطاء بن يسار، وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال عاصم عن الشعبي: غلب زيدٌ الناسَ على اثنتين: الفرائضِ والقرآنِ. وقيل: إن أوّل مشاهده يوم الخندق. قاله الواقدي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عُمارة بن حَزْم، فأخذها النبي - ﷺ - منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله - ﷺ - بلغك عني شيء؟ قال: «لا، ولكن القرآن مُقَدَّم». أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٢١. وكان زيد من علماء الصحابة، وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر - ﵁ - ثبت ذلك في «الصحيح»، وقال له أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل، لا نَتَّهِمُك. وروى البخاري تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: أُتِي بي النبي - ﷺ - مَقْدَمَهُ المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأتُ عليه فأعجبه ذلك، فقال: «تعلم كتاب يهودَ، فإني ما آمنهم على كتابي»، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. ورواه عبد بن حميد من طريق ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قال لي النبي - ﷺ -: «إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليّ، أو ينقصوا، فتَعَلَّمِ السُّرْيانية»، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تَنَحّ يا ابن عَمّ رسول الله - ﷺ - قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أفرضكم زيد»، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول. ورَوَى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبَيٌّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. ورُوِي بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. ورَوَى البغوي بإسناد صحيح عن خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فَقَلَّمَا رجع إلا أقطعه حديقة من نخل. ومن طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد - ﷺ - أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم. وقال مسروق: قَدِمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب: شَهِدتُ جنازة زيد بن ثابت، فلما دُلِّيَ في قبره قال ابنُ عباس - ﵂ -: مَن سَرّه أن يعلم كيف ذَهَاب العلم، فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دُفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة - ﵁ - حين مات: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر. ولَمّا مات رثاه حسان بقوله [من الطويل]: فَمَنْ لِلْقَوَاِفي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعد زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ وفضائله كثيرة . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه التحديث، والقول، والإخبار. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فتفرّد بهما هو، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض؛ ابن شهاب، وعبد الملك، وخارجة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جدّه. ٦ - (ومنها): أن فيه خارجة، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة المجموعين في قول بعضهم: إَذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتهم لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ ٧ - (ومنها): أن صحابيّه من الصحابة المشهورين، ذو مناقب جمَّة، فكان كاتب الوحي للنبيّ - ﷺ -، وجمع القرآن في عهد أبي بكر - ﵁ -، وكان شهد له - ﷺ - بأنه أفرض الأمة، وكان من الراسخين في العلم - ﵁ -. ٨ - (ومنها): أن زيدًا - ﵁ - وخارجة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، فأما زيد فله فيه بضعة عشر حديثًا، وأما خارجة فليس له إلا هذا الحديث، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ الأيليّ: (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) كذا هو في جميع الأصول: «عبد الملك بن أبي بكر»، قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ: هكذا يُروى هذا الإسناد عن جميع رواة الكتاب، وفي نسخة أبي عبد الله بن الْحَذّاء مما أُصْلِح بيده، فأفسده: «وقال ابن شهاب: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن»، جعل «عبد الله» موضع «عبد الملك»، والصواب «عبد الملك»، وكذا رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ، وكذلك هو في نسخة أبي زكريا الأشعريّ، عن ابن ماهان، وكذلك رواه الزُّبَيديّ، عن الزهريّ، عن عبد الملك بن أبي بكر، وهو أخو عبد الله بن أبي بكر. وقد روى الزهريّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أُميّة بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد، عن ابن عمر، حديثَ قَصْر الصلاة في السفر، قولَ عبد الله بن عمر: «إن الله بعث إلينا محمّدًا - ﷺ -، فإنما نَفْعَل كما رأينا يفعل». قال محمد بن يحيى الذُّهْليّ: روى الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن أخيه محمد بن عبد الرحمن، وعن أخيه عكرمة بن عبد الرحمن، وروى أيضًا عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأخيه عبد الملك بن أبي بكر، وأخيه عمر بن أبي بكر. وكلُّ هؤلاء مُخَرَّجٌ حديثهم في «الصحيح»، إلا عمر بن أبي بكر، فلا أعلم له رواية في الكتابين. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ - ﵀ - . (أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الْأنصَارِيَّ) - ﵀ - (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبد الملك (أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) - ﵁ - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ») أي من أجل أكل ما مسّته النار، فـ «ما» موصولة، وجملة «مسّت النار» صلتها، والعائد محذوف، كما قال في «الخلاصة»: .................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كـ «مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» و«مَسّ» من باب تَعِبَ، ونَصَرَ، يقال: مَسَسْتُ الجسدَ بماء، وأمسسته ماءً. أفاده الفيّوميّ . وليس المراد مجرّد مسّ النار، بل لا بدّ من تغييره وإنضاجه، كما تفيده الروايات الأخرى، ففي رواية أحمد، وأبي داود، والنسائيّ: «توضؤوا مما أنضجت النار»، وفي رواية أحمد أيضًا وأصحاب السنن: «توضؤوا مما غيّرت النار»، فيُستفاد منها أن مجرّد المسّ لا يوجب الوضوء، بل لا بدّ أن يكون مما غيّرته، وأنضجته؛ فتنبّه. وهذا الحديث يدلّ على وجوب الوضوء من أكل ما غيّرته النار، وبه قال طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الحقّ؛ لأن أحاديث الباب منسوخة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيّ العرفيّ عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك، ثم نُسخ، كما قال جابر بن عبد الله - ﵂ -: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - تركَ الوضوء مما مسّت النار» ، وعلى هذا تدلّ الأحاديث الآتية بعدُ، وعليه استقرّ عمل الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء مِن بعدهم، وذهب أهل الظاهر، والحسن البصريّ، والزهريّ إلى العمل بقوله: «توضّؤوا مما مسّت النار»، وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الْجَزُور لا غير. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أحمد، ومن معه هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. قال: وذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغويّ، وهو غَسْلُ اليد والفم من الدَّسَم، كما فَعَل النبيّ - صلي الله عليه وسلم - حيث شَرِب اللبن، ثم مضمض، وقال: «إن له دَسَمًا» ، وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب، وممن ذهب إلى هذا ابن قتيبة، ذكره في «غريبه»، والصحيح الأول، فلْيُعْتَمَدْ عليه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، ويأتي تمام البحث في هذا في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٢٢/ ٧٩٣] (٣٥١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٠٧)، وفي «الكبرى» (١/ ١٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٨٤ و١٨٨ و١٨٩ و١٩٠ و١٩١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٧٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٨٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٤٠)، وسيأتي تمام
مصادر المؤلف (٨)

١. راجع: «الإصابة» ٢/ ٤٩٠ - ٤٩٢، و«تهذيب التهذيب» ١/ ٦٥٩ - ٦٦٠.

٢. هكذا في برنامج الحديث «صخر»، والذي في «المنتقى» لابن الجوزيّ أنه رَوَى من الأحاديث (٩٢) حديثًا، اتفق الشيخان على (٥) وانفرد البخاريّ بـ (٤) ومسلم بحديث واحد، والله تعالى أعلم.

٣. وقع في النسخة: «عن أخيه»، بحذف الواو، والصواب إثباتها. انظر: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٢٤، فقد ذكر أن ابن شهاب روى عنه، بل لم يذكر له راويًا غيره؛ فتنبّه.

٤. «تقييد المهمل» ٣/ ٧٩٦ - ٧٩٧.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٢.

٦. حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (١٩٢)، والنسائيّ (١/ ١٠٨).

٧. متّفق عليه.

٨. «المفهم» ١/ ٦٠٣.