HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٦٩

قَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ. حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ بن الحارث ابن الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من نحو بئر جَمَلٍ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ. حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ. ثم رد ﵇.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم
ج ١ ص ٢٨١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٤٧٩
رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) عن (٨٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: «عن ابن عبد الرحمن» هو: سعيد. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) الفاعل ضمير النضر بن شُميل، وروايته هذه لم أجد من ساقها بتمامها. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٨] (٣٦٩) - (قَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أقبَلْتُ أنا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأنصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْه، حَتَّى أقبَلَ عَلَى الْجِدَار، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثُمَّ رَدَّ ﵇). قال الجامع عفا الله عنه: هذا أول الأحاديث المعلّقة في «صحيح مسلم»، وهي اثنا عشر موضعًا ، سننبّه عليها في مواضعها، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في «شرح المقدّمة» في المسألة الثامنة عشرة التي ذكرت فيها رسالة الحافظ رشيد الدين العطار التي بيّن فيها هذه المعلّقات أتمّ تبيين، فأجاد وأفاد - ﵀ - . فهذا الحديث هكذا أخرجه الإمام مسلم - ﵀ - في «صحيحه» هنا معلّقًا، وهو حديث صحيح، ثابت مُتَّصل في «صحيح البخاريّ» وغيره، من حديث الإمام الليث بن سعد بن عبد الرحمن المصري الفقيه، عن جعفر بن ربيعة بن شُرَحبيل المصري، أخرجه الأئمة: البخاري، وأبو داود، والنسائي، في مصنفاتهم، متصلًا من حديثه: فرواه البخاري عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ المصريّ عنه، وابن بكير هذا من شرط مسلم، فإنه احتج بحديثه، ورَوَى عن أبي زرعة الرازيّ، وعن غير واحد عنه. ورواه أبو داود ، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، وعبد الملك هذا من ثقات المصريين، رَوَى عنه مسلم في «صحيحه» عدةَ أحاديث من روايته، عن أبيه، عن جده. ورواه النسائي عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، والربيع بن سليمان هذا هو المراديّ، صاحب الإمام الشافعي - ﵀ -، مشهور من ثقات المصريين، وأكابرهم، والله تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس) ويقال: مولى أم الفضل، وهو: عُمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاته، وعن ابنيها: عبد الله، والفضل، ابني العباس، وأبي جُهَيم بن الحارث بن الصِّمّة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة. ورَوَى عنه الأعرج، وسالم أبو النضر، وإسماعيل بن رَجَاء الزُّبيديّ، وعبد الرحمن بن مِهْران. قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عُمير مولى ابن عباس، وكان ثقةً، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة سنة أربع ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)، وحديث (١١٢٣): «أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله - ﷺ - …»، وأعاده بعده. ٥ - (أَبُو الْجَهْمِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأنصَارِيُّ) هكذا الرواية في مسلم «الجهم» بالتكبير، والصواب أنه بالتصغير، وهو: أبو جُهيم بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - ابن عمرو بن عَتِيك بن عمرو بن مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النخار الأنصاريّ، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو ابن أخت أُبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو جهم بن الحارث بن الصِّمَّة، ويقال: إنه الحارث بن الصِّمَّة. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه بِشْر بن سعيد الحضرميّ، وأخوه مسلم بن سعيد، وعُمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة، وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه، لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جَهْم، أبو جُهَيم فَرَّق بينه وبين ابن الصِّمَّة، وفي «أُسْد الغابة» عن «الاستيعاب»، و«المعرفة»: عبد الله بن جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة … فذكره، جَعَل الحارث جدّه، «وهكذا قاله ابن مندَهْ، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم، قاله في«تهذيب التهذيب». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)، وحديث (٥٠٧):«لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي … ». [تنبيه]: أبو الْجُهيم هذا هو المشهور أيضًا في حديث المرور بين يدي المصلي، كما أشرنا إليه آنفًا، وهو غير أبي الجهم المذكور في حديث الْخَمِيصة والإنبجانية، ذلك بفتح الجيم، بغير ياء، واسمه عامر بن حُذيفة بن غانم القُرَشيّ الْعَدويّ، من بني عَديّ بن كعب، وسنوضحه في موضعه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ مُسْلِم) يحتمل أن يكون هذا من كلام الراوي عن مسلم، ويَحْتَمل أن يكون من كلام مسلم نفسِهِ. (عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعبد الرحمن بن هرمز، والثاني لعمير؛ أي سمع عبد الرحمن عُميرًا (يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا) أكّد الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده؛ لوجوب الفصل بالضمير، أو بأيّ فاصلٍ، كما قال في «الخلاصة»: وإنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أصول «صحيح مسلم»، قال أبو عليّ الغسّانيّ، وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: «قوله: عبد الرحمن» خطأٌ صريحٌ، وصوابه: «عبد الله بن يسار»، وهكذا رواه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم على الصواب، فقالوا: «عبد الله بن يسار»، قال القاضي عياض: ووقع في روايتنا «صحيح مسلم» من طريق السمرقنديّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ، عن عبد الله بن يسار، على الصواب، وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء، مولى ميمونة، والله أعلم. انتهى . (مَوْلَى مَيْمُونَةَ) بنت الحارث - ﵁ - (زَوْج النَّبِيِّ - ﷺ -) بالجرّ على البدليّة من «ميمونة» (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ) تقدّم آنفًا أن هذا غلطٌ، والصواب أبو جُهيم بالتصغير، وأما أبو الجهم مكبّرًا، فهو صاحب الأنبجانيّة، وهو قرشيّ، وهذا أنصاريّ، ويقال في كلّ منهما بالألف واللام، وبحذفهما، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ في «شرحه»: وأما أبو الجهم - فبفتح الجيم، وبعدها هاء ساكنة - هكذا هو في مسلم، وهو غلط، وصوابه ما وقع في «صحيح البخاريّ» وغيره: «أبو الجهيم» بضم الجيم، وفتح الهاء وزيادة ياء، هذا هو المشهور في كتب الأسماء، وكذا ذكره مسلم في كتابه في أسماء الرجال، والبخاري في «تاريخه»، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم، وكلّ من ذَكَره من المصنفين في الأسماء والكنى، وغيرهما، واسم أبي الجهيم عبد الله، كذا سماه مسلم في كتاب «الكنى»، وكذا سماه أيضًا غيره، والله أعلم. انتهى . (ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصاد، وتشديد الميم (الأنصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ) الصواب أبو جُهيم (أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ) أي من الموضع الذي يُعرف بهذا الاسم، وهو موضع معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم، ويقال فيه: «بئر جمل» بالتنكير كما في «الصحيحين»، و«بئر الجمل» بالتعريف، كما عند النسائيّ، وهو موضع قريبٌ من المدينة، فيه مال من أموالها، قاله في «العمدة» . (فَلَقِيَهُ رَجُلٌ) والرجل هو أبو جهيم، كما صَرَّح به الشافعيّ، فقد روى البغويّ في «شرح السنّة» بإسناده عن الشافعيّ، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم بن الصِّمَّة، قال: «مررت على النبيّ - ﷺ -، وهو يبول، فسلّمتُ عليه، فلم يرُدّ عليّ حتى قام إلى الجدار، فحتّه بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه، ثم ردّ عليّ»، قال: هذا حديث حسنٌ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في تحسينه نظرٌ؛ في سنده إبراهيم بن محمد، وهو متروك، وأبو الحويرث، متكلّم فيه، وفيه انقطاع بين الأعرج، وأبي جهيم، والصواب عن الأعرج، عن عمير مولى ميمونة، عن أبي جُهيم، راجع «الفتح» . (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ - ﷺ - (فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ) سلامه، ويجوز في دال «يَرُدّ» الحركات الثلاث: الكسر، وهو الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، والفتح؛ لخفّته، والضمّ لإتباع حركة الراء، أفاده في «العمدة» . (حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ) الألف واللام فيه للعهد الخارجيّ؛ أي جدار هناك. [فإن قلت]: كيف تيمّم النبيّ - ﷺ - بالجدار بغير إذن مالكه؟. [أجيب]: بأنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحًا، أو كان مملوكًا لإنسان يعرفه، ويعرف رضاه بذلك، فأدلّ النبيّ - ﷺ - عليه، وتيمّم به؛ لعلمه بأن مالكه لا يكره ذلك، ويجوز مثل هذا، والحالة هذه لآحاد الناس، فالنبيّ - ﷺ - أولى، والله تعالى أعلم . وللدارقطنيّ من طريق ابن إسحاق، عن الأعرج: «حتى وضع يده على الجدار»، وزاد الشافعيّ - كما تقدّم -: «فحتّه بعصاه»، قاله في «الفتح» . قال الجامع: لكن سبق لك أنه بسند ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) ولفظ البخاريّ: «فمسح بوجهه ويديه»، وللدارقطنيّ من طريق أبي صالح، عن الليث: «فمسح بوجهه، وذراعيه»، وكذا للشافعيّ من رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطّأ الحفّاظ رواية رفعه، وصوّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفًا، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جُهيم أيضًا بلفظ «يديه»، لا «ذراعيه»، فإنها شاذّة مع ما في أبي الحويرث، وأبي صالح من الضعف . (ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ) أي على الرجل الْمُسَلِّم (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة، وفيه استحباب الطهارة لردّ السلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي جهيم - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٢٧/ ٨٢٨] (٣٦٩)، و(البخاريّ) في «التيمّم» (٣٣٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٣٢٩)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٦٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨٠٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٠٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز التيمّم في الحضر، وقال النوويّ في «شرحه»: هذا الحديث محمول على أنه - ﷺ - كان عادمًا للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة، وبين أن يتسع، ولا فرق أيضًا بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة - ﵀ -: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، وحَكَى البغويّ من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلّاها بالتيمم، ثم توضأ وقضاها، والمعروف الأول. انتهى . وممن قال بجواز التيمّم في الحضر الإمام البخاريّ - ﵀ -، فقد ترجم في «صحيحه»: «باب التيمّم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الوقت»، وكذا الإمام النسائيّ - ﵀ -، فقد ترجم في «سننه»: «باب التيمّم في الحضر»، ثم أوردا في الباب حديث أبي جهيم هذا، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز التيمّم على الحجر، وهو مذهب الحنفيّة، وهو الصحيح، ووجه الاستدلال أن حيطان المدينة مبنيّة بالحجارة السود، ولا يعترض ذلك بما سبق في رواية الشافعيّ - ﵀ -: «فحتّه بعصاه»؛ لأنها رواية ضعيفة. وقد أجاد العينيّ في الرد على الكرمانيّ، حيث قال: قد ثبت أنه حَتّ الجدار بالعصا، ثم تيمم، فقال العينيّ: قوله: «ثبت أنه حتّ … إلخ» ممنوع؛ لأن حتّ الجدار بالعصا رواه الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد، وهو حديث ضعيف، فإن قلت: حسنه البغويّ، قلت: كيف حسّنه، وشيخ الشافعيّ وشيخ شيخه ضعيفان، لا يُحتجّ بهما؟، قاله مالك وغيره، وأيضًا فهو منقطع؛ لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عُمير كما سبق من رواية البخاري وغيره، ونصّ عليه أيضًا البيهقيّ وغيره، وفيه علة أخرى، وهي زيادة حكّ الجدار، لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة، وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة. انتهى، وهو بحث جيّد . وقد تقدّم تحقيق المسألة مستوفًى في المسألة الثامنة في شرح حديث عائشة - ﵂ -، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): أنه استدلّ به الطحاويّ: على جواز التيمّم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين، والليث، والأوزاعيّ؛ لأنه - ﷺ - تيمّم لردّ السلام في الحضر؛ لأجل فوت الردّ، وإن كان ليس شرطًا، ومنع ذلك الشافعيّ وأحمد، وقول الأولين أظهر؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز التيمم للنوافل، والفضائل؛ كسجود التلاوة والشكر، ومسّ المصحف، ونحوها، كما يجوز للفرائض، قال النوويّ: وهذا مذهب العلماء كافّةً، إلا وجهًا شاذًّا منكرًا لبعض أصحابنا أنه لا يجوز التيمم إلا للفريضة، وليس هذا الوجه بشيء. انتهى. ٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي، السلام على من يبول، وأن من سلّم عليه لا يستحقّ جوابًا؛ لأنه - ﷺ - لم يردّ على الرجل حينما سلّم عليه، وإنما ردّ عليه بعد التيمّم من كريم أخلاق - ﷺ -، ويؤيّد ذلك أنه قال في حديث جابر - ﵁ -: «إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلّم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرُدّ عليك»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز التيمّم في الحضر: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في التيمم في الحضر لغير المريض، وللمريض لا ماء بحضرته، ولو وصل إلى الماء لتوضأ، فقالت طائفة: إذا خاف فوات الصلاة، تيمم وصلى، وحَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عمن في القبائل من أطراف الفُسْطاط، وخَشِي إن توضأ أن تَطلُع الشمس قبل أن يبلغ الماء، قال: يتيمم ويصلي، قال: وقد كان مرة من قوله: في الحضر يعيد إذا توضأ. وسئل الأوزاعي عمن انتَبَهَ من نومته وغفلته وهو جنب، فأشفق إن اغتسل وتوضأ طلعت الشمس، أو غابت؟ قال: يتيمم، ويصلي الصلاة قبيل فوات وقتها، قال الوليد: فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمد الفزاريّ، فأخبرني عن سفيان أنه قال: يتيمم ويصلي، قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم، فقالوا: بل يغتسل، وإن طلعت عليه الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣]، فهذا واجد للماء، وكان في عذرٍ من نومه وغفلته ونسيانه معذورٌ بها. وحَكَى الوليد ذلك عن الليث، وكان الحسن يقول في مريض بحضرته ماء، وحضرت الصلاة، وليس عنده من يناوله، وخَشِي فوت الوقت، قال: يتيمم، ويصلي. وقال الوليد: ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد المقيم ماءً تيمم وصلى، ولا إعادة عليه إلا في الوقت، واحتَجَّ بحديث ابن عمر، أنه أقبل من الْجُرُف، فلما كان بالْمِرْبَد حضرته صلاة العصر، فنزل فتيمم وصلى العصر. قال الجامع عفا الله عنه: لكن قوله: «ولا إعادة عليه إلا في الوقت» فيه نظر؛ لأن الإعادة في الوقت مما لا دليل عليه، فقد احتَجّ بفعل ابن عمر - ﵁ -، وابن عمر دخل المدينة، والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، كما ذكره البخاريّ في «صحيحه»، وسيأتي قريبًا. قال: وقالت طائفة: لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحالٍ، فإن فَعَل كانت عليه الإعادة، هذا قول الشافعيّ، وأبي ثور، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشِّعَاب، أتمسَّح بالتراب، وأصلي؟ قال: لا. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب التيمّم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوات الوقت»، وبه قال عطاء، وقال الحسن - في المريض عنده الماء، ولا يجد من يُناوله -: يتيمّم، وأقبل ابن عمر من أرضه بالْجُرُف، فحضرت العصر بمِرْبَد النَّعَم، فصلّى - أي بالتيمّم - ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، ثم أورد حديث الباب. انتهى. وقال أبو محمد بن حزم - ﵀ - في كتابه «الْمُحَلَّى»: ويتيمم من كان من الحضر صحيحًا إذا كان لا يقدر على الماء، إلا بعد خروج وقت الصلاة، ولو أنه على شَفِير البئر، والدلو في يده، أو على شَفِير النهر، والساقية، والعين، إلا أنه يوقن أنه لا يُتِمُّ وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك المسجون، والخائف. ثم احتجّ بما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن حذيفة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فُضّلنا على الناس بثلاث»، فذكر فيها: «وجُعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء». وبما أخرجه عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «فُضِّلتُ على الأنبياء بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الناس كافّةً، وخُتم بي النبييون». فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادي. [فإن قيل]: فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وقال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ»، فلم يُبح - ﷿ - للجنب أن يقرب الصلاذ حتى يغتسل، أو يتوضأ إلا مسافرًا. [قلنا]: نعم قال الله تعالى هذا، وقال رسول الله - ﷺ - ما ذكرتم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكانت هذه الآية زائدةً حكمًا، وواردة بشرع ليس في الآية التي ذكرتم، بل فيها إباحة أن يقرَب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضًا لا يجد الماء، أو عليه فيه حرجٌ، وكانت هذه الآية أيضًا زائدةً حكمًا على الخبر الذي لفظه: «لا تُقْبَل صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ»، ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة وعموم على الآيتين والخبرِ المذكورِ، فدخل في هذين الخبربن الصحيحُ المقيمُ إذا لم يجد الماء، وكلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ - فرضٌ جمعُ بعضه إلى بعض، وكله من عند الله تعالى. وقولنا هذا هو قول مالك، وسفيان، والليث. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا يتيمم الحاضر، لكن إن لم يقدر على الماء إلا حتى يفوت الوقت، تيمم وصلى، ثم أعاد، ولا بُدّ إذا وجد الماء. وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البتةَ، وإن خرج الوقت، ولكن يصبر حتى يخرج الوقت، ويجد الماء، فيصلي حينئذ. قال أبو محمد: أما قول أبي حنيفة، والشافعيّ فظاهر الفساد؛ لأنه لا يخلو أمرهما له بالتيمم والصلاة من أن يكونا أمراه بصلاة، هي فرض الله تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها الله تعالى عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن قال مقلِّدُهما أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فَلِمَ يعيدها بعد الوقت إن كان قد أدّى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة، ليست فرضًا عليه، أَقَرّا بأنهما ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ.
مصادر المؤلف (١٩)

١. وقول من قال: إنها أربعة عشر موضعًا، كالنوويّ تبعًا لابن الصلاح وغيره فيه نظر؛ لأن ذلك بعدّ المكرّر؛ فتنبّه.

٢. راجع: «شرح المقدّمة» ١/ ٨٧ - ١٤١.

٣. في «سننه» رقم ٣٢٩.

٤. «المجتبى» ١/ ١٦٥ - ١٦٦.

٥. بل ليس له عند البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ إلا هذان الحديثان فقط.

٦. ٤/ ٥٠٥.

٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٣.

٨. راجع: «الفتح» ١/ ٥٢٧.

٩. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٤.

١٠. «عمدة القاري» ٤/ ١٥.

١١. ١/ ٥٢٧.

١٢. «عمدة القاري» ٤/ ٢٣.

١٣. راجع: النوويّ ٤/ ٦٥، و«شرح الكرمانيّ على البخاريّ» ٢/ ٢١٧.

١٤. ١/ ٥٢٧.

١٥. «الفتح» ١/ ٥٢٧.

١٦. «شرح النووي» ٤/ ٦٤.

١٧. راجع: «عمدة القاري» ٤/ ٢٤ - ٢٥.

١٨. «الأوسط»٢/ ٣٠ - ٣١.

١٩. أخرجه الشافعيّ بذكر التيمّم، فقال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أقبل من الْجُرُف، حتى إذا كان بالْمِرْبَد تيمّم، فمسح وجهه، ويديه، وصلّى العصر … الحديث، راجع:«الفتح»١/ ٥٢٦.