HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٢٧

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كلهم عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص28
ج ١ ص ٣٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص١٩٦
إلينا، فقال: «يا أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالقعود، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا»، قالوا: يا رسول اللَّه، وما رأيت؟ قال: «رأيت الجنة والنار». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٩٦٨] (٤٢٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلَب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠] (٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن دِرْهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٠. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقيه، وهو (٤٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: خلف، وأبي الربيع، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر الصحابة روايةً للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ، أنه قال (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ) كذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية:»ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام. . . «، وفي رواية البخاريّ:»أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم«بالشكّ. و«أما»-بتخفيف الميم-: حرف استفتاح، مثل«ألا»، وأصلها«ما»النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام إنكار وتوبيخ، و«يخشى»بمعنى يخاف، لفظه خبرٌ، ومعناه النهي، قاله الصنعانيّ -﵀- . وزيادة«في صلاته»المذكورة آنفًا تدلّ على أن المسابقة المنهيّ عنها عامّة في جميع أجزاء الصلاة. ووقع في رواية أبي داود، عن حفص بن عمر:«الذي يرفع رأسه، والإمام ساجد»، فقال في«الفتح»: فتبيّن أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقّب على من قال: إن الحديث نصّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نصّ في السجود، ويلتحق به الركوع؛ لكونه في معناه، ويمكن أن يُفَرَّق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خُصّ بالتنصيص عليه. ويَحْتَمِل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يَلْتَحِق به من بابٍ أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد. ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشدّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مَلِيح بن عبد اللَّه السعديّ، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «الذي يَخفِض ويرفع قبل الإمام، إنما ناصيته بيد شيطان»، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله في «الفتح» من إلحاق الركوع والسجود، وأنه لا يشمله النصّ المذكور غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوّي ذلك زيادة «في صلاته» في الرواية الآتية، ويؤيّده حديث أنس -﵁- المذكور قبله: «فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، وبالقيام، ولا بالانصراف». ومن الغريب أن يحتجّ على هذا برواية البزّار المختلف في رفعها ووقفها، مع أن حديث أنس -﵁- أصرح في النهي، وهو عند مسلم. والحاصل أن أحاديث الباب وغيرها تدلّ دلالة صريحة على أن المسابقة في جميع أجزاء الصلاة محرّمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) من التحويل (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ») وفي رواية محمد بن زياد التالية:«أن يحوّل اللَّه صورته صورة حمار»، وفي رواية الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد الآتية أيضًا:«أن يجعل اللَّه وجهه وجه حمار». ووقع في رواية البخاريّ:«أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل اللَّه صورته صورة حمار»بالشكّ، قال في«الفتح»: الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردّد، فأما الحمّادان فقالا:«رأس»، وأما يونس فقال:«صورة»، وأما الربيع فقال:«وجه»، والظاهر أنه من تصرف الرواة. قال القاضي عياض -﵀-: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، قال الحافظ -﵀-: لفظ الصورة يُطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل فهي المعتمدة، وخُصّ وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل. وقال القرطبيّ -﵀-: هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه، فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيدُ بمسخ الصورة الظاهرة، أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدلّ على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه، وأنه ركن مستقلّ، كالركوع والسجود. قال: وقوله في الحديث الآخر: «فإنما ناصيته بيد شيطان» يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يصرفه كيف يشاء، كما تفعل بمن ملكتَ ناصيته. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام ما قاله العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. [تنبيه]: إنما اختصّ الحمار بالذكر دون سائر الحيوان على الرواية الصحيحة المشهورة -واللَّه أعلم- لأن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يُضرب المثل في الجهل والبلادة، ولهذا مثّل اللَّه تعالى العالم السَّوْءَ الذي يَحمِل العلم، ولا ينتفع به في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، فكذلك المتعبّد بالجهل يشبه الحمار، فإن الحمار يُحرّك رأسه، ويرفعه، ويَخفِضه لغير معنى. والحاصل أن مشابهة من يسابق إمامه بالحمار في البلادة، وعدم الفهم واضحة؛ لأن من يعلم أنه لا يخرج من تلك الصلاة إلا بخروج إمامه منها، ومع ذلك يسابقه، قد بلغ الغاية من البلادة والحماقة، فناسب بذلك أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار؛ لشبهه به ، وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: جاء في «صحيح ابن حبّان» في هذا الحديث بلفظ: «أن يحوّل اللَّه رأسه رأس كلب»، وقال ابن الملقّن -﵀-: وروى ابن جُمَيع في حديث أبي هريرة -﵁- أيضًا: «أنه يحول اللَّه رأسه رأس شيطان». انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ»: قال الحافظ أبو موسى المدينيّ -﵀-: اتّفق الأئمة على ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق، رواه عن محمد بن زياد قريبٌ من خمسين نفسًا، وبعضهم يقول: «صورته»، وبعضهم يقول: «وجهه»، ومنهم من قال: «رأس كلب، أو خنزير»، وتابع محمد بن زياد جماعة عن أبي هريرة -﵁-. انتهى . وقال ابن الملقّن -﵀-: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن منده في «مستخرجه» . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٨ و٩٦٩ و٩٧٠] (٤٢٧)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٩١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٢)، و(النسائيّ) فيها (٨٢٨) و«الكبرى» (٩٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٦١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٠ و٤٥٦ و٤٦٩ و٤٧٢ و٥٠٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٠٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٦٠٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٩٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٧٠٩ و١٧١٠ و١٧١١ و١٧١٢ و١٧١٣ و١٧١٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧ و٩٥٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلًا صريحًا على تحريم سبق الإمام بركوع، أو سجود، أو غير ذلك من أجزاء الصلاة عمدًا، فقد توعّد عليه بالمسخ، وهو من أشدّ العقوبات. ونظر ابن مسعود -﵁- إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صلّيت، ولا بإمامك اقتديت، وعن ابن عمر -﵄- نحوه، وأمره بالإعادة، وفي «مصنّف عبد الرزّاق» عن أبي هريرة -﵁-: «إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان»، وكذا قاله سلمان -﵁-. وقال في «الفتح»: ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه تُوُعِّد عليه بالمسخ، وهو أشدّ العقوبات، وبذلك جزم النوويّ في «شرح المهذب»، ومع القول بالتحريم، فالجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر -﵄-: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي «المغني» عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس من سبق الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثواب، ولم يُخْشَ عليه العقاب. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما نُقل عن ابن عمر -﵄-، والإمام أحمد، وأهل الظاهر، كما أسلفت تحقيقه في المسألة الرابعة في شرح حديث أنس -﵁- الماضي، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان الوعيد المذكور من رفع رأسه قبل الإمام، وقد ترجم الإمام البخاريّ -﵀- على هذا الحديث بقوله: «باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام». ٣ - (ومنها): أن فيه التهديد على المخالفة خشية وقوعها. ٤ - (ومنها): وجوب متابعة الإمام، قال القاضي عياضٌ: لا خلاف أن متابعة الإمام من سنن الصلاة. ٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ -ﷺ- بأمته حيث بيّن لهم الأحكام، وما يترتّب على المخالفة من العقاب. ٦ - (ومنها): ما قال أبو بكر ابن العربيّ -﵀- في «الْقَبس»: جاء عنه -ﷺ- أن الشيطان مسلّط على الإنسان لإفساد صلاته عليه قولًا بالوسوسة حتى لا يدري كم صلّى؟ وفعلًا بالتقدّم على الإمام حتى يُخلّ بالاقتداء، فأما الوسوسة فدواؤها الذكر، والإقبال على الصلاة، وأما التقدّم فعلّته طلب الاستعجال، ودواؤها أن يَعْلَم أنه لا يُسلّم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال. انتهى . ٧ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن: هذا الحديث دالّ بمنطوقه على عدم المسابقة، وبمفهومه على جواز المقارنة، ولا شكّ فيه، لكن يكره، ويفوت به فضيلة الجماعة، نعم تضرّ مقارنته في تكبيرة الإحرام، هذا في الأفعال، وأما في الأقوال فإنه يتابعه فيها، فيتأخّر ابتداؤه عن ابتداء الإمام إلا في التأمين، فتستحبّ المقارنة؛ للنصّ فيه، وحكى القاضي عن مالك ثلاثة أقوال: أحدها: عقبه، ثانيها: بعد تمامه، ثالثها: معه إلا القيام من اثنتين فبعد تمامه. انتهى كلامه . قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله ابن الملقّن من دلالة الحديث على جواز المقارنة نظر لا يخفى، كيف يحتجّ بالمفهوم مع ورود المنطوق على خلافه، وهو قوله -ﷺ- فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وقد سبق: «فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم»، وقال: «فتلك بتلك»، وقال في السجود كذلك. وأخرج أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ بأسانيد صحيحة، عن معاوية بن أبي سفيان -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تبادروني بركوع، ولا بسجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت، تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت». فقد نصّ النبيّ -ﷺ-، وصرّح على أن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام، فلا يجوز للمأموم أن يسابقه، ولا أن يقارنه، وهذا معنى الأمر الذي في قوله -ﷺ-: «وإذا ركع فاركعوا. . .» الحديث، فتكون أفعال المأموم كلّها إثر تحقّق أفعال الإمام، فمن خالف ذلك فقد خالف الأمر، فإن تعمّد فلا صلاة له، وإن كان ساهيًا، فليعُد إلى المتابعة. وبهذا يتبيّن أن ما يفعله كثير من الناس من المقارنة للإمام في الانتقالات، مستندين إلى ما قاله بعض العلماء ممن لم تبلغهم هذه الأحاديث مخالف لهدي رسول اللَّه -ﷺ-، وطاعةٌ للشيطان، فما أقبح ذلك، ولا سيّما إذا صدر ممن يدّعي الانتساب إلى العلم، واللَّه المستعان على من خالف الهدى، وسلك سبيل الردى، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. [تنبيه]: قال ابن بزيزة -﵀-: استَدَلّ بظاهر هذا الحديث قوم لا يعقلون على جواز التناسخ ، قال الحافظ: وهو مذهب رديءٌ، مبنيّ على دعاوى بغير برهان، والذي استَدَلّ بذلك منهم إنما استَدَلّ بأصل المسخ، لا بخصوص هذا الحديث. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الوعيد المذكور في هذا الحديث: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه، من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجازيّ أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلّ على أن ذلك يقع ولا بدّ، وإنما يدل على كون فاعله متعرِّضًا لذلك، وكون فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، قاله ابن دقيق العيد -﵀-. وقال ابن بزيزة -﵀-: يَحْتَمِل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية، أو المعنوية، أو هما معًا. وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك. قال الحافظ -﵀-: ويدلّ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة: ما أخرجه البخاريّ في «المغازي» من «صحيحه» من حديث أبي مالك الأشعريّ -﵁-، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: «ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الْحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف ، ولَيَنْزِلَنَّ أقوام إلى جنب عَلَم يَرُوح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُم اللَّه، ويَضَعُ العَلَم، ويَمْسَخ آخرين قِرَدةً وخنازير إلى يوم القيامة». وأخرج أحمد في «مسنده» بسند صحيح عن عبد الرحمن بن صُحَار العبديّ، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «لا تقوم الساعة حتى يُخسَف بقبائل، حتى يقال: من بَقِي من بني فلان؟»، فعرفت حين قال: قبائل أنها العربُ؛ لأن العجم إنما تُنسَب إلى قراها. وأخرج الترمذيّ، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «يكون في آخر الأمة خسف، ومسخ، وقَذْف». قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا ظهر الخبث» . وأخرج أيضًا بإسناد صحيح، عن عمران بن حصين -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «في هذه الأمة خسفٌ، ومسخ، وقذف»، فقال رجل من المسلمين: يا رسول اللَّه، ومتى ذاك؟ قال: «إذا ظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمور»، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة. قال الحافظ -﵀-: ويقوّي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر، عن محمد بن زياد: «أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس كلب»، فهذا يُبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار. قال: وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. وقال ابن الجوزي -﵀- في الرواية التي عَبّر فيها بالصورة-: هذه اللفظة تَمنَع تأويل من قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبيِّن وجه المنع، قاله في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. والباقون تقدّموا قريبًا، فـ «عمرو الناقد» و«زهير» تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ. . . إلخ) «ما» يَحْتَمل أن تكون نافية، أي لا يأمن تحويل صورته في صورة حمار، ويَحْتَمِلُ أن تكون استفهاميّة، أي أيَّ شيء يامن في تحويل اللَّه -﷿- صورته في صورة حمار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمِ، جَمِيعًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا، غَيْرَ أَنَّ في حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ: «أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ»). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٢٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو: عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم الْجُمَحيّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٠). رَوَى عن أبيه، وجدّه، وسهل بن قُرَين، ومحمد بن حُمْران الْقَيسيّ، وأبي المغيرة النضر بن إسماعيل. وروى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، وتمتام، ومعاذ أبو المثنى، وأبو خليفة، وغيرهم. قال أبو حاتم: محلُّه الصدق، يُحَدِّث عن جدِّه أحاديث صحاحًا، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة ثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٣ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (م د ت س) تقدم في «المقدمة» ١٠٠/ ٥٢٦. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٨ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ) أي كلٌّ من الربيع بن مسلم، وشعبة، وحماد بن سلمة رووا هذا الحديث عن محمد بن زياد. وقوله: (بِهَذَا) أي بهذا الحديث المتقدّم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِم. . . إلخ) بنصب «غير» على الاستثناء. [تنبيه]: رواية الربيع بن مسلم، أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٤٦٢) فقال: (١٧١٤) حدثني الفضل بن الحباب الْجُمَحيّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، يقول: سمعت الربيع بن مسلم، يقول: سمعت محمد بن زياد، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم -ﷺ- يقول: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس حمار». وكذا ساقه بهذا اللفظ أيضًا أبو نعيم في «المستخرج» ٢/ ٥٢ رقم (٩٥٧)، وأما اللفظ الذي أحاله المصنّف -﵀-، فلم أجد من ساقه به، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٨)

١. «العدّة» حاشية «العمدة» ٢/ ٢٣٣.

٢. أخرجه الإمام مالك -﵀- في «الموطّأ» (١٩٤) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن مَلِيح بن عبد اللَّه السعديّ، عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: «الذي يرفع رأسه، ويخفضه قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد شيطان». انتهى، ومليح بن عبد اللَّه وثّقه ابن حبّان.

٣. «المفهم» ٢/ ٥٩ - ٦٠.

٤. راجع: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧.

٥. أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، صاحب «المعجم» (٣٠٥ هـ) ومات سنة (٤٠٢ هـ).

٦. «الإعلام» ٢/ ٥٤٧.

٧. «فتح الباري» للحافظ ابن رجب ٦/ ١٦٦.

٨. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٤٥.

٩. «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.

١٠. «الإعلام» ٢/ ٥٥٢.

١١. التناسخ: تعلّق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر بغير تخلّل زمن بين التعلّقين، قاله في «التوقيف على مهمّات التعريف» (ص ٢٠٨).

١٢. «الفتح» ٢/ ٢١٦.

١٣. «الْحِرُ» بكسر الحاء، وتخفيف الراء: الفرج، و«المعازف»: آلات اللَّهو، كالعود، والطنبور، أفاده في «القاموس».

١٤. بمهملتين أوله مضموم مع التخفيف، قاله في «الفتح» ٨/ ١٤٢.

١٥. في سنده عبد اللَّه بن عمر العمري المكبر ضعّفه بعضهم، لكن الحديث صحيح بشواهده.

١٦. «الفتح» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦.

١٧. وفي نسخة: «حدّثني».

١٨. بتشديد اللام.