HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٥١

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ الْحَجَّاجِ (يَعْنِي الصَّوَّافَ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا. فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ. وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنَ الظُّهْرِ. وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ. وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص37
ج ١ ص ٣٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٤٠٨
«مستخرجه» (٩٩٩)، وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٧] (٤٥١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، يَعْنِي الصَّوَّافَ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، يُنسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو الحجاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الصوّاف الكنديّ مولاهم، أبو الصلت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٢/ ٣١٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ البصريّ، وسكن المدينة مدّةً، ثقةٌ ثبتُ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه مكثر، قيل: اسمه: عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَمِيّ المدنيّ، الصحابيّ الشهير، شَهِدَ بدرًا، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «وهو ابن أبي كثير»، وقد تقدّم سرّ إدخال لفظة «وهو» غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان بصريًّا يماميًّا، لكنه سكن المدينة في طلب العلم عشر سنين . ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، ورواية الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن أبا قتادة -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، يقال له: فارس رسول اللَّه -ﷺ-. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ) ذكر أبي سلمة لا يوجد إلا في هذه الرواية، فقد رواه عن يحيى بن أبي كثير جماعة، وهم: همام بن يحيى، وأبان بن يزيد، عند المصنّف، وهشام الدستوائيّ، والأوزاعيّ عند البخاريّ، ومعمر عند أبي داود، فكلّهم اقتصروا على عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، ولم يزد أبا سلمة إلا حجاج الصوّاف، خالف الجماعة في الزيادة، ولعله لكونه حافظًا لم يعتبروه شاذًّا، فلم ينبّه عليه، ولا النسائيّ، مع أنه كثير التنبيه في مثل هذا، واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ -﵁-، ووقع في رواية الْجَوْزقيّ، من طريق عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير التصريح بالإخبار ليحيى من عبد اللَّه، ولعبد اللَّه من أبيه، وكذا للنسائي من رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، لكن بلفظ التحديث فيهما، وكذا عنده من رواية أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى: حدّثني عبد اللَّه، فأُمِن بذلك تدليس يحيى، قاله في «الفتح» . (قَالَ) أبو قتادة -﵁- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال ابن الملقّن -﵀-: «كان» تقتضي الدوام في الفعل، وقد سلف. انتهى . (يُصَلِّي بِنَا) أي إمامًا للصحابة -﵃- (فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) بتحتانيّتين، تثنية الأولى، وكذلك الأخريان تثنية أخرى، وأما ما يشيع على الألسنة من الأُولة، وتثنيتها بالأولتين، فمرجوح في اللغة، كما نبّه عليه ابن دقيق العيد ، والجارّ والمجرور بدل من الأول بدل اشتمال، كما تقول: أعجبتني الجارية حديثها، وقوله: (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ) متعلّق بـ «يقرأ»، والمراد أنه يقرأ في كل ركعة سورة كما سيأتي صريحًا في الروايات الآتية. وسُمّيت السورة سورةً؛ لانفصالها عن أختها، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض: سورة، وقيل: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خُفّفت، وأُبدلت واوًا؛ لضمّ ما قبلها، وقيل: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامّة: سورة، قاله ابن الملقّن ، وجمع السُّورة سُوَر بفتح الواو، مثل غُرْفة وغُرَف، ويجمع على سُورات بضمّ، فسكون، وسُوَرَات بضم، ففتح . (وَيُسْمِعُنَا) بضم أوله، من الإسماع (الْآيَةَ أَحْيَانًا) أي في أحيان، جمع حين، وهو يدلّ على تكرّر ذلك منه -ﷺ-. وفي رواية النسائي من حديث البراء -﵁-: «كنا نصلي خلف النبيّ -ﷺ- الظهر، فنَسْمَع منه الآية بعد الآية، من سورة لقمان، والذاريات»، ولابن خزيمة من حديث أنس -﵁- نحوه، لكن قال: «بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١]. (وَكَانَ يُطَوِّلُ) بتشديد الواو، من التطويل (الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ) بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ الصاد ثلاثيًّا، من باب نصر، من القصر. وإنما طوّل في الأولى؛ إعانةً للناس على إدراك صلاة الجماعة كاملةً بإدراك الركعة الأولى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية. ويؤيّد هذا ما رَوَاه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى في آخر هذا الحديث: «فظننا أنه يريد بذلك أن يُدرِك الناس الركعة»، ولأبي داود، وابن خزيمة نحوه، من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر. ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني لأحب أن يُطَوِّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة، حتى يكثر الناس. وقال الشيخ تقيّ الدين -﵀-: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل. انتهى. وهذا الحديث يدلّ على استحباب تطويل الأولى على الثانية، ولا يعارضه حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- الآتي حيث قال: «أَمُدّ في الأوليين»؛ لأن المراد تطويلهما على الأخريين، لا التسوية بينهما في الطول، وقال مَن استحبّ استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء. لكن يعارض ما ذكر ما يأتي في حديث أبي سعيد -﵁-: «كان يقرأ في الظهر في الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية»، وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حَزَرُوا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة، فإنه ظاهر في استواء الأوليين. وقد جمع ابنُ حبان: بأن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها، مع استواء المقروء فيهما. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حبّان -﵀- هو الوجه عندي في الجمع بين حديث أبي قتادة هذا، وحديث أبي سعيد المذكور، وإلا فالتعارض حاصل، اللهم إلا أن يُحْمَل على أوقات مختلفة، لكن الأول هو الظاهر. ومما يؤيّد ما قاله ابن حبّان ما رواه المصنّف من حديث حفصة -﵂- أنه -ﷺ- «كان يُرَتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها»، واللَّه تعالى أعلم. (وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ) فيه جواز تسمية الصلاة بوقتها، يعني أنه -ﷺ- كان يطوّل الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر الثانية. [تنبيه]: لم يقع في حديث أبي قتادة -﵁- هذا هنا ذكر القراءة في الأخريين، فتمسك به بعض الحنفية على إسقاطها فيهما، وهذا استدلال باطلٌ؛ لأنه ثبت في حديثه كما سيأتي في الرواية ففيها: «ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب». والحاصل أن القراءة في كلّ ركعة فرض، كما تقدّم تحقيقه في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠١٧ و١٠١٨] (٤٥١)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٥٩ و٧٦٢ و٧٧٨ و٧٧٩ و٧٩٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٩ و٨٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣٧٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٩٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٠٣ و٥٠٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٣٠ و١٨٣١ و١٨٥٥ و١٨٥٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٨٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٥١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٠٠ و١٠٠١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٩٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥٩٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر. ٢ - (ومنها): بيان استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا سجود سهو على من فعل ذلك؛ خلافًا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم، سواءٌ قلنا: كان يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز، أو بغير قصد للاستغراق في التدبر. ٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة السرية. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين؛ لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويَحْتَمِل أن يكون الرسول -ﷺ- كان يُخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، قاله النوويّ، وزاد البغويّ: ولو قصرت السورة عن المقروء، كأنه مأخوذ من قوله: «كان يفعل»؛ لأنها تدلّ على الدوام، أو الغالب. وقال النوويّ -﵀-: فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يَخْفَى الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فنُدِب إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط، وأما اختلاف الرواية في السورة في الأخريين، فلعل سببه اختلاف إطالة الصلاة، وتخفيفها بحسب الأحوال. انتهى . ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل؛ قال القرطبيّ -﵀-: ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يُعَلَّل بها؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق. انتهى. وقد ذكر البخاريّ -﵀- في «جزء القراءة» كلامًا معناه: أنه لم يَرِدْ عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء. قال الجامع عفا اللَّه عنه: انتظار الداخل في الركوع ليس عليه دليلٌ، وغاية ما في هذا الحديث أنه -ﷺ- كان يطوّل القيام بالقراءة، ليدركه الناس، ففي رواية أبي داود من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: «فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى»، ولابن خزيمة نحوه، وروى ابن حبّان من طريق سفيان، عن معمر، ولفظه: «كنا نرى ذلك أنه يفعل ليتدارك الناس»، وبوّب عليه ابن حبّان: «باب ذكر السبب الذي من أجله كان يطوّل المصطفى -ﷺ- في الركعة الأولى». انتهى. وأخرج أحمد، وأبو داود بسند فيه ضعف، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، أن النبيّ -ﷺ- كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم. انتهى . والحاصل أن انتظار الداخل بتطويل القراءة مستحبّ، وأما بالركوع، فلا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ما قاله أهل العلم في توجيه اختلاف صلاة النبيّ -ﷺ- تطويلًا وتخفيفًا: قالوا: كانت صلاة رسول اللَّه -ﷺ- تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له، ولا لهم طَوَّل، وإذا لم يكن كذلك خَفَّف، وقد يريد الإطالة، ثم يَعْرِض ما يقتضي التخفيف، كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طوّل في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخَفَّف في معظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف؛ لأنه الأفضل، وقد أمر -ﷺ- بالتخفيف، وقال: «إن منكم منفِّرين، فأيكم صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف، وذا الحاجة»، وقيل: طَوَّل في وقت، وخفف في وقت؛ ليبيّن أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختَلَفت فيما زاد. وعلى الجملة: السنّة التخفيف كما أمر به النبيّ -ﷺ- للعلة التي بَيَّنَها، وإنما طَوَّل في بعض الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، فإن تحقق أحدٌ انتفاء العلة طَوَّل، ذكره النوويّ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال النوويّ -﵀-: قد اختَلَف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأخريين من الرباعية، والثالثة من المغرب، فقيل بالاستحباب وبعدمه، وهما قولان للشافعيّ -﵀-. قال الشافعيّ: ولو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه؛ لئلا تخلو صلاته من سورة. وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره، قالوا: فالسنّة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، وتكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، وفي القائلة، فيُطَوِّلهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفِّفت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عَشَاء صائمهم وضيفهم، والعِشَاء في وقت غلبة النوم والنعاس، ولكن وقتها واسع، فأشبهت العصر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٤ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث حجة لمالك على صحّة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كلّ ركعة، وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأن ما بقي من الصلاة لا يُقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصّة، وقد تمسّك الشافعيّ في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسّكه قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، والفاتحة إنما هي سبع آيات، لا خمس عشرة، فكان يزيد سورةً. قال: وهذا لا حجة فيه، فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد، ولعلّه -ﷺ- كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يقدّر بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع، وقد جاء عنه -ﷺ- أنه كان يرتّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وهذا يشهد بصحّة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الشافعيّ -﵀- من جواز قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين هو ظاهر الأحاديث، ولا تعارض بينه وبين حديث أبي قتادة؛ لإمكان الجمع بينهما باختلاف الأوقات. ومما يؤيّد ما قاله الشافعيّ: حديث المسيء صلاته، حيث أمره النبيّ -ﷺ- بأن يقرأ بأم القرآن، وبما تيسّر، ثم قال له: «وافعل ذلك في صلاتك كلّها»، ففيه بيان أن زيادة ما تيسّر على الفاتحة يعمّ الأخريين، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفًى في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقرّ فيه التقصير، أو التقصير فيما استقرّت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوّذتين، كما رواه النسائيّ، وكقراءة الأعراف، والمرسلات في المغرب، فمتروك، أما التطويل فبإنكاره على معاذ، وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه -ﷺ- حيث لم يكن خلفه من يشقّ عليه القيام، وعَلِمَ ذلك، أو كان منه ذلك متقدّمًا حتى خفّف، وأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سَمُرة: وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا. ويَحْتَمِلُ أن يكون فعل ذلك في أوقات ليبيّن جواز ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق، وقد استقرّ عمل أهل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضرّ من خلفه بقراءتها بطوال المفصّل، ويليها في ذلك الظهر، والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء، وقد قيل في العصر: إنها تُخفّف كالمغرب، وتطويله -ﷺ- في الركعة الأولى إنما كان ليدرك الناس الركعة الأولى، رواه أبو داود من حديث أبي قتادة -﵁-، وعن ابن أبي أوفى أنه -ﷺ- كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع الأقدام، يعني حتى يتكامل الناس، ويجتمعوا، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيد: أنه كان يطوِّل الركعة الأولى من الظهر، بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي النبي -ﷺ-، وهو فيها، وذلك -واللَّه أعلم- لتوالي دخول الناس. قال: ولا حجة للشافعيّ في هذا الحديث على تطويل الإمام؛ لأجل الداخل؛ لأن ما ذُكر ليس تعليلًا لتطويل الأولى، وإنما هي حكمته، ولا يُعلّل
مصادر المؤلف (٨)

١. راجع: «تهذيب الكمال» ٣١/ ٥١٠.

٢. «الفتح» ٢/ ٢٨٥ «كتاب الأذان» رقم (٧٦٠).

٣. «الإعلام» ٣/ ١٩٤.

٤. «إحكام الأحكام» ٢/ ٣٩٤.

٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٩٣.

٦. راجع: «المصباح» ١/ ٢٩٥، و«الإعلام» ٣/ ١٩٣.

٧. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٤.

٨. ضعيف؛ لإبهام الراوي عن ابن أبي أوفى.