HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٦٧

حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ الصَّلَاةَ. فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَفِيهِمُ الضَّعِيفَ. وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ مَا شَاءَ».
ج ١ ص ٣٤١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٤٤
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥١] (٤٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الْحِزاميّ المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير -﵁- مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀- أنه قال: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ) وفي رواية همّام بن منبّه التالية:»إذا ما قام أحدكم للناس«، وفي رواية أبي سلمة الثالثة:»إذا صلّى أحدكم للناس»، واللام بمعنى الباء. [تنبيه]: هل المراد بصلاته للناس أن يكون إمامًا منصوبًا للإمامة من جهة الإمام الأعظم، أو من جهة ناظر المسجد الذي يصلّي به، بحيث لا يتمكن غيره من الإمامة في ذلك المحلّ، أو أعم من ذلك، ومن كون أهل المحلة نصبوه للإمامة بهم، بحيث لو شاءوا لَغَيَّروه، وأقاموا غيره في ذلك، أو أعمّ من ذلك، ومِن أن يتقدم للإمامة بغير تقديم أحد، أو كونه صار إمامًا، ولو لم يقصد التقدُّم لذلك من الأول، بل تقدَّم ليصلّي منفردًا فتابعه غيره، فنوى الإمامة به، أو لو لم ينو الإمامة به، بل نوى المأموم الائتمام فقط؛ لأنه يصير بذلك عند الشافعي وجماعة إمامًا، ولو لم ينو هو الإمامة، غايته أنه لا يحصل له فضيلة الجماعة إذا لم ينو الإمامة؟. هذه احتمالات خمسة، قال العراقيّ -﵀-: وأرجحها عندي الرابع، فمتى صار إمامًا بنيته للإمامة على أيّ وجه تقدَّم يستحب له التخفيف، وأما إذا لم ينو هو الإمامة، فالظاهر أنه لا يستحب له التخفيف باقتداء غيره به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وعندي الأرجح إجراؤه على عمومه؛ فيعُمّ جميع الأقسام الخمسة، فعلى الجميع التخفيف؛ لعموم قوله -ﷺ-: «إذا أمّ أحدكم الناس»، فالمعتبر كونه إمامًا، سواء نوى ذلك، أم لم ينو، فقصره على الذي نوى الإمامة تخصيص بلا دليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قوله: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ»، قال العراقيّ -﵀-: لم يذكر الصلاة، فتناول الفرائض والنوافل التي يُشْرَع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المعمول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يُسْتَثنى من ذلك صلاة الكسوف؛ لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يُسَنّ النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لم يستثنها؛ لندورها، والاهتمام بشأنها؛ للأمر العارض. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ. (فَلْيُخَفِّفْ) أي القراءة والأذكار، بحيث لا يُخلّ بأركانها، وسننها، وآدابها؛ لأن النبيّ -ﷺ- قد نهى عن نقرة الغراب، وقال للمسيء صلاته: «صلّ، فإنك لم تصلّ»، متّفقٌ عليه، وقال: «لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» ، وقال: «لا ينظر اللَّه ﷿ إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده» . فالذي يُخلّ بشيء مما ذُكِر لم يُصلّها، فينبغي لمن يريد التخفيف مراعاة ما ذُكر حتى لا يقع في شيء من المحظور، وما أكثر من يقع في ذلك من الجهلة، وذوي الغفلة الذين ناصيتهم بيد الشيطان، فهو الذي يتصرّف في رفعها ووضعها، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. (فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ) المراد به ضعف الْخِلْقة (وَالْمَرِيضَ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: «فإن في الناس الضعيف، والسقيم»، والسقيم بمعنى المريض، وعطف المريض على الضعيف، من عطف العامّ على الخاصّ. قال في «المصباح»: الضَّعْف بفتح الضاد في لغة بني تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلاف القوّة والصّحّة، فالمضموم مصدر ضَعُف، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضعيفٌ، والجمع ضُعَفَاءُ، وضِعَافٌ أيضًا، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى. انتهى. وقال في مادّة مَرِضَ: مَرِضَ الحيوان مَرَضًا، من باب تَعِبَ، والمرَضُ: حالةٌ خارجةٌ عن الطبع ضَارّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام، والأَوْرَامَ أعراضٌ عن المرض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة، من علّة، أو نفاق، أو تقصير في أمرٍ . (فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ) «كيف» هنا استفهاميّة، أي على أيّ كيفيّة أرادها، من التطويل والتخفيف؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وفي رواية همّام بن منبّه التالية: «فليُطل صلاته ما شاء»، وفي «مسند السرّاج»: «فليُطِل إن شاء». قال العراقيّ -﵀-: هل هذا الأمر أمرُ استحباب كالمذكور قبله، أو أمر إباحة، وترخيص؟ يترجح الأول؛ لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعليقه بمشيئة المصلّي، ولو كان للاستحباب لم يُعَلَّق بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب كما قيل به في الأمر الذي قبله. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر العراقيّ الاحتمالين بدون ترجيح لأحدهما، والذي يظهر لي ترجيح الثاني؛ لأن الغالب من صلاته -ﷺ- وحده التطويل، لا التخفيف، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: الإطالة المذكورة مشروطة بأن تؤدّي إلى خروج الوقت، وإلا فلا، وجوّز بعضهم الإطالة، ولو خرج الوقت، وهو المصحّح عند بعض الشافعيّة، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعارضه عموم قوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة -﵁-، مرفوعًا: «إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقتُ الصلاة الأخرى»، رواه مسلم، ولفظ أبي داود: «إنما التفريط في اليقظة أن تُؤَخَّر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى»، أفاده في «الفتح» ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. [تنبيه آخر]: قال العراقيّ -﵀-: هذا التطويل إنما هو في الأركان التي تَحْتَمِل التطويل، وهي القيام، والركوع، والسجود، والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقيّ من تقييده التطويل ببعض الأركان مما لا دليل عليه، بل الأدلّة بخلافه، فقد أخرج الشيخان عن البراء -﵁- قال: «كان ركوع النبيّ -ﷺ-، وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء»، وفي رواية لمسلم: عن البراء بن عازب -﵄- قال: «رَمَقت الصلاة مع محمد -ﷺ-، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء». وأخرجا عن ثابت، قال: كان أنس -﵁- ينعت لنا صلاة النبيّ -ﷺ-، فكان يصلّي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي. فهذا وأمثاله من الأحاديث في «الصحيحين»، وغيرهما دليلٌ على أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الأركان التي تطوّل، ولذا قال الحافظ في «الفتح» في شرح حديث أبي هريرة -﵁- هذا ما نصّه: واستُدلّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ. والحاصل أن الحقّ أن الاعتدال، والجلوس بين السجدتين مما يُشرع فيه التطويل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥١ و١٠٥٢ و١٠٥٣ و١٠٥٤] (٤٦٧)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٠٣)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٧٩٤ و٧٩٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٣٤)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ١٣٢)، و(عبد الرّزّاق) في «مصنّفه» (٣٧١٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٨٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٥٦٠ و١٥٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٣١ و١٠٣٢ و١٠٣٣ و١٠٣٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٦٠ و٢١٣٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٨٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال العراقيّ -﵀-: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحدٌ من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورَضُوا بالتطويل طَوَّل؛ لانتفاء العلة، وبذلك صَرَّح أصحابنا وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: قد بان في هذا الحديث العلة الموجِبَة للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن عَلِمَ قُوّةَ مَن خلفه، فإنه لا يَدري ما يحدُث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: «فإذا صلّى أحدكم لنفسه، فليطوِّل ما شاء»؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث لظاهر القوّة، ومَن يَعْرِف منه الحرص على طول الصلاة حادث من شُغْل، وعارض من حاجة، وآفة من حدَث وبول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطّال، فذكر مثل هذا الكلام. قال العراقيّ -﵀-: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يَقُم عليه دليل، لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون ورَضُوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف؛ لاحتمالِ عارضٍ لا دليل عليه، وحديثُ أبي قتادة يَرُدُّ على ما ذكراه، فإنه -ﷺ- قال: «إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطوِّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوَّز كراهية أن أشقّ على أمه». فإرادته -ﷺ- أوّلًا التطويل يدلُّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرّر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبيّ الذي يشغل خاطر أمه، واللَّه أعلم. انتهى كلام العراقيّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقى: حسنٌ جِدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال ابن حزم -﵀-: حدُّ التطويل ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدَلّ على ذلك بأن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، وقال -ﷺ-: «وقتُ الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرُب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نُور الشفق، ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل»، قال: فصحّ يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلّي باقيها في وقت الأخرى، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلًا، وقد صَحّ عن النبيّ -ﷺ- أن التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى، فصحّ أن له إذا في خل في الصلاة في وقتها أن يطوِّل ما شاء إلا تطويلًا مَنَعَ النصّ منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه. وتعقّبه العراقيّ -﵀-، فقال: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حدّ التطويل المباح أنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوّزنا له أن يُخْرِج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدةٌ، وقد قال -ﷺ-: «الوقت ما بين هذين». وأما استدلاله على ذلك بأنه -ﷺ- صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، فقد تقرَّر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: «صلّى الظهر» أي ابتدأها، وقوله: «صلّى العصر» أي فرغ منها. وفعلها يصلح للابتداء والشروع، فحُملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت. وعلى تقدير أن لا نؤَوِّله، وَيجْعَل بين الصلاتين اشتراكٌ في الوقت، كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصةً، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم، وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يَعْضِده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول القياس، فكيف بمن ينكره. والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله -ﷺ-: «إنما التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى». قال: وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول وقت الأخرى، لا فراغه، ولا تضييقه، وما ذكره ابن حزم مبنيّ على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهو مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولها، ووسطها، وآخرها. قال: وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يَحْرُم تأخير الصلاة إلى حدٍّ يَخرُج بعضها عن الوقت، وهو موافقٌ لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شَرَع في الصلاة، وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها، فَمَدَّ هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في «تعليقه»، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يُكْرَه ذلك؟ فيه وجهان، أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النوويّ في «شرح المهذب»: إنه خلاف الأولى. قال: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله -ﷺ-: «إنما التفريط أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى»، ولقوله: «الوقت ما بين هذين». قال: والصحيح أن هذه الأوقات للدخول والخروج. انتهى كلام العراقيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي صحّحه الحافظ العراقيّ -﵀- من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدود لها بنصّ الحديث المتقدّم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَفِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ مَا شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل باب. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. وقوله: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلخ) تقدّم البحث فيه مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. وقوله: (إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ) من القاعدة المشهورة: «ما» بعد «إذا» زائدة، وفي نسخة: «إذا أمّ أحدكم». وقوله: (فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ) من الإطالة، وفي نسخة: «فلْيُصلّ صلاته». وقوله: (مَا شَاءَ) «ما» موصولة، أي يصلّ الصلاة التي شاء أن يصلّيها طويلة، وقال بعض الشرّاح: «ما» زمانيّة، أي المدّة التي يشاؤها ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ في النَّاسِ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (لِلنَّاسِ) أي إمامًا لهم. وقوله: (وَالسَّقِيمَ) كالمريض وزنًا ومعنًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ «السَّقِيمَ»: «الْكَبِيرَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٠. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن الماضي. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لأبي بكر بن عبد الرحمن. وقوله: (بَدَلَ «السَّقِيمَ»: «الْكَبِيرَ») «بدل» مضاف إلى «السقيم» وهو
مصادر المؤلف (١٦)

١. «طرح التثريب» ٢/ ٣٤٨.

٢. «طرح التثريب» ٢/ ٣٥٠.

٣. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في «سننه» برقم (٨٧١).

٤. أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٣٨٠) بسند صحيح.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٢ و٥٦٨.

٦. ٢/ ٢٣٤.

٧. «طرح التثريب» ٢/ ٣٥٣.

٨. «الفتح» ٢/ ٢٣٤.

٩. «طرح التثريب» ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢.

١٠. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١١. وفي نسخة: «أخبرنا».

١٢. وفي نسخة: «إذا أمّ أحدكم».

١٣. وفي نسخة: «فليُصلّ صلاته».

١٤. راجع: «فتح المنعم» ٣/ ٣١.

١٥. وفي نسخة: «وحدّثني».

١٦. وفي نسخة: «حدّثنا».