HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٨٩

حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ. قَالَ: سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ. قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». بَاب أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ وَعَقْصِ الرَّأْسِ فِي الصَّلَاةِ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص52
ج ١ ص ٣٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٢٢٦
٥ - (ومنها): أن كثرة نوافل الأعمال، ولا سيّما السجود، مما يوجب محبّة الربّ ﷿، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل، حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما تَرَدَّدتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مَسَاءته»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٩٩] (٤٨٩) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبيتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ) الْقَنْطريّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) بن عُبيد اللَّه، ويقال: بن عُبيد، السَّكْسَكِيّ -بمهملتين مفتوحتين، بينهما كاف ساكنة- مولاهم الدمشقيّ، نزيل بيروت، وقيل: هو لَقَبٌ، واسمه محمد، وقيل: عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩]. رَوَى عن الأوزاعيّ، وحَرِيز بن عثمان، وخالد بن دُرَيك، وبكر بن خُنَيس، وطلحة بن عمرو المكيّ، وعمر بن قيس، وهشام بن حسان، والمثنى بن الصباح، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، والليث بن سعد، وهو أكبر منه، وأبو مُسْهِر، ومروان بن محمد، ومنصور بن عمار، وبَقِيّة، وهشام بن إسماعيل العطار، والحكم بن موسى، وهشام بن عمار، وعلي بن حُجْر، وآخرون. قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: لا يُكْتَب حديث الأوزاعيّ عن أوثق من هِقْل، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان أبو مُسهِر يرضاه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال أبو مسهر: هو المقدَّم، وقال ابن معين: قال أبو مسهر: ما كان ها هنا أحدٌ أثبتُ في الأوزاعيّ من هِقْل، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ صدوقٌ، وقال الغلابي، عن ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو صالح، حدّثني الهِقْل بن زياد، وهو ثقة من الثقات، من أعلى أصحاب الأوزاعيّ، وقال مروان بن محمد: كان أعلم الناس بالأوزاعيّ عشرةٌ، أولهم هِقْل، وقال أبو زرعة الرازيّ، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عمار: الهقل من أثبت أصحاب الأوزاعيّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو سليمان بن زَبْر، عن أبيه، عن إسحاق بن خالد: سمعت أبا مسهر يقول: ومن أصحابه الأثبات الهقل بن زياد، وكان الأوزاعيّ أوصى إليه، وكان حافظًا متقنًا. مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكذا قال ابن يونس في تاريخ وفاته، وقال ابن قانع: مات سنة إحدى وثمانين، وهو ثبت. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٤٨٩) و(٥٨٨) و(٧٩٢) و(١٥٣٦) و(١٥٩٦) و(٢٢٧٨). ٣ - (الْأَوْزَاعِيَّ) عبد الرحمن بن عمرو المذكور في السند الماضي. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) هو: ربيعة بن كعب بن مالك الأسلميّ، أبو فِرَاس المدنيّ، كان مَن أهل الصُّفّة، خَدَمَ النبيّ -ﷺ-، ونزل بعد موته على بَريد من المدينة. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، ونُعيم المجمر. ويقال: إنه أبو فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران الْجَوْنيّ، وقد رُويَ عن أبي عمران، عن ربيعة الأسلمي. قال الحافظ -﵀-: وصوَّب الحاكم أبو أحمد، وابن عبد البرّ تبعًا للبخاريّ أن ربيعة بن كعب غير أبي فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران. وذَكَر مسلم، والحاكم في «علوم الحديث» أن ربيعة تفرَّد بالرواية عنه أبو سلمة، وليس ذلك بجيِّد؛ لما تراه من ذكر رواية هؤلاء عنه، لكن قولُ المزيّ: إن محمد بن عمرو بن عطاء رَوَى عنه ليس بجيدٍ؛ لأنه لم يأخذ عنه، وإنما رَوَى عن نعيم المجمر عنه، كما هو في «مسند أحمد» وغيره، واللَّه أعلم. قال: هكذا تعقبه شيخنا -يعني العراقيّ- في «النكت على ابن الصلاح»، وقد وردت رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي فِراس الأسلميّ، عند ابن منده في «المعرفة» وغيره، فمن قال: إن أبا فراس هو ربيعة، فوَحَّدَهما أثبت رواية محمد بن عمرو بن عطاء عنه بهذا، ومن زَعَم أنهما اثنان أمكن اثنان، قال الشيخ: لكن الحديث الذي أورده ابن منده هو متن الحديث الذي أورده مسلم لربيعة بن كعب، وإن كان في ألفاظه اختلاف، فيَقْوَى أنه واحد. وكذلك رَوَى الحاكم في «المستدرك» من طريق المبارك بن فَضَالة: حدَّثني أبو عِمران الْجَوْنيّ، حدَّثني ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنت أخدُم النبيّ -ﷺ-، فقال لي: «يا ربيعة ألا تَزَوَّج؟»، وهذا هو الحديث الذي رُوي عن أبي عمران، عن أبي فِراس، فَيَتَّجِه أنه هو، واللَّه أعلم. انتهى. وقد ذكر غير واحد أنه مات سنة (٦٣) بعد الْحَرّة. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، و«المصنّف»، والأربعة، وليس له عنهم إلا هذا الحديث فقط. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في «المراسيل»، وهقل، ما أخرج له البخاريّ، وكذا الصحابيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى بن أبي كثير، فقد سكن المدينة عشر سنين، وشيخه، بغداديّ، والباقيان دمشقيّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب فقط. شرح الحديث: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، أنه قال: (حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) -﵁- (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) من البيوتة، أي أكون معه في الليل. قال الفيّوميّ -﵀-: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَةً، ومَبِيتًا، ومَبَاتًا، فهو بائت، وتأتي نادرًا بمعنى نام ليلًا، وفي الأعم الأغلب بمعنى فَعَلَ ذلك الفعل بالليل، كما اختَصَّ الفعل في «ظَلَّ» بالنهار، فإذا قلت: بات يَفْعَل كذا، فمعناه: فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سَهَر الليل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤] الآية. وقال الأزهريّ: قال الفراء: بات الرجل: إذا سَهِرَ الليل كلَّه في طاعة، أو معصية. وقال الليث: مَن قال: بات بمعنى نام، فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول: بات يَرْعَى النجومَ، ومعناه ينظر إليها، وكيف ينام من يراقب النجوم؟. وقال ابن الْقُوطِيَّة أيضًا، وتبعه السَّرَقُسْطيّ، وابن القطاع: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلًا، ولا يقال: بمعنى نام. وقد تأتي بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي صار به، سواء كان في ليل أو نهار، وعليه قوله -ﷺ-: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والمعنى: صارت، ووَصَلَت، وعلى هذا المعنى قول الفقهاء: بات عند امرأته ليلةً، أي صار عندها، سواء حَصَل معه نوم أم لا، وبَاتَ يَبَاتُ، من باب تَعِبَ لغة. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: فمعنى «أبيت» هنا هو وجوده عنده -ﷺ- لخدمته، ولا يريد نومه، ويدلّ عليه قوله: «فأتيته إلخ»، واللَّه تعالى أعلم. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) ظرف لـ «أبيتُ»، قال في «المرقاة»: ولعلّ هذا وقع له في السفر، وقال ابن حجر: أي إما في السفر، أو الحضر، والمراد بالمعيّة القرب منه بحيث يسمع نداءه إذا ناداه لقضاء حاجته. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد كونه في الحضر قوله في رواية أحمد: «كنت أخدُم رسول اللَّه -ﷺ-، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته. . .» الحديث. (فَأَتَيْتُهُ) وفي نسخة: «فآتيه» بصيغة مضارع المتكلّم، (بِوَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ لأن المراد الماء الذي يتوضّأ منه، وقوله: (وَحَاجَتِهِ) من عطف العامّ على الخاصّ، أى بما يَحتاج إليه، من نحو سواك، وغيره. [تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف -﵀-، وقد ساقه الإمام أحمد في «مسنده» مطوّلًا، فقال: (١٥٩٨٤) حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا أَبِي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نُعيم المجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أخدُم رسول اللَّه -ﷺ-، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تَحْدُث لرسول اللَّه -ﷺ- حاجة، فما أزال أسمعه يقول رسول اللَّه -ﷺ-: «سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه وبحمده»، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقدَ، قال: فقال لي يومًا لِمَا يرى من خفتي له، وخدمتي إياه: «سلني يا ربيعة أعطك»، قال: فقلت: أَنْظُر في أمري يا رسول اللَّه، ثم أُعْلِمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سَيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول اللَّه -ﷺ- لآخرتي، فإنه من اللَّه ﷿ بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال: «ما فعلتَ يا ربيعة؟»، قال: فقلت: نعم يا رسول اللَّه، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: «من أمرك بهذا يا ربيعة؟»، قال: فقلت: لا واللَّه الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحدٌ، ولكنك لَمّا قلت: «سلني أعطك»، وكنتَ من اللَّه بالمنزل الذي أنت به، نظرتُ في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقًا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول اللَّه -ﷺ- لآخرتي، قال: فصمت رسول اللَّه -ﷺ- طويلًا، ثم قال لي: «إني فاعل، فأعنّي على نفسك بكثرة السجود». انتهى. وهذا إسناد صحيحٌ، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فزالت تهمة التدليس منه. (فَقَالَ لِي: «سَلْ») بفتح السين المهملة، أمر من سأل يسأل، وأصله اسأل، فخُفّف، ويَحتمل أن يكون أمرًا من سال يسال، كخاف يخاف، لغة في سأل يسأل بالهمزة . والمعنى: اطلب مني حاجتك حتى أكافئك في خدمتك لي. (فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ) أي كوني رفيقًا لك فيها، ولا ينافي هذا ما تقدّم في رواية أحمد: «أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار»؛ لأن أحدهما يستلزم الآخر؛ لأنه إذا أعتق من النار، دخل الجنّة، وإذا دخل الجنّة، فقد رافقه -ﷺ- فيها، ويَحْتمل أن يكون المراد بالمرافقة مرافقةً خاصّة، بأن يكون قريبًا من درجته، وهذا أيضًا لا ينافي ما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) -ﷺ- («أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟») قال النوويّ -﵀-: «أَوَ» بفتح الواو. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: رويناه بإسكان الواو من «أو»، ونصب «غير». انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن تعيّنت الرواية بأحد الوجهين، فلا ينبغي العدول عنها، وإلا فالكلام محتمل للوجهين؛ إذ يَحْتَمِل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و«غيرَ» مفعول لفعل مقدّر، أي أتسأل غير ذلك، من أمور الدنيا، كالغنى ونحوه. ويَحْتَمِلُ أن تكون «أَوْ» بسكون الواو للإضراب، بمعنى «بل»، أي بل أسأل غير ذلك من الحوائج، واللَّه تعالى أعلم. قال القاضي عياض -﵀-: قوله: «أو غير ذلك» قيل: لعله -ﷺ- فَهِم منه المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلذلك قال له: «أو غير ذلك»، أي سل غير هذا، فلما قال له الرجل: «هو ذاك» قال له: «فأعنّي على نفسك إلخ»؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرب من منزلته، وإن لم يساوه فيها، فإن السجود معرج القُرَب، ومدار رفعة الدرجات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال -ﷺ- في حديث ثوبان -﵁- الماضي: «لا تسجد للَّه سجدةً إلا رفعك اللَّه بها درجةً»، ولأن السجود غاية التواضع للَّه، والعبوديّة له؛ إذ فيه تمكين أعزّ عضو الإنسان، وأرفعه، وهو وجهه من أدنى الأشياء، وهو التراب، والأرض المدوسة بالأرجل والنعال. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أو غير ذلك» رويناه بإسكان الواو من «أو»، ونصب «غيرَ»، أي أو سل غير ذلك، كأنه حضّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛ لأنه فَهِمَ منه أن يطلُب المساواةَ معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلما قال الرجل: «هو ذاك»، قال له: «أعنّي على نفسك بكثرة السجود»، أي الصلاة؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرُب من منزلته، وإن لم يساوه فيها. قال: ولا يُعترض هذا بقول النبيّ -ﷺ- فيما رواه حُذيفة -﵁- ليلة الأحزاب: «ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله اللَّه معي يوم القيامة» ؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]؛ لأن هذه المعيّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنّة، إلا أن أهل الجنّة على مراتب، ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم، وقد دلّ على هذا أيضًا قوله -ﷺ-: «المرء مع من أحبّ». انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ) مبتدأ وخبره، أي المسئول ما ذكرته لك، من مرافقتي لك في الجنّة، لا غيره (قَالَ) -ﷺ- («فَأَعِنِّي) الفاء فاء الفصيحة، أي إذا كان مطلوبك ما ذكرته، فأعني (عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الجارّان متعلّقان بـ»أعنِّي«، أي كن عونًا لي على تحصيل مطلوبك الذي هو مرافقتك لي في الجنّة بكثرة السجود للَّه تعالى، والظاهر أنه عموم السجود، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الصلاة، وخصّ السجود بالذكر؛ لأنه مُذلّ للنفس، وقاهر لها؛ لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت للَّه تعالى استحقّت رحمته وإحسانه، ورفع درجاته، فقد أخرج الإمام أحمد في»مسنده«بسند صحيح، عن ابن عمر عن عمر قال: لا أعلمه إلا رفعه، قال:»يقول اللَّه ﵎: مَن تواضع لي هكذا - وجعل يزيد باطن كفه إلى الأرض، وأدناها إلى الأرض -رفعته هكذا- وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء«. وأخرج أحمد، وابن ماجه عن أبي سعيد -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال:«من يتواضع للَّه سبحانه درجة، يرفعه اللَّه به درجة، ومن يتكبر على اللَّه درجةً يضعه اللَّه به درجةً حتى يجعله في أسفل السافلين»، وفيه درّاج، عن أبي الهيثم، ضعيف. وقال بعضهم: المراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرّدُ السؤال مني لا يكفي فيها. أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرًا بها نفسك، أو أعنّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرته لا يحصل إلا بقهر النفس التي هي أعدى عدوّ المرء، فلا بدّ لك من قهرها بصرفها عن غيّها وتكبّرها بالتواضع، فإن السجود كاسرٌ للنفس، ومذلّ لها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ربيعة بن كعب الأسلميّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٠٩٩] (٤٨٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٢٠)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤١٦)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، و(ابن ماجه) في «الدعاء» (٣٨٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٥٧ - ٥٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤٥٧٠ و٤٥٧١ و٤٥٧٢ و٤٥٧٣ و٤٥٧٤ و٤٥٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٩٤ و٢٥٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٥٩ و١٨٦٠ و١٨٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٨٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٨٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على كثرة السجود؛ لأنه سبب لرفع الدرجات، ومحو الخطيئات. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الصحابيّ الجليل -﵁-، حيث كان شديد الاهتمام بالآخرة، دون الدنيا؛ لقرب زوالها، ودناءة مقدارها، والآخرة خير وأبقى، فالفوز الحقيقيّ هو الفوز في الآخرة، قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- حيث اهتمّ بهذا الصحابيّ؛ لقيامه بخدمته، فأراد أن يكافئه على ذلك، وهذا كان هديه -ﷺ- مع من يخدمه، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسند صحيح، عن زياد بن أبي زياد، مولى بني مخزوم، عن خادم للنبيّ -ﷺ- رجلٍ، أو امرأةٍ، قال: كان النبيّ -ﷺ- مما يقول للخادم: «ألك حاجة؟»، قال: حتى كان ذات يوم، فقال: يا رسول اللَّه حاجتي؟ قال: «وما حاجتك؟»، قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: «ومَن دَلّك على هذا؟»، قال: ربي، قال: «إما لا، فأعنّي بكثرة السجود» . ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للرئيس أن يهتمّ بحوائج مرؤوسيه المحسنين إليه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه، حتى يُعينهم على حوائجهم بما يستطيعه، فإن لم يستطع دعا لهم، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بسند صحيح، عن ابن عمر -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه» . ٥ - (ومنها): جواز طلب الرتبة الرفيعة، من مرافقة الأنبياء، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): بيان أن من الناس من يكون مع الأنبياء -﵈- في الجنّة. ٧ - (ومنها): الحثّ على مجاهدة النفس وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العليّة بمخالفة النفس الدنيّة. ٨ - (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلوّ الدرجات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «فآتيه».

٢. قال عنه في «التقريب»: صدوقٌ، والذي يظهر لي أنه ثقةٌ، كما يتبيّن ذلك مما قاله الأئمة في ترجمته.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٦٧ - ٦٨.

٤. «المرقاة» ٢/ ٦١٥.

٥. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

٦. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٠٦.

٧. «المفهم» ٢/ ٩٣.

٨. راجع: «إكمال العلم» ٢/ ٤٠٣.

٩. سيأتي للمصنّف في«كتاب الجهاد» برقم (١٧٨٨).

١٠. هو يزيد بن هارون الراوي.

١١. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «المسند» برقم (١٥٦٤٦).

١٢. حديث صحيح، أخرجه أحمد برقم (٥٣٤٢)، وأبو داود برقم (١٦٧٢ و٥١٠٩)، والنسائيّ برقم (٢٥٦٧).