HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٩٠

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيد) عن عمرو ابن دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ. وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ. هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى. وقَال أَبُو الرَّبِيعِ: عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ. وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وثيابه. الكفين والركبتين والقدمين والجبهة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص52
ج ١ ص ٣٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٢٣٦
(٤٥) - (بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْي عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ، وَعَقْصِ الشَّعْرِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٠] (٤٩٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ، هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ: الْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٥ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه الحبر البحر -﵄-، تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا إلخ»، وذلك لبيان اختلاف شيخيه في كيفيّة التحمّل، وصيغتي الأداء، فالأول أخذه عن حماد قراءةً، والثاني سماعًا. ٤ - (ومنها): أن قوله: «حماد بن زيد» مرفوع على الفاعليّة على سبيل التنازع لـ «أخبرنا»، وحدّثنا«. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن طاوس، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَسْجُدَ)«أُمر»بالبناء للمفعول، و«أن»مصدريّة«وَيسْجُد»بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ -ﷺ-، والجملة صلة«أن». وقال السنديّ -﵀-:«أُمِرَ»على بناء المفعول، و«أن يَسْجُد»على بناء الفاعل، ويَحْتَمِلُ أن يُعْكَسَ، ويَحْتَمِل بناؤهما للفاعل على أن ضمير«يَسْجُدَ»للمصلي. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الاحتمالات لا بدّ أن تصحّ روايةً، والظاهر أن الوجه الأول هو الرواية، كما صرّح به الحافظ -﵀-، حيث قال في«شرحه»رواية البخاريّ من طريق سفيان، عن عمرو ما نصّه: قوله:«أُمِرَ»هو بضم الهمزة في جميع الروايات، بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله، والمراد به اللَّه ﷻ، قال البيضاويّ: عُرِف ذلك بالعُرْف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة افْعَلْ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا النظر غير صحيح، بل الحقّ أن الأمر هنا للوجوب؛ لأنه لا فرق بين قوله: افْعَلْ كذا، وبين قوله:«أمرتك أن تفعل كذا»، قال الشوكانيّ -﵀- ردًّا على هذا النظر ما نصّه: وهو ساقطٌ؛ لأن لفظ«أمر»أدلّ على المطلوب من صيغة«افعل»، كما تقرّر في الأصول، ولكن الذي يتوجّه على القول باقتضائه الوجوب على الأمة أنه لا يتمّ إلا على القول بأن خطابه -ﷺ- خطاب لأمته، وفيه خلاف معروفٌ، ولا شكّ أن عموم أدلّة التأسّي تقتضي ذلك، وقد أخرجه البخاريّ في«صحيحه»من رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبّاس بلفظ:«أُمرنا»، وهو دالٌّ على العموم. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح في الأصول أن خطابه -ﷺ- خطاب لأمته، كعكسه، وإلى هذا أشرت بقولي: خِطَابُهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُصْطَفَى … يَعُمُّنَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقْتَفَى لأَنَّهُ أُسْوَتُنَا فَإِنْ وَرَدْ … دَلِيلُ مَا يَخُصُّهُ فَلْيُعْتَمَدْ كَذَا خِطَابُهَا يَعُمُّهُ إِذَا … لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهَا فَيُحْتَذَى [فإن قلت]: ظاهر قوله:«أُمر النبيّ -ﷺ-»، وكذا الرواية التالية:«أُمِرتُ أن أسجُد على سبعة أعظم»، يدلّ على الخصوصيّة، فمن أين يؤخذ أمر الأمة بذلك؟. [قلت]: يؤخذ من الروايات الأخرى التي فسّرت أن المراد بأمره -ﷺ- ما يعمّه هو وأمته، فقد فسّره حديث العباس بن عبد المطّلب -﵁- الآتي في الباب، أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول:«إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف. . . »الحديث، فقد بيّن أن الأمر عامّ له -ﷺ-، ولأمته. وكذا رواية البخاريّ لحديث ابن عبّاس -﵄- هذا من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار بلفظ:«أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم. . . »الحديث، فتبيّن بهذا أن الخصوصيّة ليست مرادة هنا، واللَّه تعالى أعلم. وقال في«الفتح»عند شرح رواية شعبة المذكورة ما نصّه: وعُرِف بهذا أن ابن عباس -﵄- تلقّاه عن النبيّ -ﷺ- إما سماعًا منه، وإما بلاغًا عنه، وقد أخرجه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁- بلفظ:«إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب. . . «الحديث، وهذا يرجح أن النون في»أُمِرنا«نون الجمع، والآراب بالمد جمع إِرْب، بكسر أوله، وإسكان ثانيه، وهو العضو، ويَحْتَمِل أن يكون ابن عباس تلقاه عن أبيه -﵄-. انتهى . (عَلَى سَبْعَةٍ) متعلّق بـ«يسجد»، أي على سبعة أعضاء (وَنُهِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا (أَنْ يَكُفَّ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: كفّ الشيءَ كفًّا، من باب نصر: تركه، وكَفَفتُهُ كَفًّا أيضًا: منعته، فكَفَّ، يتعدّى ويلزم، وما هنا من المتعدّي، ولذا نَصَبَ قوله (شَعْرَهُ وَثيَابَهُ)«الشَّعْر»بسكون العين، وفتحها، ويُجمع الأول على شُعُور، كفلس وفلوس، والثاني على أشعار، كسبب وأسباب، وهو مذكر، والواحدة شعرة ، والمراد به هنا شعر الرأس. والمعنى: أنه نُهي عن أن يضمّ، ويَجمع عند السجود شعره، وثيابه؛ صونًا لهما عن التراب، بل يُرسلهما، ويتركهما على حالهما حتى يقعا إلى الأرض، فيكون كلّه ساجدًا للَّه ﷿. ويأتي في الرواية التالية بلفظ:«ونُهي أن يَكْفِت الثياب والشعر»، والْكَفْتُ بمثناة في آخره، هو الضمّ، وهو بمعنى الكفّ. وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح الداوديّ، وتؤيّده ترجمة الإمام البخاريّ به في«صحيحه»حيث قال:«بابٌ لا يكُفّ ثوبه في الصلاة». وردّ ذلك عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كَرِهُوا ذلك للمصلي، سواء فعله في الصلاة، أو قبل أن يدخل فيها، واتَّفقوا على أنه لا يُفْسِد الصلاة، لكن حَكَى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. قيل: الحكمة في ذلك أنه إذا رَفَعَ ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر، أفاده في«الفتح». وقوله: (هَذَا) مبتدأ، خبره قوله: (حَدِيثُ يَحْيَى) بن يحيى، شيخه الأول، يعني أن هذا السياق الذي مضى هو سياق يحيى، وأما سياق شيخه الثاني، فأشار إليه بقوله: (وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ (عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ) أي بدل قول يحيى:«على سبعة»بلا ذكر التمييز، أي أُمر النبيّ -ﷺ- أن يسجد على سبعة أعظم. و«الأعظم: جمع عَظْم، ويُجمع أيضًا على عِظَام بالكسر، مثلُ سَهْم وأسْهُم وسِهَام، وكأنه سَمّى كلَّ واحد من هذه الأعضاء عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كلّ واحد منها على عِظام كثيرة، فهو من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ. وقال الصنعانيّ في «حاشية العمدة»: قوله: «على سبعة أعضاء» أي معتمدًا عليها في أداء واجب السجود، وهو إيصال المكلّف جبهته إلى الأرض تعظيمًا للَّه تعالى، والساجد هو الشخص، ونسبة السجود إلى الوجه في مثل «سَجَدَ وجهي»، وحديث: «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه» مجاز عما يقع به السجود. انتهى. وقوله «(وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ) جملة معترضة بين المجمل، وهو قوله: سبعة أعظم»، وتفسيره، وهو قوله: (الْكَفَّيْنِ) هذا تفسير لما في الرواية الآتية بلفظ: «اليدين»، قال ابن دقيق العيد: المراد باليدين هنا الكفان، وقد اعتقد قوم أن مطلق لفظ «اليدين» يُحمل عليهما، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، واستنتجوا من ذلك أن التيمّم إلى الكوعين، وعلى كلّ تقديرٍ، فسواء صحّ هذا أم لا فالمراد ها هنا الكفّان؛ لأنا لو حملناه على بقيّة الذراع لدخل تحت المنهيّ عنه من افتراش الكلب والسبع، ثم تصرّف الفقهاء بعد ذلك، فقال بعض مصنّفي الشافعيّة: إن المراد الراحة، أو الأصابع، ولا يُشترط الجمع بينهما، بل يكفي أحدهما، ولو سجد على ظهر الكفّ لم يكفه، هذا معنى ما قال. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بقوله: «لدخل تحت المنهيّ عنه إلخ» إلى حديث أنس -﵁- مرفوعًا: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، الآتي في الباب التالي. وأما ما ذكره عن بعض الفقهاء من أن المراد الراحة، أو الأصابع، فمما لا دليل عليه، بل هو معارض لعموم النصّ، فلا يُلتفت إليه فتبصّر. (وَالرُّكبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: «وأطراف القدمين» وهو تفسير للمراد، وذلك بأن يجعل قدمين قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة. وقال النوويّ -﵀- في «تحقيقه»: المعتبر في القدمين بطون الأصابع، وقيل: يكفي ظهر القدم، وفي الكفّين بطنهما، وقيل: يشترط بطن الراحة، وقال ابن عبد البرّ: لو سجد عليهما مقبوضتين جاز ذلك . (وَالْجَبْهَةِ) بفتح، فسكون، جمعها جِبَاهٌ، مثلُ كَلْبة وكلاب، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود، قاله في «المصباح» . وقال ابن الملقّن -﵀-: الجبهة: ما أصاب السجود من الأرض، ولا يكفي جانباه، وهما الجبينان. انتهى . وزاد في رواية عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه الآتية: «وأشار بيده على أنفه»، قال في «الفتح»: كأنه ضَمَّن «أشار» معنى «أَمَرَّ» بتشديد الراء، فلذلك عدّاه بـ «على» دون «إلى» ووقع في «العمدة» بلفظ «إلى»، وهي في بعض نسخ البخاريّ، من رواية كريمة، وعند النسائيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن طاوس: «ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه»، وقال: هذا واحد، فهذه رواية مفسَّرَة. قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبَعٌ. وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جُعِلا كعضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانيةً، قال: وفيه نظرٌ؛ لأنه يلزم منه أن يُكْتَفَى بالسجود على الأنف، كما يُكْتَفى بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتُجَّ بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحقّ أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يُعْتَقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر. وأيضًا فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة لأجل العبادة، فإذا تقارب ما في الجبهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقينًا، وأما العبارة فإنها معيّنة لما وضعت له فتقديمه أولى. انتهى. وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعية، وكأنه أُخِذ من قول الشافعيّ في «الأم»: إن الاقتصار على بعض الجبهة يُكْرَه، وقد ألزمهم بعض الحنفية بما تقدم. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده. وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم: يجب أن يَجْمَعهما، وهو قول للشافعي أيضًا. انتهى . وقال ابن الملقّن -﵀-: أقلّ السجود مباشرة بعض جبهته مصلاه مع الطمأنينة، والتحامل على موضع سجوده، وارتفاع الأسافل على الأعالي، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين لم يجب كشفهما قطعًا، بل يكره كشف الركبتين كما نصّ عليه في «الأمّ»، وإذا أوجبنا وضع الكفّين لم يجب كشفهما أيضًا على أظهر القولين، وهو ظاهر الحديث، فإنه دالّ على الوضع فقط، والزائد هل يُجعل علّة للإجزاء، أو جزء علّة؟ فيه نظر، والخلاف متردّد بين الجبهة، فيجب كشفها قطعًا، وبين الركبتين والقدمين فلا يجب قطعًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: مذهب القائلين بوجوب السجود على الجبهة والأنف جميعًا هو الحقّ؛ لظاهر الأمر، وأما القول بوجوب كشف الوجه، أو سائر الأعضاء فمما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٠ و١١٠١ و١١٠٢ و١١٠٣ و١١٠٤] (٤٩٠)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٠٩ و٨١٠ و٨١٢ و٨١٥ و٨١٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٨٩ و٨٩٠)، و(الترمذيّ) فيها (٣٧٣)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و٢١٠ و٢١٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٣ و٨٨٤ و١٠٤٠)، و(عبد الرّزّاق) في «مصنّفه» (٢٩٧١ و٢٩٧٢ و٢٩٧٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٦١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢١ و٢٥٥ و٢٧٩ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٠٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٣٢ و٦٣٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٢٣ و١٩٢٤ و١٩٢٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٨٥٥ و١٠٨٥٦ و١٠٨٥٧ و١٠٨٥٨ و١٠٨٥٩ و١٠٨٦٠ و١٠٨٦١ و١٠٨٦٢ و١٠٨٦٣ و١٠٨٦٤ و١٠٨٦٥ و١٠٨٦٧ و١٠٨٦٨)، وفي «الصغير» (٩١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٠٣ و١٠٨)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ٢٠٠ و٢٠١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٦٢ و١٨٦٣ و١٨٦٤ و١٨٦٥ و١٨٦٦ و١٨٦٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٨٧ و١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠ و١٠٩١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن أعضاء السجود التي لا يتحقق السجود المأمور به في النصوص إلا بوضعها سبعة. ٢ - (ومنها): أن ظاهر الحديث دالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان النهي عن كفّ الشعر والثوب للصلاة، والحكمة في ذلك أن كفّهما يُشبه فعل المتكبّر، فينافي معنى السجود، وهو التواضع للَّه ﷿ بجميع أعضاء المصلّي، وما يتّصل به. ثم إن هذا النهي عن كفّ الثوب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، فإن من ضمّ إليه ثوبه إذا خاف تكشّف عورته لا يدخل تحت هذا النهي، بل هو من فعل الواجبات، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان أن أمر النبيّ -ﷺ-، ونهيه يعمّ أمته إلا فيما خُصّ به. ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: قد يُسْتَدُّل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، فإن مسمى السجود يحصل بالوضع، فمن وضعها فقد أتى بما أُمر به، فوجب أن يَخْرُج عن العهدة، وهذا يلتفت إلى بحث أصوليّ، وهو أن الإجزاء في مثل هذا، هل هو راجع إلى اللفظ، أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به، مضمومًا إلى فعل المأمور به؟. وحاصله أن فعل المأمور به هل هو عِلّة الإجزاء، أو جزء علّة الإجزاء، ولم يُخْتَلَف في أن كشف الركبتين غير واجب، وكذلك القدمان، أما الأول فلما يُحْذَر فيه من كشف العورة، وأما الثاني، وهو عدم كشف القدمين، فعليه دليل لطيفٌ جدًّا؛ لأن الشارع وَقَّت المسح على الخفّ بمدة تقع فيها الصلاة مع الخفّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين، وانتقضت الطهارة، وبطلت الصلاة، وهذا باطل. ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخفّ، فَيُرَدّ عليه بحديث صفوان الذي فيه: «أُمِرنا أن لا نَنْزِع خفافنا. . .» إلى آخره . فنقول: لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدّة التي دلّ عليها لفظة «أُمِرنا» المحمولة على الإباحة. وأما اليدان فللشافعيّ تردد قول في وجوب كشفهما. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد حقّق الإمام ابن دقيق العيد: هذه المسألة، وأجاد فيها. وحاصل ما دلّ عليه تحقيقه أنه لا يجب كشف أعضاء السجود: الجبهةِ، أو غيرها، كما دلّ عليه ظاهر حديث الباب، ولا نصّ يخالفه ويدلّ على الوجوب. والحاصل أن المصلّي مأمور بوضع هذه الأعضاء، سواء كانت مكشوفة، أو غير مكشوفة، فإذا تحقّق وضعه لها، فقد أدّى ما وجب عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السجود على الأعضاء السبعة: قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: ظاهر الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لأن الأمر للوجوب، والواجب عند الشافعيّ منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه، واختَلَفَ قوله في اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدلّ للوجوب، وقد رَجّح بعض أصحابه عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قويّ أقوى من دلالته، فإنه استَدَلّ لعدم الوجوب بقوله -ﷺ- في حديث رفاعة -﵁- : «ثم يسجدُ، فَيُمَكِّن جبهته»، وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم، وهو مفهوم لقب، أو غاية ، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم، كما مرَّ لنا في قوله -ﷺ-: «جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، مع قوله: «جُعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا»، فإنه ثَمَّ يُعْمَل بذلك العموم من وجه إذا قدّمنا دلالة المفهوم، وها هنا إذا قدّمنا دلالة المفهوم أسقطنا الدليل الدالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، أعني اليدين، والركبتين، والقدمين، مع تناول اللفظ لها بخصوصها. وأضعف مِن هذا ما استُدلّ به على عدم الوجوب، من قوله -ﷺ-: «سجد وجهي للذي خلقه»، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وأضعف مِن هذا الاستدلالُ على عدم الوجوب بأن مسمَّى السجود يَحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمَّى، فلا تُترك. وأضعف من هذا المعارضة بقياس شَبَهيّ، ليس بقويّ، مثل أن يقال: أعضاءٌ لا يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة. وقد رَجَّح المحامليّ من أصحاب الشافعيّ القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من قول من رَجَّح عدم الوجوب. وذهب أبو حنيفة إلى أن مَن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك وأصحابه. وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معًا، وهو قول في مذهب مالك أيضًا، ويُحْتَجّ لهذا المذهب بحديث ابن عباس -﵄- هذا، فإن في بعض طرقه: «الجبهة والأنف معًا»، وفى هذه الطريق التى ذكرها المصنف -يعني صاحب «العمدة»-: «الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه». فقيل: معنى ذلك أنهما جُعِلا كالعضو الواحد، ويكون الأنف كالتبع للجبهة. واستُدِلّ على هذا بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكمًا، لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها ثمانيةً، لا سبعةً، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث. الثاني: أنه قد اختَلَفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جُعلا كعضو واحد، أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتطابق الإشارة العبارة، وربما استُنْتِجَ من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جُعلا كعضو واحد، كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة، فيجزئ. والحقّ أن مثل هذا لا يعارِض التصريح بذكر الجبهة والأنف؛ لكونهما داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يُعتَقَد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دَلّ عليه الأمر. وأيضًا فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تفاوت ما في الجبهة أمكن أن لا يتعين المشار إليه يقينًا، وأما اللفظ فإنه مُعَيِّن لما وُضِع له، فتقديمه أولى. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الإمام ابن دقيق العيد -﵀- في تحقيق هذه المسألة، وأفاد. وحاصل ما حقّقه أن السجود على هذه الأعضاء المذكورة في الحديث واجب؛ لأنها وردت بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، وأما التفريق بين أجزائها، فيجب السجود على بعضها دون بعض، كما يقول الشافعيّ -﵀- في الجبهة، والحنفيّة في الجبهة أو الأنف، وكذا في سائر الأعضاء، فمخالف للنصوص، فلا يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا، وَلَا شَعْرًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بِغُنْدَر، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أُمِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ ، وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمامٌ فقيه، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) ٤/ ١٨. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَلَى سَبْعٍ) وفي نسخة: «على سبعة»، وتذكير العدد وتأنيثه إذا لم يذكر المعدود تمييزًا جَائزٌ، ومنه حديث: «وأتبعه ستًّا من شوّال»، وتقول: مسائلُ تسعةٌ، ورجالٌ تسعٌ . وقوله: (وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ) «يَكْفِتَ» بفتح أوله، وسكون الكاف، وكسر الفاء، أي لا يضمّها، ولا يجمعها، و«الْكَفْتُ»: الجمع والضمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي تجمع الناس في حياتهم وموتهم، وهو بمعنى الكفّ في الرواية المتقدّمة، وكلاهما بمعنى واحد . قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الكفت المنهيّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة، لم تدع الحاجة إليه، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود، فيكون كِبْرًا، وذهب الداوديّ إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة، قال عياضٌ: ودليل الآثار، وفعل الصحابة يُخالفه. انتهى . والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أنفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ، وَلَا الشَّعْرَ »). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وَهِم، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «المقدمة» ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (الْجَبْهَةِ) بالجرّ بدلٌ من «سبعة»، أو عطف بيان له، وما بعدها عطف عليها، ويَحْتَمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني الجبهةَ. . . إلخ. وقوله: (وَأَشَارَ بيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) معترضة بين المتعاطفات، قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع له، وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاءُ، ونفيه، والتفرقةُ، فإن اقتصر على الجبهة أجزأ، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزه، وهو مشهور مذهبنا -يعني المالكيّة- وقد سوّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر على أن من أخلّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكّنه من ذلك، لم يفعل السجود المأمور به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قرّر القرطبيّ -﵀- أخيرًا هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا التفات إلى ما يغايره. وحاصله أن الحديث نصّ في استواء هذه الأعضاء السبعة في وجوب السجود عليها، فلا يجوز الإخلال ببعضها مع الاستطاعة، فمن قال بتفريق بعضها عن بعض في الحكم، فأجاز السجود مع ترك بعضها، فقد خالف النصّ، فلا يجوز تقليده، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَالْيَدَيْنِ) المراد به الكفّان كما تقدّم في الرواية الأولى. وقوله: (وَالرِّجْلَيْنِ) المراد به الركبتان، كما في الرواية الأخرى. وقوله: (وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) أي بأن تُجعل قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة . وقوله: (وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ) وفي نسخة: «ولا أكفت الثياب والشعر»، و«نَكْفِت» بفتح النون، وسكون الكاف، وكسر الفاء، آخره مثنّاة فوقيّة، وروي بالنصب عطفًا على المنصوب السابق، وهو «أسجُدَ»، أي أمرت أن لا نكفت،
مصادر المؤلف (٢١)

١. «الفتح» ٢/ ٣٤٥.

٢. «نيل الأوطار» ٢/ ٢٩٩.

٣. «الفتح»٢/ ٣٤٥.

٤. راجع:«المصباح المنير»١/ ٣١٤ - ٣١٥.

٥. «الفتح»٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.

٦. «إحكام الأحكام» ٢/ ٣١١.

٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٨٧.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٩١.

٩. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٨٢.

١٠. «الفتح» ٢/ ٣٤٦.

١١. انتقاض الطهارة بنزع الخفّ تقدّم الكلام عليه في محلّه، وأن الأرجح عدم الانتقاض، وللصنعاني في «حاشيته» في هذا المحلّ (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) اعتراض على القول بالانتقاض، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

١٢. أراد حديث رفاعة -﵁- في حديث المسيء صلاته، وقد تقدّم في بابه.

١٣. وللصنعانيّ كلام على المراد بالغاية، فراجعه (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).

١٤. «إحكام الأحكام» ٢/ ٣٠٦ - ٣١١ بنسخة «الحاشية».

١٥. وفي نسخة: «على سبعة».

١٦. راجع: «حاشية الخضري على ابن عقيل» ٢/ ٢٠٨.

١٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٠٩.

١٨. «المفهم» ٢/ ٩٥.

١٩. وفي نسخة: «ولا أكفت الثياب والشعر».

٢٠. «المفهم» ٢/ ٩٤.

٢١. «المرعاة» ٣/ ٢٠٤.