ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة .
وقوله: (وَلَا الشَّعْرَ) بزيادة «لا» للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن أرسل الثياب والشعر، ولا نضمّهما إلى أنفسنا؛ وقايةً لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض؛ لنسجد بجميع الأعضاء والثياب.
والحديث متفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ ، وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ، وَالأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقون في السند الماضي.
وقوله: (عَلَى سَبْعٍ) وفي نسخة: «على سبعة»، وتقدّم قريبًا حكم تذكير العدد وتأنيثه، فلا تنس نصيبك.
والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٥] (٤٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٢ - (بَكْرٌ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
٦ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ النبيّ -ﷺ- الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وبكر، فمصري.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو عمّ الرسول -ﷺ-، وأبو الخلفاء -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) «أل» في «العباس»؛ للمح الأصل، وذكرها وتركه جائزان، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في «الخلاصة» بقوله:
وَبَعْضُ العلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كـ «الْفَضْلِ» وَ«الْحَارِثِ» وَ«النُّعْمَانِ» … فَذِكُرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ) بفتح الهمزة: جمع طَرَف بفتحتين، كسبب وأسباب، والمراد الأعضاء.
ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ بلفظ:«سبعة آراب»بالمدّ، وهو: جمع إِرْبٍ، بكسر، فسكون، كحِمْل وأَحْمال، وهي الأعضاء.
وهذه الجملة خبريّة لفظًا، إنشائيّةٌ معنى، بدليل حديث ابن عبّاس -﵄- الماضي، أي فليسجُد معه سبعة أعضاء.
ثم فسّر الأطراف بقوله:
(وَجْهُهُ) بالرفع بدلٌ من«سبعة»، أو خبر لمحذوف، أي هي وجهه، ويَحْتمل النص، إن صحّ روايةً على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني وجهه.
والمراد بالوجه هنا الجبهة والأنف، كما تقدّم التصريح به في حديث ابن عبّاس -﵄-:«الجبهة والأنف».
(وَكَفَّاهُ) هكذا هنا، وهو تفسير لما تقدّم في بعض روايات ابن عبّاس بلفظ:«اليدين»، كما تقدّم تحقيقه.
(وَرُكْبَتَاهُ) هذا أيضًا تفسير لما سبق في حديث ابن عبّاس -﵄- بلفظ«الرجلين».
(وَقَدَمَاهُ») تقدّم في حديث ابن عبّاس بلفظ: «وأطراف القدمين»، وهو تفسير لما هنا، فالمأمور به نصب أطراف القدمين على الأرض، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: حديث العبّاس -﵁- هذا هكذا هو في معظم النسخ عندنا، وعليها شرح القاضي عياض، والنوويّ، والأبيّ والسنوسيّ، وهو الذي عند
الحافظ أبي الحجّاج المزيّ في «تحفته» .
لكنه لا يوجد في النسخة الاستانبوليّة التي هي من أحسن نسخ مسلم التي بين أيدينا الآن، وهي التي حقّقها وعلّق عليها الأستاذ محمد ذهني -﵀-.
وقد كتب الحافظ في «النكت الظراف» ما نصّه: قال ابن شيخنا -يعني أبا زرعة-: لم أقف عليه في «الصلاة» من «صحيح مسلم». انتهى . ولم يتعقّبه الحافظ، فدلّ على اختلاف نسخ «صحيح مسلم» في إثباته، وحذفه.
ومما يؤيّد ذلك أنه لم يُذكره أبو نعيم في «مستخرجه على مسلم»، ولا أبو عوانة في «مسنده» الذي هو «مستخرج على صحيح مسلم» أيضًا، فدلّ على أنه لم يقع ذكر في النسخ التي عندهما من «صحيح مسلم».
وقد كنت كتبت في «شرح النسائي»، وملت إلى ترجيح ما قاله أبو زرعة، وتعقّبت المتأخرين الذين قلّدوا المزيّ في قوله: إن مسلمًا أخرجه، والآن تبيّن لي أن ما قاله المزّي والعراقي صحيح، باعتبار اختلاف النسخ، فلا داعي إلى تخطئة بعضهم، وتصويب بعضهم، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٥] (٤٩١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٩١)، و(الترمذيّ) فيها (٢٧٢)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و٢١٠)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٨٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٠٦ و٢٠٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٢١ و١٩٢٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ٢٠٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٠١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد حديث العبّاس بن عبد المطلب -﵁- هذا في «مسند أبي عوانة»، ولا في «مستخرج أبي نعيم»، ولعلهما لم يستخرجاه