HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٩٥

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالك ابن بحينة؛ إن رسول الله ﷺ كَانَ، إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص53
ج ١ ص ٣٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٢٧١
والحديث دليل واضحٌ على وجوب هذه الهيئة، ولكن حمله العلماء على الاستحباب، ولا أدري ما الصارف عن الوجوب؟، وقد ذُكر معظمها في حديث المسيء صلاته، فالحقّ أنها واجبة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١٠٩] (٤٩٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٧٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٨٣ و٢٩٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩١٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١١٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٦٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٩٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٠] (٤٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- «كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد اللَّه بن مالك بن الْقِشْب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة- واسمه جُندب بن نَضْلة بن عبد اللَّه بن رافع بن مِحَصن بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن نصر بن الأزد، أبو محمد حليف بني عبد المطلب، المعروف بابن بُحينة -بموحّدة، ومهملة، مصغّرًا- وهي أمه، قال محمد بن سعد: أبوه مالك بن قِشْب، حالَفَ المطلب بن عبد مناف، فتزوج بُحينة بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد اللَّه، فأسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، ومات ببطن رِيم، على ثلاثين مِيلًا من المدينة، في عَمَل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكانت ولاية مروان على المدينة من سنة أربع وخمسين إلى سنة ثمان وخمسين. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه ابنه عليّ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والأعرج، وأبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وسُمِّي في روايته مالكَ ابنَ بُحينة. قال الحافظ -﵀-: واختُلِف فيه على حفص، ففي رواية شعبة، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، كلُّهم عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم: مالك ابن بحينة، وقال النسائيّ: قول من قال: مالك ابن بحينة خطأٌ، والصواب عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة، ووقع في رواية لمسلم عن ابن بُحينة، عن أبيه، قال مسلم: أخطأ القعنبيّ في ذلك. انتهى . وأَرَّخ ابنُ زَبْر وفاته سنة ست وخمسين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٩٥)، وحديث (٥٧٠) وكرّره ثلاث مرّات، و(٧١١) وأعاده بعده، و(١٢٠٣). والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير بكر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: جعفر، عن الأعرج. ٤ - (ومنها): أن شيخه بغلانيّ، وبكرًا وجعفرًا مصريّان، والباقيان مدنيان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد مرويّاته فيه، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في «الكتب الستّة إلا نحو أربعة أحاديث فقط ، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: قوله:«عن عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة»الصواب فيه أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب«ابن»بالألف؛ لأن«ابن بُحينة»ليس صفة لـ«مالك»، بل صفة لـ«عبد اللَّه»؛ لأن«عبد اللَّه»اسم أبيه مالك، واسم أم عبد اللَّه بُحينةُ، فـ«بحينةُ»امرأة مالك، وأم عبد اللَّه بن مالك. انتهى . وقال العلامة ابن دقيق العيد -﵀-:«عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة»وبُحَينة أمه -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء ساكنة، ونون مفتوحة- وأبوه مالك بن الْقِشْب -بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وآخره باء- أزديُّ النسب من أزد شَنُوءة، تُوُفّي في آخر خلافة معاوية، وهو أحد مَن نُسِب إلى أمه. فعلى هذا إذا وقع«عبد اللَّه»في موضع رفع وَجَب أن يُنَوَّن«مالك»أبوه، ويُرْفَع«ابنُ»؛ لأنه ليس صفة لمالك، فيترَك تنوينه ويجرَّ، وإنما هو صفة لعبد اللَّه بن مالك، وإذا وقع«عبد اللَّه»في موضعِ جَرّ نُوِّن«مالكٌ»، وجُرَّ«ابنُ»؛ لأنه ليس«ابنُ»صفة لمالك. وهذا من المواضع التي يَتَوَقَّف فيها صحة الإعراب على معرفة التاريخ . وذلك مثل محمد ابن حَبِيب اللغويّ صاحب«كتاب الْمُحَبَّر»في«المؤتلف والمختلف في قبائل العرب»، فإن«حبيب»أمه لا أبوه، فعلى هذا يُمنَع صرفه، ويقال: محمد بن حبيب، وقيل: إنه أبوه. ومن غريب ما وقفت عليه في هذا محمد بن شَرَف الْقَيْرَوانيّ الأديب الشاعر الْمُجِيد إنه منسوب إلى أمه شَرَف، ولذلك نظائر، لو تُتُبّعت لَجُمِع منها قدر كثير. وقد قيل: إن بُحينة أم أبيه مالك، والأول أصحّ، وقد اعتنى بجمعها بعض الحفاظ. انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه القاعدة قد أسلفناها غير مرّة، وهي قاعدة مهمّة جدًّا. وحاصلها أن لفظ«ابن»إذا وقع صفة بين علمين، وكان الثاني أبًا للأول وجب حذف التنوين من الاسم الأول، وهمزة الوصل من«ابن»، وتُحذف أيضًا خطًّا تبعًا للفظ؛ لكثرة الاستعمال، فإن كان الثاني غير أب للأول، كما هنا، وجب تنوين الاسم الأول، وكتابة همزة«ابن»أيضًا، وله شروط غير هذا مذكورة في شروح«الخلاصة»وحواشيها عند قولها في«باب النداء»: وَنَحْوَ«زَيْدٍ»ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ«أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ»وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-«كَانَ إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، وأراد السجود؛ لما يأتي من رواية عمرو بن الحارث التالية: »كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سجد يُجَنِّح في سجوده، حتى يُرى وَضَحُ إبطيه«، و»الْوَضَحُ« -بفتحتين-: البياض، وفي رواية الليث التالية أيضًا: »أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا سجد فرّج يديه عن إبطيه، حتى إني لأرى بياض إبطيه«. (فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) يَحْتَمِل أن يكون مخفّف الراء، من الْفَرْج ثلاثيًّا، وهو الفتح، يقال: فرجتُ بين الشيئين فَرْجًا، من باب ضَرَبَ: فَتَحتُ، وفَرَج القوم للرجل فَرْجًا أيضًا: أوسَعُوا له في الموقف والمجلس، قاله الفيُّوميّ . ويَحْتَمِل أن يكون مشدّد الراء، من التفريج، وهو بمعنى الأول، والتشديد للمبالغة. والمراد أنه فتح بينهما، وبين ما يليهما من الْجَنْب، حتى يستقيم معه قوله: «حتى يبدُوَ بياض إبطيه»، فهو أحد طرفي المتعدّد، والطرف الثاني محذوف، وهذا معنى قول الحافظ في «الفتح»: أي نَحَّى كلَّ يد عن الجنب الذي يليها، أفاده السنديّ -﵀- . وقال في «العمدة»: قوله فرّج بين يديه«، معناه: فرّج بين يديه وجنبيه، وفرّج اللَّه الغمّ بالتشديد والتخفيف، وهو من باب ضرب يضرب، وهو لفظ مشترك بين الْفَرْج العورةِ، والثَّغْرِ، وموضع المخافة. انتهى . (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بنصب«يبدُوَ»بـ«أن»مضمرةً بعد«حتى»وجوبًا، كما قال في«الخلاصة»: وَبَعْدَ«حَتَّى»هَكَذَا إِضْمَارُ«أَنْ»… حَتْمٌ كَـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ»و«بياضُ»مرفوع على الفاعليّة، أي حتى يظهر البياض الذي في إبطيه. و«الإبط»بكسر، فسكون: ما تحت الجناح، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رَفَعَ السَّوْطَ حتى بَرَقَت إبطه، والجمع آباط، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمال، قال الفيّوميّ: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ لما يأتي في إِبِلِ . انتهى . وقال في«القاموس»:«الإبط»: باطن الْمَنْكب، وتُكسر الباء، ويُؤنّث، جمعه آباطٌ. انتهى . قال الشارح المرتضى -﵀-: وتكسر الباء لغةً، فيُلْحق بإِبِلٍ، وقولهم: لا ثاني له، أي على جهة الأصالة، فلا ينافي أن له أمثالًا بالإتباع، كهذا، وألفاظ كثيرة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام المرتضى -﵀- هذا يفسّر ما تقدّم عن الفيّوميّ أن كسر الباء غير ثابت مراده أصالةً، فلا ينافي جواز كسرها إتباعًا، فافهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة -﵁- هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١١٠ و١١١١] (٤٩٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٩٠) و«الأذان» (٨٠٧) و«المناقب» (٣٥٦٤)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٢/ ٢١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٤٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٤٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩١٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١١٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٧٧ و١٨٧٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٩٥ و١٠٩٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معنى الاعتدال المأمور به في الحديث الماضي، وذلك أن من جملة الاعتدال في السجود أن يجافي يديه عن جنبيه، حتى يكون على أكمل الهيئة للسجود، وتحقيق معنى التواضع؛ لأن هذه الهيئة أبعد من هيئة الكسالى. ٢ - (ومنها): ما قال ابن التين -﵀-: فيه دليلٌ على أنه -ﷺ- لم يكن عليه قميصٌ؛ لانكشاف إبطيه. وتُعُقِّب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد رَوَى الترمذي في «الشمائل» عن أم سلمة -﵂- أنها قالت: «كان أحبّ الثياب إلى النبيّ -ﷺ- القميص»، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لَرُئِيَ، قاله القرطبيّ. ٣ - (منها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على أن إبطيه -ﷺ- لم يكن عليهما شعر. وفيه نظرٌ، فقد حَكَى المحب الطبريّ في «الاستسقاء» من «الأحكام» له أنّ من خصائصه -ﷺ- أن الإبط من جميع الناس مُتَغَيِّر اللون غيره. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا نقل في «الفتح»، وسكت عليه، وهذا عجيبٌ، فأين دليل هذه الخصوصيّة؟ فتأمله. ٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ بإطلاقه على استحباب التفريج في الركوع أيضًا. وفيه نظرٌ؛ لأن في رواية عمرو بن الحارث، والليث بن سعد التالية بلفظ: «كان إذا سجد»، وهي رواية البخاريّ في «المناقب» عن قتيبة، عن بكر بن مضر، فتبيّن بها أن المراد بالصلاة هنا في قوله: «كان إذا صلّى» السجود، من إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء؛ إذ الرواية يفسّر بعضها بعضًا، فلا يدلّ على التفريج في الركوع، فتأمل. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود، أنه يَخِفّ بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض، وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ناصر الدين ابن الْمُنَيّر -﵀- في «الحاشية»: الحكمة فيه أن يَظْهَر كلُّ عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يَسْتَقِلّ كلُّ عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضدُّ ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين، حتى كأنهم جسد واحدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): وردت أحاديث تدلّ على مشروعيّة الاعتدال، التجافي والتفريج في السجود، وقد ساق المصنّف في هذا الباب، جملةً منها، فأخرج حديث أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وعبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة، وميمونة أم المؤمنين -﵃-. ويأتي له في الباب التالي حديث عائشة -﵂-: «نَهَى النبيّ -ﷺ- أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع». ورَوَى الطبرانيّ وغيره من حديث ابن عمر -﵄- بإسناد صحيح، أنه قال: «لا تفترش افتراش السبع، وادَّعِمْ على راحتيك، وأبد ضَبْعَيك، فإذا فعلت ذلك سَجَدَ كلُّ عضو منك». وأخرج الترمذيّ، وحسَّنه، من حديث عبد اللَّه بن أرقم: «صليتُ مع النبيّ -ﷺ-، فكنت أنظر إلى عُفْرَتي إبطيه إذا سجد». ولابن خزيمة عن أبي هريرة -﵁- رفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، ولْيَضُمّ فخذيه». وللحاكم من حديث ابن عباس -﵄- نحو حديث عبد اللَّه بن أرقم. وعنه عند الحاكم: «كان النبيّ -ﷺ- إذا سجد يُرَى وَضَحُ إبطيه»، وله من حديثه، رفعه: «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مِرْفَقيك»، وهو حديث البراء -﵁- الماضي عند المصنّف. قال الحافظ -﵀-: وهذه الأحاديث مع حديث ميمونة -﵂- عند مسلم: «كان النبيّ -ﷺ- يجافي يديه، فلو أن بُهَيمة أرادت أن تَمُرّ لمرّت»، مع حديث ابن بحينة المعلّق عند البخاريّ، وأخرجه مسلم هنا ظاهرها وجوب التفريج المذكور. لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة -﵁-، شكا أصحاب النبيّ -ﷺ- له مشقة السجود عليهم، إذا انفرَجُوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَب»، وترجم له: «الرخصة في ذلك» أي في ترك التفريج، قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يَضَعَ مرفقيه على ركبتيه، إذا طال السجود وأعيا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلال الحافظ بهذا الحديث على الاستحباب، وأنه يصرف الوجوب المستفاد من أحاديث الباب، فيه نظر لا يخفى؛ لأن الحديث متكلّم فيه، والصحيح إرساله، كما قال البخاريّ، والترمذيّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ، وغيرهم ، وعلى تقدير صحّته، فهو مقيّد بالمشقّة، والمشقّة تقدّر بقدرها، فمن لا يشقّ عليه، لا يُرخّص له في ترك التفريج، فالحقّ أن التفريج المذكور واجب، كما دلّت عليه أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم رأيت للصنعانيّ -﵀- تعقّبًا جيّدًا لكلام الحافظ هذا، حيث قال: وقد يُجاب عنه بأن ما استَدَلّ به على الاستحباب أدلّ منه على الوجوب، فإن الترخيص فرع العزيمة، وهو مخصوص بحالة المشقّة، فلا بُدّ من مسلك صحيح، يعمّ الحكم به جميع الأحوال، على أن قوله -ﷺ-: «استعينوا بالرُّكَبِ» أظهر في تكميل الواجب، وعدم الترخيص فيه. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب الصنعانيّ -﵀- هذا وجيهٌ، فدلالة هذه الأحاديث على الوجوب ظاهرة، لا يعارضها حديث: «استعينوا بالرُّكَب»، بل هو مؤيِّد لها؛ إذ دلالته على الوجوب أظهر من دلالته على الاستحباب، ولو سُلّم، فهو لمن تضرّر فقط. هذا كلّه على سبيل التنزّل، وإلا فالحديث لا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ لأن الصحيح أنه مرسل، والمرسل غير صحيح عند المحدّثين؛ للانقطاع، وعند من يحتجّ به إذا اعتضد يُشْتَرط أن لا يعارضه ما هو أصحّ منه، وما هنا كذلك، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: رأيت للشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ كلامًا غريبًا، يُتعجّب منه، وذلك أن الترمذيّ -﵀- قال: (٢٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى بعض أصحاب النبيّ -ﷺ- إلى النبيّ -ﷺ- مشقّةَ السجود عليهم، إذا تفرّجوا، فقال: «استعينوا بالركب». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- إلا من هذا الوجه، من حديث الليث، عن ابن عجلان، وقد رَوَى هذا الحديثَ سفيانُ بن عيينة، وغير واحد، عن سُمَيّ، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبيّ -ﷺ- نحو هذا، وكأنّ رواية هؤلاء أصحّ من رواية الليث. انتهى. فعلّق أحمد شاكر على قوله: «وكأن رواية هؤلاء أصحّ من رواية الليث»، ما نصّه: لماذا؟، هؤلاء رووا الحديث عن سُميّ، عن النعمان مرسلًا، والليث بن سعد رواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا، فهما طريقان مختلفان، يؤيّد أحدهما الآخر، ويَعضِده، والليث بن سعد ثقةٌ حافظٌ حجة، لا تردّد في قبول زيادته، وما انفرد به، فالحديث صحيحٌ. انتهى كلام ابن شاكر -﵀- . والغريب منه أنه تكلّم في الليث، وليس الكلام فيه، فإن الخلاف إنما جاء من ابن عجلان، فإنه الذي خالف ابن عيينة وغير واحد في روايتهم عن سُميّ، عن النعمان بن أبي عيّاش، مرسلًا، فرواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا، فالمخالف هو ابن عجلان، فأخطأ ابن شاكر، فدافع عن الليث الذي ليس هو المقصود في الإعلال، ومعلوم أن ابن عجلان مضطرب في حديث أبي هريرة -﵁-، فضعف وصل الحديث جاء من قبله، لا من قبل الليث، فتبصر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: ذكر في «الفتح»: أن الترمذيّ أخرج الحديث المذكور، ولم يقع في روايته: «إذا انفرجوا»، فترجَمَ له: «ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود»، فجَعَل محلّ الاستعانة بالرُّكَب لمن يرفع من السجود، طالبًا للقيام، واللفظ مُحْتَمِلٌ ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّن المراد. انتهى ما في «الفتح» . وتعقّب الشيخ أحمد محمد شاكر هذا الذي قاله في «الفتح»، فأجاد في ذلك، ونصّه: وهذا الذي قاله الحافظ، وقلّده فيه العينيّ في «عمدة القاري» يخالف ما بين أيدينا من نسخ الترمذيّ، فإن الزيادة التي تعين المراد موجودة هنا ، والعنوان الذي نسبه للترمذيّ غير ما ذُكر هنا ، فلعلّ النسخة التي كانت بيد الحافظ ابن حجر كانت غير صحيحة في هذا الموضع. انتهى كلام ابن شاكر -﵀-، وهو حسنٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): خصّ الفقهاء ما ذُكر من مشروعيّة التفريج بالرجال دون النساء، وقالوا: المرأة تضمّ بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التصوّن، والتجمّع والتستّر، وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود، هكذا قال ابن دقيق العيد -﵀-. ولأنه قد روى أبو داود في «المراسيل» عن يزيد بن أبي حبيب، أنه -ﷺ- مرّ على امرأتين، وهما تصلّيان، فقال: «إذا سجدتما، فضُمّا بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست كالرجل في ذلك»، رواه البيهقيّ من طريقين موصولتين، لكن في كلّ منها متروك، كما قال في «التلخيص الحبير»، ذكره الصنعانيّ في «حاشية العمدة» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الفرق بين الرجال والنساء محلّ توقّف؛ لأنه يحتاج إلى دليل صحيح صريح يعارض ما سبق من أحاديث الباب من أدلّة مجافاة اليدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين، ورفع المرفقين عن الأرض، فإنها تعمّ الرجال والنساء، وهي أحاديث كثيرة صحيحة، والحديث الذي استدلّوا به ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لإثبات الفرق بين الجنسين، ولا يَقْوَى لمعارضة تلك الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أن الرجال والنساء في ذلك سواء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ، حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ»، وَفى رِوَايَةِ اللَّيْثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و«جعفر» في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الضمير لعمرو بن الحارث والليث. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني إسناد جعفر الماضي، وهو: عن الأعرج، عن عبد اللَّه بن مالكٍ ابن بُحينة -﵁-. وقوله: (يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ) بضمّ حرف المضارعة، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة، من التجنيح، أي يفرّج بين يديه، ويجعلهما كجناحي الطائر المبسوطين، وهو بمعنى قوله في رواية بكر بن مضر الماضية: «فرّج بين يديه»، ورواية الليث التالية: «فرّج يديه عن إبطيه»، فالمراد أنه يجافي عضديه عن جنبيه. وقوله: (حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ) قال النوويّ -﵀-: هو بالنون في «نَرَى»،
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.

٢. راجع:«تحفة الأشراف»٦/ ٢٤٤ - ٢٤٨.

٣. «شرح النوويّ»٤/ ٢١٠.

٤. اعترضه الصنعانيّ، فقال: أي تاريخ ساق فيه الأنساب؛ ليُعرف أن هذا ليس أبًا لهذا، ولا ابنًا له، ونحو ذلك. انتهى.«العدّة»٢/ ٣٤١.

٥. «إحكام الأحكام» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

٦. راجع: «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل» ٢/ ١١٦ - ١١٨.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٤٦٥.

٨. «شرح السندي على النسائيّ»٢/ ٢١٢.

٩. «عمدة القاري»٤/ ١٨٢ - ١٨٣.

١٠. أراد به قوله في مادّة«إبل»: والإبل بناءٌ نادرٌ، قال سيبويه: لم يجئ على فِعِلٍ بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان: إبلٌ وحِبِرٌ، وهو الْقَلَح، ومن الصفات إلا حرف، وهي امرأة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك لم يثبُت نقلها عن سيبويه. انتهى.«المصباح»١/ ٢.

١١. راجع:«المصباح المنير»١/ ٢.

١٢. «القاموس المحيط» ٢/ ٣٤٩.

١٣. «تاج العروس» ٥/ ١٠٠.

١٤. راجع: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٠٣، و«الصغير» ٢/ ١٨ - ١٩، و«جامع الترمذيّ» (٢٨٦)، و«علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٩٠، و«علل الدارقطنيّ» ١٠/ ٨٥، والبيهقيّ في «السنن الكبرى» ٢/ ١١٧.

١٥. «العدّة حاشية العمدة» ٢/ ٣٤٣.

١٦. راجع: تعليق أحمد شاكر على «جامع الترمذيّ» ٢/ ٧٨.

١٧. ٢/ ٢٤٤.

١٨. يعني زيادة أبي داود قوله: «إذا انفرجوا».

١٩. إذ العنوان الموجود للترمذيّ: «باب ما جاء في الاعتماد في السجود»، وهو نصّ في المسألة، فتنبّه.

٢٠. «العدّة» ٢/ ٣٤٣.