HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٩٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة (قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ) عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ. وَلَا يبال من مر وراء ذلك».
ج ١ ص ٣٥٨
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٣٠٤
لإجماع من قبله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي . قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعواه الإجماع فيه نظر، فقد نقل ابن حزم عن الحسن بن حيّ أنه قال: التسليمتان معًا فرضٌ. والحاصل أن القول بفرضيّة التسليمتين هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٨) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٦] (٤٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٢ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الباهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ في روايته عن عكرمة اضطراب، وتغيّر بآخره [٤] (١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ فاضلٌ [٢] ويقال: وُلد في عهده -ﷺ- (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. ٤ - (أَبُوهُ) طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة، استُشهد أيّام الجمل (٣٦) وهو ابن (٦٣) تقدم في «الإيمان» سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. وشيوخه الثلاثة تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وسماك علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ، والصحابيّ مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا أبو الأحوص» إشارة إلى اختلاف صيغ أداء شيوخه؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وقد تقدّم بيان ذلك مفصّلًا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن قوله: «أبو الأحوص» تنازعه «أخبرنا»، و«حدّثنا»، فأعمل البصريون الثاني؛ لقربه، والكوفيّون الأول؛ لسبقه، كما تقدّم غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سماك، عن موسى، ورواية الابن، عن أبيه. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، وغاب عن بدر، فضرب له النبيّ -ﷺ- بسهمه وأجره، وشهد أُحُدًا، وأبلى فيه، فكان أبو بكر -﵁- إذا ذُكر يوم أحد يقول: ذاك يومٌ كلُّه لطلحة، وكانت يده شلاء؛ وقى بها النبيّ -ﷺ- فيه -﵁-، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ) طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا وَضَعَ) بالبناء للفاعل (أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه، وفي رواية أبي عوانة في»مسنده«من طريق زائدة، عن سماك:»ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم لْيُصلّ«. قال في«المرعاة»: وهذا مطلق، وقد ورد في حديث بلال -﵁- أن النبيّ -ﷺ- صلّى في الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فينبغي للمصلّي أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، وقال البغويّ: استَحَبّ أهل العلم الدنوّ من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنوّ منها. انتهى . أخرج الإمام أحمد، وأبو داود والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حَثْمَة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَة فَلْيَدْنُ منها، لا يقطعِ الشيطانُ عليه صلاته». (مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) بنصب «مثل» على المفعوليّة لـ «وَضَعَ»، أي يضع سُترةً مثلَها. قال النوويّ -﵀-: «الْمُؤْخِرة» -بضم الميم، وكسر الخاء، وهمزة ساكنة- ويقال: بفتح الخاء، مع فتح الهمزة، وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، ويقال: آخرة الرحل، بهمزة ممدودة، وكسر الخاء، فهذه أربع لغات، وهي العود الذي في آخر الرحل. انتهى . وعبارة «القاموس» و«شرحه»: والآخِرَةُ من الرَّحْلِ: خلاف قَادِمَتِهِ، وكذا من السرج، وهي التي يَستَنِدُ إليها الراكب، والجمع: الأواخرُ، وهذه أفصح اللغات، كما في «المصباح»، كآخِرِهِ، من غير تاءٍ، ومُؤَخَّره، كمُعَظَّم، ومُؤَخَّرته، بزيادة التاء، وتُكسر خاؤهما، مخفَّفَةً، ومُشَدَّدَةً، أمّا الْمُؤْخِرُّ، كمُؤْمِنٍ، فلغة قليلةٌ، وقد جاء في بعض روايات الحديث، وقد منع منها بعضهم، والتشديدُ مع الكسر أنكره ابن السِّكِّيتِ، وجعله في «المصباح» من اللحن. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل من مجموع ما سبق أن لآخرة الرحل ثماني لغات: آخرةٌ كقائمةٍ، وآخرٌ كقائمٍ، ومُؤَخَّرٌ، ومُؤَخَّرَةٌ، بصيغة اسم المفعول المضعَّف، كمُعَظَّمٍ ومُعَظَمَةٍ، وَمُؤَخِّرٌ، ومؤَخِّرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المضعّف، كمُعَلِّمٍ، ومُعَلِّمَةٍ، ومُؤْخِرٌ، ومُؤْخِرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المخفّف، كمُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وأفصحها آخرةٌ. ومعناه: العُودُ الذي يستند إليه الراكب من كُور البعير، قال الحافظ -﵀-: اعتبَرَ الفقهاء مُؤْخِر الرحل في مقدار أقلّ السترة، واختَلَفُوا في تقديرها، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع، وهو أشهر، لكن في مصنّف عبد الرزّاق عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع، وقال النوويّ: في هذا الحديث بيان أن أقلّ السترة مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصُل بأي شيء أقامه بين يديه، قال: وليس في هذا الحديث دليلٌ على بطلان الخطّ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن لم يدلّ على بطلان الخطّ إلا أن الخطّ لا يصحّ حديثه، فلا ينبغي أن يفعله المصلّي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي) بإثبات الياء، فـ «لا» نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، وفي بعض النسخ بحذف الياء، وعليه فـ «لا» ناهية، جُزم بها الفعل، والفاعل ضمير «أحدكم». قال الفيّوميّ -﵀-: وقولهم: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكْتَرِثُ له، ولم أبال، ولم أُبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصلُ باليَةً، مثلُ عافاه مُعافاةً وعافيةً، قالوا: ولا يُستعمل إلا مع الْجَحْد، والأصل فيه قولهم: تبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى «لا أبالي»: لا أُبادر إهمالًا له. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- . (مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ»)«من»موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة، والمعنى: لا يبالي المصلّي بمرور أحد وراء السترة، من المرأة، أو نحوها، ولا يلزمه دفعه، لإشارة، أو غيرها؛ لأنه لا يضرّه بقطع صلاته. ويحتمل أن يكون«مَنْ مَرّ»مرفوعًا على الفاعليّة لـ«يبالي»، والمعنى: أن مَن مرّ وراء تلك السترة، لا يبالي بذلك؛ لجواز ذلك له، فلا يلحقه به إثم. ولفظ أبي داود:«إذا جعلت بين يديك مثلَ مؤخرة الرَّحْل، فلا يضُرّ مَن مرّ بين يديك». قال في«المنهل»: قوله:«فلا يضرّ من مرّ بين يديك»، يعني لا ينقص من ثواب صلاتك من مرّ خلف السترة، حال صلاتك بخلاف من مرّ بينك وبينها، وأخبر -ﷺ- بنفي الضرر؛ لأنه قد فَعَلَ ما يُؤْذِنُ بأنه يصلّي، وهو وضعُ السترة، فالمراد بالضرر نقص الصلاة، وفيه إشعارٌ بأن من وضع السترة بين يديه لا ينقص من ثواب صلاته شيء بمرور من مرّ بين السترة والقبلة، ويحصُل النقص إذا لم يتّخذ سُترةً، وكذا إذا مَرّ المارّ بينه وبين السترة. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١١٦ و١١١٧] (٤٩٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٨٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٥)، و(ابن ماجه) فيها (٩٤٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٢٩٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٣١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٧٩ و٢٣٨٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٣٩٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٢٠٢ و١١٠٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢/ ١٤٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اتخاذ السترة للمصلّي. ٢ - (ومنها): بيان أقلّ مقدار الستّرة، وهو قدر مُؤخرة الرحل، قال النوويّ -﵀-: وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخِرَة الرَّحْل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأيّ شيء أقامه بين يديه هكذا، وشرط مالك: أن يكون في غلظ الرمح. قال: قال أصحابنا: ينبغي له أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاث أذرع، فإن لم يجد عصًا ونحوها، جمع أحجارًا أو ترابًا، أو متاعه، وإلا فليبسط مصلى، وإلا فليخطّ الخطّ، وإذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها، وكذا يمنع من المرور بينه وبين الخط، ويحرُم المرور بينه وبينها، فلو لم تكن له سترةٌ، أو تباعد عنها، فقيل: له منعه، والأصح أنه ليس له؛ لتقصيره، ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه، لكن يُكْره، ولو وجد الداخلُ فُرْجةً في الصف الأول، فله أن يَمُرّ بين يدي الصف الثاني، ويَقِف فيها؛ لتقصير أهل الصف الثاني بتركها، والمستحب أن يَجعل السترة عن يمينه أو شماله، ولا يصمُد لها؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند ضعيف، عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها، أنه قال: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صَلَّى إلى عَمُود، ولا عُود، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن والأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا . انتهى كلام النوويّ بزيادة . ٣ - (ومنها): بيان أن من صلّى إلى سترة لا يضرّ صلاته مرور من مرّ بينها وبين القبلة. ٤ - (ومنها): بيان أن من لم يتّخذ سترة تتضرّر صلاته بمرور المارّ، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك. ٥ - (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في مشروعيّة اتّخاذ الستة منع المرور بين يدي المصلّي، وقيل: كفّ النظر عما وراء السترة. قال الحافظ ابن رجب -﵀-: والأول أظهر، وأشبه بظواهر النصوص، والْعَنَزَة ونحوها لا تكفّ النظر. انتهى . ٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ القاضي عياض بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي، قال: وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد بن حنبل -﵀-، فهو ضعيف. واختُلِف فيه، فقيل: يكون مُقَوَّسًا، كهيئة المحراب، وقيل: قائمًا بين يدي المصلي إلى القبلة، وقيل: من جهة يمينه إلى شماله، قال: ولم يَرَ مالك -﵀-، ولا عامة الفقهاء الخطّ. انتهى كلام القاضي -﵀-. قال النوويّ -﵀-: وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضَعْفٌ، واضطرابٌ، واختَلَف قول الشافعيّ -﵀- فيه، فاستحبَّهُ في «سنن حرملة»، وفي القديم، ونفاه في البويطيّ، وقال جمهور أصحابه باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه القاضي عياض -﵀-، من أن الخطّ لا يكفي في السترة؛ لأن النبيّ -ﷺ- بَيَّنَ مقدار السترة المشروعة لَمّا سُئل عنها، فلو كان يكفي أقلّ من ذلك، كالخطّ لبينه، فاتّضح بذلك أن ما كان أقلّ من مؤخرة الرحل لا يُعتَبرُ سُترة شرعيّةً، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث الخطّ هو ما أخرجه أبو داود في «سننه»، فقال: (٦٨٩) حدّثنا مسدد، حدّثنا بشر بن المفضَّل، حدَّثنا إسماعيل بن أمية، حدَّثني أبو عمرو بن محمد بن حُريث، أنه سمع جدَّه حُريثًا يحدث عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا صَلَّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخطط خطًّا، ثم لا يضرّه ما مرَّ أمامه». وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه»، والبيهقيّ، وذكر أبو داود عن ابن عيينة قال: لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار ابن عيينة إلى ضعف هذا الحديث، وأنه لا متابع، ولا شاهد له يقؤيه، وكذا ضعّفه الشافعيّ، والبغويّ، وغيرهم. والحاصل أنه حديث ضعيف؛ لاضطرابه، ولجهالة أبي محمد بن عمرو بن حُريث، وجدّه، فلا يصلح للاحتجاج به. وأما ما ردّ به الحافظ قول ابن عيينة: «لم نجد شيئًا نشُدّ به هذا الحديث إلخ»، في «نكته على ابن الصلاح» (٢/ ٧٧٣) بأن الطبرانيّ! رواه من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وفي إسناده أبو هارون العبديّ، وهو ضعيف. انتهى. فمما لا يُلتَفَت إليه؛ لأن أبا هارون هذا لا يُعتبر به، ففي «التقريب»: عُمَارة بن جُوَين -مصغَّرًا- أبو هارون العبديّ مشهور بكنيته، متروكٌ، ومنهم من كذّبه، شيعيّ من الرابعة. انتهى. فكيف ساغ له أن يردّ برواية هذا المتروك، بل المكذّب قول ابن عيينة المذكور؟ إن هذا لشيء عجيب غريب من الحافظ، ومثلُ هذا أيضًا تحسينه هذا الحديث في «بلوغ المرام» ليس مما ينبغي. والحاصل أن حديث الخطّ لا يصحّ، ولا يثبت، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. وقد استوفيت البحث في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تجد علمًا جمًّا ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم اتّخاذ السترة: ذهب الأكثرون إلى استحباب اتّخاذها للمصلّي، وإن كان في فضاء. ورخّصت طائفة من العلماء لمن صلّى في فضاء أن يُصلّي إلى غير سترة، منهم الحسن، وعروة، وكان القاسم، وسالم يصلّيان في السفر إلى غير سترة، وروي عن الإمام أحمد نحوه، نقله عنه الأثرم وغيره، وهو أيضًا مذهب مالك. ورخّصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقًا، رُوي عن الشعبيّ، قال: لا بأس أن يصلّي إلى غير سترة، وقال ابن سيرين: قلتُ لعبيدة: ما يستر المصلّي، وما يَقطع الصلاة؟ قال: يسترها التقوى، ويقطعها الفجور، قال: فذكرته لشُرَيح، فقال: أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئًا، أخرجهما وكيع، ورَوَى بإسناده عن ابن مسعود -﵁- قال: من الجفاء أن يصلّي الرجل إلى غير سترة. قال ابن رجب -﵀-: وحيث تُستحبّ الصلاة إلى السترة، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد. ومنهم من قال: هي واجبة، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شُرِعت السترة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحقّ قول من قال: بوجوب اتّخاذ السترة مطلقًا، سواء صلّى في البيت، أو في الفضاء هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، قولًا وفعلًا. أما فعلًا فقد أخرج الشيخان وغيرهما أحاديث فعل النبيّ -ﷺ-، كما هو مذكور في أحاديث هذا الباب. وأما قولًا، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبّان في «صحيحيهما» عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تُصلِّ إلا إلى سُترة، ولا تَدَع أحدًا يمرّ بين يديك، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان» . وأخرج الحاكم عن سبرة بن معبد الْجُهنيّ -﵁- مرفوعًا: «ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم»، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأخرج أبو داود، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْنُ منها، ولا يَدَعْ أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان» . فقد صحّ أمره -ﷺ-، وهو للوجوب عند جمهور الأصوليين، وصحّ أيضًا فعلًا في الحضر والسفر، فالحقّ أن اتّخاذ السترة واجب مطلقًا. وأما الذين أجازوا الصلاة بلا سترة مطلقًا، أو في الفضاء، فتردّهم هذه الأحاديث الصحيحة قولًا وفعلًا، ويُمكن أن يُعتذر لهم بأنهم لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة، أو تأوّلوها بما لا يوافقهم فيه غيرهم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. وقد استوفيت البحث في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه ، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي، وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) هو: عمر بن عُبيد بن أبي أُمية الطَّنافسيّ -بفتح الطاء المهملة، والنون، وبعد الألف فاء مكسورة، ثم سين مهملة- الحنفيّ الإياديّ مولاهم، أبو حفص الكوفيّ، صدوقٌ [٨]. رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وسعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، والأعمش، ومنصور، وأشعث بن سُليم، وغيرهم. وروى عنه أخواه: يعلى، وإبراهيم، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعمرو الناقد، ومحمد بن سَلَام البِيكَنديّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: لم نُدرك بالكوفة أحدًا أكبر منه، ومن المطلب بن زياد، وقال ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال ابن سعد: كان شيخًا قديمًا ثقةً، وقال الدارقطنيّ: عمر، ويعلى، ومحمد، أولاد عُبيد كلهم ثقاتٌ، وأبوهم ثقةٌ، وكذا قال الإمام أحمد قبله، وقال عثمان الدارميّ: سألته -يعني ابن معين- عن يعلى، ومحمد؟ فقال: ثقتان، قلت: فعمر؟ قال: ثقةٌ، قلت: كأنه دونهما؟ قال: نعم، وقال العجليّ: عمر أخو يعلى ومحمد، وهو أسن منهما، وهو دونهما في الحديث، وكان صدوقًا، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال ابن سعد وغيره: مات سنة (١٨٥)، وقال ابن حبّان: مات سنة (٨٧) وكذا أَرَّخه خليفة، وهارون بن حاتم، وغير واحد، وقيل: مات سنة (٨)، وذكر ابن زَبْرٍ أنه ولد سنة (١٠٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٩٩)، وحديث (٢٠٤٩): «الكمأة من المنّ. . .». وشيخاه تقدّما في الباب الماضي، والباقون في السند الماضي. وقوله: (وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو؛ لأن الجملة الواقعة حالًا تارة تربط بالضمير، كجاء زيد يده على رأسه، وتارةً بالواو، كهذا الحديث، وتارةً بهما، كجاء زيد وهو يضحك، إلا المبدوءة بالمضارع المثبت، فإنها تربط بالضمير فقط، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ «جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ» وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا وقوله: (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي سألناه عن حكمه، هل الصلاة جائزة، أم لا؟.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١٥ - ٢١٦.

٢. وفي نسخة: «ولا بال» بحذف الياء.

٣. «المرعاة» ٢/ ٤٨٩.

٤. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١٦.

٥. «القاموس» مع شرحه «تاج العروس» ٣/ ٩.

٦. «المصباح المنير»١/ ٦٢.

٧. راجع «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٥/ ٧٧.

٨. أي لا يقصدها بالاستقبال، بل يميل إما يمنة، أو يسرة.

٩. «شرح النووي» ٤/ ٢١٧.

١٠. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٢٢.

١١. «شرح النووي» ٤/ ٢١٦ - ٢١٧.

١٢. «ذخيرة العقبى» ٩/ ١٧٢ - ١٧٧.

١٣. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٤/ ٢٢.

١٤. «صحيح ابن خزيمة» (٨٠٠)، و«صحيح ابن حبّان» (٢٣٦٢).

١٥. حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٦٩٧)، وابن ماجه (٩٥٤).

١٦. راجع: «ذخيرة العقبى» ٩/ ١٧٢ - ١٧٧.

١٧. وفي نسخة: «من مرّ».