HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٠١

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نافع، عن ابن عمر؛ إن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ. وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ في السفر. فمن ثم اتخذها الأمراء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص55
ج ١ ص ٣٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٣١٨
والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بفتح التاء، وضمّ الموحّدة، قال الفيّوميّ -﵀-: باكت الناقة تَبُوك بَوْكًا: سَمِنَتْ، فهي بائكٌ بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تبوك؛ لأن النبيّ -ﷺ- غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خاليةً عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة «تَبُوكَ» بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا ﵇. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٠] (٥٠١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير المذكور في السند الماضي. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة (بضع و١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات في أول سنة (٧٣) أو أول (٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٢ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، نظمتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ الْبَارِعِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدَّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُبيد اللَّه، وابن المثنّى بصريّ، والباقيان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- ذو مناقب جمّة، أحد المكثرين السبعة، كما تقدّم في الحديث الماضي، ومن أشدّ الناس اتّباعًا للأثر، ومن العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الحديث»: وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) أي لأجل أداء صلاة العيد في الصحراء؛ لأنه -ﷺ- يصلّي العيد خارج المسجد (أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ) أي أمر خادمه بحمل الحربة، وهي -بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء-: دون الرُّمح، عَريضة النَّصْل. وفي رواية للبخاريّ في «العيدين» من طريق الأوزاعيّ، عن نافع: «كان يغدو إلى المصلَّى، والْعَنَزَة تُحْمَل، وتُنْصَب بين يديه، فيصلي إليها»، زاد ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيليّ: «وذلك أن المصلَّى كان فَضَاءً، ليس فيه شيء يستره». (فَتُوضَعُ) أي تلك الحَرْبة (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمام النبيّ -ﷺ- (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) أي إلى تلك الحربة؛ لتستره عن المارّة، وفيه مشروعيّة اتّخاذ السترة للمصلّي، وفي تعبيره بـ «كان» دلالةٌ على أنه كان يلازم ذلك. (وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو والضمير، ويَحْتَمل أن يكون «الناس» معطوفًا على الفاعل الضمير؛ للفصل بالجارّ والمجرور، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَكَانَ) -ﷺ- (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي الأمر بالحربة، ونصبها بين يديه، والصلاة إليها، وذلك حيث لا يكون جدار هنا (فِي السَّفَرِ) أي في حال خروجه من بيته للغزو، أو للنسك، يعني أن حمل الحربة، ونصبها عند الصلاة ليس مختصًّا بيوم العيد (فَمِنْ ثَمَّ) -بفتح الثاء المثلّثة، وتشديد الميم- أي من أجل ذلك (اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ) أي أمر الأمراء خَدَمهم باتّخاذ الحربة، يُخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه، والضمير في «اتَّخذها» يَحْتَمِل عوده إلى الحربة التي اتّخذها النبيّ -ﷺ-، يعني أن الأمراء كانوا يداولونها واحدًا بعد واحد، ويَحْتَمِلُ أن يعود إلى جنس الحربة، فيكون فيه استخدام . [تنبيه]: اختُلف في الحربة التي كان يضعها النبيّ -ﷺ- أمامه للصلاة، فقيل: هي التي أهداها له النجاشيّ، فقد رَوَى عُمَر بن شَبَّة في «أخبار المدينة» من حديث سعد القَرَظ: أن النجاشيّ أهدى إلى النبيّ -ﷺ- حربةً، فأمسكها لنفسه، فهي التي يُمْشَى بها مع الإمام يوم العيد. وقيل: كانت لرجل من المشركين، يدلّ عليه ما رُوي من طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبيّ -ﷺ- كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوّام -﵁- يوم أُحُد، فأخذها منه النبيّ -ﷺ-، فكان يَنصِبها بين يديه إذا صلى. ويَحَتَمِل الجمع بأن عَنَزَة الزبير كانت أوّلًا قبل حربة النجاشيّ، أفاده في «الفتح» . [تنبيه آخر]: أخرج الإمام ابن ماجه حديث الباب، فجعل قوله: «فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء» من قول نافع، ونصّه: (١٣٠٥) حدّثنا سُوَيد بن سعيد، حدّثنا عليّ بن مُسهِر، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا صلى يوم عيد، أو غيره، نُصِبت الْحَرْبة بين يديه، فيصلي إليها، والناس من خلفه، قال نافع: فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء انتهى. قال في «الفتح»: هذه الجملة الأخيرة -يعني قوله: «فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء»- فَصَلَها عليّ بن مُسْهِر من حديث ابن عمر -﵄-، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحته في «كتاب المدرج». انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٠ و١١٢١] (٥٠١)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٩٤ و٤٩٨ و٩٧٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٨٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٦٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٣ و١٨ و٩٨ و١٠٦ و١٤٥ و١٥١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٩٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٠٦ و١٤٠٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٠٦ و١١٠٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اتّخاذ السترة للصلاة. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الاحتياط، وأخذ آلة دفع الأعداء، ولا سِيَّما في السفر. ٣ - (ومنها): جواز الاستخدام، وأمر الخادم بنصب السترة، ونحو ذلك. ٤ - (ومنها): أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال في «العمدة»: وادّعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطّال ، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ في «صحيحه»، فقال: «بابُ سترة الإمام سترة من خلفه»، فأورد أحاديث ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي جحيفة -﵃- المذكورة في هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٥ - (ومنها): استحباب اتّخاذ الْحَربة في السفر؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، كما اتّخذها الأمراء من بعده، لكن قال الحافظ ابن رجب -﵀- ما نصّه: وما ذُكر في حديث ابن عمر -﵄- من اتّخاذ الأمراء لها، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتّخذوها تعاظمًا وكبرًا، ولم يتّخذوها لأجل الصلاة، كما كان النبيّ -ﷺ- يتّخذها للصلاة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال ابن رجب -﵀-، وهو على إطلاقه محلّ نظر، فإن الأمراء فيهم أهل خير وصلاح، ومن يريد الخير واتّباع السنّة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): «مشروعيّة اتّخاذ السترة لمن يُصلّي في الفضاء، قال ابن قُدامة -﵀-: يُسْتَحبّ للمصلي أن يصلي إلى سترة، فإن كان في مسجد، أو بيت صلى إلى الحائط، أو سارية، وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين يديه، أو نَصَب بين يديه حَرْبةً، أو عصى، أو عَرَض البعير، فصلى إليه، أو جعل رَحْله بين يديه، وسئل أحمد: يصلي الراحل إلى سترة في الحضر والسفر؟ قال: نعم، مثل مؤخرة الرحل، ولا نعلم في استحباب ذلك خلافًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ترجيح القول بوجوب اتّخاذ السترة، لقوّة أدلّته، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح حديث طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل سترة الإمام سترة لمن خلفه أم لا؟: قال ابن قُدامة -﵀- ما حاصله: سترة الإمام سترة لمن خلفه، نَصّ على هذا أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، كذلك قال ابن المنذر، وقال الترمذيّ: قال أهل العلم: سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال أبو الزناد: كلُّ من أدركت من فقهاء المدينة الذين يُنْتَهَى إلى قولهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وسليمان بن يسار، وغيرهم يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه. ورُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وغيرهم. وذلك لأن النبيّ -ﷺ- «صَلَّى إلى سترة»، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، وفي حديث ابن عباس -﵄- قال: «أقبلت راكبًا على حمارٍ أَتَانٍ، والنبيّ -ﷺ- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان تَرْتَع، فدخلت في الصفّ، فلم يُنْكِر عليّ أحدٌ»، متّفقٌ عليه. ومعنى قولهم: سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، أنه متى لم يَحُلْ بين الإمام وسترته شيء، يقطع الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، لا يضرُّها مرور شيء بين أيديهم في بعض الصفّ، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مَرّ ما يَقطَع الصلاة بين الإمام وسترته، قَطَع صلاته وصلاتهم، وقد دلّ على هذا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هَبَطنا مع النبيّ -ﷺ- من ثَنِيّة أَذَاخِر، فحضرت الصلاة، يعني فصلَّى إلى جدار، فاتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بَهْمَةٌ تمرّ بين يديه، فما زال يُدارؤها حتى لَصِقَ بطنه بالجدار، ومرّت من ورائه» . فلولا أن سترته سترةٌ لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرقٌ. انتهى كلام ابن قُدامة -﵀-. وقال الإمام ابن رجب -﵀- ما ملخّصه: قول جمهور العلماء أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، وأحمد. انتهى. ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك. قال: ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه أن المأمومين لا يُشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم، وأنه لا يضرّهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمرّ بين يدي إمامهم، ويدلّ على ذلك أيضًا ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هبطنا مع النبيّ -ﷺ-. . . فذكر الحديث الماضي، قال: وهذا يدلّ على أن المرور بين الإمام وسترته محذورٌ بخلاف المرور بين يدي من خلفه إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، ففيه قولان: أحدهما: أنه منهيّ عنه أيضًا، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم. والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، قال: وذكر ابن عبد البرّ في «التمهيد» أن المأموم لا يدفع من مرّ بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وذكر في «الاستذكار» أن مالكًا يرخّص في ذلك لمن لم يجد منه بُدًّا، وأن غيره لا يرى به بأسًا، يعني بكلّ حال، سواء اضطرّ إليه أو لا؛ لحديث ابن عبّاس -﵄-، قال: وقد قدّمنا أن الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمامَ الصفّ كالماشي خلفه دون صفّ. قال: وحكي عن أحمد أن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عَرْضًا بين الصفوف حتى يقوم فيها، قال: وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورةً. وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين، فروى الْجُوزَجانيّ وغيره من طريق ابن سيرين أنه بلغه أن الحكم الغفاريّ أمّ جيشًا، وأنه كان بين يديه رُمحٌ، فمرّ به ما يقطع الصلاة، فأعاد بالقوم الصلاة، فلما انصرف ذُكر ذلك له، فقال: أوَ لم تروا إلى ما مرّ بين أيدينا؛ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامّة، قال ابن المنذر في كتابه الكبير: ورُوي عن عطاء نحوه. وروى عُمر بن شَبّة في كتاب «أخبار قضاة البصرة» بسنده عن يونس، قال: كان موسى بن أنس يصلّي بالناس في صحن المسجد، فكان كلبٌ يمرّ بين أيديهم، فسألوا الحسن؟ فقال: أما الإمام، ومن كان إلى سارية، ومن كان خلف الصفّ، فلا يُعيد، ومن كان بين السواري فليُعد. انتهى مختصر كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض أقوال العلماء، وأدلتهم أن الأرجح أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما هو مذهب الجمهور، ومذهب الإمام البخاريّ أيضًا، فقد ترجم عليه في «صحيحه»، فقال: «باب سترة الإمام سترة لمن خلفه»؛ وذلك لقوّة حجته، كحديث مرور ابن عبّاس -﵄- بين يدي بعض الصفّ راكبًا أتانًا، ولم يُنكر ذلك عليه، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه -﵁- المتقدّم. والحاصل أن سترة الإمام سترة لمن خلفه من الصفوف، فلا يضرّهم مَن مرّ بين أيديهم إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢١ (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَرْكُزُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ الْعَنَزَةَ، وَيُصَلِّي إِلَيْهَا، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَهِيَ الْحَرْبَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. والباقون تقدّموا في الباب، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير. وقوله: (كَانَ يَرْكُزُ) بضمّ الكاف، وكسرها، يقال: رَكَز الرمحَ يَرْكُزُهُ وَيَرْكِزُهُ رَكْزًا، من بابي نصر وضرب: غَرزه وأثبته في الأرض، والْمَرْكِز وزانُ مَسْجِدٍ، وتفتح الكاف أيضًا: موضع الثبوت . وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته بدل قول ابن نُمير: «يركز»: «يغرز» مضارع غَرَزَ، يقال: غَرَزَه غَرْزًا، من باب ضرب: أثبته بالأرض، وأغرزته بالألف لغة، قاله الفيّوميّ . وقوله: (الْعَنَزَةَ) بالنصب على المفعوليّة، تنازعه «يركز»، و«يغرِز»، وهي بفتحتين: عصًا أقصر من الرمح، ولها زُجٌّ من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَاتٌ، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ وقَصَبَات . وقوله: (وَهِيَ الْحَرْبَةُ) يعني أن الْعَنَزة هي الحربة، قال في «القاموس»: الْحَرْبَةُ: الأَلَّةُ، جمعها حِرَابٌ ، وقال في مادّة «أَلّ» ما حاصله: الأَلّةُ: الْحَرْبَةُ الْعَرِيضة النّصْلِ، جمعها أَلّ. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «المصباح المنير» ١/ ٦٦.

٢. راجع: «المنهل العذب المورود» ٥/ ٧٨.

٣. «الفتح» ١/ ٦٨٣.

٤. «الفتح» ١/ ٦٨٣.

٥. »عمدة القاري«٤/ ٤٠٤.

٦. »فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٤/ ٢١.

٧. «المغني» لابن قُدامة -﵀- ٢/ ٦٦ - ٦٧.

٨. حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٧٠٨).

٩. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ١٢ - ١٨.

١٠. راجع: «المصباح»، و«القاموس»، و«اللسان» في مادّة «ركز».

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٥.

١٢. «المصباح» ٢/ ٤٣٢.

١٣. «القاموس المحيط» ١/ ٥٣.

١٤. راجع: «القاموس» ٣/ ٣٣٠.