HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٣٢٧
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٢] (٥٠٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي إِلَيْهَا »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ مجتهدٌ، رأس [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. والباقون تقدّموا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه أحد الأئمة الأربعة، وإمام السنة، ورأس المحدثين أحمد بن حنبل -﵀-، وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب نحو تسعة عشر حديثًا، وقد تقدّم له قبل هذا حديثان، برقم (١٦٦) و(٢١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّم قبله، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- («أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْرِضُ) بفتح الياء، وكسر الراء، ورُوي بضم الياء، وتشديد الراء، ومعناه: يجعلها معترضة بينه وبين القبلة، قاله النوويّ -﵀- . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قوله:«يعرض راحلته»-بكسر الراء-: أي يُنيخها معترضةً بينه وبين جهة القبلة، وفيه لغة أخرى«يَعْرُضُ»بضمّ الراء، ذكرها صاحب«كشف المشكل». انتهى كلام ابن رجب -﵀- . وفي بعض النسخ:«يُعَرِّض»مضبوطًا بالقلم بضمّ أوله، وكسر رائه المشدّدة، من التعريض، أي يجعلها عَرْضًا، وهذا هو الذي ذكره في«الفتح»، و«العمدة». وقوله: (رَاحِلَتَهُ) بالنصب على المفعوليّة، قال الفيّوميّ -﵀-: الراحلة: الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أُنثى، وبعضهم يقول: الراحلةُ: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَوَاحلُ، ورَحَلْتُ البعيرَ رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددتُ عليه رَحْلَهُ، وأرحلتُ فلانًا بالألف: أعطيته راحلةً. انتهى بتصرّف . وقوله: (وَهُوَ يُصَلّي إِلَيْهَا») يحتمل أنها جملة معطوفة على جملة «يعرض»، ويَحْتَمِل أن تكون في محلّ نصب على الحال، وهي من الحال المقدّرة، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي مقدّرين الخلود؛ لأن الخلود لا يكون إلا بعد الدخول، والمعنى هنا أنه يعرض راحلته، مُقَدّرًا الصلاة إليها. وفي بعض النسخ: «ويصلي إليها»، بحذف «هو»، فيكون معطوفًا على «يعرض»، وفي رواية البخاريّ: «فيُصلّي إليها» بالفاء. [تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال: (٥٠٧) حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، حدّثنا معتمر، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يعرض راحلته، فيصلي إليها، قلت: أفرأيت إذا هَبَّت الركاب؟ قال: كان يأخذ هذا الرحل، فَيُعَدِّله، فيصلي إلى آخرته، أو قال: مُؤَخَّره، وكان ابن عمر يفعله. انتهى. وقوله: «هبّت الركاب» معناه: قامت الإبل للسير، قاله الهرويّ وغيره، ويقال للنائم إذا قام من النوم: هبّ من منامه. والمراد إذا لم يكن عنده إبل باركةٌ يستتر بها. وقال الخطّابيّ: هَبّت: أي هاجت، يقال: هبّ الفحل هَبِيبًا: إذا هاج، قال: يريد أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ، ولن تقرّ، فتفسد على المصلّي إليها صلاته. قال ابن رجب: وهذا الذي قاله في غاية البعد، وإن كان محتملًا في اللفظ، فليس هو المراد في الحديث. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أنه لا بُعد فيما قاله الخطّابيّ، وهو الذي اعتمده الحافظ في «الفتح»، والعينيّ في «العمدة»، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: «يأخذ الرحل»: رحلُ البعير هو ما على ظهره مما يُركب عليه، والراحلة هي ما يرتحله الرجل، أي يركبه في ارتحاله، بعيرًا كان، أو ناقةً، قاله الأزهريّ وغيره، ومنه قوله -ﷺ-: «تجدون الناس كإبلٍ مائةٍ، لا يجد الرجل فيها راحلةً»، متّفقٌ عليه. وقوله: «فيعدله» بفتح الياء، وكسر الدال، قال الخطّابيّ: أي يقيمه تلقاء وجهه. و«آخرة الرحل» بكسر الخاء: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل، وقد سبق الخلاف في تقديرها، هل هي ذراعٌ تامّ بالذراع الذي يُذرع به، أو ذراع بعظم الإنسان، وهو نحو ثلثي ذراع مما يُذرع به؟ ذكره ابن رجب -﵀-. وقال الحافظ -﵀-: اعتَبَر الفقهاء مُؤَخَّرة الرحل في مقدارِ أقلِّ السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراغ، وهو أشهر، لكن في «مصنف عبد الرزاق»، عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «قلتُ: أفرأيت» ظاهره أنه كلام نافع، والمسؤول ابن عمر، لكن بَيّن الإسماعيليّ من طريق عَبِيدة بن حُميد، عن عبيد اللَّه بن عمر، أنه كلام عبيد اللَّه، والمسئول نافع، فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل «يأخذ» هو النبيّ -ﷺ-، ولم يدركه نافع. وقوله: «هَبّت الركاب» أي هاجت الإبل، يقال: هَبّ الفحل: إذا هاج، وهَبّ البعير في السير: إذا نَشِطَ، و«الرِّكَاب»: الإبل التي يُسار عليها، ولا وأحد لها من لفظها، والمعنى: أن الإبل إذا هاجت شَوَّشت على المصلي؛ لعدم استقرارها، فَيَعْدِل عنها إلى الرحل، فيجعله سُترةً. وقوله: «فيعدله» -بفتح أوله، وسكون العين، وكسر الدال- أي يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد. وقوله: «إلى أَخَرَته» بفتحات، بلا مدّ، ويجوز المدّ، و«مؤخرته» بضم أوله، ثم همزة ساكنة، وأما الخاء فجزم أبو عبيد بكسرها، وجوَّز الفتح، وأنكر ابن قتيبة الفتحَ، وعَكَس ذلك ابن مكيّ، فقال: لا يقال: مُقْدِمٌ، ومُؤْخِرٌ بالكسر إلا في العين خاصّةً، وأما في غيرها فيقال بالفتح فقط، ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء، والمراد بها العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٢ و١١٢٣] (٥٠٢)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٥٠٧)، و(أبو داود) فيها (٦٩٢)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣ و٢٦ و١٠٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٠١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٦٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٣٤٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤١٤ و١٤١٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٠٨ و١١٠٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية اتّخاذ السترة للصلاة إليها. ٢ - (ومنها): جواز الصلاة إلى الحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف الصلاة في أعطان الإبل، فإنها مكروهة؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك؛ لأنه يُخاف هناك نُفورها، فيذهب الخشوع، بخلاف هذا، قاله النوويّ -﵀- . ٣ - (ومنها): مشروعية الاستتار برَحْلِ الراحلة، قال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد تبيّن بهذا الحديث جواز الاستتار بالراحلة، وبالبعير، سواء كان مرتحلًا، أو غير مرتحل، اللَّهمّ إلا أن يكون غيرُ المرتحل هائجًا، فيُخشى من هَيَجانه إفساد الصلاة على من يُصلّي إليه، كما ذكره الخطّابيّ. انتهى . وقال القرطبي -﵀-: في هذا الحديث دليل على جواز التستر بما يستقر من الحيوان، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها، وإما لأنهم كانوا يَتَخَلَّون بينها، مستترين بها. انتهى. وقال غيره: علة النهي عن ذلك كون الإبل خُلِقت من الشياطين، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «صَلُّوا في مَرَابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلِقت من الشياطين». قال في «الفتح»: فيُحْمَل ما وقع منه في السفر من الصلاة إليها على حالة الضرورة، ونظيره صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة؛ لكون البيت كان ضَيّقًا، وعلى هذا فقول الشافعيّ في البويطيّ: لا يستتر بامرأة ولا دابة، أي في حال الاختيار. ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد اللَّه بن دينار، أن ابن عمر -﵄- كان يَكْره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رَحْلٌ، وكأن الحكمة في ذلك
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة:«يُعَرِّض»بضم أوله، وتشديد الراء.

٢. وفي نسخة:«ويصلّي إليها».

٣. «شرح النوويّ»٤/ ٢١٨.

٤. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٦٨.

٥. ١/ ٦٩١.

٦. «عمدة القاري» ٤/ ٤١٩.

٧. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.

٨. «فتح الباري» لابن رجب -﵀٤/ ٦٨ - ٧٠، و«فتح الباري» لابن حجر -﵀- ١/ ٦٩٢.

٩. «الفتح» ١/ ٦٩١ - ٦٩٢.

١٠. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١٨.

١١. «فتح الباري» ٤/ ٧٠.