مصابيح، لقبضت رجليّ عند إرادته السجود، ولَمَا أحوجته إلى غَمْزي .
[فإن قيل]: قد جعلتم أن قولها «يومئذ» المراد به الحين والزمن، فَيَحَتِمل أن تريد بذلك الوقت صلاته -ﷺ- من آخر الليل، لا كلَّ الليل، وإنما كانوا يطفئون مصابيحهم عند النوم، كقوله -ﷺ- في حديث جابر -﵁- في «الصحيح»: «وأطفئوا مصابيحكم»، فإنما هو عند النوم، وقد ورد أن النبيّ -ﷺ- كان لا يجلس في بيت مُظْلِم حتى يوقد له، وفي «الصحيحين» أيضًا من حديث أبي هريرة -﵁- في قصة الأنصاريّ الذي نزلت فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية أنه قال لامرأته: «وتَعَالي، فأطفئي السراج»، فدلّ ذلك على أنهم كانت لهم مصابيح في بيوتهم، في زمن النبيّ -ﷺ- غير أنها كانت تطفأ عند النوم.
[والجواب]: أن هذا وإن كان مُحْتَمِلًا إلا أن قولها: «ليس فيها مصابيح» ظاهر في مطلق النفي، وإن حدثت بعد ذلك في زمنه -ﷺ-، ويدلّ على ذلك قول عائشة -﵂- في بعض طرقه إذ سئلت عن ذلك: «لو كان لنا مصباح لأكلناه»، وأما كونه -ﷺ- لا يقعد في بيت مظلم، فهذا حديث لا يَثْبُت، وقد ضعفه ابن حبان -﵀-، قاله في «الطرح»، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥١] (٥١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، جَمِيعًا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في السند الماضي.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عُمر الْكِلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها، وله نحو (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٣٩.
٥ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٩.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، ثقةٌ فقيه، من كبار [٢] مات مقتولًا سنة (٨١) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ١/ ٦٨٧.
٧ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في «الحيض» ١/ ٦٨٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء باختلاف كيفيّة التحمّل، كما بيّنته قريبًا.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وهو: يحيى، وواسطيين، وهما: خالد، وعبّاد، وكوفيين، وهما: أبو بكر، والشيبانيّ، ومدنيين، وهما الباقيان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الشيبانيّ، عن عبد اللَّه بن شدّاد.
٥ - (ومنها): أن صحابيّته -﵂- ذات مناقب جمّة، هي أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ -ﷺ- سنة سبعة، بسرف، وماتت بها سنة (٥١)، ودُفنت في الظلّة التي بها النبيّ -ﷺ-، وهذا من أغرب ما اتّفق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ أنه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ) بنت الحارث -﵂- (زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) تقدّم أن الأفصح في الزوج أنه يُطلق على الرجل
والمرأة، وقد جاء به القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وهي لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون للمرأة: زوجة بالهاء (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، و«الحذاء بالكسر: إزاؤه، وصرت بجنبه، يقال: حذوته أحذوه حَذْوًا، وحاذيته مُحاذاةً، وحِذَاءً، من باب قاتل: إذا وازيته، وقولها: (وَأَنَا حَائِضٌ) جملة حاليّة أيضًا، فهما إما متداخلان، أو مترادفان، و»الحائض«بلا هاء أفصح من الحائضة؛ لأنه وصف خاصّ بالمرأة، فلا يَحتاج إلى الفرق بالهاء (وَرُبَّمَا) بضمّ الراء، وتشديد الموحّدة، وفيها لغات، تُستعمل للتقليل قليلًا، وللتكثير كثيرًا، وقيل: بالعكس، وقال في»القاموس«: ورُبَّ، ورُبَّةَ، ورُبَّمَا، ورُبَّتَمَا، بضمّهنّ، مشدَّداتٍ، ومُخَفّفَاتٍ، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفَّفةً، ورُبْ كَمُذْ: حرفٌ خافضٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليلٍ، أو تكثيرٍ، أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليلٍ ولا لتكثير، بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى .
(أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ) زاد في الرواية الآتية في«كتاب المساجد: »وكان يصلي على خمرة«، قال في »الفتح«: والخمرة -بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم- قال الطبريّ: هو مُصَلًّى صغيرٌ، يُعْمَل من سَعَف النخل، سُمِّيت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين، من حَرِّ الأرض وبردها، فإن كانت كبيرةً سُمِّيت حصيرًا، وكذا قال الأزهريّ في »تهذيبه«، وصاحبه أبو عُبيد الهرويّ، وجماعةٌ بعدهم، وزاد في »النهاية«: ولا تكون خُمْرَةً إلا في هذا المقدار، قال: وسُمِّيت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسَعَفها، وقال الخطابيّ: هي السَّجّادة يَسجُد عليها المصلي، ثم ذَكَر حديث ابن عباس -﵄- في الفأرة التي جَرَّت الفتيلة حتى ألقتها على الْخُمْرة التي كان النبيّ -ﷺ- قاعدًا عليها. . . الحديث، قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، قال: وسُمِّيت خمرةً؛ لأنها تُغَطِّي الوجه. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة -﵂- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ١١٥١] (٥١٣)، وسيأتي في «كتاب المساجد» بنفس السند والمتن، إلا أنه زاد: «وكان يصلي على خمرة»، و(البخاريّ) في «الحيض» (٣٣٣) و«الصلاة» (٣٧٩ و٥١٧ و٥١٨)، و(أبو داود) فيها (٦٥٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٥٧) و«الكبرى» في «كتاب المساجد» (١/ ٢٦٨)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٨ و١٠٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٦٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٢٦ و١٤٢٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٣٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، قال النوويّ -﵀-: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب العينيّ قول النووي هذا، ومثله ما يأتي عن القاضي عياض بأن هذا ذهول عن مذهب الحنفيّة، فإنهم إنما يقولون ببطلان الصلاة في محاذاة المرأة إذا كانت مشتركة في الصلاة، وميمونة -﵂- هنا حائض لا تصليّ، فتنبّه.
وقال القاضي عياض -﵀-: فيه دليلٌ على أن محاذاة المرأة في الصلاة المصليَ لا تفسد صلاته، سواء كانت في صلاته أم لا؛ خلافًا لأبي حنيفة في أن صلاة المحاذي من الرجال تفسد، وحجته نهي النبيّ -ﷺ- عن صلاة الرجل إلى جانب المرأة، والمرأة إلى جانب الرجل، وقوله: «أخّروهنّ من حيث أخّرهن اللَّه»، قال: وكلُّ هذا عندنا محمول على التحضيض والندب، لا على الإيجاب، ومن الغريب أنهم فرّقوا بين الرجل والمرأة في فساد صلاتهما، فأجازوا صلاتها، وأفسدوا صلاته، والنهي فيهما سواء، والمعنى واحد. انتهى كلام القاضي بتصرّف .