[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة هذه ساقها هو في «مصنّفه» (٦/ ٣٠٣) فقال:
(٣١٦٤٢) حدّثنا هشيم، أخبرنا سيّار، أخبرنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد اللَّه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «أُعطيت خمسًا، لم يعطهن أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأُحِلَت لي الغنائم، ولم تَحَلَّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّةً، وبُعِثت إلى الناس عامّة». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٠] (٥٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ»، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل) بن غَزْوَان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِي) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠.
٤ - (رِبْعِي) بن حِرَاش العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٥٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي، وأبو مالك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن السابقين الأولين، وفي «صحيح مسلم» أنه -ﷺ- أعلمه بما كان وبما يكون إلى قيام الساعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فُضِّلْنَا) بالبناء للمفعول، أي فضّلنا اللَّه تعالى (عَلَى النَّاسِ) أي على سائر الأمم (بِثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، وإنما ذكّر العدد؛ لما سبق غير مرّة أن قاعدة تأنيث العدد مع المذكّر، وتذكيرها مع المؤنّث إنما يجب إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا حُذف كهذا الحديث، وكحديث:»من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوّال«، أو قُدّم، كرجل خمسة فيجوز الوجهان. (جُعِلَتْ صُفُوفُنَا) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وهذه إحدى الخصال الثلاث (كصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) وقد تقدّم تفسير صفوف الملائكة في حديث جابر بن سمرة -﵁- قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر الحديث، وفيه: فقال:»ألا تَصُفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟ «، فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال:»يُتِمُّون الصفوف الأول، ويتراصون في الصّفّ«.
(وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) بضمّ، فسكون: لغة في التراب (لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ») فيه بيان أن التيمّم لا يجوز إلا عند فقد الماء، ومثله تعذّر استعماله؛ لمرض، أو غيره (وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى) الظاهر أن قائل «ذَكَرَ» هو محمد بن فُضيل، وفاعله ضمير أبي مالك، يعني أن أبا مالك الأشجعي ذَكر في روايته خصلة أخرى ثالثة، نسيتها الآن.
[تنبيه]: قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: المذكور هنا خصلتان فقط؛ لأن قضيّة الأرض في كونها مسجدًا وطَهُورًا خصلة واحدة، وأما الثالثة فمحذوفة في رواية المصنّف هنا، وذكرها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال:
(٢٢٧٤٠) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن ربعيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: فُضِّلت هذه الأمة على سائر الأمم بثلاث: جُعِلت لها الأرض طَهُورًا ومسجدًا، وجُعلت صفوفها على صفوف الملائكة، قال: كان النبيّ -ﷺ- يقول ذا: «وأعطيت هذه الآيات من آخر البقرة، من كنز تحت العرش، لم يُعطَها نبيّ قبلي»، قال أبو معاوية: كلُّه عن النبيّ -ﷺ-. انتهى.
وساقها أيضًا الإمام النسائيّ في «السنن الكبرى» (٥/ ١٥)، فقال:
(٨٠٢٢) أخبرنا عمرو بن منصور، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن رِبْعِيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت الأرض كلها لنا مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طُهورًا، وجُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأُوتيت هؤلاء الآيات، آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَ أحدٌ منه قبلي، ولا يُعْطى منه أحد بعدي». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٠١ و١١٧١] (٥٢٢)، و(النسائيّ) في «السنن الكبرى» (٥/ ١٥) رقم (٨٠٢٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٤١٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٤٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٣ و٢٦٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٩٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٧٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٥٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢١٣ و٢٢٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.