HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٢

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ) (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. ولو كنت متخذ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ. أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص67
ج ١ ص ٣٧٧

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٥٠
من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته، وفي الوقت الذي اشتدّ به النزع. ٣ - (ومنها): بيان اشتداد مرضه -ﷺ-، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة -﵂- قالت: «ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللَّه -ﷺ-». متّفقٌ عليه. وعن عائشة -﵂- أيضًا، قالت: «إن رسول اللَّه -ﷺ- كان بين يديه رَكْوة، أو عُلْبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبِض، ومالت يده»، متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة لعن اليهود والنصارى؛ لانحرافهم عن دينهم، وعما أنزل اللَّه تعالى عليهم، حتى عَبَدُوا قبور الأنبياء، والصالحين من دون اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [التوبة: ٣١]. ٥ - (ومنها): أن من فعل مثل ما فعلته اليهود والنصارى استحقّ اللعن والطرد من رحمة اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١١٩٣] (٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٨. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصلت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (بخ م مد ت س ق) تقدّم في«المقدّمة»٦/ ٨٨. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في«المقدّمة»٢/ ٩٦. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجزريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في«المقدّمة»٦/ ٩٦. ٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في«الإيمان»٨٥/ ٤٥٢. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيُّ) الزُّبيديّ الكوفيّ المعروف بالمكتب، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن مسعود، وجندب بن عبد اللَّه البجليّ، وطَلِيق بن قيس، وأبي كثير الزُّبيديّ، وغيرهم. ورَوى عنه عمرو بن مُرّة، وحميد بن عطاء الأعرج، وأبو سنان ضِرَار بن مرة، والمغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في«الثقات». أخرج له البخاريّ في«الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٨ - (جُنْدَب) بن عبد اللَّه بن سُفيان الْبَجَليّ، ثُمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد اللَّه، وربّما نُسب لجدّه، صحابيّ، مات بعد الستين (ع) تقدم في«الإيمان»٤٣/ ٢٨٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل ببيان صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، كما سبق بيانه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله:«واللفظ له»وقد سبق بيانه غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ) بفتح النون، وسكون الجيم: نسبة إلى نَجْران: ناحية بين اليمن وهَجَر، قاله في«اللباب»، وقال في«المصباح»: نَجْرانُ: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نَجْران بن زيد بن يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَحْطان. انتهى . (قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ) -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وتُضمّ- ابن عبد اللَّه بن سفيان -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ) أي خمس ليال، وهذا فيه بيان أن هذا الكلام من أواخر ما تكلّم به النبيّ -ﷺ-، فكأنه -ﷺ- عَلِمَ أنه مرتحل عن الدنيا بذلك المرض، فخاف على أمته أن تُعظّم قبره، وتقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، فحذّرها عن ذلك (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من المفعول («إِنِّي أَبْرَأُ) بفتح أوله وثالثه، مضارع بَرِئَ، من باب تَعِبَ، ونَدَر كونه من باب نصرَ، قال في»القاموس«: وبَرِئَ من الأمر يَبْرَأُ، ويَبْرُؤُ -نادرٌ- بَرَاءً وبراءةً، وبُرُوءًا: تبرّأ. انتهى . قال النوويّ -﵀-: معنى«أبرأ»: أي أمتنع من هذا، وأنكره، وقال القاضي عياض -﵀-: أي أبعُد عن هذا، وأنقطع عنه، ولا أتّصل به. انتهى . وقوله: (إِلَى اللَّهِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كوني منقطعًا إلى اللَّه تعالى من غيره. (أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ) الخليل: هو المنقَطَعُ إليه، وقيل: المختص بشيء دون غيره، قيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة -بفتح الخاء-: وهي الحاجة، وقيل: من الْخُلّة -بضم الخاء-: وهي تخلل المودّة في القلب، فنفى -ﷺ- أن تكون حاجته، وانقطاعه إلى غير اللَّه تعالى، وقيل: الخليل من لا يَتَّسِع القلب لغيره، قاله النوويّ -﵀- . وقال ابن الأثير -﵀-: الْخُلّة بالضم: الصداقة، والمحبة التي تخلَّلت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه، والخليل: الصديق، فَعِيلٌ بمعنى مُفَاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال -ﷺ- ذلك؛ لأن خُلّته كانت مقصورة على حبّ اللَّه تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ الدنيا والآخرة، وهذه حالٌ شريفةٌ، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبةٌ، وإنما يَخُصّ اللَّه بها من يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين -صلوات اللَّه وسلامه عليه-. ومن جَعَل الخليل مشتقًّا من الْخَلَّة، وهي الحاجة والفقر، أراد: إني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير اللَّه تعالى، وفي رواية -﵀-: «أبرأ إلى كُلّ خِلٍّ من خَلَّته» بفتح الخاء، وبكسرها، وهما بمعنى الْخُلَّة والخليل. انتهى . وقال القرطبي -﵀-: قوله: «إني أبرأ إلى اللَّه. . . إلخ»: أي أَبْعُدُ عن هذا، وأنقطع عنه، وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه -ﷺ- قد امتلأ بما تخلّله من محبّة اللَّه تعالى وتعظيمه، فلا يَتَّسِعُ لمخاللة غيره، أو لأنه -ﷺ- قد انقطع بحاجته كلّها إلى اللَّه تعالى، ولجأ إليه في سدّ خلّاته، فكفاه ووقاه، فلا يَحتاج إلى أحد من المخلوقين. انتهى . ثم علّل براءته عن المخلوقين بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ -﵇- خَلِيلًا) حيث قال اللَّه -﷿-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وهذا من باب الترغيب في اتّباعه؛ لأنه إمام يُقْتَدى به حيث وصل إلى غاية ما يَتَقَرَّب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الْخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]. قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أُمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبيرٌ عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ الآية [النحل: ١٢٠] والآية بعدها. وقال البخاريّ: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: «إن معاذًا لَمّا قَدِمَ اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قَرَّت عين أم إبراهيم». وقد ذكر ابن جرير في «تفسيره» عن بعضهم أنه إنما سماه اللَّه خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جَدْبٌ، فارتحل إلى خليل له من أهل الْمَوْصِل، وقال بعضهم: من أهل مصر؛ ليمتار طعامًا لأهله من قِبَله، فلم يُصِب عنده حاجته، فلما قَرُب من أهله بمفازة ذات رَمْل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل؛ لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير مِيرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحوَّل ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا، فعَجَنوا منه، وخَبَزوا، فاستيقظ، فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي اللَّه، فسماه اللَّه بذلك خليلًا. قال ابن كثير -﵀-: وفي صحة هذا ووقوعه نظرٌ، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب. وإنما سُمِّي خليل اللَّه؛ لشدّة محبته لربه -﷿- لِمَا قام له به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في «الصحيحين» من رواية أبي سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه -ﷺ- لَمّا خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: «أما بعدُ أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل اللَّه». وجاء من طريق جندب بن عبد اللَّه البجليّ، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن اللَّه اتّخذني خليلًا كما اتّخذ إبراهيم خليلًا». وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدّثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدّثنا إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ بمكة، حدّثنا عبد اللَّه الحنفيّ، حدّثنا زَمْعَة أبو صالح، عن سَلَمَة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «جلس ناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عَجَبٌ إن اللَّه اتّخذ من خلقه خليلًا، فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن اللَّه كلم موسى تكليمًا؟، وقال آخر: فعيسى روح اللَّه وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه اللَّه، فخرج عليهم، فسلّم، وقال: قد سمعت كلامكم، وتعجبكم أن إبراهيم خليل اللَّه، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه اللَّه، وهو كذلك، ألا وإني حبيب اللَّه، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفَّع ولا فخر، وأنا أول من يُحَرِّك حلقة الجنة فيفتح اللَّه ويدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا فخر». قال ابن كثير -﵀-: وهذا حديث غريبٌ، من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. وقال قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- . رواه الحاكم في«المستدرك» رقم (١٦٥)، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرِّجاه. وكذا رُوِي عن أنس بن مالك، وغير واحد من الصحابة والتابعين، والأئمة من السلف والخلف. انتهى كلام ابن كثير -﵀- . (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن أبا بكر -﵁- أفضل الناس بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وأنه مخصوص من مِنَحِ اللَّه تعالى، ومن كريم مواهبه، ومن محبّة اللَّه ورسول اللَّه -ﷺ- له بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنّة أجمعين من السلف الماضي، والخلف اللاحقين. انتهى . [تنبيه]: كتب بعضهم في معنى قوله: «لو كنت متّخذًا. . . إلخ» ما نصّه: يعني لو جاز لي أن أتّخذ صديقًا من الخلق يَقِف على سرّي لاتّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن لا يطّلع على سرّي إلا اللَّه، ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر كان أقرب سرًّا من سرّ رسول اللَّه -ﷺ-؛ لما رُوي أنه -ﷺ- قال: «إن أبا بكر لم يفضُل عليكم بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء كُتِب في قلبه». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث لا أصل له ، فلا يصلح لأخذ معنى الحديث منه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَإِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد «ألا» الاستفتاحيّة (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، ألَا فَلَا تَتَّخِذوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) وقوله: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) تأكيد لقوله: «فلا تتّخذوا. . . إلخ». قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: إنما نهى النبيّ -ﷺ- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أَدَّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حُجْرة عائشة لمَدْفَن رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه: أبي بكر وعمر -﵄- بنوا على القبر حيطانًا مرتفعةً مستديرةً حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ، ويؤدي المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: «ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشِي أن يُتَّخَذ مسجدًا». انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد اللَّه البجليّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخرجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٣] (٥٣٢)، و(النسائيّ) في «التفسير» من «الكبرى» (١١١٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٩٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٧٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢/ ١٦٨ رقم ١٦٨٦)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال القاضي عياض -﵀-: وفي سند هذا الحديث: «ثنا زكرياء بن عديّ، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن الحارث النجراني، قال: حدّثني جندبٌ». هذا مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف عبيد اللَّه فيه أبو عبد الرحيم ، فقال: عن جميل النجرانيّ، عن جندب، وجميل مجهول، والحديث محفوظ عن أبي سعيد وابن مسعود، وقال غيره: وقد ذكر النسائيّ الحديث من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، ثم ذكر رواية أبي عبد الرحيم، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جميل النجرانيّ، عن جندب. انتهى . وقال الحافظ في «النكت الظراف»: ذكر الْبَرْقانيّ أن أبا عبد الرحيم رواه عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن عمرو بن مرّة، عن جميل النجرانيّ، عن جندب، قال الْبَرْقانيّ: وذكرت ذلك للدارقطنيّ، فقال: رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد أشبه بالصواب. وقال ابن أبي حاتم -﵀-: (٢٦٧٤) سألت أبي عن حديث رواه إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة، قال: قرأت في كتاب أبي عبد الرحيم بخطه، وأخبرني محمد بن سلمة أنه خط أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: حدثني جميل النجرانيّ، قال: سمعت جندب بن عبد اللَّه البجليّ، قال: «سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول قبل موته بخمس. . .» فذكر الحديث، قال أبي: رواه عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث النجرانيّ، قال: حدّثنا جندب، وهو أشبه، وهو عندي عبد اللَّه بن الحارث المكتب الكوفيّ، وقد أدرك جندبًا -﵁-. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ، وأبو حاتم أن الحديث صحيحٌ، وأنه محفوظ من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جندب، كما هو رأي المصنّف -﵀-، حيث أخرجه في «صحيحه» من هذا الطريق. والحاصل أن للدارقطني في هذا الإسناد رأيين: أحدهما: إعلاله بمخالفة أبي عبد الرحيم لعبيد اللَّه بن عمرو، وهو الذي ذكره في كتابه «التتبع والإلزامات» (ص ١٣٣) بنسخة تحقيق الشيخ ربيع بن هادي، وهو الذي نقله عياض في كلامه السابق. والثاني: ترجيح رواية عبيد اللَّه على رواية أبي عبد الرحيم، كما نقله
مصادر المؤلف (١٦)

١. «اللباب»٢/ ٣٩٠.

٢. «المصباح المنير»٢/ ٥٩٤.

٣. «القاموس المحيط»١/ ٨.

٤. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٥٢.

٥. «شرح النوويّ» ٥/ ١٣.

٦. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٧٢.

٧. «المفهم» ٢/ ١٢٩.

٨. ضعيفٌ؛ لأن في سنده زمعة بن صالح الْجَنَديّ: ضعيف.

٩. صححه الشيخ الألباني -﵀- في«ظلال الجنّة»(٤٤٢).

١٠. «تفسير ابن كثير» ١/ ٧٦٩ - ٧٧٠.

١١. «المفهم» ٢/ ١٣٠.

١٢. راجع: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ -﵀- ٢/ ٣٧٨ أورده بلفظ: «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَرَ في صدره»، وقال: لا أصل له مرفوعًا.

١٣. «شرح النووي» ٥/ ١٣ - ١٤.

١٤. هو خالد بن أبي يزيد بن سماك الحرّاني، ثقة من السادسة، مات سنة (١٤٤).

١٥. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٥٣.

١٦. «علل الحديث» ٢/ ٣٨٨.