HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٤٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قال: قرأت عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ. فَحَكَّهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صلى».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص75
ج ١ ص ٣٨٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٣٤٧
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (فِي الرَّجُلِ) أي في حكم الرجل، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالحكم جار في النساء أيضًا. وقوله: (يُسَوِّي التُّرَابَ) أي يُعدّله. (حَيْثُ يَسْجُدُ) أي في مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟، لا يبعد ذلك، قاله في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَنَهْي الْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٧] (٥٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الأصبحيّ، رأس المتثبّتين، وكبير المتقنين، الإمام المشهور [٧] (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٧٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد على الإطلاق كما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-، قال يحيى بن بُكير لأبي زرعة الرازيّ: ليس ذا زَعْزَعَة عن زَوْبَعة ، وإنما ترفع السترة، فتنظر إلى النبيّ -ﷺ- وأصحابه: مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- ، وإذا زيد قبله أحمد، عن الشافعيّ، سُمّي سلسلة الذهب، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ … وَزِيدَ مَا لِلشَّفِعِي فَأَحْمَدِهْ ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا) بضمّ الموحّدة، وبالصاد المهملة: لغة في الْبُزاق -بالزاي- يقال: بَصَقَ يَبْصُقُ بَصْقًا، من باب نصر، قال في «القاموس»: الْبُصَاق كغُرَاب، والْبُسَاقُ، والْبُزَاق: ماء الْفَمِ إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريقٌ. انتهى. (فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بـ «رأى»، وفي الرواية التالية: «رأى نُخامة في قبلة المسجد»، وفي رواية البخاريّ: «في جدار المسجد» (فَحَكَّهُ) أي قَشَرَهُ، يقال: حَكَكت الشيءَ حكًّا، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في «المصباح». ولم يُبَيِّن في هذه الرواية بأي شيء حَكَّه، وسيأتي في حديث أبي سعيد -﵁- الآتي «أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكها بحصاة»، وفي حديث أنس -﵁- عند البخاري «أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكه بيده»، وفي حديث جابر -﵁- عند أبي داود «أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكها بعُرْجُون». فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحكّ باليد، أو الحصى، أو العُرْجون، فيحمل على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف، وفتح الباء: أي جهة قُدّامه. وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بيّن علة النهي بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول اللَّه -ﷺ-، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله -ﷺ-: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن اللَّه قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه. . .» الحديث حقّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَل وجه المصلي. بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه. وقد ضرب النبيّ -ﷺ- المثل بذلك -وللَّه المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبيّ -ﷺ-: «ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به. . .»، فقال له أبو رَزِين الْعُقَيليّ -﵁-: كيف يا رسول اللَّه، وهو واحد ونحن جميع؟، فقال النبيّ -ﷺ-: «سأنبيك بمثل ذلك في آلاء اللَّه، هذا القمر كلُّكم يراه مُخليًا به، وهو آية من آيات اللَّه، فاللَّه أكبر». انتهى كلامه باختصار، فإن أردت تمام كلامه فارجع إلى «مجموع الفتاوى»، فقد حقق هذا الموضوع فيه تحقيقًا بالغًا لا تجده عند غيره ممن تكلم فيه . وقال في «الفتح»: قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة اللَّه، أو ثواب اللَّه. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نَزَعَ به بعض المعتزلة القائلين بأن اللَّه في كل مكان، وهو جهل واضح؛ لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصّلُوه، وفيه الردّ على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تُؤُوّل به هذا جاز أن يتأول به ذاك، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقد رد على ما ذكره صاحب «الفتح» هنا العلّامة المحقّق عبد العزيز بن باز -﵀-، فقال: ليس في الحديث المذكور ردّ على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل. وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها، والإيمان بما دلّت عليه على الوجه الذي يليق باللَّه سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته. وأما قوله في هذا الحديث: «فإن اللَّه قبل وجهه إذا صلى»، وفي لفظ: «فإن ربه بينه وبين القبلة» فهذا لفظ مُحْتَمِلٌ أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة، كما أشار الإمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلامه -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الردّ حسنٌ جدًّا، إلا قوله: «بذاته» فإنها وإن وُجِدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها؛ لئلا يكون زيادة على النصّ، وقد أنكر الحافظ الذهبيّ -﵀- في كتابه «العلو للعلي الغفار» على من قال: «هو تعالى فوق عرشه بذاته»؛ لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام . وأما ما نقله في «الفتح» عن الخطابيّ، وكذا قول السنديّ: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. انتهى، ففيه نظر لا يخفى. والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده اللَّه تعالى مع اعتقاد تنزيه اللَّه تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، واللَّه تعالى أعلم. (إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، ونصّ في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خَصّه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة. وقال الباجيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون خَصّ بذلك حال الصلاة؛ لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٧ و١٢٢٨] (٥٤٧)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٠٦ و٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٧٩)، و(النسائيّ) في «المساجد» (٧٢٤)، و«الكبرى» (٨٠٣)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٧٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥٣٣٤)، (وأبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٠٠ و١٢٠١ و١٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٢٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البصاق في الصلاة؛ لمنافاته التعظيم للَّه ﷿؛ إذ المصلي يناجي ربّه ﷿. ٢ - (ومنها): مشروعية إنكار المنكر لمن راَه، وإزالته باليد، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أخرجه مسلم وأصحاب السنن. ٣ - (ومنها): غضب الإمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالًا بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود: «فتغيّظ على الناس»، وفي حديث أنس -﵁- في الصحيح: «فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه». ٤ - (ومنها): وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد عَلَّل ذلك بقوله: «فإن اللَّه ﷿ قِبل وجهه». قال في «الفتح»: وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا، ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم؟. وفي «صحيح ابن خزيمة»، و«ابن حبان» من حديث حذيفة -﵁- مرفوعًا: «من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه»، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه»، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد -﵁-: «أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول اللَّه -ﷺ- ينظر، فقال رسول اللَّه -ﷺ- حين فرغ:»لا يصلي لكم«فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول اللَّه -ﷺ- فذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال:»نعم«، وحسبت أنه قال:»إنك آذيت اللَّه ورسوله -ﷺ-«. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر ابن عبد البرّ -﵁- في«التمهيد»عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها. قال العراقيّ -﵀-: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبيّ -ﷺ- حكّه من القبلة، وهو في الصلاة؟ وهو الظاهر، فقد روى البخاريّ من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، قال:«رأى رسول اللَّه -ﷺ- نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف. . . »الحديث. وفي بعض طرقه أنه كان لِخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-:«بينما رسول اللَّه -ﷺ- يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ -﵀-: اختَلَفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبيّ -ﷺ- في القبلة، هل كان ذلك في مسجده -ﷺ-، أو في مسجدآخر؟. فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول اللَّه -ﷺ- في مسجدنا هذا، وفي يده عُرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون. . . «الحديث. لفظ أبي داود. وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتّها بالعرجون، وفي«الصحيحين»من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: رأى رسول اللَّه -ﷺ- نخامة في المسجد فحكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار:«أروني عبيرًا»، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول اللَّه -ﷺ-، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة. وعند النسائيّ من حديث أنس -﵁- أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«ما أحسن هذا». وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما تقدم، فهذا يدلّ على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. انتهى كلام العراقيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ -يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ- (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، فَإِن فِي حَدِيثِهِ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: عشرون: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر المذكور قريبًا. ٨ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المذكور قريبًا أيضًا. ٩ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر قبل بابين. ١٠ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا. ١١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ١٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع، تقدّم قريبًا أيضًا. ١٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ١٤ - (الضَّحَّاكُ بْنَ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٤. ١٥ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ١٦ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثقةٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. ١٧ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ١٨ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن عبد اللَّه بن نمير، وأبا أسامة معًا رويا عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) أي كلّ هؤلاء الخمسة: عُبيد اللَّه، والليث بن سعد، وأيوب، والضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر -﵄-. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث هؤلاء الخمسة عن نافع يوافق معنى حديث مالك عنه. [تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن عمر هذه ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (٥١٣٠) حدّثنا يحيى، عن عبيد اللَّه، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نُخامة في قبلة المسجد فحَتّها، ثم قال: «إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتنخم، فإن اللَّه تعالى قِبَل وجه أحدكم في الصلاة». انتهى. وأما رواية الليث بن سعد، فساقها أيضًا الإمام أحمد -﵀-، فقال: (٥٣٨٥) حدثنا أبو سلمة ، أخبرنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- رأى نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس، فحتّها، ثم قال حين انصرف من الصلاة: «إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن اللَّه ﷿ قِبَل وجهه، فلا يَتَنَخّمنّ أحد قِبَل وجهه في الصلاة». انتهى. وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام البخاريّ -﵀-، فقال: (١٢١٣) حدّثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أن النبيّ -ﷺ- رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على أهل المسجد، وقال: إن اللَّه قِبَل أحدكم، فإذا كان في صلاته، فلا يبزقنّ، أو قال:
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الفتح» ٣/ ٩٩.

٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣. «الزعزعة»: الاضطراب، والتحريك الشديد، و«الزَّوْبَعة»: الإعصار التي ترفع التراب إلى الهواء.

٤. «تدريب الراوي» ١/ ٧٨.

٥. راجع: «مجموع الفتاوى» ٥/ ١٠٧.

٦. انظر: «مختصر العلو» للعلامة الألباني -﵀- (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).

٧. ذكره في: «المنهل العذب المورود» ٤/ ٩٩.

٨. حديث حسن، راجع:«صحيح أبي داود»للشيخ الألبانيّ -﵀- ١/ ٩٥.

٩. «طرح التثريب» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.

١٠. وفي نسخة: «قتيبة بن سعيد».

١١. وفي نسخة: «وحدّثني».

١٢. هو منصور بن سلمة الخزاعيّ.