HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٦٨

حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «من سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ. فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تبن لهذا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص82
ج ١ ص ٣٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٥٠٥
شَبَابة، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمَريّ، قال: خطبنا عمر بن الخطاب -﵁-، فقال: رأيت كأن ديكًا أحمر نَقَرني نقرة أو نقرتين، فلا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، فإن عَجِل بي أمرٌ، فإن الشُّورَى إلى هؤلاء الستة الذين تُوُفِّي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو عنهم راضٍ، وإني أعلم أن أُناسًا سيطعنون في هذا الأمر بعدي، فإن فعلوا فأولئك أعداء اللَّه الكُفّار الضُّلال، أنا جاهدتهم بيدي هذه على الإسلام، إني أشهد اللَّه على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينهم، وسنة نبيهم، وليَقْسِموا فيهم فيأهم، قال: وما أغلظ لي رسول اللَّه -ﷺ-، أو ما نازلت رسول اللَّه -ﷺ- في شيء ما أغلظ لي في آية الكلالة، حتى ضَرَب في صدري، وقال: تكفيك آية الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦]، وسأقضي فيها بقضاء، يعلمه من يقرأ، ومن لا يقرأ، هو مما خلا الأبَ أحسِبُ، ألا أيها الناس إنكم تأكلون من شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: الثوم والبصل، وإن كان رسول اللَّه -ﷺ- لَيَأْمُر بالرجل يوجد منه ريحهما، أن يُخْرَج إلى البقيع، فمن كان منكم آكلهما، فليمتهما طَبْخًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ النَّهْي عَنْ نِشْدَةِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ النَّاشِدَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٤] (٥٦٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبيّ، أبو زُرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] (ت سنة بضع ١٣٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. ٣ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) هو: سالم بن عبد اللَّه النَّصْريّ -بالنون- أبو عبد اللَّه المدنيّ، ويقال له: مولى النصريين، مولى مالك بن أوس، ومولى دوس، ومولى الْمَهْريّ، ومولى شدّاد، والدُّوْسيّ، وسالم سَبَلَان، صدوقٌ [٣] (ت ١١٠) (م د س ق) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ومولى شدّاد، فما أخرج لهما البخاريّ والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) ووقع في نسخة: ابن الهادي بالياء، وهو الأفصح في الاستعمال، قال في «الخلاصة»: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ «مُرٍ» لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي وقد تقدّم البحث في هذا في ترجمة عمرو بن العاص، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً) أي يطلبها برفع الصوت، و»يَنْشُد«بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: نَشَدَ الضَّالَّةَ يَنْشُدُها، من باب قتل: إذا طلبها، وكذا إذا عرّفها، والاسم نِشْدة، ونِشْدانٌ بكسرهما، وأنشدها: عَرَّفَها، قاله الفيّوميّ . وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: يقال: نَشَدتُ الدابّة: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرَّفتها، ورواية هذا الحديث«يَنْشُدُ»بفتح الياء، وضمّ الشين، من نَشَدت: إذا طَلَبتَ. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: يقال: نشَدت الضّالّة، فأنا ناشدٌ: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرّفتها، وهو من النَّشِيد، وهو رفع الصوت. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن نَشَد الثلاثيّ يُستعمل للطلب، وللتعريف، وأما أنشد الرباعيّ فيُستعمل للتعريف فقط، وأن الرواية في هذا الحديث«يَنْشُدُ»الثلاثيّ، كما أفاده النوويّ -﵀-. و«الضّالّة»: الحيَوَان الضائع، قال ابن الأثير -﵀-: الضالة: هي الضائعة من كل ما يُقْتَنَى من الحيوان وغيره، يقال: ضَلَّ الشيءُ: إذا ضاع، وضَلَّ عن الطريق: إذا حار، وهي في الأصل فاعلةٌ، ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتُجْمَع على ضَوَالّ، قال: وقد تُطْلَق الضالة على المعاني، ومنه الحديث:«الكلمة الحكيمة ضالةُ المؤمن»، وفي رواية«ضالةُ كل حكيم»، أي لا يزال يَتَطَلَّبُها كما يتطلب الرجل ضالته. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: الضَّلالُ: الْغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالّةٌ بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضّوَالّ، مثل دابّة ودوابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ ولُقَطَةٌ، وضَلَّ البعير: غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فَقَدتُهُ، قال الأزهريّ: وأضللتُ الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت كالدار قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلَّني كذا بالألف: إذا عَجَزت عنه، فلم تَقْدِر عليه، وقال في «البارع»: ضَلَّني فلان، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حَيَوَانًا، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضللته، وقال الفارابيّ: أضللته بالألف: أضعته. قال: وقوله: لا يجوز بيع الآبق، والضالِّ، إن كان المراد الإنسان فاللفظ صحيحٌ، وإن كان المراد غيره، فينبغي أن يقال: والضالة بالهاء، فإن الضالّ، هو الإنسان، والضالّة: الحيوان الضائع. انتهى . (فِي الْمَسْجِدِ) متعلّقٌ بـ «يَنْشُدُ» (فَلْيَقُل) أي السامع، يعني عقوبة له؛ لارتكابه في المسجد ما لا يجوز فيه، وظاهره أنه يقوله جهرًا؛ لأنه -ﷺ- قاله جهرًا، حتى سمع الصحابة منه، ونقلوه إلينا (لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ) هذا دعاء عليه بعدم وجود ضالّته، وفي الرواية الآتية: «لا وجدتَّ»، وفي رواية أبي داود: «لا أدّاها اللَّه إليك». فكلمة «لا» لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار جائز في الدعاء، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الصواب في معنى الحديث، وأما ما ذكره بعض الشرّاح كالسنوسيّ، فإنه قد طوّل نفسه بما لا فائدة فيه، واستحسن كون الحديث دعاء له، لا دعاء عليه، وأن «لا» ناهيةً، أي لا تَنْشُدْ، وقوله: «ردّها اللَّه عليك» دعاءً له بردّ ضالّته عليه، فغير صحيح، ويبطله قوله: «فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا»، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا ردّها اللَّه عليك» دعاءٌ على الناشد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده، فليُلحق به ما في معناه، فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، دُعي عليه على نقيض مقصوده ذلك بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد، وإليه ذهب مالك في جماعة، حتى كرهوا رفعَ الصوت في المسجد في العلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم، قالوا: لأنه لا بُدّ لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك ممنوعٌ، بل لهم بُدّ من ذلك بوجهين: أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة بإخطار ذلك بالبال، والتحرّز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرّز منه. والثاني: أنه إذا لم يتمكّن من ذلك، فليَتَّخِذ لذلك موضعًا يخصّه، كما فعل عمر -﵁-، وقال: من أراد يَلْغَط، أو يُنشد شعرًا، فليُخرج من المسجد. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح قول من قال بجواز رفع الصوت في المسجد بالعلم ونحوه؛ لأن الصحابة -﵃- كانوا يسألون النبيّ -ﷺ- عما يحتاجون إليه في المسجد رافعين أصواتهم، ولم يمنع أحدًا منهم عن رفع صوته بالسؤال، وكذا كان هو يُجيبهم رافعًا صوته، وهذا مما لا يخفى على من له إلمام بدواوين السنّة، فالقول بالكراهة مما لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَإنَّ الْمَسَاجِدَ) الفاء للتعليل، أي لأن المساجد (لَمْ تُبْنَ) بالبناء للمفعول (لِهَذَا») أَي لنشد الضالّة، وفي الرواية الآتية:«إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له»، أي وهو الصلاة، وذكر اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، والعلم، ونحوها. وروى ابن أبي شيبة بسند جيّد عن عاصم بن عُمر بن قتادة، أن عمر -﵁- سمع ناسًا من التجّار يذكرون تجاراتهم والدنيا في المسجد، فقال:«إنما بُنيت هذه المساجد لذكر اللَّه، فإذا ذَكَرتم تجاراتكم ودنياكم، فاخرجوا إلى البقيع«. [تنبيه]: قوله:«فإن المساجد لم تُبْن لهذا»يَحْتَمِل أن يكون داخلًا في حيّز القول، فيذكره قائل«لا ردّها اللَّه عليك»؛ تعليلًا لقوله، ويؤيّد هذا قوله -ﷺ- في الرواية التالية:«لا وجدت، إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له». ويَحْتَمِلُ أنه تعليل لقوله:«فليقل»، فلا حاجة إلى أن يقوله، والاحتمال الأول هو الأرجح، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٤ و١٢٦٥] (٥٦٨)، و(أبو داود) في«الصلاة»(٤٧٣)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(٧٦٧)، (وأحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٤٩ و٤٢٠)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١٣٠٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٦٥١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٢١٢ و١٢١٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٢٣٩ و١٢٤٠)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٢/ ٤٤٧ و٦١٩٦ و١٠/ ١٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن نَشْدِ الضالّة في المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه، من البيع والشراء والإجارة، ونحوها، من العقود. ٢ - (ومنها): كراهة رفع الصوت في المسجد، قال القاضي عياض: قال مالكٌ وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمهم اللَّه تعالى رفع الصوت فيه بالعلم، والخصومة، وغير ذلك، مما يَحْتاج إليه الناس؛ لأنه مَجمَعُهم، ولا بُدّ لهم منه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول هو الحقّ؛ لأنه المتعارف في زمن النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد -﵄- أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلًا وَجَدَ مع امرأته رجلًا، أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد. وأخرج البخاريّ عن أنس -﵁- قال: بينما نحن جلوس مع النبيّ -ﷺ- في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟، والنبيّ -ﷺ- متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبيّ -ﷺ-: «قد أجبتك»، فقال الرجل للنبيّ -ﷺ-: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: «سل عما بدا لك. . .» الحديث في قصّة ضمام بن ثعلبة -﵁- الطويلة، فقد وقع هذا كلّه في المسجد برفع الصوت. وأخرج أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر -﵄- أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «يُهِلّ أهل المدينة من ذي الحليفة. . .» الحديث، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها التصريح أن الصحابة كانوا يرفعون أصواتهم بالعلم في المسجد، فلم ينه النبيّ -ﷺ- أحدًا منهم عن ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: فيه دليلٌ على منع عمل الصانع في المسجد، كالخياطة، وشبهها، قال: وقد مَنَعَ بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد، قال: قال بعض شيوخنا: إنما يُمنَع في المسجد من عمل الصنائع التي يَختصّ بنفعها آحاد الناس، ويكتسب به، فلا يَتَّخِذ المسجد مَتْجَرًا، فأما الصنائع التي يَشْمَل نفعها المسلمين في دينهم، كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا امتهان للمسجد في عمله، فلا بأس به . قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيِّد هذا ما أخرجه المصنّف عن عائشة -﵄- قالت: «جاء حَبَشٌ يَزْفِنُون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبيّ -ﷺ-، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت انظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم». قولها: «يَزْفنون» من باب ضرب: أي يَثِبُون، ويلعبون بحرابهم، كهيئة الرَّقْص. ٤ - (ومنها): ما قاله القاضي -﵀-: وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان في المساجد، فإن كان منعهم ذلك لأجل أخذ الأجرة على ذلك التعليم، فيكون ضربًا من البيع في المسجد، ويجري ذلك أيضًا في غير الصبيان إذا كان بأجرة، وإن كان لمضرّة المسجد بالصبيان لم يَشْرَكهم في ذلك إلا من شاركهم في هذه العلة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بمنع تعليم الصبيان في المسجد إذا لم يترتّب عليه ضرر، غير صحيح؛ لأن تعليم النبيّ -ﷺ- للكبار والصغار كان في المسجد، وكذلك في عهد الصحابة -﵃-، ولم تُبْنَ المدارس المعروفة إلا متأخّرة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالة على النهي من رفع الصوت في المسجد بأمر دنيويّ، كالبيع والشراء، فقد أخرج الترمذيّ بإسناد صحيح، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشُد فيه ضالّةً، فقولوا: لا رد اللَّه عليك». ٦ - (ومنها): أن نشد الضالّة في المسجد جريمة يستحقّ صاحبها أن يُدعى عليه بعدم وجدان مطلوبه؛ عقوبةً له على مخالفته، وعصيانه، فينبغي لسامعه أن يقول له: «لا ردّها اللَّه عليه»، أو «لا وجدت، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا»، كما قاله رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن المازريّ استنبط من الحديث منع السؤال في المسجد. قال الجامع عفا اللَّه عنه: السائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه، وقيل: لا، وقيل: إن كان يتضرّر به أهل المسجد، بأن يرفع صوته، ويُشوّش على المصلّين، أو يمرّ بين يدي مصلّ، أو يسأل بإلحاف، حرم إعطاؤه؛ لكونه إعانةً على ممنوع، وإلا جاز إعطاؤه، وهذا التفصيل هو الصواب؛ لثبوت أدلّته في الأحاديث الصحيحة. فقد أخرج أبو داود في «سننه» بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «هل منكم أحدٌ أطعم اليومَ مسكينًا؟»، فقال أبو بكر -﵁-: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كِسْرَة خُبْز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه، فدفعتها إليه«. فهذا يدلّ على جواز السؤال في المسجد، حيث أقرّ النبيّ -ﷺ- أبا بكر في إعطائه السائل في المسجد. والحديث أخرجه مسلم مطوّلًا دون ذكر المسجد، من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ »، قال أبو بكر -﵁-: أنا، قال:«فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟ »، قال أبو بكر -﵁-: أنا قال:«فمن أطعم منكم اليومَ مسكينًا؟ »، قال أبو بكر -﵁-: أنا، قال:«فمن عاد منكم اليومَ مريضًا؟ »، قال أبو بكر -﵁-: أنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة». وأخرج مسلم عن المنذر بن جرير، عن أبيه -﵁- قال: كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَار، أو العباء، مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مضر، فَتَمَعَّر وجِه رسول اللَّه -ﷺ- لَمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا، فأَذَّن وأقام، فصلّى، ثم خطب. . . الحديث، وفيه:«تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. . .»الحديث. وروى البيهقيّ أنه -ﷺ- أمر سُليكًا الغطفانيّ بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة؛ ليراه الناس، فيتصدّقوا عليه، وأمرهم بالصدقة، وهو على المنبر ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لا يجوز رفع الصوت في المسجد بقراءة القرآن، أو الذكر؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود، واللفظ له، بإسناد صحيح، عن أبي سعيد -﵁- قال: اعتكف رسول اللَّه -ﷺ- في المسجد، فسمعهم يَجهَرون بالقراءة، فكَشَف السِّترَ، وقال:«ألا إن كلكم مُنَاجٍ ربَّهُ، فلا يُؤذيَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»، أو قال:«في الصلاة». وأخرج أحمد بإسناد صحيح، عن البياضيّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج على الناس، وهم يصلّون، وقد عَلَت أصواتهم بالقراءة، فقال:«إن المصلّي يناجي ربه ﷿، فلينظر ما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». وأخرج أيضًا عن ابن عمر -﵄- قال: اعتكف رسول اللَّه -ﷺ- في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذ له فيه بيتٌ من سَعَفٍ، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال:«إن المصلي يناجي ربه ﷿ فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة»، وفي سنده محمد بن أبي ليلى متكلّم فيه، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح. وقد نصّ العلماء من أصحاب المذاهب المتبوعة على ذلك، فقال في«الدرّ المختار»من كتب الحنفيّة: يحرم في المسجد رفع الصوت بالذكر، إلا للمتفقّهة. انتهى. وقال في«البحر الرائق»من كتبهم أيضًا: إذا جهر الإمام فوق حاجة الناس فقد أساء. وقال في«مختصر الخليل»من كتب المالكيّة، وشروحه، وحواشيه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد؛ خشية التشويش على المصلّين والذاكرين، فإن شوّش حرُم اتّفاقًا. انتهى. وقال ابن العماد: تحرم القراءة جهرًا على وجه يُشَوِّش على نحو مصلٍّ. انتهى. وذكر مثله في كتب الشافعيّة والحنبليّة، نقل هذه الأقوال في«المنهل». والحاصل أنه لا يجوز التشويش على المصلّين، والمعتكفين في المسجد برفع الصوت بالذكر والتلاوة ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، قَالَ: سَمِعْت أَبا الْأَسْوَدِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْمُقْرِئُ) هو: عبد اللَّه بن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٥. [تنبيه]: وقع لأصحاب برنامج الحديث هنا غلظٌ، حيث ترجموا المقرئ بأنه عبد اللَّه بن يزيد المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، مولى الأسود بن سفيان، وهو من شيوخ مالك، من الطبقة السادسة، وهذا من تلامذته، ومما يوضّح كونه غلطًا أنه لم يلقه زهير بن حرب الراوي عنه هنا؛ لأنه مات سنة (١٤٨) ووُلد زهير -كما في «تهذيب التهذيب» (١/ ٦٣٦) - سنة (١٦٠) أي بعد موت المقرئ المذكور باثنتي عشرة سنة، وقد نبّهت على هذا فيما سبق، فينبغي التنبّه له، فإنه مهمّ جدًّا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والباقون تقدّموا في المسند الماضي، و«أبو الأسود»: هو محمد بن عبد الرحمن المذكور هناك. [تنبيه]: روايهَ المقرئ التي أحالها المصنّف -﵀- هنا على رواية ابن وهب، ساقها الحافظ أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٢/ ١٦٤) فقال: (١٢٣٩) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى،
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة:«وحدثنا».

٢. وفي نسخة:«ابن الهادي».

٣. «المصباح المنير»٢/ ٦٠٥.

٤. «شرح النوويّ»٥/ ٥٤.

٥. «النهاية»٥/ ٥٣.

٦. هذا الحديث ضعيف جدًّا، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«الكلمةُ الحكمةُ ضالّةُ المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها»، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي متروك الحديث.

٧. «النهاية» ٣/ ٩٨.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.

٩. «المفهم» ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.

١٠. «المنهل العذب المورود» ٤/ ٨٨.

١١. «إكمال المعلم» ٢/ ٥٠٣.

١٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٥٠٣.

١٣. «المنهل العذب المورود»٤/ ٨٨.

١٤. «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٤/ ٨٨ - ٨٩.

١٥. وفي نسخة: «أخبرنا».