HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٦٩

وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا وَجَدْتَ. إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بنيت».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص82
ج ١ ص ٣٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٥١٦
ثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة، سمعت أبا الأسود، يقول: أخبرني أبو عبد اللَّه، مولى شداد، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «مَن سَمِعَ رجلًا يَنْشُدُ ضالّةً في المسجد، فليقل له: لا أداها اللَّه إليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٦] (٥٦٩) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ القاضي، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٦ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب، أبو عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، الأسلميّ الصحابيّ، أسلم -﵁- قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٣٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، وسليمان، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه: سليمان بن بُريدة، عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب -﵁- (أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ) تقدّم في الحديث الماضي، من باب نصر: إذا طلب (فِي الْمَسْجِدِ) «أل» فيه للجنس (فَقَالَ: مَنْ) استفهاميّة (دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟) أي من وجد الجمل الأحمر، فدعا إليه، ونادى عليه؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا وَجَدْتَ) مفعوله محذوف، والكلام على الدعاء عليه، أي لا وجدت ضالّتك، فهو بمعنى»لا ردّها اللَّه عليك«. [تنبيه]: قال الإمام ابن حبّان البستيّ -﵀- في«صحيحه» بعد إخراجه الحديث، من طريق الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، مفسِّرًا له ما نصّه: قال أبو حاتم: أُضمر فيه: لا وجدتَ إن عُدت لهذا الفعل بعد نهيي إياك عنه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن سياق الروايات يدلّ على عدم التقييد، بل هو على إطلاقه، ولا سيّما رواية الإمام أحمد الآتية، فلا داعي إليه، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (إِنَّمَا بُنِيَتِ) بالبناء للمفعول (الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) أي للغرض الذي بُنيت من أجله. وقد أخرج الحديث الإمام أحمد -﵀- من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، ولفظه: أن أعرابيًّا قال في المسجد: من دعا للجمل الأحمر؟ بعد الفجر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا وجدته، لا وجدته، لا وجدته، إنما بُنِيت هذه البيوت» -قال مؤمل -: «هذه المساجد لما بُنِيَت له». انتهى. وقد تقدّم بيان معنى ما بُنيت له في حديث أنس بن مالك -﵁- الذي تقدّم في «كتاب الطهارة» في قصّة الأعرابيّ الذي بال في المسجد، وفيه: ثم إن رسول اللَّه -ﷺ- دعاه، فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلَح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن. . .» الحديث. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «إنما بُنِيت المساجدُ لما بُنِيَت له» معناه: لذكر اللَّه تعالى، والصلاة، والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بريدة بن الْحُصَيب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨] (٥٦٩)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (١٧٤ و١٧٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٧٦٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٧٢١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٤١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٨٠٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٣٠١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢١٤ و١٢١٥ و١٢١٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٤١ و١٢٤٢ و١٢٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٩٦ و١٠/ ١٠٣ و٤٤٧)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ، فَيقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (أَبُو سِنَانٍ) هو: سَعِيد بن سِنَان الْبُرْجميّ -بضم الموحّدة، والجيم بينهما راء ساكنة- الشيبانيّ الأصغر الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦]. رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن مرثد، وحبيب بن أبي ثابت، ووهب بن خالد الْحِمْصِيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن سليمان الرازيّ، وأسباط بن محمد القُرَشيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الرّيّ، وكان سيئ الْخُلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة من رُفَعاء الناس. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان عابدًا فاضلًا. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء. وقال الدارقطني: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهدي حِمْصيّ يَضَعُ الحديث، وأبو سِنَان كوفيّ سكن الرّيّ من الثقات. أخرج له البخاري في «جزء القراءة خلف الإمام»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: كون أبي سنان في هذا المسند هو الأصغر، واسمه سعيد بن سنان، صرّح به الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، ونصّه: (٢٢٥٤٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن سِنَان، وهو أبو سِنَان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: صلّى النبيّ -ﷺ-، فقام رجل: فقال: من دعا للجمل الأحمر؟ فقال النبيّ -ﷺ-: «لا وجدتَ، إنما بُنِيت المساجدُ لما بنيت له». انتهى. وقوله: (لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية: قال: «جاء أعرابيّ بعدما صلّى النبيّ -ﷺ- صلاة الفجر، فأدخل رأسه من باب المسجد»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَمَا صلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا . قَالَ مُسْلِم: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبَةَ) بن نَعَامة الضبّيّ الكوفيّ، مقبول [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مَرْثَد، وزبيد الياميّ، وثابت بن عُبيد. ورَوَى عنه مِسْعَرٌ، وهُشيم، وخارجة بن مُصْعب، وأبو معاوية، وفُضيل بن عياض، وجَرِير بن عبد الحميد، ومحمد بن عيينة. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن القطّان: لا يُعْرَف حاله، وقال أبو عوانة في «صحيحه»: يقال: إنه يُكْنَى أبا نَعَامة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وقال عنه: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وفيه سقط، كما سأبيّنه قريبًا. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) فاعل «ذَكَرَ» ضمير محمد بن شيبة، وضمير «حديثهما» لعلقمة بن مَرْثد، وأبي سنان الشيبانيّ الأصغر. [تنبيه]: رواية محمد بن شيبة هذه، لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر. وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يَحْتَمِل أن يكون من كلام المصنّف نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون من الراوي عنه. وقوله: (هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ) هكذا نسخ الكتاب، والظاهر أن فيه سقطًا، والصواب: «هو محمد بن شيبة بن نَعامة، أبو نعامة؛ لأن أبا نعامة كنية لمحمد، لا لأبيه شيبه، كما سبق في ترجمته، ولم يُنبّه أحد من الشّرّاح على هذا. وقد وقع أيضًا لأبي عوانة في«مسنده»نحو هذا من الغلط، حيث قال:«يقال: إن محمد بن شيبة هو أبو نعامة بن نعامة، رواه مسعر، وهشام ، وجرير عنه». انتهى. والصواب تقديم«ابن نعامة»على قوله:«أبو نعامة»، هكذا: يقال: إن محمد بن شيبة بن نعامة أبو نعامة، روى مسعر، وهشام، وجرير عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن«السَّهْوَ»-بفتح، فسكون- مصدر«سها» «يسهو»، يقال: سها عن الشيء يسْهُوُ سهَوًا. وقال في«اللسان»: السَّهْو، والسَّهْوَة: نسيان الشيء، والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره، سَهَا يَسْهُو سَهْوًا، وسُهُوًّا، فهو سَاهٍ، وسَهْوَان، وإنه لساه بَيِّن السَّهْو، والسُّهُوّ، والسهو في الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السَّهْوُ في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]. انتهى المقصود من«اللسان». وقال أبو البقاء الكَفَويّ في«الكليات»: السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. قال بعضهم: النسيان: زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما معا. وقيل: غفلتك عما أنت عليه لتفقده سهو، وغفلتك عما أنت عليه لتفقد غيره نسيان. وقيل: السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لا يعلمه، والنسيان لما غَرُبَ بعد حضوره، والمعتمد أنهما مترادفان. انتهى المقصود من«الكليات». وقال في«المصباح»: سَهَا عن الشيء يَسْهُو سَهْوًا: غَفَلَ، وفرَّقُوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكّرته تذكّر، والساهي بخلافه، والسهو: الغفلة. انتهى . وقال في«مراقي السعود»مُبَيِّنًا الفرق بينهما: زَوَالُ مَا عُلِمَ قُلْ نِسْيَانُ … وَالْعِلْمُ فِي السَّهْوِ لَهُ اكْتِنَانُ قال شارحه: يعني أن النسيان هو زوال المعلوم من القوّة الحافظة، والقوّة المدركة، فيُستأنَفُ تحصيله لأنه غير حاصل لزواله، والسهو هو اكتنان المعلوم، أي غيبته عن القوّة الحافظة مع أنه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره. وقيل: هما مترادفان. انتهى . وقال السيوطيّ -﵀- في «الكوكب الساطع» مشيرًا إلى القول بأن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا: وَالسَّهْوُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْ مَعْلُومِهِ … وَفَارَقَ النِّسْيَانَ فِي عُمُومِهِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٩] (٣٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ) ومثل الأحد الإحدى، وإنما خص الذكور بالخطاب لعله لكونهم الحاضرين وقت الخطاب، واللَّه تعالى أعلم. (إِذَا قَامَ يُصَلِّي) المراد إذا دخل في الصلاة، فلا يقتضي أنه لو صلّى جالسًا لا يحصل له ذلك. ثمَّ إن قوله:«يُصَلِّي»يَشمَل الفرضَ والنفل. [فإن قلت]: قوله في الرواية التالية:«إذا نودي بالصلاة»قرينة في كون المراد الفريضة، وكذا قوله:«إذا ثُوِّبَ». [وأجيب]: بأن ذلك لا يَمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله -ﷺ-:«بين كلّ أذانين صلاة»، واللَّه تعالى أعلم. (جَاءَهُ الشَّيْطَانُ) الظاهر أن«أل»فيه للعهد الذهنيّ، وهو شيطان الصلاة الذي يُسمّى خَنْزَب، فسيأتي للمصنّف في«كتاب السلام»أن عثمان بن أبي العاص -﵁- أتى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«ذاك شيطان يقال له: خَنْزَب، فإذا أحسسته، فتعَوَّذ باللَّه منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثًا»، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه اللَّه عني. (فَلَبَسَ عَلَيْهِ) أي خَلَطَ عليه صلاته، وهو: بفتح الموحّدة المخففة، من الثلاثيّ، يقال: لَبَس عليه يَلْبِسُ، من باب ضرب: إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهًا بغيره، خافيًا حتى لا يعرف جهته، والمعنى هنا: خلط عليه أمر صلاته، وشوّش عليه خاطره. وقال النوويّ -﵀-: هو بالتخفيف هنا، أي خلط عليه صلاته، وشبّهها عليه، وشكّكه فيها . وقال ابن الأثير -﵀-: هو بالتخفيف، وربّما شُدّد للتكثير. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: يُرْوَى مخفف الباء ومشدَّدها، وهي مفتوحة في الماضي مكسورة في المستقبل، ومعناه: خَلَطَ، يقال: لَبَستُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ: أي خَلَطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل: فهو من لِبَاس الثوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. انتهى . (حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) الإشارة إلى التردّد وعدم العلم، ويَحْتَمِل أن يكون للسهو. (فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) أي ترغيمًا للشيطان حيث لَبَسَ عليه صلاته، وليس شيء أثقل عليه من السجود؛ لما لَحِقه ما لحِقه بسبب الامتناع عن السجود لآدم ﵇. وفيه دلالة على أنه لا زيادة على السجدتين، وإن تكرر السهو. (وَهُوَ جَالِسٌ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبله؟ لم يَتعرَّض له فيه، وقد رُوي عن مالك والليث أنهما حملا هذا الحديث على المستنكح، وهو الذي يغالبه النعاس ، وليس في الحديث ما يدلّ عليه، وما قالاه ادّعاء تخصيص، ولا بُدّ من دليله، على أنه قد اختَلَفَ قول مالك في المستنكح، هل عليه سجودٌ أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدلّ على نقيض ما قالاه، وهو قوله: «فإذا وَجد أحدكم»، وهذا خطابٌ لعموم المخاطبين، وعمومُهُم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع. وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كم صلّى؟ ولا يدري هل زاد أو نقص؟ غير سجدتين، وهو جالسٌ. وذُكر عن الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف أن من لم يدر كم صلّى؟ أعاد أبدًا حتى يتيقّن، والذي ذهب إليه الأكثر أن يُحْمَلَ حديث أبي هريرة -﵁- هذا على مُفَصَّل حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- الآتي بعد، ويُردّ إليه، ولا سيّما وقد زاد أبو داود في حديث أبي هريرة -﵁- من طريق صحيحة: «وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم»، فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد -﵁-، فهو هو. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وسيأتي تمام البحث قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله في كتاب «الصلاة» برقم [٨/ ٨٦٥] (٣٨٩)، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المراد بقوله -ﷺ-: «فإذا وَجَد ذلك أحدكم، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ»: قال النوويّ -﵀-: اختَلَفَ العلماء في المراد به، فقال الحسن البصريّ، وطائفة من السلف بظاهر الحديث، وقالوا: إذا شكّ المصلّي، فلم يَدْرِ، زاد أو نقص؟ فليس عليه إلا سجدتان، وهو جالسٌ؛ عملًا بَظاهر هذا الحديث. وقال الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلّى، لزمه أن يُعِيد الصلاة مرةَّ بَعد أخرى أبدًا حتى يَسْتَيقِن. وقال بعضهم: يُعيد ثلاث مرّات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور -﵏-: متى شك في صلاته، هل صلى ثلاثًا، أم أربعًا؟ مثلًا، لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتي برابعة، ويسجد للسهو؛ عملًا بحديث أبي سعيد -﵁-، وهو قوله -ﷺ-: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يَدْر كم صلّى، ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلّى خمسًا شَفَعْنَ له صلاته، وإن كان صلّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان». قالوا: فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين، وهو مُفَسِّرٌ لحديث أبي هريرة -﵁-، فيُحْمَل حديث أبي هريرة -﵁- عليه، وهذا متعينٌ، فوجب المصير إليه، مع ما في حديث أبي سعيد -﵁- من الموافقة لقواعد الشرع في الشكّ في الإحداث، والميراث من المفقود وغير ذلك. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أنه ليس في حديث أبي هريرة -﵁- هذا أكثر من أنّ رسول اللَّه -ﷺ- أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيه بيان ما يصنعه مَنْ وقع له ذلك، والأحاديثُ الأخرى قد اشتَمَلت على زيادةٍ، هي بيانُ ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، فالمصير إليها واجب . والحاصل أنّ حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُجْمَل، يجب حمله على الأحاديث الأخرى المبيِّنة للمراد منه، فيكون المعنى: فليسجد سجدتين بعد البناء على غالب الظنّ، إن كان له غلبة ظنّ وميلُ قلب إلى أحد الطرفين، أو البناء على اليقين، إن لم يكن له ذلك، كما هو المذهب الراجح فيما سيأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، هل هو واجب لا بدّ منه، أو سنة؟. فمذهب الشافعيّ -﵀-، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء. وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان. وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا؟ روايتان. والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في «الهداية»، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي. وأما مذهب أحمد -﵀-، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلاثة أنواع: [أحدها]: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها. [وثانيها]: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوًا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها. [وثالثها]: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا، وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد. واحتجّ أصحاب الشافعيّ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في «سننه» من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريّ -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا شكّ أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلةً، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان». قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن؛ لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه. قال العلائيّ -﵀-: لكن يَرِدُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في «كتاب الضعفاء»، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظرٌ. وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك: [الأول]: الأمر بذلك في قوله -ﷺ-: «ثم ليسجد سجدتين»، وهو صحيح ثابتٌ في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما -﵃-. [والثاني]: التمسك بفعله -ﷺ-، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة. قال العلائيّ -﵀-: وهذا إما على القول بأن فعله -ﷺ- يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله -ﷺ- وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة؛ لأنها مُجمَلة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله -ﷺ-، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح. وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية. وإما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده -ﷺ- قوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده. [والمسلك الثالث]: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجْبَر به. وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في «نظم الفرائد» ص ٣٦٤ - ٣٦٥. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، مع مداومته -ﷺ- على فعله، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا صارفًا، واللَّه تعالى أعلم. ثم رأيت شيخ الإسلام -﵀- نصر هذا الذي رجّحته من كون سجود السهو واجبًا، ودونك نصّه: قال -﵀-: وأما وجوبه فقد أمر به النبيّ -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁- لمجرد الشكّ، فقال: «إذا قام أحدكم يصلّي جاءه الشيطان، فلبس عليه صلاته، حتى لا يدري كم صلّى؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس»، متّفقٌ عليه، وأَمَرَ به فيما إذا طرح الشك، فقال في حديث أبي سعيد -﵁-: «فليطرح الشك، ولْيَبْنِ على ما استيَقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان»، رواه مسلم. وكذلك في حديث عبد الرحمن -﵁-: «ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلّم، ثم يسلّم»، وأَمَر به في حديث ابن مسعود -﵁-، حديثِ التحري قال: «فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسجد سجدتين»، متّفقٌ عليه، وفي لفظ: «هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص؟، فيتحرى الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين»، وفي الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود -﵁-: «فقلنا: يا رسول اللَّه، أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين»، فقد أَمَر -ﷺ- بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده إذا زاد ما نُهِي عنه، أو نقص ما أمر به. ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يُتْرَك مما أمر به إذا تركه ساهيًا، ولم يكن تَرْكُهُ ساهيًا موجبًا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نُهي عنه ساهيًا، فعلى هذا كلُّ مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهيًا، فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بدّ من أحدهما. فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وكذلك إذا نسي طهارتها كما أُمر الذي ترك موضع لُمْعَة من قدمه لم يصبها الماء، أن يعيد الوضوء والصلاة، وكذلك إذا نسي ركعةً، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بدّ من فعل ما نسيه، إما مضمومًا إلى ما صَلَّى، وأما أن يبتدئ الصلاة. فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلِّها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو -ﷺ- لَمَّا سَهَى عن التشهد الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلَّم في الصلاة من ركعتين، أو من ثلاث، صلّى ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولَمّا أذكروه أنه صلّى خمسًا سجدهما بعد السلام والكلام. وهذا يقتضي مداومته -ﷺ- عليهما، وتوكيدهما، وأنه لم يَدَعْهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بينةٌ واضحةٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حُجَّةٌ تقارب ذلك. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه المازريّ -﵀-: أحاديث الباب خمسة: ١ - حديث أبي هريرة -﵁- فيمن شك فلم يَدْرِ كم صلّى؟، وفيه أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما. ٢ - وحديث أبي سعيد -﵁- فيمن شك، وفيه أن يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم. ٣ - وحديث ابن مسعود -﵁-، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام. ٤ - وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام. ٥ - وحديث ابن بُحَينة -﵁-، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. واختَلَف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود -﵀-: لا يقاس عليها، بل تُسْتَعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد -﵀- بقول داود في هذه الصلوات خاصّة، وخالفه في غيرها، وقال: يَسجُد فيما سواها قبل السلام لكل سهو. وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو مُخَيَّرٌ في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص. وقال أبو حنيفة -﵀-: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأوّل بعضَ الأحاديث عليه. وقال الشافعيّ -﵀-: الأصل هو السجود قبل السلام، ورَدَّ بقية الأحاديث إليه. وقال مالك -﵀-: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا فقبله. فأما الشافعيّ: فقال في حديث أبي سعيد: «فإن كانت خامسةً شفعها»، ونَصّ على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود، ويتأول حديث ابن مسعود -﵁- في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه -ﷺ- ما عَلِمَ السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاةٌ جرى فيها سهوٌ، فسها عن السجود وقبل السلام، فتداركه بعده. انتهى. قال النوويّ -﵀- بعد نقل كلام المازريّ هذا: هو كلام حسنٌ نفيسٌ، وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك -﵀-، ثم مذهب الشافعيّ، وللشافعيّ -﵀- قول كمذهب مالك: يفعل بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك: لو اجتمع في صلاة سهوان: سهوٌ بزيادة، وسهوٌ بنقص، سجد قبل السلام، قال القاضي عياض -﵀- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام، أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، واللَّه أعلم. قال الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قال الشافعيّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان، وفيه حديث ضعيف. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال في «الفتح» ما حاصله: ذهب مالك، والمزنيّ، وأبو ثور من الشافعية إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الثاني يسجد بعده، قال: وزعم ابن عبد البرّ أنه أولى من غيره؛ للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر؛ لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح، وادّعاءِ النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً، وكان الحكم على وفقها كانت علّةً، فيعمّ الحكم جميع محالّها، فلا تخصص إلا بنصّ. وتُعُقِّب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جبرٌ أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادةً فهو نقص في المعنى، وإنما سَمَّى النبيّ -ﷺ- سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم. وقال الخطابيّ: لم يَرْجِع مَن فَرَّق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان. وأما قول النوويّ: أقوى المذاهب فيها قولُ مالك، ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى؛ لأنه قال: يُستَعْمَل كلُّ حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما رُوي عن النبيّ -ﷺ- في ذلك لرأيته كلَّه قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام. وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يُفَرَّق فيه بين الزيادة والنقصان، فحرَّر مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر. وأما داود فجرى على ظاهريته، فقال: لا يُشرَع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبيّ -ﷺ- فيها فقط، وعند الشافعيّ سجود السهو كلُّه قبل السلام، وعند الحنفية كلُّه بعد السلام. واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود -﵁-. وتُعُقِّب بأنه لم يَعْلَم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟، وقد اتَّفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة -﵃- لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ. وأجاب بعضهم بما وَقَع في حديث ابن مسعود -﵁- من الزيادة، وهي: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين». وأجيب بأنه معارَضٌ بحديث أبي سعيد -﵁- عند مسلم، ولفظه: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم»، وبه تمسك الشافعية. وجَمَع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونَقَل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ. وتُعُقِّب بأن إمام الحرمين نَقَل في «النهاية» الخلاف في الإجزاء عن المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نَقَل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيُجْمَع بأن الخلاف بين أصحابه. والخلافُ عند الحنفية، قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام رُوي عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أداء قبل وقته، وصَرَّح صاحب «الهداية» بأن الخلاف عندهم في الأولوية. وقال ابن قدامة في «المقنع»: مَن تَرَك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل. ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود -﵁-؛ لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلِّي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسةً، ثم سلَّم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصحّ صلاته، ولم يُنْقَل في حديث ابن مسعود -﵁- إضافة سادسة، ولا إعادةٌ، ولا بُدّ من أحدهما عندهم، قال: ويَحْرُم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح مما سبق من عرض آراء العلماء في مسألة كون سجود السهو قبل السلام، أو بعده، وذكر أدلّتهم أن الأرجح هو القول بالتخيير بين السجود قبل السلام أو بعدها فيما لا نصّ فيه. والحاصل أن ما جاء النصّ فيه بأن النبيّ -ﷺ- سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما جاء أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام على موافقة النصّ، وما ليس فيه نصّ فالساهي بالخيار، إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء سجد بعد السلام. قال الشوكانيّ -﵀-: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله -ﷺ- من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مُقيَّدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يَرِد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص؛ لما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين». وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى كلامه -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- ترجيح ما رجّحته، أحببت إيراده هنا تكميلًا للفائدة، قال -﵀- بعد إيراده المذاهب، وأدلتها: وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرِّي، والشكِّ مع البناء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلِّها فيه الفرق المعقول، وذلك أنه إذا كان في نقص، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرُها يكون قبل السلام؛ لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة، وإذا كان من زيادة كركعة، لم يُجمَع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة، جُبِر بها نقص صلاته، فإن النبيّ -ﷺ- جعل السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتَحَرَّى، فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، فيكون بعد السلام، ومالك لا يقول بالتحرِّي، ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك إذا سَلَّم، وقد بقي عليه بعض صلاته، ثم أكملها، فقد أتمها، والسلام منها زيادةٌ، والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان. وأما إذا شك، ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلَّى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلّى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته؛ ليكون كأنه قد صلّى ستّا لا خمسًا، وهذا إنما يكون قبل السلام، ومالك هنا يقول: يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه، هو الذي يُستَعْمَل فيه جميع الأحاديث، لا يُترك منها حديثٌ، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يُشبهه من المنصوص. ومما يُوَضِّح هذا أنه إذا كان مع السلام سهوٌ سجد بعد السلام، فيقال: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة، كركعة ساهيًا، أو ركوع، أو سجود ساهيًا، فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام، فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول، أو شك وبنى على اليقين. وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، يقال له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يكون كلُّه قبل السلام، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام، عُلِم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام، وهذا معارَضٌ بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة، وهذه الأمور دعاوي لا يقوم عليها في ليل، بل يقال: التحريم أوجب السجود الذي يُجبَر به الصلاة. ويقال: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان، ومعارَضةٌ له بنقيض قصده، فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة، فأُمر العبد أن يُرغِمه، فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام؛ ليكون زيادة في عبادة اللَّه، والسجود للَّه، والتقرب إلى اللَّه الذي أراد الشيطان أن يَنقُصه على العبد، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته، فأمره اللَّه أن يُتِمَّ صلاته، وأن يُرغم الشيطان، وعفا اللَّه للإنسان عما زاده في الصلاة نسيانًا، من سلام، وركعة زائدة، وغير ذلك، فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقرُّبه ناقصًا لنقصه فيما ينساه، فأمره اللَّه أن يُكَمِّل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، واللَّه أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو: رَوَى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ههنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة. وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما. وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما. وعن علقمة أنه صلّى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما. وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائيّ -﵀- في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلِّي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه سجد للسهو بعدما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته، كما ستأتي الأحاديث المبيِّنة لذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو: (اعلم): أنهم اختَلَفوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام أم لا؟ أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟. فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -﵁- أنه يتشهد فيها، ويسلّم، وعن حماد بن أبي سليمان، والْحَكَم كذلك، وعن إبراهيم النخعيّ أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة. وقال آخرون: لا تشهّد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه. وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهّد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إليّ أن يتشهّد فيهما. وحكى ابنُ عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلّم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين. وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض -﵀-: مذهب مالك: أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهّد لهما، ثم يسلّم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟ واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه، هل يتشهّد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟. وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لا بدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات. ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهّد بعد سجدتي السهو، ثم يسلّم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام؛ لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا. هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعدما سلّم، ويكون كالمسبوق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعدما سلّم لم يكن خارجًا من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه؛ لأن نيته تغيير للمشروع. وقال أحمد -﵀-: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهّد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلّقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام. وأما مذهب الشافعيّ -﵀-، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهّد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائى -﵀-، وتركتها اختصارًا . وقد ذكر العلائي -﵀- أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال: أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- في حديث ذي اليدين أن النبيّ لمّا أتم الصلاة، وسلّم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسّان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة -أعني قوله: «كبّر، ثم كبّر»-. وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها. فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددًا منه، فكانت مردودة. والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في «الصحيح» من قول أبي هريرة -﵁-: فصلّى ركعتين، ثم كّبر، ثم سجد، ثم كبّر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبّر فرفع. قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ «ثم» التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود. قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحْتَمِلٌ، أو قريب من الظهور. وأقوى ما يُستدَل به لذلك ما ثبت عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين -﵄- عند مسلم. والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام. ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجودَ السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكبيرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: «وتحليلها التسليم»، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل. وأما التشهّد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين -﵄-، أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك. ولم يخرّج الشيخان له شيئًا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد ذكره ابن عديّ في كتابه «الكامل في الضعفاء»، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟. والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهّد. ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد سياقه حديث أبي هريرة -﵁-، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلّم، فلم يذكر مع السلام تشهّدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرًّة واحدة. وفي «صحيح البخاري» عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهّد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهّد. وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به. ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت». ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه. قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرًّة: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه. وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا؛ لأنه كان صغيرًا جدًّا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة: هل تذكر من عبد اللَّه شيئًا؟، قال: لا. وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيئ الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة. قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، وُيحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهّد حديث، فاللَّه أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه اللَّه تعالى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة التشهّد في أحاديث السهو لا يثبُت؛ لمخالفة من زادها لجماعة الحفّاظ، مع أنهم قد تُكلّم فيهم، وقد كنت رجّحت في «شرح النسائيّ» ثبوتها، لكن الآن ترجّح لي هذا، كما قاله ابن عبد البرّ، والنوويّ، وأقرهما العلائيّ، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٢٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) بإسناد الزهريّ السابق، نحو حديثه، وهو: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-. [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٧٢٤٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: «يأتي أحدكم الشيطان، وهو في صلاته، فيُلْبِس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليسجد سجدتين، وهو جالس». انتهى. وأما رواية الليث، فقد ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٣٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيلبس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصري، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ. ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد مرّ ذكرهم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة. ٦ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتَهَر بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث أبا سلمة ومن معه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ) أي بألفاظ الأذان المعهودة (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَر النهار دُبُورًا، من باب قَعَد: إذا وَلَّى، وانصرَمَ ، وأدبر بالألف مثله، والألف واللام في»الشيطان«للعهد، والمراد الشيطان المعهود، قاله في»العمدة«. وقال في«الفتح»: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، ويَحْتَمِل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل مُتَمَرِّد من الجنّ والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجنّ خاصة. انتهى . (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة في محل نصب على الحال من«الشيطان»، و«الضُّرَاط»-بالضم- اسم من ضَرِطَ يَضْرَطُ، من باب تَعِبَ، ضَرِطًا، مثل كَتِفٍ، فهو ضَرِطٌ، وضَرَطَ، ضَرْطًا، من باب ضَرَب لغةٌ، قاله في«المصباح»، وهو: ريحٌ له صوت، يَخْرُج من دُبُر الإنسان، وغيره. قاله في«المنهل» . ثم إن خروج الضُّرَاط من الشيطان حقيقةٌ، كما قاله القاضي عياض -﵀-؛ لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة. وقال العينيّ -﵀-: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هُرُوبه من سماع الأذان بحال من خَرَقه أمر عظيم، واعتراه خَطْبٌ جسيم، حتى لم يزل يَحْصُل له الضُّراط من شدّة ما هو فيه؛ لأن الواقع في شدّة عظيمة؛ من خوف، وغيره تسترخي مفاصله، ولا يَقْدِر على أن يَمْلِك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط. ولما كان الشيطان لعنه اللَّه يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرُب حتى لا يسمع الأذان؛ شُبِّه حاله بحال ذلك الرجل، وأُثبت له على وجه الادّعاء الضُّراط الذي يَنشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثَمَّ ضُراطٌ، ولكن يجوز أن يكون له ريحٌ؛ لأنه رُوحٌ، ولكن لم تُعْرَف كيفيته. وقال الطيبيّ -﵀-: شُبِّهَ شَغْل الشيطان نفسَهُ عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمعَ، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطًا تقبيحًا له انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ، ونقله أيضًا عن الطيبيّ، من نفي حقيقة الضراط، وأن الكلام مجازٌ خرج مخرج التمثيل فقط، غير صحيح؛ لأنه من التعسّف، وتأويل النصّ دون حاجة، بل الصواب أن الضراط ثابت حقيقةً، كما أثبته هذا الحديث الصحيح، وأيُّ مانع يَمنع منه؟، حتى يُحرَّف النص الصريح عن ظاهره، فما سبق عن القاضي عياض -﵀- هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، واللَّه الهادي إلى الصواب. (حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ) علّة للضُّراط، أي إنما يفعل ذلك ليَشْغَل نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يَشْهَد للمؤذن يوم القيامة، لما في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- مرفوعًا: «لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلا شَهِدَ له يوم القيامة»، رواه البخاريّ، وهو داخل فيه، وقيل: حتى غاية لإدباره، قاله في «العمدة». قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الأول أقرب إلى المعنى؛ إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان، مع أنه لا يَهْرُب عن القرآن، وهو أفضل من الأذان: هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن، كما دلّ عليه حديث أبي سعيد -﵁- المذكور، فيكون خروج الضُّراط منه حين هروبه من أجل خوفه، وُصُولَ صوت المؤذّن إليه خلال هُرُوبه، ودخوله في أذنه، فظهر كون قوله: «حتى لا يسمع» علة للضراط، واللَّه تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «حتى لا يسمع الأذان»، ظاهره أنه يتعَمَّد إخراج ذلك، إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يُخرِجه عن سماع المؤذن، أو يَصْنَع ذلك استخفافًا، كما يفعله السفهاء. ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يَحصُل له عند سماع الأذان شدّة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها. ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث. واستُدِلَّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: «حتى لا يسمع» ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية للمصنّف تقدّمت في «الأذان» من حديث جابر -﵁-، فقال: «حتى يكون مكان الرَّوْحَاء»، وحَكَى الأعمش عن أبي سفيان، راويه عن جابر أن بين المدينة والرَّوْحاء ستة وثلاثين ميلًا. هذه رواية قتيبة، عن جرير، عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق، عن جرير، ولم يسق لفظه، ولفظ إسحاق في مسنده: «حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة»، فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قتيبة. انتهى . (فَإذَا قُضِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الْأَذَانُ) أي فُرغ منه، والقضاء يأتي لمعان كثيرة، فهو هنا بمعنى الفراغ، يقال: قضيت حاجتي، أي فرغت منها، وانتهيت من أمرها (أَقْبَلَ) أي توجه إلى المصلِّي حتى يُلَبّس عليه صلاته (فَإاذَا ثُوِّبَ بِهَا) -بضم المثلّثة، وتشديد الواو المكسورة، مبنيًّا للمفعول-: أي أُقيم للصلاة، والتثويب هنا بمعنى الإقامة. ومعنى التثويب في الأصل: الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وأصله أن يُلَوّح الرجل لصاحبه بثوبه، فيديره عند أمر يُرْهِقه من خوف، أو عدوّ، ثم كَثُر استعماله في كل إعلام يُجهَر به، وإنما سميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه عَوْد إلى النداء، من ثاب إلى كذا: إذا عاد إليه. أفاده في «العمدة» . (أَدْبَرَ) أي ولّى الشيطان حتى لا يسمع التثويب (فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ) وفي نسخة: «حتى يَخْطِر»، وهو: -بضم الطاء وكسرها- لغتان، حكاهما القاضي عياض في «المشارق»، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، وقد تقدّم تمام البحث فيه في كتاب «الصلاة» . (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بين المرء، وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها. قال في «العمدة»: وبهذا التفسير -يعني تفسير النفس بالقلب- يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتَصَوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلًا لغاية قربه منه. انتهى . (يَقُولُ: اذْكرْ كَذَا، اذْكرْ كَذَا) هو كناية عن أشياء غير متعلّقة بالصلاة، وكرّره للتأكيد (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيء لم يكن يتذكّره المصلّي قبل دخوله في الصلاة، وزاد في رواية عبد ربه، عن الأعرج التالية: «فَهَنَّاه، ومَنَّاهُ، وذَكَّره من حاجته ما لم يَذْكُرْ». (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أي كي يصير الرجل لا يعلم كم صلّى، فـ «حتى» غاية لوسوسة الشيطان، و«يظلّ» بالظاء، من باب تَعِب، أي يصير، و«إن» بكسر الهمزة نافية، و«يدري» بمعنى يعلم، أي إنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يعلم كم صلّى من الركعات، أثلاثًا، أم أربعًا؟. (فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) فيه أنه لا زيادة على السجدتين، وإن سها عن أمور متعدّدة. (وَهُوَ جَالِسٌ») أي حال كونه جالسًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، وَلَّى وَلَهُ ضُرَاطٌ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: «فَهَنَّاهُ، وَمَنَّاهُ، وَذَكَرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن جدّه قيس، وأبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومَخْرَمة بن سليمان، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم. ورَوَى عنه عطاء، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وعمرو بن الحارث، وما لك، والليث، وشعبة، والسفيانان، والمبارك بن فَضَالة، وحماد بن سلمة، وابن لَهِيعة. قال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد القطان: كان وقّادًا حَيّ الفُؤاد، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة مدنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يُحْتَجّ بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، دون أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعزّ إخوته حديثًا. قال عمرو بن عليّ، وغير واحد: مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال خليفة، وابن قانع، وغيرهما: مات سنة (١٤٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٣٨٩) و(٧٦٣) و(١١٠٨) و(١١٠٩) وأعاده بعده، و(٢١٩٤) و(٢٢٠٤) و(٢٢٦١) وكرّره ثلاث مرات. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ [٧] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون تقدّموا قبل باب، و«عمرو»: هو ابن الحارث. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير عبد الرحمن الأعرج، أي ذَكَر عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- نحو حديث أبي سلمة، عنه. وقوله: (فَهَنَّاهُ، وَمنَّاهُ) الأول من التهنئة، خُفِّف لأجل قرينه، وهو منّاه، وهو من التمنية، أي فذكّره الْمَهَانِئ، والأَمَانِيّ، قال ابن الأثير -﵀-: والمراد به ما يَعْرِض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان، يقال: هَنَأَنِي الطَّعَامُ يَهْنَؤُنِي، وَيهْنِئُنِي، وَيهْنَأُنِي، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تَهَنَّأْتُ بِهِ، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبٍ فهو هَنِيءٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِئُ، هذا هو الأصلُ بالهمز، وقد يُخَفَفُ، وهو في هذا الحديث أشبه؛ لأجل «مَنَّاهُ». انتهى كلام ابن الأثير -﵀- . وقال الفيّوميّ -﵀-: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تَيَسَّرَ، من غير مشقّة، ولا عَنَاءً، فهو هَنِئٌ، ويجوز الإبدال والإدغام، وهَنَأَنِي الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموز، من بابي نَفَعَ وضرَب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ الولد بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميٌّ، ومعناه: سَرَّنِي، فهو هانِئٌ، وبه سُمِّي، وهَنَاتُهُ هَنْئا باللغتين أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي: ساغ، ولَذَّ، وأكلته هَنِيئًا مَرِيئًا: أي بلا مَشَقَّة، وَيهْنُؤُ بضم المضارع في الكلّ لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزًا مما ماضيه بالفتح غيرُ هذا الفعل، وهَنَّأتُهُ بالولد بالتثقيل، وباسم المفعول سُمِّيَ. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- . [تنبيه]: رواية الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سلمة، ساقها الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ١٦٦) فقال: (١٢٤٨) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرة بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن الشيطان إذا ثُوِّب بالصلاة وَلَّى وله ضُرَاطٌ، فإذا فُرخ منها رجع يلتمس الخلاط، فيأتي الإنسانَ فَهَنَّاه ومَنّاه، وذَكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلّى؟». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٤٢)

١. بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلّثة، بعدها دال مهملة.

٢. هو مؤمّل بن إسماعيل أحد الراويين لهذا الحديث عن الثوريّ في «مسند أحمد»، والحديث برقم (٢٢٥٣٥).

٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٤. وفي نسخة: «عن النبيّ -ﷺ-».

٥. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٦. وفي نسخة: «مثل حديثهما».

٧. ووقع عند مسلم بدله:«وهُشيم».

٨. «لسان العرب»١٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧.

٩. «الكليّات»(ص ٥٠٦).

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٣.

١١. «شرح الشيخ الشنقيطيّ» ١/ ٧٥.

١٢. هذا الحديث مكرّر في ترقيم محمد فؤاد، تقدّم في «الأذان»، ولذا أعاده بنفس الرقم الذي سبق هناك، فتنبّه.

١٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٤. «المرعاة» ٣/ ٣٩٤.

١٥. «شرح النووي» ٥/ ٥٧.

١٦. «النهاية» ٤/ ٢٢٦.

١٧. «المفهم» ٢/ ١٧٧ - ١٧٨.

١٨. يقال: نكح النعاس عينه: غلبها. انتهى. «القاموس» ١/ ٢٥٤.

١٩. «المفهم» ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.

٢٠. «شرح النوويّ» ٥/ ٥٧ - ٥٨.

٢١. راجع: «نيل الأوطار» في هذا ٣/ ١٤١ - ١٤٢.

٢٢. «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ٥/ ٥٦.

٢٣. «الفتح» ٣/ ١١٣ - ١١٤ «كتاب السهو» رقم (١٢٢٦).

٢٤. «نيل الأوطار» ٣/ ١٣٤.

٢٥. راجع: كتابه «نظم الفرائد» (ص ٣٤٧ - ٣٥٠).

٢٦. وفي نسخة: «وحدّثناه».

٢٧. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٨. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٩. وفي نسخة: «أقبل حتى يخطر».

٣٠. راجع: «المصباح» ١/ ١٨٨ - ١٨٩.

٣١. «عمدة القاري» ٥/ ١١١.

٣٢. «الفتح» ٢/ ١٠٢.

٣٣. «المنهل العذب المورود» ٤/ ١٧٥.

٣٤. «عمدة القاري» ٥/ ١١١.

٣٥. «الفتح» ٢/ ١٠٢.

٣٦. «عمدة القاري» ٥/ ١١٢.

٣٧. راجع: شرح الحديث رقم [٨/ ٨٦٥] (٣٨٩).

٣٨. «عمدة القاري» ٥/ ١١٢.

٣٩. وفي نسخة: «وحدّثني».

٤٠. «النهاية» ٥/ ٢٧٧.

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٢.

٤٢. وقع في النسخة بلفظ: «الأنساب» بالباء بدل «الإنسان»، وهو تصحيف، فتنبّه.