HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٧١

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ. وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأربع، كانت ترغيما للشيطان».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص84
ج ١ ص ٤٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٥٦٠
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ: في آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ) قال النوويّ -﵀-: الصواب في هذا أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب «ابن بُحينة» بالألف؛ لأن عبد اللَّه هو ابن مالك، وابنُ بُحينة، فمالك أبوه، وبُحينة أمه، وهي زوجة مالك، فمالك أبو عبد اللَّه، وبُحينةُ أم عبد اللَّه، فإذا قُرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب، ولو قرئ بإضافة مالك إلى «ابن» فَسَدَ المعنى، واقتضى أن يكون مالك ابنًا لبحينة، وهذا غلطٌ، وإنما هو زوجها. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو حسنٌ، وقد أسلفت البحث عنه قريبًا، فلا تنس نصيبك، وباللَّه تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٦] (٥٧١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَح الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد اللَّه الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (مُوسَى بْنُ دَاوُدَ) الضبّيّ، الْخلْقَانيّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف- أبو عبد اللَّه الطّرَسُوسيّ، كوفيّ الأصل، سكن بغداد، صدوقٌ فقيهٌ زاهدٌ، له أوهام، من صغار [٩]. ورَوَى عن جرير بن حازم، ومُبارك بن فَضَالة، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، ويزيد بن إبراهيم التستُريّ، ومالك، والثوريّ، وشعبة، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وعليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن معمر الْبَحْرانيّ، وزيد بن أخرم الطائيّ ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزديّ، وغيرهم. قال ابن نُمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، صاحب حديث، وَلي قضاء طَرَسوس إلى أن مات بها، وقال ابن عمار الموصليّ: كان قاضي الْمِصِّيصة، وكان زاهدًا، صاحب حديث، ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب، وقال الدارقطنيّ: كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا، وولي قضاء الثُّغُور، فحُمِد فيها، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذَكَر الجاحظ أنه كان فصيحًا خطيبًا فاضلًا. قال ابن سعد: مات سنة سبع عشرة ومائتين، وقال مطين: مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين. روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط. قلت: أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، واستَشْهَد به الترمذيّ في حديثٍ في صيام التطوع. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عُمر، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من سليمان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ) أي في عدد الركعات التي صلّاها (فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى) وقوله: (ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا) منصوب على التمييز رافع إبهام العدد في»كم«(فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ) وفي رواية النسائيّ:»فليُلغ الشكّ«، من الإلغاء، وفي نسخة منه:»فليُلق الشكّ« من الإلقاء، وكلها بمعنى واحد. والمراد أنه يَطرَح المشكوك فيه، وهو الزائد، فلا يأخذ به في البناء، يعني الركعة الرابعة (وَلْيَبْنِ) بكسر اللام، وسكونها؛ تخفيفًا (عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) بالبناء للفاعل، أي عَلِم يقينًا، وهو: استفعال من يَقِنَ الأمرُ يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستَعمَل مُتعدّيًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتُهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي علمته، قاله الفيّوميّ . والمعنى: أنه يُتمّ صلاته على المستَيقَن، أي المعلوم يقينًا، وهو الأقلّ، فلا يقال: إنه لا يقين مع الشكّ؛ لأن المراد باليقين هنا المتيقّن، فإذا شكّ هل صلّى ثلاثًا، أم أربعًا؟ فالمتيقَّن هو الثلاث، فليطرح الرابعة المشكوك فيها، وليبن على الثلاث المتَيَقَّن. وهذا فيما إذا لم يترجّح له أحد الطرفين، وإلا فليَبْنِ على ما ترجّح له، ثم ليسجد سجدتي السهو بعد السلام، عملًا بالأحاديث الآتية، وبهذا تجتمع الأدلة من غير إلغاء لبعضها، وسياتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) يَحْتَمل أن يكون «يسجد» بالجزم عطفًا على «يَبْنِ»، ويَحْتَمل أن يكون بالرفع خبرًا، وهو بمعنى الأمر، واللَّه تعالى أعلم. وفي النسائيّ: «فإن استيقن بالتمام، فليسجد سجدتين، وهو قاعد»، أي إن علم بتمام صلاته بإتيانه بالركعة المشكوك فيها، فليسجد سجدتين جالسًا. وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) فيه أن محل السجدتين إذا لم يترجّح له أحدُ الطرفين يكون قبل السلام. [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث ابن مسعود -﵁- الآتي حيث إنّ فيه أن محلهما بعد السلام. [أجيب]: بأنه لا تعارُض بينهما؛ لأن هذا فيما إذا لم يكن له ميل إلى أحد الطرفين، وذاك محمول على ما إذا كان له تَحَرّ ومَيْلٌ إلى أحد الطرفين، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) أي أتى بركعة خامسة سهوًا في صلاة رباعيّة، وهو تعليلٌ بالأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلّاه في الواقع أربعًا، فصار خمسًا بإضافته إليه ركعةً أخرى (شَفَعْنَ) بتخفيف الفاء، وتشديدها، قاله في «المرعاة» ، والتشديد محلّ نظر (لَهُ صَلَاتَهُ) قال القرطبيّ -﵀-: النون في «شَفَعْن» هي نون جماعة المؤنّث، وعادت على معنى فَعَلات السجدتين، مشيرًا إلى ما فيها من الأحكام المتعدّدة. انتهى . وقال الطيبيّ: الضمير في «شفعن» للركعات الخمس، وفي «له» للمصلّي، يعني شفعت الركعات الخمس صلاةَ أحدكم بالسجدتين، يدلّ عليه قوله في الرواية الأخرى: «شفعها بهاتين السجدتين»، أي شفع المصلّي الركعات الخمس إلى السجدتين. وقال ابن حجر الهيتميّ: «شفعن» أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: «كانت الركعة نافلةً والسجدتان»، أي وصارت صلاته شفعًا باقيًا على حاله. انتهى. وفي رواية النسائيّ: «شفعتا له صلاته»، أي صيّرت السجدتان صلاته شفعًا بعد أن كان وترًا بالخامسة، فكان كأنه صلّى ستّ ركعات. ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أنه إن أتمّ صلاته، وزاد ركعة خامسةً سهوًا، فالسجدتان تجعلان تلك الركعة الزائدة شفعًا، فكأنه صلّى ركعتين نافلةً بعد الفريضة، والمعنى الأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: يعني أنه لَمّا شكّ هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا؟ وبنى على الثلاث، فقد طرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فَعَلَها، فإن كان قد فَعَلها فهي خمسٌ، وموضوع تلك الصلاة شفعٌ، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعيّة، فلَمّا سَجَدَ سجدتي السهو ارتفعت الوتريّة، وجاءت الشفعيّة المناسبة للأصل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . (وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا) قال الطيبيّ -﵀-: إما مفعول له، أو حال من الفاعل، أي صلّى ما شكّ فيه حال كونه متمًّا (لِأَرْبَعِ) فيكون قد أدّى ما عليه من غير زيادة، ولا نقص (كَانَتَا) أي السجدتان (تَرْغَيمًا لِلشَّيْطَانِ») أي إغاظةً وإذلالًا له، مأخوذ من الرُّغام بالضمّ، وهو التُّراب، ومنه أرغم اللَّه أنفه. والمعنى أن الشيطان لَبَسَ عليه صلاته، وتعرّض لإفسادها ونقصِها، فجعل اللَّه تعالى للمصلِّي طريقًا إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغامِ الشيطان، وردّه خاسئًا مُبعَدًا عن مراده، وكَمُلت صلاة ابن آدم لَمّا امتثل أمر اللَّه تعالى الذي عَصَى به إبليسُ، من امتناعه من السجود، قاله النوويّ -﵀- . قال القاضي: القياس أن لا يسجد؛ إذ الأصل أنه لم يزد شيئًا، لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين: إما الزيادة، وإما أداء الرابعة على تردّد، فيسجد جبرًا للخلل، والتردّدُ لَمّا كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سُمّي جبره ترغيمًا له. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«كانتا ترغيمًا للشيطان»معناه: غيظًا للشيطان، ومَذلّةً له؛ لأنه لَمّا فَعَلَ أربع ركعات أتى بما طُلِب منه، ثم لَمّا انفصل زاد سجودًا للَّه تعالى لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردّد، فحصل للشيطان نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطالَ الصلاة، فقد صحَّت، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر. انتهى . ولأبي داود:«وكانت السجدتان مُرْغِمتي الشيطان»، أي مُغيظتين، ومُذلّتين له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فحديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٢٧٦ و١٢٧٧] (٥٧١)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(النسائيّ) في«السهو»(١٢٣٨ و١٢٣٩) وفي«الكبرى»(١١٦١ و١١٦٢)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(١٢١٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٧٢ و٨٣ و٨٤ و٨٧)، (والدارميّ) في«سننه»(١٥٠٣)، (وابن خزيمة) في«صحيحه»(١٠٢٣ و١٠٢٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٦٦٣ و٢٦٦٩)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٢٤١)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ٤٣٣)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٩٠٤ و١٩٠٥ و١٩٠٦ و١٩٠٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٢٥٣ و١٢٥٤)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(١/ ٣٧٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٣٣١)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (٧٥٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بإتمام المصلِّي صلاته إذا وقع له الشكّ على المستَيْقَن المعلوم، وهو الأقلّ. ٢ - (ومنها): مشروعية سجدتي السهو لمن وقع له الشك في صلاته. ٣ - (ومنها): بيان أن السجدتين تجعلان الصلاة شفعًا لمن زاد، فصلّى خمسًا، ومُرْغِمتان للشيطان لمن صلّى أربعًا، ولم يزد. ٤ - (ومنها): أن الشيطان يَذِلّ بسبب هاتين السجدتين حيث وُفّق لهما ابن آدم، ولم يُوفَّق هو، بل أبى أن يمتثل أمر ربه، واستكبر، وكان من الكافرين. ٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ -﵀-: في هذا الحديث بيان فساد قول من ذهب إلى أن من صلّى خمسًا يُضيف إليها سادسةً، إن كان قد قعد في الرابعة، واعتلّوا بأن النافلة لا تكون ركعةً، وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القائلون بهذا هم الحنفيّة، وقد أجاد الخطابيّ -﵀- في ردّه؛ لأنه رَأْي محضٌ مقابلة النصّ، فيكون فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الوافر] إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاح لكن الخطابيّ -﵀- وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، فيه نظر لا يخفى، فإن الحديث نصّ على أن السجدتين تشفعان صلاته، فيكون في حكم من صلّى شفعًا، فليست الركعة وحدها نافلة، بل مع السجدتين، خلاف ما يفيده قول الخطابيّ، فتبصّر. ٦ - (ومنها): أن هذا الحديث فيه تفصيل ما أُجمل في حديث أبي هريرة -﵁- المتقدِّم، فيكون عليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه، وقد سبق بيان ذلك. ٧ - (ومنها): أن فيه الردّ على من فصّل في الشكّ من كونه أول ما سَهَى، أو ثانيًا؛ لأن الحديث مطلقٌ، وهو أرفق بالناس، والنبيّ -ﷺ- أُرسل رحمة، ورأفة لهم. ٨ - (ومنها): أنه احتجّ به الجمهور مالك، والشافعيّ، ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه، من وجوب طرح الشكّ، والبناء على المتيَقَّن، أي الأقلّ، وعدم إجزاء التحرّي، لكن سيأتي تعقّبه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الرواة في حديث أبي سعيد -﵁- هذا بالوصل والإرسال، وترجيح وصله؛ لكثرة من رواه كذلك: قال الحافظ ابن رجب في «شرح البخاري» ما حاصله: حديث أبي سعيد -﵁- أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه، وأخرجه أيضًا من رواية داود بن قيس، عن زيد بن أسلم به. وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، وفُليح بن سليمان، وغيرهم، عن زيد بن أسلم كذلك. وكذلك رَوَيناه من حديث عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد، والمعروف من رواية ابن عجلان أنه لم يذكر في حديثه: «قبل السلام». وكذا رواه أبو غسّان، وغيره عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في «الموطأ»، والثوريّ، ويعقوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا. ووصله الوليد بن مسلم وغيره عن مالك، وليس بمعروف عنه وصله. ووصله بعضهم عن الثوريّ أيضًا. ولعل البخاريّ ترك تخريجه لإرسال مالك والثوريّ له. وحكم جماعة بصحة وصله، منهم الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وقال أحمد: أذهب إليه، قيل له: يختلفون في إسناده؟ قال: إنما قَصّر به مالك، وقد أسنده عدّة، فذكر منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة. ورواه الدراورديّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ذكره الدارقطنيّ، وقال: القول قول من قال: «عطاء، عن أبي سعيد». وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر من رواية عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدّثني هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد الخدريّ -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا صلّى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص؟ فليسجد سجدتين، وهو جالس»، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن. وأخرجه النسائيّ، وزاد في رواية له: «ثم يسلم»، وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله. ورَوَى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يَدْرِ واحدةً صلّى، أو اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلّى، أو ثلاثًا؟ فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم»، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وله علّة ذكرها ابن المدينيّ قال: وكان عندي حسنًا حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلًا، وسمع إسناده من حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن مكحول، قال: يُضَعَّف الحديث من ههنا -يعني من جهة حسين الذي يرجع الإسناد إليه-. وأخرجه أحمد عن ابن عُليّة، عن ابن إسحاق كما ذكره ابن المدينيّ، وكذلك رواه عبد اللَّه بن نمير، وعبد الرحمن المحاربيّ، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا، وعن حسين، عن مكحول متصلًا. ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول، مرسلًا، ذكره الدارقطني. وأخرجه أحمد أيضًا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-. وإسماعيل هو المكيّ ضعيف جدًّا، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصحّ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدارقطنيّ. ورَوَى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عُمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذا لم يدر أحدكم كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا؟ فليركع ركعتين، يحسن ركوعهما وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين»، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. والبخاريّ يخرج من هذه النسخة كثيرًا، لكن هذا رواه مالك في «الموطأ» عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه موقوفًا، قال الدارقطنيّ: رفعه غير ثابت، وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ رفعه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا، فليبن على أتمّ ذلك في نفسه، وليس عليه سجود، قال: فكان الزهريّ يقول: يسجد سجدتي السهو، وهو جالس. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- ببعض تصرف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- المذكور في الباب صحيحٌ، كما رأي المصنّف، حيث أخرجه في «صحيحه»، ولا يؤثر في صحته رواية من أرسله، كما قال الإمام أحمد، والدارقطنيّ؛ لكثرة من وصله، وأرجحيّتهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسألة الشكّ في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في المصلِّي يشكّ في صلاته، فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، هذا قول عبد اللَّه بن مسعود، وبه قال سالم بن عبد اللَّه، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلّى؟، أعاد حتى يَحْفَظ، رُوي هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وشُريح، والشعبيّ، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون، وبه قال الأوزاعيّ في رجل سها في صلاته، فلم يدر كم صلّى؟. وقالت طائفة: يُعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي السهو للتطوّع، رُوي هذا القول عن سعيد بن جُبير، خلاف الرواية التي وافق فيها شُريحًا، والشعبي. وقالت طائفة رابعة بظاهر الحديث الذي رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «يأتي الشيطان أحدكم، فيلبس عليه صلاته، فلا يدري أزاد، أو نقص، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس» مُتَّفَقٌ عليه. وممن قال بهذا القول أبو هريرة -﵁-، فإنه قال: إذا خطر الشيطان بين قلب أحدكم، وبين صلاته، فلم يدر كم صلّى؟ يسجد سجدتي الوهم، وقال أنس بن مالك، والحسن البصريّ: إذا شكّ في ثلاث، أو أربع، فإنه يسجد سجدتي السهو. وفيه قول خامس: قال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس -﵄-، قال: إن نسيت المكتوبة، فعُدْ لصلاتك، قال عطاء: لم أسمع منه في ذلك غير ذلك، ولكن بلغني عنه، وعن ابن عمر أنهما قالا: فإن نسيت الثانية فلا تعد لها، وصلّ على أحرز ذلك في نفسك، ثم اسجد سجدتين بعدما تسلِّم، وأفت جالس. وفيه قول سادس: رَوَينا عن سعيد بن جبير، وعطاء، وميمون بن مهران أنهم كانوا إذا شكّوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يُعيدوا. وفيه قول سابع: في الإمام لا يدري كم صلّى، قال: ينظر ما يصنع مَنْ وراءه، هذا قول النخعيّ، وقال عطاء: يوشك أن يُعَلِّمَهُ مَنْ وراءه. وفيه قول ثامن: قاله مكحول فيمن شكّ، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا؟ قال: فليركع ركعة حتى تكون صلاته إلى الزيادة أقرب منها إلى النقصان، ولا يسجد للسهو، فإنه ليس بسهو. قال ابن المنذر -﵀-: في حديث أبي هريرة -﵁- يعني الآتي في هذا الباب-، وأبي سعيد -يعني المذكور هنا- إثبات سجود السهو على الشاكّ في صلاته، وفي حديث ابن عباس ، وأبي سعيد أَمْرُ النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- الشّاكَّ أن يبني على اليقين، ثم يسجد للسهو، فقبول الزيادة التي زادها أبو سعيد وابن عباس -﵃-؛ لأنهما حفظا ما لم يحفظه أبو هريرة -﵁-، فوجب قبولُ ما حُفظ من الزيادة مما لم يحفظه أبو هريرة، كما يجب قبول خبر لو تفرّد به كلّ واحد منهما عن رسول اللَّه -ﷺ-. فإذا شكّ المصلي في صلاته، ولم يكن له تحرٍّ، ولم يمل قلبه إلى أحد العددين، فإنه يَنظر إلى ما استيقن أنه صلّى، فيحتسب به، ويُلْقِي الشكّ، وَيبْنِي على اليقين، ويسجد سجدتي السهو قبل التسليم على ما في حديث ابن عباس -﵄-، فإن مال قلبه إلى أحد العددين، فقد اختُلف في ذلك. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. وقال عند الكلام على حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا ما ملخّصه: وقد اختلفوا في تأويله -يعني حديثَ ابن مسعود -﵁- فقالت طائفة من أصحاب الحديث: خبر ابن مسعود هذا، وخبر ابن عباس، وأبي سعيد الخدري ثابتة كلها يجب القول بها في مواضعها، فإذا شكّ المصلّي في صلاته، وله تحرٍّ، والتحرّي أن يميل قلبه إلى أحد العددين، وجب عليه والحديث أخرجه مالك في «الموطّأ» ١/ ٩٥ مرسلًا، وأبو داود في «سننه» من طريقه رقم (١٠٢٦). استعمال حديث عبد اللَّه بن مسعود، ويبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد اللَّه بن مسعود، وإذا لم يكن له تحرٍّ، ولا يميل قلبه إلى أحد العددين بَنَى على اليقين، على ما في حديث ابن عبّاس وأبي سعيد -﵄-، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول هو الراجح عندي، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى. وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى، فسها في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلّى أم أربعًا؟ وذلك أول ما سها، فعليه أن يستقبل الصلاة، فإن لقي ذلك غير مرّة تحرّى الصواب، فإن كان أكبر رأيه أنه قد أتمّ مضى على صلاته، وإن كان أكبر رأيه أنه صلَّى ثلاثًا أتمّ الرابعة، ثم يتشهّد، ويسلّم، ويسجد سجدتي السهو. وكان أحمد بن حنبل يقول: الشكّ على وجهين: اليقين، والتحرّي، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث عبد الرحمن بن عوف ، وأبي سعيد -﵄-، وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر الوهم سجد سجدتي السهو بعد التسليم على حديث ابن مسعود -﵁-. وقالت طائفة: معنى التحرّي الرجوع إلى اليقين؛ لأنه أُمِرَ أن يتحرّى الصواب، والصواب هو الرجوع إلى اليقين، وأنما أُمرَ أن يرجع من الشك إلى اليقين، ولم يؤمر أن يرجع من شك إلى شك. ومن حجة من قال بهذا أن يقول: لَمّا كان عليَّ إذا شككت أصليتُ الظهر أم لا؟ أن أصليها بتمامها حتى أكون على يقين من أدائها، فكذلك إذا شككت في ركعة منها عليّ أن آتي بها حتى أكون على يقين من أدائها. ومن قال بخبر أبي سعيد، وابن عباس -﵄- في موضعهما، وبخبر ابن مسعود -﵁- في موضعه قال: علينا إذا ثبتت الأخبار أن نُمْضيها كلَّها، ونستعمل كلَّ خبر في موضعه، وإذا ثبت الخبر ارتفع النظر، ومعنى خبر ابن مسعود غيرُ خبر أبي سعيد، وإذا كان كذلك لم يجز أن يُترك أحدهما؛ لأن الآخر أشبه بالنظر. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- بتصرف. وقال الإمام ابن حبّان -﵀-: قد يتوهَّم من لم يُحكم صناعة الأخبار، ولا تفقّه من صحيح الآثار أن التحرّي في الصلاة، والبناء على اليقين واحدٌ، وليس كذلك؛ لأن التحرّي هو أن يشُكّ المرء في صلاته، فلا يدري ما صلّى، فإذا كان كذلك عليه أن يتحرّى الصواب، ولْيَبْنِ على الأغلب عنده، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود -﵁-. والبناء على اليقين هو أن يشكّ المرء في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع، فإذا كان كذلك عليه أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، وليُتمّ صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد الخدريّ -﵄-، سُنتان غير متضادَّين. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- . وقال العلامة الشوكانيّ -﵀- بعد ذكر نحو ما تقدم من الأقوال وأدلتها ما نصّه: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقلّ، والبناء على اليقين، وتحرّي الصواب، وذلك لأن التحرّي في اللغة هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أَمَرَ به -ﷺ-، وأَمَرَ بالبناء على اليقين، والبناء على الأقلّ عند عروض الشكّ، فإن أمكن الخروج بالتحرّي عن دائرة الشكّ لغةً، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شكّ أنه مقدّم على البناء على الأقلّ؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقلّ عدمَ الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁-، وهذا المتحرّي قد حصلت له الدراية، وأمر الشاكّ بالبناء على ما استيقن، كما في حديث أبي سعيد -﵁-، ومن بلغ به تحرّيه إلى اليقين قد بَنَى على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحرّي المذكور مقدّم على البناء على الأقلّ، وقد أوقع الناس ظنُّ التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق، ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمُبتلَى، والركن والركعة. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ -﵀- تحقيقٌ حسن جدًّا. وخلاصته: أن من شكّ في صلاته لا يخلو إما أن يكون له تحرٍّ وميل إلى أحد العددين، فيبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد اللَّه بن مسعود الآتي، وإما أن لا يكون له ميل إلى أحد العددين، فيبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام، على حديث أبي سعيد هذا، وابن عباس -﵄-. والحاصل أن المذهب الراجح هو الذي فصّل الشكّ على التفصيل المذكور، فإنه يَجمَعُ بين أحاديث الباب من غير تعرّض لإهمال بعضها، وما عداه من الأقوال إما أن يلزم منه حمل بعض الأخبار على بعضها بتكلُّف وتعسُّف، وإما أن يكون رأيًا محضًا لا مُستَنَدَ له، ولا أثارة عليه من العلم، فتبصر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسنَادِ، وَفِي مَعْنَاهُ، قَالَ: «يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ»، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم المصريّ، لقبه بَحْشَل -بفتح الموحَّدة، وسكون الحاء المهملة، بعدها شين معجمة- أبو عبيد اللَّه ابن أخي عبد اللَّه بن وهب، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١]. أكثر عن عمّه، ورَوَى عن الشافعيّ، وإسحاق بن الفُرَات، وبشر بن بكر، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وابن خزيمة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي داود، وابن جرير، والساجيّ، والباغنديّ، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم عنه؟ فقال: ثقةٌ، ما رأينا إلا خيرًا، قلت: سمع من عمّه؟ قال: إي واللَّه، وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أدركناه، ولم نكتب عنه، قال: وسمعت أبا زرعة، وأتاه بعض رفقائي، فحَكَى عن أبي عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: إن رجوعه مما يُحَسِّن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان من قبلُ، قال: وسمعت أبي يقول: كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خَلَط بعدُ، ثم جاء في خبره أنه رَجَع عن التخليط، وسئل أبي عنه بعد ذلك؟ فقال: كان صدوقًا، وقال ابن الأخرم: سمعت ابن خزيمة، وقيل له: لِمَ رويتَ عن ابن أخي ابن وهب، وتركت سفيان بن وَكِيع؟ فقال: لأن أحمد لَمّا أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها إلى آخرها، إلا حديث مالك، عن الزهريّ، عن أنس: «إذا حضر العشاء. . .»، فإنه ذكر أنه وجده في دُرْجٍ من كتب عمّه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإنّ وَرَّاقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، فكلمناه، فلم يرجع عنها، فاستخرت اللَّه وتركته، وقال ابن عديّ: رأيت شيوخ مصر مُجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه، وسألت عبدان عنه؟ فقال: كان مستقيم الأمر في أيامنا، ومن لم يَلْقَ حرملة اعتَمَدَ عليه في نسخ حديث ابن وهب، وقال ابن عديّ: ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمّه، وكل ما أنكروه عليه مُحْتَمِلٌ، وإن لم يروه غيره عن عمّه، ولعله خَصَّه به. وذكر أبو علي الجيّاني أن البخاريّ رَوَى في «الجامع» عن أحمد غير منسوب، عن ابن وهب، وأنه أبو عبيد اللَّه هذا، وقد وَهَّمَ الحاكم أبو عبد اللَّه هذا القول. وقال ابن الأخرم: نحن لا نشك في اختلاطه بعد الخمسين، وإنما ابتُلِي بعد خروج مسلم من مصر، وقال الدارقطنيّ: تكلموا فيه. وأنكرت على أحمد أحاديث ، وقد صحّ رجوعه عن هذه الأحاديث التي أُنكرت عليه، ولأجل ذلك اعتمده ابن خزيمة من المتقدمين، وابن القطان من المتأخرين. وقال أبو سعيد بن يونس: تُوُفّي في شهر ربيع الآخر سنة (٢٦٤)، ولا تقوم بحديثه حجة، وقال هارون بن سعيد الأيليّ: هو الذي كان يَستملي لنا عند عمّه، وهو الذي كان يقرأ لنا. تفردّ به المصنّف، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٥٧١) و(٧٩٢) و(٨١٣) و(١٠٦٤) و(١٧٠٩) و(١٨٢٩) و(١٩٢٤) و(١٩٧٧) و(٢٣٩٢). ٢ - (عَمُّهُ، عَبْدُ اللَّهِ) بن وهب، ذُكر في الباب. ٣ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٤. و«زيد بن أسلم» تقدّم في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد زيد بن أسلم المتقدّم، وهو: عن
مصادر المؤلف (١٥)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨١.

٢. «المرعاة» ٣/ ٤٠٠.

٣. «المفهم»٢/ ١٨٢.

٤. «المفهم»٢/ ١٨٢.

٥. «شرح النوويّ»٥/ ٦٠ - ٦١.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٣/ ١٠٨٠.

٧. «المفهم»٢/ ١٨٢.

٨. راجع: «فتح الباري» لابن رجب ٩/ ٤٦١ - ٤٦٧.

٩. حديث ابن عبّاس -﵄- أخرجه ابن المنذر في «الأوسط»، فقال: حدّثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدّثنا ابن قعنب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا، فليقُم، فليصل ركعةً، ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان». انتهى.

١٠. حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، ولفظ الترمذيّ (٣٦٤): عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، فَلْيَبْنِ على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا، فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم»، وصحَّحه الترمذيّ، وتبعه الشيخ الألبانيّ في «صحيح الترمذيّ»، لكن الظاهر أنه معلولٌ كما تقدّم بيانه في كلام الإمام عليّ ابن المدينيّ -﵀-، فراجع المسألة الرابعة، وباللَّه تعالى التوفيق.

١١. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨.

١٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٣. وفي نسخة: «عمي عبد اللَّه بن وهب».

١٤. وفي نسخة: «قال: سجد سجدتين».

١٥. ذكر تلك الأحاديث في «تهذيب التهذيب» في ترجمته ١/ ٣٤.