HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٧٥

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كلهم عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فيقرأ سورة فيها سجدة. فيسجد. وتسجد مَعَهُ. حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جبهته.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص88
ج ١ ص ٤٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ٢٦/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الثالث عشر من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه اللَّه تعالى. (٢٠) - (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٨] (٥٧٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقطَّانِ ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبثٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام النقد [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه -﵂-، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زُهير، وعبيد اللَّه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، وزُهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وعبيد اللَّه بن سعيد سَرَخسيّ، ثم نيسابوريّ، والباقيان بصريّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: «ربّما قرأ رسول اللَّه القرآن» (فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ) وفي الرواية التالية: «فيَمُرّ بالسجدة» (فَيَسْجُدُ) أي سجود التلاوة (وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا) نافية (يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ) أي من كثرة الزحام، وفي الرواية التالية: «فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكانًا ليسجد فيه في غير صلاة». قال في «الفتح»: وقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع في هذا الحديث، أن ذلك كان بمكة، لَمّا قرأ النبيّ -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمُ﴾، وزاد فيه: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل، قال: والذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحدٌ إلا سجد، وسياق حديث الباب مُشْعِرٌ بأن ذلك وقع مرارًا، فَيَحْتَمِل أن تكون رواية الطبرانيّ بيّنت مبدأ ذلك، ويؤيده ما رواه الطبرانيّ -﵀- عن المسور بن مَخْرَمة، عن أبيه قال: أظهر أهل مكة الإسلام -يعني في أول الأمر- حتى إنه كان النبيّ -ﷺ- ليقرأ السجدة، فيسجُدُ، وما يستطيع بعضهم أن يسجُد من الزحام، حتى قَدِمَ رؤساء أهل مكّة، وكانوا بالطائف، فرجّعوهم عن الإسلام، واستدلّ به البخاريّ على السجود لسجود القارئ، وعلى الازدحام على ذلك ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٢٩٨ و١٢٩٩] (٥٧٥)، و(البخاريّ) في «سجود القرآن» (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤١٢ و٤١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٩٤٧ و١٩٤٨ و١٩٤٩)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (١٢٧١ و١٢٧٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٥٧ و٥٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٦٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧٦٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة سُجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه، وقد اختُلف فيه هل هو سنّة، كما هو رأي الجمهور، أو واجبٌ، كما هو رأي الحنفيّة؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية السجود للقارئ والمستمع له، قال النوويّ -﵀-: ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يَسْمَع، لكن لا يتأكد في حقّه تأكده في حقّ المستمع المصغي. انتهى . ٣ - (ومنها): استحباب قراءة القرآن؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-. ٤ - (ومنها): بيان حرص الصحابة -﵃- في الخير ومسابقتهم عليه، حتى إنهم ليزحمون عليه. ٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال النبيّ -ﷺ-، كالاقتداء بأقواله سواءً، فقد قال اللَّه ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، فعمّ جميع ما يصدر منه -ﷺ-، قولًا، أو فعلًا، أو غير ذلك، إلا ما خصّه الدليل على أنه من خُصوصيّته. ٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ -﵀- قال في «صحيحه»: «باب من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام من الزحام»، ثم أورد حديث ابن عمر -﵄- هذا، قال ابن بطال -﵀-: لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة، واختَلَف السلف، فقال عمر -﵁-: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهريّ: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة، فيجري مثله في سجود التلاوة، وظاهر صنيع البخاريّ أنه يذهب إلى أنه يَسْجُد بقدر استطاعته، ولو على ظهر أخيه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود التلاوة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس بواجب، وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران بن حصين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم -﵃-. وذهب أبو حنيفة: إلى أن سجود التلاوة واجب على القارئ، والمستمع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة أن النبيّ -ﷺ- سجد للتلاوة، وقياسًا على سجود الصلاة. واحتجّ الأولون بالأحاديث الصحيحة: (منها): حديث زيد بن ثابت -﵁-، قال: قرأت على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه. (ومنها): ما احتج به الشافعيّ -﵀- في هذه المسألة، وهو حديث الأعرابيّ: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع». متفق عليه. (ومنها): «أن عمر بن الخطاب -﵁- قرأ يوم الجمعة على المنبر»سورة النحل«، حتى إذا جاء السجدةَ نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدةَ، قال: يا أيها الناس إنما نَمُرّ بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر». وفي رواية قال: «إن اللَّه لم يَفْرِض السجود إلا أن نشاء»، أخرجهما البخاري -﵀- في «صحيحه». قال النوويّ -﵀-: وهذا القول من عمر -﵁- في هذا الموطن، والْمَجْمَع العظيم دليلٌ ظاهرٌ في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا يوجد هنا. وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذمّ الكفار في تركهم السجود استكبارًا، وجحودًا، وأما المراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجّوا بها محمولة على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- من «مجموعه» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو عدم وجوب سجود التلاوة هو الراجح؛ لقوة حجته، كما ذُكِر آنفًا. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاويّ: من أن الآيات التي في سجود التلاوة، منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر، هل فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية الحجّ، وخاتمة النجم، واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يُتَّفَقَ على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. انتهى. وهو بحثٌ جيّدٌ. والحاصل أن القول باستحباب سُجود التلاوة هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد سجود القرآن: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في عدد سجود القرآن، فرَوَينا عن ابن عباس، وابن عمر -﵃- أنهما كانا يَعُدّان سجود القرآن، فقالا: «الأعراف»، و«الرعد»، و«النحل»، و«بني إسرائيل»، و«مريم»، و«الحج» أولها، و«الفرقان»، و﴿طسم﴾، و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿ص﴾، و﴿أَلَمْ﴾ السجدة، إحدى عشرة سجدةً. ورَوَينا عن ابن عباس -﵄- رواية أخرى أنه عَدَّها عشرًا، وأسقط السجود في ﴿ص﴾. وقد اختُلِف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج. وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدةً، في الحج منها سجدتان، وفي المفصل ثلاثة، وليس في ﴿ص﴾ منها شيء، هكذا قال الشافعيّ، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في العدد، غير أنه أثبت السجود في ﴿ص﴾، وأسقط السجود من سورة النجم، خالف الشافعيّ في هاتين السجدتين. وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: «الأعراف»، و«الرعد»، و«النحل»، و«بنو إسرائيل»، و«مريم»، وفي «الحجّ» سجدتان مباركتان، وفي «الفرقان»، و«النمل»، و«ألم» تنزيل السجدة، وفي ﴿ص﴾، وفي ﴿حم (١)﴾ السجدة، وفي ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحجّ، فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي ما ذهب إليه إسحاق ابن راهويه من كون عدد السجود خمس عشرة سجدةً أظهر، وأقرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة: قال النوويّ -﵀-: (واعلم): أنه يشترط لجواز سجود التلاوة، وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة فيها خلافٌ، فقد صحّ عن ابن عمر -﵄-، وغيره عدم اشتراط ذلك، وهو ظاهر مذهب البخاريّ -﵀-، فإنه ترجم «باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشركُ نجسٌ ليس له وضوء»، قال: وكان ابن عمر -﵄- يسجد على غير وضوء. انتهى. ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق عُبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر -﵄- ينزل عن راحلته، فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ. وأما ما رواه البيهقيّ بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما -كما قال الحافظ- بأنه أراد بقوله: «طاهر» الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة. ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيُّ، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ أنه كان يقرأ بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء، قاله في «الفتح». وقال العلامة الشوكانيّ -﵀-: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد معه -ﷺ- مَن حضر تلاوته، ولم يُنقَل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويَبعُد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون، كما تقدم، وهم أنجاس، لا يصح وضوؤهم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى أن لا يسجُد على غير وضوء، وأما إيجاب الوضوء فيَحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في أوقات النهي: قال النوويّ -﵀-: يجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها؛ لأنها ذات سبب، ولا يكره عندنا ذوات الأسباب، وفي المسألة خلاف مشهور. انتهى . وقال الشوكانيّ -﵀-: رُوي عن بعض الصحابة أنه يُكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة؛ لأن السجود المذكور ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي خاصة بالصلاة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أن القول بعدم كراهة السجود في أوقات النهي هو الأرجح؛ لما قاله الشوكانيّ، وعلى فرض أنها كالصلاة فتجوز في هذه الأوقات؛ لأنها من ذوات الأسباب، وقد حقّقنا أن جواز الصلاة ذات السبب في أوقات النهي هو الحقّ، كما سيأتي في محلّه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْقُرْآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ، فَيَسْجُدُ بِنَا، حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
مصادر المؤلف (١٠)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. وفي نسخة: «عن يحيى بن سعيد القطّان».

٣. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٥٢ «كتاب سجود القرآن» رقم (١٠٧٩).

٤. «شرح النوويّ» ٥/ ٧٤.

٥. «المجموع شرح المهذّب» ٤/ ٦١ - ٦٢.

٦. «شرح مسلم» ٥/ ٧٩.

٧. «نيل الأوطار» ٣/ ١٢٦.

٨. «باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها» برقم (٨٢٥).

٩. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٠. وفي نسخة: «مكانًا يسجد فيه».