HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٧٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فخذيه وَسَاقِهِ. وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى. وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى. وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص90
ج ١ ص ٤٠٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٠
(٢١) - (بَابُ صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٠] (٥٧٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُوميُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإصبعِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) البصريّ الْبَحْرانيّ، صدوقٌ، من كبار [١١] (ت ٢٥٠) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُوميُّ) المغيرة بن سلمة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عبّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] (ت قبل ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٢١) (ع) تقدم في «المساجد» ٩/ ١٢١٧. ٦ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن الزبير بن العوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر وأبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابي -﵄-، قُتل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٦/ ٦١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فأبوه الزبير بن العوّام، حواريّ رسول اللَّه -ﷺ-، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصدّيق -﵄- ذات النطاقين، وجدّه الصدّيق، وجدّته صفيّة عمة رسول اللَّه -ﷺ-، وخالته عائشة -﵂-، وهو أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، هاجرت به أمه أسماء إلى المدينة، وهي حامل، فولدته بعد وصولها إلى قباء، وأتت به النبيّ -ﷺ-، فوضعه في حجره، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم تَفَلَ في فيه وحنّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبيِّ -ﷺ-، ثم دعا له، وبرّك عليه، وولي الخلافة تسع سنين، وخلافته صحيحة، بويع له بعد موت يزيد بن معاوية سنة (٦٤)، فخرج عليه مروان بعد أن بويع له بالآفاق كلّها إلا بعض قرى الشام، وقتله الحجاج بمكة، وصلبه، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. شرح الحديث: عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه من الزبير -﵄- أنه (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية ابن عجلان التالية:»إذا قعد يدعو«، أي يتشهّد، قال الطيبيّ -﵀-: سُمّي التشهّد دعاءً؛ لاشتماله عليه؛ فإن قوله:»السلام عليك«، وقوله:»السلام علينا«دعاء (جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ) أي تحت فخذه اليمنى، وساقه، ففي رواية أبي داود:»جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه«، ونحوه عند أبي عوانة في»مسنده«، وأبي نعيم في»مستخرجه«، فهذه الرواية تبيّن أن المراد من قوله هنا:»بين فخذه وساقه«جعلها تحتهما (وَفَرَشَ) من بأبي نصر وضرب: أي بسط (قَدَمَهُ الْيُمْنَى) أي جعل ظهرها على الأرض، وليست منصوبة، وهذا لا ينافي ما ثبت في الروايات الأخرى التي ذُكر فيها نصبه قدمه اليمنى؛ لإمكان حمله على اختلاف الأوقات، فهو -ﷺ- فعل هذا في بعض الأوقات، وهذا في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز، أفاده في«المنهل». وقال النوويّ -﵀-: هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورُّك، لكن قوله:«وفَرَشَ قدمه اليمنى»مشكلٌ؛ لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك، في«صحيح البخاريّ» وغيره، قال القاضي عياض -﵀-: قال الفقيه أبو محمد الْخُشَنيّ: صوابه: وفَرَش قدمه اليسرى، ثم أنكر القاضي قوله؛ لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يَفْعَل باليسرى، وأنَّه جعلها بين فخذه وساقه، قال: ولعل صوابه: ونصب قدمه اليمنى، قال: وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى، ويكون معنى فرشها أنه لم يَنصِبها على أطراف أصابعه في هذه المرّة، ولا فَتَحَ أصابعها كما كان يفعل في غالب الأحوال، هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فَعَلَ هذا لبيان الجواز، وأن وضْع أطراف الأصابع على الأرض، وإن كان مستحبًّا يجوز تركه، وهذا التأويل له نظائر كثيرةٌ، لا سيما في باب الصلاة، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في «الصحيح»، واتفق عليها جميع نسخ مسلم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وفَرَشَ قدمه اليمنى» هكذا الرواية، ولا يصحّ غيرها نقلًا، وقد أشكلت هذه اللفظة على جماعة حتى قال أبو محمد الْخُشَنيّ: صوابه: «وفَرَشَ قدمه اليسرى»، ورأى أنه غَلَطٌ؛ لأن المعروف في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر -﵄- من رواية أبي داود أنه -ﷺ- كان يَنصب اليمنى، ويَثْنِي اليسرى، وكذا جاء في البخاريّ من حديث أبي حميد -﵁- قال: «وإذا جلس في الرَّكعة الآخرة جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقَعَدَ على مقعدته»، والصَّواب حَمْلُ الرواية على الصحّة وعلى ظاهرها، وأنَّه -ﷺ- في هذه الكرّة لم يَنصب قدمه اليمنى، ولا فَتَحَ أصابعه، وإنما باشر الأرض بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر، كما كان يفعل ابن عُمر -﵄- حيث قال: إن رجليّ لا تحملاني، وإما ليُبَيِّنَ أن نصبهما، وفتحَ أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهر، واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيس، واللَّه تعالى أعلم. (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) يعني بسطها عليها، وفي رواية ابن عجلان: «ويُلقِم كفّه اليُسرى ركبته»، وهذا أيضًا لا ينافي ما في الروايات الآتية من وضعه -ﷺ- يده اليسرى على فخذه اليُسرى باسطها عليها؛ لأنه -ﷺ- كان يفعل هذا تارةً، وذاك تارة أخرى؛ لبيان الجواز، فالأمر فيه سعة . (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى) أي مقبوضة، كما تدلّ عليه رواية: «ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى» (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ«) تقدَّم أن فيه عشر لغات، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة، والإصبع التي أشار بها هي السبّابة، كما بُيّن في رواية ابن عجلان التالية، وسيأتي تفسير الإشارة في شرح حديث ابن عمر -﵄- الآتي في الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ١٣١٠ و١٣١١] (٥٧٩)، و(أبو داود) في «سننه» (٩٨٨ و٩٨٩ و٩٩٠)، و(النسائيّ) في «السهو» (٣/ ٣٧ و٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٤٣ و١٩٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٠١ و٢٠٠٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٨٢ و١٣٨٣ و١٢٨٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٣٠ و١٣١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفيّة الجلوس للتشهّد في الصلاة، وذلك بأن يضع قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه، ويفرش اليمنى، وهذا هو التورّك، وهذه إحدى كيفيّات الجلوس، وله كيفيّة أخرى سيأتي بيانها في المسألة التالية. ٢ - (ومنها): بيان استحباب وضع اليد اليسرى على الركبة اليسرى، واليمنى على اليمنى. ٣ - (ومنها): استحباب قبض اليد اليمنى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): استحباب الإشارة بالسبّابة، وسيأتي تمام البحث فيها قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- أيضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة الجلوس في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: افترق أهل العلم في صفة الجلوس في التشهد الأول والآخر ثلاث فِرَق، فسوّت فرقة بين الجلسة الأولى والأخيرة، فرأت أن ينصب الجالس رجله اليمنى، ويفترش اليسرى، فيجلس على بطن قدمه، هذا قول سفيان الثوريّ، وقال أصحاب الرأي: يقعد الرجل في الصلاة إذا قعد في الثانية والرابعة يفترش رجله اليسرى، فيجعلها بين أَلْيتيه، فيقعد عليها، ويَنْصِب اليمنى نصبًا، ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة. واحتَجَّ من هذا مذهبه بما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح، عن وائل بن حجر -﵁-، قال: «أتيت رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: لأنظرنّ إلى صلاته، كيف يصلّي؟، فلما جلس افترش رجله اليسرى، ووضع يده على ركبته اليسرى، ووضع حدّ مرفقه على فخذه اليمنى». وبما أخرجه البخاريّ، وأصحاب السنن عن ابن عمر -﵄- قال: «من سنّة الصلاة، أن تنصب اليمنى، وتَثْني اليسرى»، ولفظ أبي داود، والنسائيّ: «من سنّة الصلاة أن تُضْجِع رجلك اليسرى، وتَنْصِب اليمنى». ورأت فرقة أن يجلس بين السَّجدتين كما يجلس في التشهد، ينصب رجله اليمنى، ويَثني اليسرى، ويقعد على وَرِكِه الأيسر حتى يستوي قاعدًا، ويعتدل. هذا قول مالك، قال: وهذا أحبّ ما سمعت إليّ، وقال مالك: إذا نصب اليمنى جعل بطن الإبهام على الأرض. واحتج بما رواه في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب اليمنى، وثَنَى اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. ورأت فرقة ثالثة أن يجلس الجلسة الأولى كالذي ذكرناه عن الثوريّ، ويجلس في الرابعة على نحو ما حكيناه عن مالك. هذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتج هؤلاء بحديث أبي حميد الساعديّ -﵁-. انتهى كلام ابن المنذر باختصار وتصرّف . وقال النوويّ -﵀-: مذهبنا -يعني الشافعيّة- أنه يُستحبُّ أن يجلس في التشهد الأول مفترشًا، وفي الثاني متوركًا، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركًا، وقال مالك: يجلس فيهما متوركًا، وقال أبو حنيفة والثوريّ: يجلس فيهما مفترشًا، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعًا افترش في الأول، وتَوَرَّك في الثاني. واحتُجَّ لمن قال يفرش فيهما بحديث عائشة -﵂-: «أنّ النبيّ -ﷺ- كان يَفرِش رجله اليسرى، ويَنصب اليمنى، ويَنهَى عن عقب الشيطان»، رواه مسلم، وفي رواية البيهقي: «يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى». وعن وائل بن حُجْر -﵁- أنّ النبيّ -ﷺ- «كان يفرش رجله اليسرى». واحتُجّ للتورك بحديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄- المذكور في الباب. وعن ابن عمر -﵄-: «سنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى»، رواه البخاريّ. وروى مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-: «الجلوس على قدمه اليسرى». واحتج الشافعيّة بحديث أبي حميد الساعديّ -﵁- في عشرة من أصحاب النبيّ -ﷺ- أنه وصف صلاة النبيّ -ﷺ-، قال: «فإذا جلس في الرّكعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الرَّكعة الأخيرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأُخرى، وقعد على مقعدته»، رواه البخاري بهذا اللفظ. قال الشافعيّ وأصحابه: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على موافقته، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة -﵃-، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ببعض تصرّف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي من هذه المذاهب كلِّها هو ما ذهب إليه الإمام أحمد -﵀-، وهو أن التورّك يكون للصلاة التي يكون فيها تشهدان، وما عدا ذلك فالسنة فيه الافتراش، فهذا التفصيل هو الأرجح عندي، إذ هو أقرب للجمع بين الأحاديث، فإن حديث عائشة -﵂- نصّ صريح في أن السنة في كل تشهد هو الافتراش، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي الجَوْزاء عنها، في صفة صلاة النبيّ -ﷺ-، وفيه: «وكان يقول في ركعتين التحيةَ، وكان يفرُش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان». فإن هذا نصّ صريح في أن السنة في الجلوس للتشّهد في كل ركعتين هو الافتراش. لكن لما صحّ لدينا حديث أبي حميد -﵁-، وكان فيه زيادة أخذنا بالزيادة، وهي أن السنة في التشهد الأخير فيما كان فيه تشهدان التورُّك، فبقي ما عداه على حديث عائشة -﵂-. والحاصل أن الافتراش هو السنة في الجلوس مطلقًا، ما عدا الجلوسَ للتشهد الأخير في الصلاة الثلاثية، والرباعية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: هذه الكيفيات المذكورة في التشهد ليست للوجوب، بل هي للاستحباب، فلو تَوَرَّك في الأول، وافترش في الأخير جازت الصلاة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قيل: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول، والتورّك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشًا؛ ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركًا ليكون أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين، ذكره النوويّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإصبَعِهِ السَّبَابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (لَيْث) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن الزبير -﵄- أنه (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَعَدَ يَدْعُو) أي يقرأ التشهّد، وسُمّي التشهُّد دعاءً؛ لاشتماله عليه، في قوله:»السلام عليك أيها النَّبيّ ورحمة اللَّه وبركاته«، وقوله:»السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين«، فهو وإن كان في صورة الخبر لكنه في معنى الإنشاء. وقال في«المنهل»: ويحتمل أن يراد بالدعاء قوله:«أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، وكان دعاءً؛ لأنه يترتّب عليه من الخير ما يترتّب على الدعاء. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول أقرب كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. (وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى) وَضْعُ اليدين على الركبتين في التشهّد مجمع على استحبابه، والحكمة من وضعهما على الركبتين المحافظةُ من العبث، والمراعاةُ للأدب. (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ) أي من ابتداء القعود للتشهّد إلى انتهائه، على ما هو الصواب. و«السّبّابة»: هي الإصبَعُ التي تلي الإبهام؛ سُمّيت بذلك؛ لأنها يشار بها عند السبّ، قاله الفيّوميّ -﵀- . (وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى) هذه إحدى الكيفيّة في القبض في التشهّد (وَيُلْقِمُ) بضم أوله، من الإلقام، يقال: ألقمت الطَّعام: إذا أدخلته في فيك (كفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ) يعني أنه يدخل ركبته في راحة كفّه اليسرى حتى صارت ركبته كاللقمة في كفّه، ولا ينافي هذا ما سيأتي من أنه وضع كفّيه على فخذيه؛ لأنه يُحمل على تعدد الأوقات. وقال النوويّ -﵀-: أما قوله: «ووضع يده اليسرى على ركبته»، وفي رواية -﵀-: «ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته»، فهو دليل على استحباب ذلك، وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: بَعْطِف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: «ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته»، والحكمة في وضعها عند الركبة منعها من العَبَث. وأما قوله: «ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى» فمُجْمَعٌ على استحبابه. وقوله: «أشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوُسْطَى»، وفي الرواية الأخرى: «وعَقَدَ ثلاثًا وخمسين» ، هاتان الروايتان محمولتان على حالين، ففعل في وقت هذا، وفي وقت هذا، وقد رام بعضهم الجمع بينهما، بأن يكون المراد بقوله: «على إصبعه الوسطى»، أي وضعها قريبًا من أسفل الوُسطى، وحينئذ يكون بمعنى العقد ثلاثًا وخمسين. قال: وأما الإشارة بالمسبِّحة فمستحبة عندنا؛ للأحاديث الصحيحة، قال أصحابنا: يُشير عند قوله: «إلا اللَّه» من الشهادة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «يشير عند قوله: إلا اللَّه» هذا مما لا دليل عليه، بل ظواهر الأحاديث تدلّ على أن الإشارة من أول الجلوس إلى آخره، فالحقّ أنه يُشير من أوله إلى آخره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ويُشير بمسبحة اليمنى لا غير، فلو كانت مقطوعة أو عَلِيلة لم يشر بغيرها، لا من الأصل باليمنى، ولا اليسرى، والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في «سنن أبي داود»، ويشير بها موجَّهةً إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص. انتهى كلام النوويّ -﵀- .
مصادر المؤلف (١١)

١. «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٦/ ١٠٣.

٢. «شرح النوويّ» ٥/ ٨٠ - ٨١.

٣. «المفهم» ٢/ ٢٠٠.

٤. المصدر السابق ٦/ ١٠٣.

٥. «الأوسط» ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٤.

٦. «المجموع شرح المهذّب» ٣/ ٤٣٠ - ٤٣١.

٧. وفي نسخة: «وحدّثنا بن سعيد».

٨. «المنهل العذب» ٦/ ١٠٤.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٢.

١٠. هو أن يضع الخنصر على راحته، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا.

١١. «شرح النوويّ» ٥/ ٨١ - ٨٢.