HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٨٠

وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا. وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق) أخبرنا معمر بن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ، كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا. وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى ركبته اليسرى، باسطها عليها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص90
ج ١ ص ٤٠٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٦٠
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٢] (٥٨٠) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، بَاسِطَهَا عَلَيْهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، كان يتشيّع، وعمي في آخره، فتغيّر [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب -﵄-، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- («أَنَّ النَّبِيّ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ) أي للتشهّد (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) لكن مع اختلاف الهيئة كما بيّنه قوله: (وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى) ظاهره أن رفع الإصبع، أي الإشارة بها كان من ابتداء الجلوس، لا كما يزعمه من يقول: إن الإشارة عند الشهادتين فقط، فإن ذلك مما لا دليل عليه، كما سيأتي بيانه (الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) تقدّم أنها السبّابة، وتسمّى المسبِّحة أيضًا (فَدَعَا بِهَا) أي أشار بها، وقيل: معنى «دعا»: تشهدّ، وسُمّي التشهّد دعاء؛ لاشتماله عليه، كما سبق بيانه (وَيَدَهُ الْيُسْرَى) بالنصب عطفًا على «يديه»، أي ووضع يده اليسرى، ويَحْتَمل الرفع، على أنه مبتدأ خبره قوله: (عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) وقوله: (بَاسِطَهَا عَلَيْهَا) بالنصب على الحال، أي حال كونه باسطًا يده اليسرى على ركبته من غير رفع إصبعه، ويَحْتمل الرفع على أنه خبر لـ «يدُه اليسرى» بعد خبر، وفيه إشعارٌ يكون اليمنى مقبوضة. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وسيأتي بيان مسائله بعد حديث -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد) بن مسلم، أبو محمد البغداديّ المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ١١/ ٨٠. ٣ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمةْ كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى. . . إلخ) المراد وضع باطن الكفّين على الركبتين، وفيه دليل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس، وهو مجمع عليه. وقوله: (وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) ووقع في نسخة: «ثلاثًا وخمسين»، بتذكير ثلاث، وهو جائز؛ لعدم ذكر المعدود بعده، كما أسلفناه غير مرّة. وعقدُ ثلاثة وخمسين عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، ولكن المراد هنا أن يضع الخنصر على الراحة، وهو المسمّى عندهم بعقد تسعة وخمسين، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة من شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وعقد ثلاثًا وخمسين» قد بَيَّنَ هذا بيانًا شافيًا وائل بن حُجْر -﵁- فيما رواه أبو داود، قال: «وجَعَل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قَبَضَ اثنتين من أصابعه، وحَلَّقَ حَلْقةً»، وإلى ظاهر حديث وائل -﵁- هذا ذهب بعض أهل العلم، فقالوا بالتحليق، وكرهه بعض علماء المدينة؛ أخذًا بظاهر حديث ابن عمر -﵄- حيث حَكَى أنه -ﷺ- عقد ثلاثًا وخمسين، ومن قال بالتحليق منهم من ذهب إلى أن التحليق برؤوس الأنامل، وهو الخطّابيّ، ومنهم من ذهب إلى أنه يَضَع أنملة الوسطى بين عُقدتي الإبهام، والأمر قريبٌ، ويُفيد مجموع الأحاديث التخيير. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو حسنٌ. وقوله: (وَأَشَارَ بِالسَّبَابَةِ») هي التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنها يُشار بها عند المخاصمة والسبّ، ويقال لها: المسبِّحة -بضمّ الميم، وكسر الموحّدة المشدّدة، سُمّيت بذلك؛ لأن المصلّي يُشير بها إلى التوحيد والتنزيه للَّه تعالى عن الشرك . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وستأتي مسائله في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي، فَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ؟ قَالَ: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلِّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين المجتهدُ المشهور، أبو عبد اللَّه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) يسار السَّلُوليّ المدنيّ مولى الأنصار، وقيل في ولائه غير ذلك، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن سرْجِس، وعليّ بن عبد الرحمن الْمُعاويّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن جعفر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة: محمد، وعبد اللَّه، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم، وقال ابن سعد: ليس بأخيهما، وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبيّ: كان مالك يُثني عليه، وقال: لا يكاد يَرفع حديثًا إلى النبيّ -ﷺ-، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال هو، وابن سعد: مات في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدًا على القدريّة، وكان ثقة قليل الحديث. رَوَى له الجماعة، سوى التِّرمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٨٠)، و(٢٥٦٥): «تُعرض الأعمال في كلّ خميس واثنين. . .»، وأعاده بعده. ٤ - (عَلِي بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيُّ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وجابر، ورَوى عنه مسلم بن أبي مريم، والزهريّ. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكر أبو عوانة في «صحيحه» أن شعبة رَوَى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه، فقَلَبه، فقال: عبد الرحمن بن عليّ، قال أبو عوانة: وهو غلط . أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ حديث الباب فقط. [قوله]: «الْمُعَاويّ»: نسبةٌ إلى مُعَاوية بن مالك، قال في «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٣: من وَلَد مُعاوية بن مالك بن عَوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى. والصَّواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في «الخلاصة» ٢/ ٢٥٣، و«لب اللباب» ٢/ ٢٦٤، فما وقع في بعض نسخ «تقريب التهذيب» من ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، الباكستاني. فتنبه، واللَّه تعالى ولي التوفيق. وابن عمر -﵄- ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت عليّ بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى. . .، وقوله: (الْمُعَاوِيِّ) تقدّم أنه بضمّ الميم (أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (وَأَنَا أَعْبَثُ) بفتح أوله وثالثه، يقال: عَبِثَ عَبَثًا، من باب تَعِبَ: إذا لَعِبَ، وعَمِلَ ما لا فائدة فيه . (بِالْحَصَى) وفي نسخة: «بالحصباء»، وهي صغار الحصى (فِي الصَّلَاةِ) والمراد أنه يَعبَث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر -﵄-، فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس، فإنه يدلّ على أنه إنما رآه يعبث في حال الجلوس، لا في كلّ الصلاة. (فَلَمَّا انْصَرَف) أي سَلَّم ابن عمر -﵄- من الصلاة (نَهَانِي) وفي رواية النسائيّ: «لا تحرّك الحصى، وأنت في الصلاة، فإن ذلك من الشيطان» (فَقَالَ) ابن عمر (اصْنَعْ كمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ) «ما» مصدريّة، أي كصنعه -ﷺ-، أو موصولة، والعائد مقدّر، أي كالصنع الذي يصنعه -ﷺ- (فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ) وفي نسخة: قلت: كيف كان (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ؟) و«كيف» استفهاميّة، وهي مفعول مطلق لـ «يصنع»، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] . أي أيَّ صُنْعٍ يصنع -ﷺ- حتى أقتدي به (قَالَ) ابن عمر (كَان) رسول اللَّه -ﷺ- (إِذَا جَلَسَ) أي شرع في الجلوس للتشهّد (فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ) أي باطن كفّه (الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا) أي أصابع يده اليمنى (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) أي وهي السبّابة (وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى) أي مبسوطة، كما بُيِّن في الروايات الأخرى، وفي رواية النسائيّ: «قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورَمَى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصنع»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ١٣١٤ و١٣١٥] (٥٨٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٩٨٧)، و(التِّرمذيّ) فيها (٢٩٤)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (١١٦٠ و١٢٦٦ و١٢٦٧) و«الكبرى» (٧٤٧ و١١٨٩ و١١٩٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٩١٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٨٨ - ٨٩)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٨٧٠٨٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٣١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧١٢ و٧١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٤٢ و١٩٤٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٠٧ و٢٠٠٨ و٢٠٠٩ و٢٠١٠ و٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣ و٢٠١٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٨٥ و٢١٨٦ و١٢٨٧ و١٢٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٣٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٧٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفيّة وضع اليدين في حال الجلوس في الصلاة، فأما اليمنى فالمستحبّ فيها القبض، والإشارة بالسبابة، وسيأتي هيئات قبضها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وأما اليسرى فالمستحبّ فيها الوضع. قال النوويّ -﵀-: وقد أَجْمَع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطِف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: «ويلقم كفه اليسرى على ركبته». انتهى. ثم إنه لا خلاف بين أهل العلم في وضع اليدين على الركبتين، والإشارة بمسبحة اليمنى. قال صاحب «التعليق الممجد» من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة -يعني الإمام أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن- اتفقوا على تجويز الإشارة ، لثبوتها عن النبيّ -ﷺ- وأصحابه بروايات متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف في ذلك، وإلى اللَّه المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا، أصحاب الفتاوى، كصاحب «الخلاصة» وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذرَ الحذرَ من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفًا لما ثبت عن النبيّ -ﷺ- وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضًا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول -ﷺ- وأصحابه -﵃- أحقّ وألزم بالقبول، فكيف، وقال به أئمتنا أيضًا؟. انتهى كلام صاحب «التعليق الممجد» باختصار، وهو تحقيقٌ نفيس. ٢ - (ومنها): استحباب الإشارة بالمسبّحة، وتوجيهها إلى القبلة، كما دلّت عليه رواية النسائيّ المذكورة. ٣ - (ومنها): بيان موضع نظر المصلِّي في حال التشهد، وهي الإصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلّي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبّحة، ولا يتجاوزها، ففي رواية أبي داود، والنسائيّ من حديث عبد اللَّه بن الزبير أن رسول اللَّه -ﷺ- «كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبّابة لا يجاوز بصره إشارته». ٤ - (ومنها): الإنكار على مَن يَلْعَب في الصلاة، وتعليمه السنّة. ٥ - (ومنها): فضل ابن عمر -﵄-، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه السنة؛ امتثالًا لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد ورد عن النبيّ -ﷺ- في كيفية وضع اليد اليمنى هيئات: (الأولى): ما في حديث ابن عمر -﵄- هذا: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام. . .» الحديث. (الثانية): ما في حديث ابن عمر -﵄- أيضًا في الرواية الماضية: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا قعد في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة». (الثالثة): ما تقدّم في حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄-: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوُسطى، ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته». (الرابعة): ما في حديث وائل بن حجر -﵁- عند الإمام أحمد، والنسائيّ بإسناد صحيح، وفيه: «وجعل حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّقَ حَلْقَة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها». (الخامسة): وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد تقدّم في حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄- في الرواية الأولى؛ لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة، وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عمر ما يدلّ على ذلك، وأخرج أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض. قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: اللَّهم إلا أن تُحمل الرواية التي لم يُذكر فيها القبض على الروايات التي ذكر فيها القبض حملَ المطلق على المقيَّد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحمل هو المتعيِّن في المسألة؛ توفيقًا بين الروايات، واللَّه تعالى أعلم. وقد جعل العلامة الإمام ابن القيم -﵀- في «الهدي» الروايات المذكورة كلَّها واحدةً، قال: فإن مَن قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوُسطى كانت مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوُسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد صرّح بذلك من قال: وعقد ثلاثًا وخمسين، فإن الوُسطى في هذا العقد تكون مضمومةً، ولا تكون مقبوضة مع البنصر. وقد استَشْكَل كثير من الفضلاء هذا؛ إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بدّ أن تركب البنصر في هذا العقد. وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمةٌ، وهي التي ذُكرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام مع الوسطى، وحديثةٌ، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب، واللَّه أعلم. انتهى كلام العلامة ابن القيم -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وعندي أن الأولى حمل الروايات على اختلاف الأوقات، ففي بعضها قبض أصابعه كلّها، وأشار بالسبّابة، وفي بعضها قبض ثنتين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، وحلّق الإبهام والوُسطى، وأشار بالسبّابة، وهو معنى عقد ثلاثة وخمسين، وأما حديث وضع اليمنى على الفخذ من دون قبض، فيحتمل أن يكون لبيان الجواز، أو يُحمَل على الأحاديث الأخرى التي دلّت على القبض؛ حملًا للمطلق على المقيّد، كما سبق التنبيه عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان معنى عقد ثلاث وخمسين الوارد في حديث التشهد: قال النوويّ -﵀-: قوله: «وعقد ثلاثًا وخمسين» شرطه عند أهل الحساب أن يَضَع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادًا ههنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة، ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن للعرب طريقة مشهورة اصطلحوا عليها في عُقُود الحساب، وهي أنواع: آحاد، وعشرات، وألوف. وقد بيّن ذلك العلّامة الفقيه الحنفيّ محمد أمين المعروف بـ «ابن عابدين» -﵀-، في رسالته «رفع التردد»، وخلاصة ما ذكره فيها: أن للواحد: ضمَّ الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكفّ ضمًا مُحْكَمًا، وللاثنين: ضم البنصر معها كذلك، وللثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، وللأربعة: ضمهما، ورفع الخنصر، وللخمسة: ضم الوسطى فقط، وللستة: ضم البنصر فقط، وللسبعة: ضم الخنصر فقط مع مدها حتى تصل إلى لحمة أصل الإبهام، وللثمانية: ضم البنصر معها كذلك، وللتسعة: ضمهما مع الوسطى كذلك. وللعشرة: جعل طرف السبابة على باطن نصف الإبهام، وللعشرين: إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى بحيث يكون ظفرها بين عقدتي السبابة، وللثلاثين: إلزاق طرف السبابة بطرف الإبهام، وللأربعين: وضع باطن الإبهام على ظاهر السبابة، وللخمسين: عطف الإبهام كأنها راكعة، وللستين: تحليق السبابة على طرف الإبهام الراكعة، وللسبعين: وضع طرف الإبهام على وسط السبابة مع عطف السبابة إليها قليلًا، وللثمانين: مد الإبهام والسبابة كأنهما ملتصقتان خلقة، وللتسعين: ضم طرف السبابة إلى أصلها، وعطف الإبهام عليها. ثم انقل الحساب إلى اليد اليسرى، واجعل المائة كعقد الواحد، وهكذا دَوَاليك. والحاصل أن عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، والسبابة والإبهام للعشرات، بتبديل كيفية الوضع، وكذلك عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليسرى للمئات، والسبابة، والإبهام منها للألوف. فغاية ما تجمعه اليمنى من العدد تسعة وتسعون، وما تجمعه اليسرى تسعمائة وتسعة آلاف. انتهى كلام ابن عابدين -﵀-. وقد نظمت هذه القاعدة، فقلت: يَا سَائِلًا كَيْفِيَّةَ الْحِسَابِ … لِلْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ خُذْ جَوَابِي لِلْوَاحِدِ اضْمُمْ خِنْصِرًا لأَقْرَبِ … بَاطِنِ كَفِّكَ وَأَحْكِمْ تُصِبِ لاثْنَيْنِ بِنْصِرًا تَزِيدُ وإِذَا … تَزِيدُ وُسْطَاكَ ثَلَاثَةً خُذَا ضَمُّهُمَا مَعْ رَفْعِ خِنْصِرٍ غَدَا … أَرْبَعَةً وَضَمُّ وُسْطَى أَرْشَدَا لِخَمْسَةٍ وَبِنْصِرٍ لِسِتَّةِ … وَضَمُّ خِنْصِرٍ فَقَطْ لِسَبْعَةِ مَعْ مَدِّهَا لِلَحْمَةِ تَتَّصِلُ … بِأَصْلِ إِبْهَامِكَ خُذْ مَا نَقَلُوا وَمَعَهَا الْبِنْصِرَ لِلثَّمَانِيَهْ … وَمَعْهُمَا الْوُسْطَى لِتِسْعٍ وَاقِيَهْ لِنِصْفِ بَاطِنٍ لإِبْهَامٍ طَرَفْ … سَبَّابَةٍ وَضَعَ مَنْ عَشْرًا وَصَفْ وَبَيْنَ وُسْطَاكَ وَسَبَّاب إِذَا … أَدْخَلْتَ إِبْهَامَكَ عِشْرِينَ خُذَا بِطَرَفِ الإِبْهَامِ أَلْزِقْ طَرَفَا … سَبَّابَةٍ بِهِ ثَلَاثُونَ وَفَى وَإِنْ تَضَعْ بَاطِنَ إِبْهَامٍ عَلَى … سَبَّابَةٍ قُلْ أَرْبَعُونَ حَصَلَا كَهَيْئَةِ الرَّاكِعِ الإِبْهَامَ اعْطِفَا … خَمْسُونَ وَالسِّتُّونَ بَعْدُ عُرِفَا إِنْ حُلِّقَتْ سَبَّابَة عَلَى طَرَفْ … رَاكِعَةِ الإِبْهَامِ كُنْ مِمَّنْ عَرَفْ وَإِنْ تَضعْ طَرَفَ إِبْهَام عَلَى … وَسَطِ سَبَّاب بِعَطْفٍ قُلِّلَا سَبْعُونَ وَالإِبْهَامُ وَالسَّبُّابُ إِنْ … مُدَّا وَأُلْصِقًا ثَمَانِينَ أَبِنْ تِسْعُونَ ضَمُّ طَرَفِ السَّبَّابِ فِي … أَصْلٍ وَالإبْهَامَ عَلَيْهَا فَاعْطِفِ ثُمَّ انْقُلِ الْحِسَابَ لِلْيُسْرَى وَعُدْ … كَالْوَاحِدِ الْمِائَةَ هَكَذَا تَسُدْ فَغَايَةُ الْيُمْنَى مِنَ الْعَدَدِ قُلْ … تِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَفِي الْيُسْرَى كَمُلْ تِسْعَةُ آلَافٍ وَتِسْعُمِائِةِ … فَاحْفَظْ تَنَلْ مَقَامَ خَيْرِ الْفِئَةِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في تحريك السبّابة عند التشهّد: قال القرطبيّ -﵀-: اختَلَفت الروايات في ذلك، فزاد أبو داود في حديث ابن الزبير: «أنه -ﷺ- كان يُشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحرّكها»، وإلى هذا ذهب بعض العراقيين، فمنع من تحريكها، وبعض أصحابنا رأوا أن مدّها إشارة إلى دوام التوحيد. وفي حديث وائل بن حجر بعد قوله: «وحَلّق حلقةً، ثم رفع إصبعه، فرأيته يُحرّكها، يدعو بها»، رواه النسائيّ. وإلى هذا ذهب أكثر المالكيّة، ثم من قال بالتحريك، فهل يواليه، أو لا يواليه؟ اختُلِف فيه على قولين، وسبب ذلك اختلافُهُم في ماذا يُعلَّلُ به ذلك التحريك؟ فمن وإلى التحريك تأول ذلك بأنها مُذكّرةٌ بموالاة الحضور في الصلاة، وبأنها مِقْمَعة ومِدفعة للشيطان، ومن لم يُوالي رأى تحريكها عند التلفّظ بكلمتي الشهادة فقط، وتأوّل في الحركة كأنها نُطق تلك الجارحة بالتوحيد. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ببعض تصرّف . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الإشارة تكون من أول الجلوس إلى آخره، كما هو ظاهر الأحاديث، وليس عند الشهادتين فقط؛ إذ لا دليل عليه. ثم إن عدم التحريك هو الأولى عندي، كما هو مذهب جمهور العلماء؛ لما رواه أبو داود، والنسائيّ من طريق زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه: «أن النبيّ -ﷺ- كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحرّكها»، فهذا صريح في عدم التحريك. وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ عن وائل بن حجر -﵁- وفيه: «فرأيته يحرّكها»، فقد أعلّه بعضهم بالشذوذ، حيث خالف زائدة بن قُدامة جماعة من الحفاظ الذين رووه عن عاصم بن كُليب، وقد ألّف بعض المعاصرين في ذلك رسالة، وعلى تقدير صحته، فيُحمل على أنه فعل ذلك لبيان الجواز، فيُعمل به في بعض الأحيان. وأما تضعيف بعضهم حديث عبد اللَّه بن الزبير الذي فيه أنه لا يحرّكها بتفرّد محمد بن عجلان، فليس بجيّد، فإن زيادته ليست منكرةً؛ لأنه ثقةٌ متّفقٌ على توثيقه، وإنما تكلّموا باضطرابه في أحاديث أبي هريرة -﵁- فقط، وليس هذا منها، ولأن روايته يؤيّدها حديث ابن عمر -﵄- الذي فيه وصف كيفيّة القبض والإشارة وصفًا دقيقًا، حيث بيّن فيه بأنه عقد ثلاثًا وخمسين، فإنه خالٍ عن التحريك، فلو كان -ﷺ- يُحرّكها لَما أهمله ابن عمر -﵄-، فهو مؤيّد لرواية ابن عجلان. والحاصل أن الأولى عدم التحريك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ: فَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ) فاعل «ذَكَر» ضمير «سفيان». وقوله: (وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ) فاعل «زاد» ضمير «ابن أبي عمر». وقوله: (فَكَانَ) وفي نسخة: «وكان». وقوله: (فَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ) معنى هذا الكلام أن سفيان بن عيينة سمع هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن مسلم بن أبي مريم، ثم بعد ذلك لقي مسلمًا شيخ شيخه، فحدّثه بنفسه. وفي رواية أبي عوانة في «مسنده» (١/ ٥٣٧): قال سفيان: فحدّثنا
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «ثلاثًا».

٢. «المفهم» ٢/ ٢٠١.

٣. «تهذيب الأسماء واللغات» ٤/ ١٤٤.

٤. وفي نسخة: «بالحصباء».

٥. وفي نسخة: «قلت: كيف كان».

٦. راجع: «مسند أبي عوانة» ١/ ٥٣٧.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٩.

٨. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٤٠٦.

٩. كان حقّ العبارة أن يقول: «على استحباب الإشارة»، فتبصّر.

١٠. «المفهم» ٢/ ٢٠٢.

١١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٢. وفي نسخة: «وكان».