HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٩٤

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ. لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ. وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلاة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص96
ج ١ ص ٤١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص١٣٣
زاد في رواية النسائيّ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ: «ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له». وهذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٧ و١٣٢٩ و١٣٣٠ و١٣٣١ و١٣٣٢ و١٣٣٣ و١٣٣٤ و١٣٣٥] (٥٨٨)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٧٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٩٨٣)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٦٠٤)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٣١٠) وفي «الكبرى» (١٢٣٣)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٩٠٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ١٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٦٩ و٤٨٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٣٥٠ و١٣٥١)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٦٤٨ و٦٥٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٢٠٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٠٢ و١٠١٨ و١٠١٩ و١٩٦٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٤٣ و٢٠٤٤ و٢٠٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٠١ و١٣٠٢ و١٣٠٣ و١٣٠٤ و١٣٠٥ و١٣٠٦ و١٣٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٥٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٨] (٥٨٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤). تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة، اسم أبيه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. والباقون تقدّموا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، والأول حمصيّون، سوى شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته. ٥ - (ومنها): أن فيه عروةَ أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) -﵂-، وقوله: (زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) منصوب على أنه بدل، أو عطف بيان لـ «عائشة»، والزوج بلا هاء يطلق على الرجل والمرأة على اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وقد يقال للمرأة: زوجة بالهاء (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) هذا مطلق لا يخصّ محلًّا من الصلاة، لكن يُعَيِّن أنه بعد التشهّد الأخير ما يأتي للمصنّف في حديث أبي هريرة -﵁-، من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، بلفظ: «إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير، فليتعوذ باللَّه من أربع. . .» فذكره، ويُعيّنه أيضًا ما أخرجه أحمد في «مسنده» ، وصححه ابن خزيمة -واللفظ له- من رواية ابن جُريج، أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد التشهد كلماتٍ، يعظّمهنّ جدًّا، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير بعد التشهّد،، قلت: ما هو؟، قال: «أعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من عذاب جهنّم، وأعوذ باللَّه من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من فتنة المحيا والممات»، قال: كان يعظّمهنّ. قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبيّ -ﷺ-. ففي هذا تعيين هذه أن محلّ هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد الأخير، فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام . (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال القرطبيّ -﵀-: أي الحياة والموت، ويَحْتَمِل زمان ذلك؛ لأن كلّ ما كان معلَّ العين من الثلاثيّ، فقد يأتي منه المصدر، والزمان، والمكان بلفظ واحد، ويريد بذلك مِحْنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يُريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، فكأنه لَمّا استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبيت فيهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، واللَّه تعالى أعلم . (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ) أي مما يَأْثَم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم. (وَالْمَغْرَمِ) قال ابن الأثير -﵀-: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغُرْم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه اللَّه، أو فيما يجوز، ثمّ عَجَز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ منه. انتهى. وقال الحافظ -﵀-: المغرم الدين، يقال: غَرِم -بكسر الراء- أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يَعْجِز عن أدائه، ويَحْتَمِل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ -ﷺ- من غلبة الدين. وقال القرطبيّ -﵀-: المغرم الغُرْم، وقد نَبّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم. انتهى. وقال السنديّ -﵀- بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسببٍ ما. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله السنديّ -﵀- هو الصواب؛ ويؤيّده آخر الحديث، حيث بيّن النبيّ -ﷺ- أن المغرم يترتّب عليه الكذب، وخُلْف الوعد، وهاتان من أخلاق المنافقين، وأما ما خلا عن ذلك فليس محلّ الاستعاذة؛ إذ الدين ليس مذمومًا على إطلاقه، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى اللَّهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللَّه». وقد أخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أم المؤمنين ميمونة -﵂- أنها كانت تَدَّانُ وتُكثر، فقال لها أهلها في ذلك، ولاموها، ووجدوا عليها، فقالت: لا أترك الدين، وقد سمعت خليلي وصفيي -ﷺ- يقول: «ما من أحد يَدَّانُ دَيْنًا، فعلم اللَّه أنه يريد قضاءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا» . ولفظ ابن ماجه: كانت تَدّان دَينًا، فقال لها بعض أهلها: لا تفعلي، وأنكر ذلك عليها، قالت: بلى، إني سمعت نبيي وخليلي -ﷺ- يقول: «ما من مسلم يَدّان دينًا يعلم اللَّه منه أنه يريد أداءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا». فتبيّن بهذا أن الدين ليس مذمومًا إلا إذا ساءت نيّة الإنسان، فعند ذلك يُذمّ، ويكون ذنبًا يعاقبه اللَّه تعالى عليه، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الحاكم في «مستدركه» (٢/ ٢٤)، عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «الدين راية اللَّه في الأرض، فإذا أراد أن يُذِلّ عبدًا وضعها في عنقه»، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. انتهى. وهذا من تساهلاته، فقد تعقّبه الحافظ الذهبيّ -﵀-، بأن في سنده بشر بن عبيد الدارسيّ، وهو وَاهٍ، وقال الشيخ الألبانيّ: إنه موضوع . (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) هي عائشة -﵂-، كما بينته رواية النسائيّ من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظها: كان رسول اللَّه -ﷺ- أكثر ما يتعوّذ من الْمَغْرَم والْمَأْثَم، قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثر ما تتعَوَّذ من المغرم؟، قال: «إنه مَن غَرِمَ حَدّث، فكَذَب، ووَعَد فأخلَفَ». (مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) «ما» الأولى تعجبية، و«أَكْثَرَ» -بفتح الراء- فِعْلُ تعجب، و«ما» الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعولُ فِعْلِ التعجّب، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يَحْتَرِز عنه أصحاب الكمال، قاله السنديّ -﵀-. (فَقَالَ) -ﷺ- جوابًا عن هذا السوال («إِنَّ الرَّجُلَ) المراد الجنس، وغالب حاله، ومثله المرأة (إِذَا غَرِمَ) -بكسر الراء- من باب تَعِبَ: أي لزمه دين، والمراد استدان، واتَّخَذَ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حَدَّثَ) -بتشديد الدّال- أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فَكَذَبَ) بفتح الذال المخفّفة، قال الفيّومي: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِبًا، بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال، فالكذِبُ هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ فيه العمد والخطأُ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبَعُ العمد. انتهى . والمعنى هنا: أنه يُحدّث ربّ الدين إذا تقاضاه، ولم يُحْضِر ما يُؤدِّي به دينه، فيكذب عليه؛ ليتخلص من يده، ويقول له: لي مال غائبٌ إذا حضر أُؤدِّي دينك منه، وليس له مالٌ، وإنما يريد التخلّص منه. (وَوَعَدَ) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غدًا، أو في المدّة الفلانية (فَأَخْلَفَ») في وعده. وبما تقرّر عُلم أن«غرم»فعل شرط، و«حدّث»جزاؤه، و«كذب»عطف على الجزاء مرقب عليه، و«وعد»عطف على«حدّث»، لا على«غَرِم»، و«أخلف» مرتب عليه. وحاصل الجواب أن الدَّين يُؤدِّي إلى خلل بالدِّين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة. واستُشكل دعاؤه -ﷺ- بما ذُكِر مع أنه معصومٌ مغفورٌ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. وأجيب بأجوبة: (أحدها): أنه قَصَد التعليم لأمته. (ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي. (ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف اللَّه، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقُّق الإجابة؛ لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويَرْفَع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان -ﷺ- مع تحقّق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يُدْرِكه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل تحقُّق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «إن يَخرُج، وأنا فيكم، فانا حجيجه. . .» الحديث، أفاده في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٦] (٥٨٧) و[٢٥/ ١٣٢٨] (٥٨٩)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٣٢) و«الاستقراض» (٢٣٩٧) و«الدعوات» (٦٣٦٨ و٦٣٧٥ و٦٣٧٦ و٦٣٧٧) و«الفتن» (٧١٢٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٨٠)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٩٥)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٣٠٩) و«الاستعاذة» (٥٤٥٤ و٥٤٧٢) وفي «الكبرى» (١٢٣٢)، و(ابن ماجه) في «الدعاء» (٣٨٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ١٨٨ - ١٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٨٨ - ٨٩ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٦٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة. ٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، خلافًا لمن نفاه من المعتزلة، والتعوّذ منه. ٣ - (ومنها): إثبات وجود الدجّال، وإثبات خروجه، وفتنته الناس. ٤ - (ومنها): التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه، وسؤال اللَّه تعالى في دفعها. ٥ - (ومنها): تعظيم شأن الدَّينِ، وأنه سبب للوقوع في الإثم، من الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، وهما من صفات المنافقين. ٦ - (ومنها): الاستعاذة من الدين؛ لأنه يَشين في الدنيا والآخرة إذا خلا عن نيّة صالحة في قضائه، كما سبق بيانه قريبًا. ٧ - (ومنها): ما قاله المهلّب -﵀-: يُستفاد منه سدّ الذرائع؛ لأنه -ﷺ- استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين من المقال، ولا تناقض بين الاستعاذة من الدين، وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدين، فمن ادّان وسَلِم منها، فقد أعاذه اللَّه تعالى، وفَعَل جائزًا. انتهى . ٨ - (ومنها): أن في سماع عائشة -﵂- دعاء النبيّ -ﷺ- في صلاته دليلًا على أنه كان أحيانًا يُسمع من يليه دعاءه، كما كان أحيانًا يُسمع من يليه الآية من القرآن . ٩ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: ودعاء النبيّ -ﷺ-، واستعاذته من هذه الأمور التي قد عُوفي منها، وعُصِم إنما فعله ليلتزم خوفَ اللَّه تعالى، وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمته، وليبين لهم صفة الدعاء، والمهتم منه. انتهى. ١٠ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: [فإن قلت]: قوله: «فتنة المحيا والممات» يَشْمَل جميع ما ذُكِر، فلأيّ شيء خُصِّصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟. [قلت]: لعظم شأنها، وكثرة شرّها، ولا شك أن تخصيص بعض ما يَشْمَله العامّ من باب الاعتناء بأمره؛ لشدة حكمه، وفيه أيضًا عطف العامّ على الخاصّ، وذلك لفَخَامة أمر المعطوف عليه، وعِظَم شأنه، وفيه اللفّ والنشر الغير المرتَّب؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا. [فإن قلت]: ما فائدة تعوذه -ﷺ- هذه الأمور التي قد عُصِم منها؟. [قلت]: إنما ذلك ليلتزم خوف اللَّه تعالى، ولتقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء. [فإن قلت]: سَلّمنا ذلك، ولكن ما فائدة تعوذه من فتنة المسيح الدجال، مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟. [قلت]: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأشه كذّاب مُبطِل مُفْتَرٍ سَاعٍ على وجه الأرض بالفساد، مُمَوِّه ساحرٌ حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، عليه اللعنة، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلةٌ، كما أخبر به رسول اللَّه -ﷺ-. ويجوز أن يكون هذا تعليمًا منه -ﷺ- لأمته، أو تعوُّذًا منه لهم. [فإن قلت]: يعارض التعوّذ باللَّه عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، يرفعه: «إن اللَّه تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكرهه اللَّه تعالى» ، وكان ابن جعفر يقول لخادمه: اذهب فخذ لي بدَين، فإني أكره أن أبيت الليلة إلّا واللَّه معي، قال الطبرانيّ: وكلا الحديثين صحيح. [قلت]: المغرم الذي استعاذ منه -ﷺ- إما أن يكون في مباح، ولكن لا وجه عنده لقضائه، فهو مُتَعَرِّضٌ لهلاك مال أخيه، أو يستدين، وله إلى القضاء سبيلٌ، غيرَ أنه يَرَى ترك القضاء، وهذا لا يصحّ إلّا أذا نُزِّل كلامه -ﷺ- على التعليم لأمته، أو يستدين من غير حاجة؛ طمعًا في مال أخيه، ونحو ذلك، وحديث جعفر -﵁- فيمن يستدين لاحتياجه احتياجًا شرعيًّا، ونيته القضاء، وإن لم يكن له سبيلٌ إلى القضاء. انتهى ما في «العمدة» ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، ومرّ البحث قريبًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٩] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا طريق ثانٍ لحديث أبي هريرة -﵁- الماضي، وقد تقدّم أن الأولى تقديم حديث عائشة -﵂- المذكور قبل هذا إلى حديثها أول الباب، وذكر أحاديث أبي هريرة منسّقةً، كما لا يخفى. ورجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل حديث، سوى: ١ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبي العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. وقوله: («إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) فيه بيان محلّ التعوّذ من هذه الأربع، وهو بعد التشهّد الآخر، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث أوجبه في التشهّد الأول أيضًا. وقوله: (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. . . إلخ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: (ح) وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ : «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآخِرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير، أبو صالح البغداديّ الْقَطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيادٍ) السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقب، واسمه محمد، أو عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ مُتقنٌ [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٤ - (عِيسَى بْنَ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من هِقْل بن زياد، وعيسى بن يونس روياه عن الأوزاعيّ، بالإسناد الماضي، وهو عن حسّان بن عطيّة، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة -﵁-. [تنبيه]: رواية هقل، وعيسى لم أجد من ساقهما بمفردهما، إلا ما ساقه أبو نعيم، في «مستخرجه» (٢/ ١٨٦) فقال: (١٣٠١) حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن إسحاق ابن راهويه، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يونس (ح) وحدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الْهِقْل بن زياد (ح) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع (ح) وحدّثنا أبو جعفر، محمد بن الحسن اليقطينيّ، ثنا أبو يحيى الخزيميّ، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم (ح) وحدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قالوا: ثنا الأوزاعيّ، ثنا حسان بن عطية، حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ باللَّه من الأربع، من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وشر المسيح الدجال»، قال: لفظهم واحد. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال أبو نعيم: إن لفظهم واحد، وهو مخالف لقول المصنّف: «ولم يذكر الآخر»، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون ذُكروا في هذا الباب، و«يحيى»: هو ابن أبي كثير، و«أبو سلمة»: هو ابن عبد الرحمن بن عوف. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، وكذا مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (طاووسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. وقوله: (عُوذُوا بِاللَّهِ. . . إلخ) أمر من عاذ كقال، أي اطلبوا منه العصمة، يقال: استعذتُ باللَّه، وعُذْتُ به مَعَاذًا، وعِيَاذًا: اعتصمتُ به . والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، غير: ١ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث أبي هريرة الماضي. [تنبيه]: رواية ابن طاوس هذه ساقها الحميديّ في «مسنده» (٢/ ٤٣٢)، فقال: (٩٨٠) حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «عُوذوا باللَّه من عذاب اللَّه، عوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عوذوا باللَّه من عذاب القبر، عوذوا باللَّه من فتنة المسيح الدجال». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (ح م د ت س) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو قبلها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٣ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون تقدّموا في هذا الباب. [تنبيه]: رواية الأعرج هذه ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٥٥١٦) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «عُوذُوا باللَّه من عذاب اللَّه، عُوذوا باللَّه من عذاب القبر، عُوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عُوذوا باللَّه من فتنة المسيح الدجال». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم قبل بابين. ٣ - (بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ [٥] (ت ١٢٥ أو ١٣٥) (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٧/ ١١١٥. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَفِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نصبٌ [٣] (ت ١٠٨) (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٤/ ٤٥٠. والباقيان تقدّما في الباب. والحديث أخرجه النسائيّ في «كتاب الاستعاذة» (٨/ ١٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩٨ و٤٥٤)، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٦] (٥٩٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام الحجة الفقيه المجتهد المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، تقدّم قبل باب، و«طاوس» ذكر قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي أصحابه، أو أهل بيته (هَذَا الدُّعَاءَ) أي الذي يأتي (كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) هذا بيان لتأكيد اهتمامه -ﷺ- بتعليم هذا الدعاء لأمته، وتأكّد التعوذ به، والحثّ الشديد عليه (يَقُولُ) -ﷺ- («قُولُوا) هذا أمر بقول هذا الدعاء، وظاهر الأمر للوجوب، واليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع به، وإليه ذهب ابن حزم، وذهب الجمهور إلى استحبابه، والأول هو الظاهر؛ لأنه لا صارف للأمر (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى خالقها (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أي على تقدير لُقيّه (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ») هذا تعميم بعد تخصيص، وكرّر«أعوذ»في كلّ واحدة؛ إظهارًا لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعاذة مستقلّة. (قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج) صاحب الكتاب: (بَلَغَنِي) قال صاحب«التنبيه»: لا أدري من بلّغه . (أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ) يَحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن طاوس، أو غيره (أَدَعَوْتَ بِهَا) وفي بعض النسخ:«دعوت بها؟ »بحذف همزة الاستفهام، أي هل دعوت بهذه الدعوات (فِي صَلَاتِكَ؟، فَقَالَ) ابنه (لَا) أي لم أدع بها (قَالَ) طاوس لابنه (أَعِدْ صَلَاتِكَ) أي لتركك ما أُمرت به، وهي الدعوات المذكورة، ثم سبب أمره بإعادة صلاته، فقال: (لِأَنَّ طَاوُسًا) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: لأنّي رويته (رَوَاهُ) أي نقله (عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ)«أو»للشكّ من الراوي. قال النوويّ -﵀-: ظاهر كلام طاوس: أنه حَمَل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحبّ، ليس بواجب، ولعلّ طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما قاله القاضي عياض -﵀-: إن طاوسًا يرى الوجوب، وعبارته في«الإكمال»: وقولُ طاوس لابنه -إذ لم يتعوّذ كما علّمهم النبيّ -ﷺ- بذلك-: أَعِدْ صلاتك، يدلّ أنه حَمَل أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، وبقوله:«عُوذُوا باللَّه»على الوجوب. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وأمر طاوس ابنه بإعادته لَمّا لم يتعوّذ من تلك الأمور دليلٌ على أنه كان يعتقد وجوب التعوّذ منها في الصلاة، وكأنه تمسّك بظاهر الأمر بالتعوّذ منها، وتأكّد ذلك بتعليم النبيّ -ﷺ- إياها الناس كما يُعلِّمهم السورة من القرآن، وبدوام النبيّ -ﷺ- على ذلك. قال: ويَحْتَمِل أن ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرم فائدتها وثوابها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح؛ لوضوح أدلّته، كما بيّنه القرطبيّ -﵀- نفسه. والحاصل أن أدلّة القول بوجوب الاستعاذة من هذه الأربع ظاهرة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٣٦] (٥٩٠)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٦٩٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥٤٢)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٩٤)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (٤/ ١٠٤)، و«الاستعاذة» (٨/ ٢٦٧ - ٢٧٧)، و(ابن ماجه) في «الدعاء» (٣٨٤٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٢ و٢٥٨ و٢٩٨ و٣١١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٩٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢١٥٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٠٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٣٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٧] (٥٩١) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٍ»، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ : أَستَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) -بالتصغير- الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٢ - (الْوَليدُ) بن مسلم الدمشقيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (أَبُو عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) القرشيّ الدمشقيّ، مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يُرسل [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم. قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شدّاد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصَحِبَ أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا، وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد اللَّه، وكان مرضيًّا، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذلك قال النسائيّ، وقال صالح بن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد» والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٩١) و(٨٣٢) و(١٠٣٦) و(٢٠٧٤) و(٢٢٧٦) و(٢٢٧٨) و(٢٧٦٥). ٥ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد، ويقال: اسمه عبد اللَّه الدمشقيّ، ثقة [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٢. ٦ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ -ﷺ-، صَحِبَهُ ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٢، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارَزميّ، ثم بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) قال النوويّ -﵀-: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها (اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) هذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعْرِض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركًا لذلك. وقال السنديّ -﵀-: استغفر -ﷺ- تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلّما يزداد عملًا، وقد مدح اللَّه عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال ابن سيّد الناس -﵀-: هو وفاء بحقّ العبوديّة، وقيام بوظائف الشكر، كما قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، وليبيّن للمؤمنين سنته فعلًا، كما بيّنها قولًا في الدعاء والضراعة ليُقتَدَى به. انتهى. (وَقَالَ) -ﷺ- بعد الاستغفار («اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، أي أنت السليم من المعايب والآفات، ومن كل نقص. وقال الصنعانيّ -﵀-: المراد ذو السلامة من كلّ نقص وآفة، مصدر وُصف به للمبالغة. انتهى. وفي تعريف الجزأين إفادة الحصر، أي أنت المختصّ بالتنزّه عن النقائص والعيوب، لا غيرك. (وَمِنْكَ السَّلَامُ) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تُعطي السلامة وتمنحها لمن أردتها له، لا من غيرك، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يُرجَى السلام، ويُستوهَب، ويُستفاد، أو السلامة من المعايب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلّمته. قال الشيخ الْجَزَريّ -﵀-: وأما ما يُزاد بعد قوله: «ومنك السلام» من نحو: «وإليك يرجع السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام»، فلا أصل له، بل هو مُخْتَلَقٌ من بعض القُصّاص. انتهى. (تَبَارَكْتَ) تَفَاعَلْتَ من البركة، وهى الكثرة والنماء، رُوي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: «تبارك» بمعنى تعالى، وقال أبو العباس: ارتفع، والمبارك المرتفع، وقال ابن الأنباريّ: تقدّس، وقال الحسن: تبارك تجيء البركة مِن قِبَلِه، وقال الضّحّاك: تَعَظّم، وقال الخليل: تمجّد. وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه. قال العلّامة ابن القيّم -﵀-: هذا أحسن الأقوال، فتبارُكُهُ سبحانه وصفُ ذاتٍ له، وصفةُ فعلٍ. وقال ابن عطيّة: معناه عظُم، وكثُرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللفظة إلا اللَّه تعالى، ولا تتصرف في لغة العرب، لا يُستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلّة ذلك أن «تبارك» لَمّا لم يوصف به غير اللَّه لم يَقتض مستقبلًا، إذ اللَّه ﷿ قد تبارك في الأزل. (ذَا الْجَلَالِ) بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية، قال الحريريّ في «ملحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» أي العظمة (وَالْإِكْرَامِ») أي الإحسان إلى أوليائه (قَالَ الْوَليدُ) بن مسلم (فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟) أي الذي نُقل عن النبيّ -ﷺ- (قَالَ) الأوزاعيّ: (تَقُولُ) بالتاء خطابًا للمتكلّم، وفي بعض النسخ:«يقول»بالياء، أي المصلّي (أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه الصفح، قال الفيّوميّ -﵀-: غَفَر اللَّه له غَفْرًا: صفَحَ عنه، والمغفرة: اسم منه، واستغفرتُ اللَّهَ: سألته المغفرة. انتهى . وقال في«اللسان»: أصل الغَفْر: التغطية والستر، يقال: غَفَرَ اللَّهُ ذنوبَهُ: أي سترها، قال: وكلُّ شيء سترته، فقد غفرته، وقال أيضًا: الغَفْرُ والمغفرة: التغطية على الذنوب، والعفوُ عنها، ويقال: استغفر اللَّهَ من ذنبه، ولذنبه بمعنًى، واستغفر اللَّه ذنبَهُ على حذف الحرف: طَلَبَ منه غَفْرَه، أنشد سيبويه [من البسيط]: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ انتهى باختصار، وتصرّف . ومعنى كلام الأوزاعيّ -﵀- أن صيغة الاستغفار التي كان النبيّ -ﷺ- يقولها بعد الصلاة هي هذه، والظاهر أنه قاله روايةً، ويَحْتَمِل أن يكون قاله استنباطًا من النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمّل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، [آل عمران: ١٣٥]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثوبان -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٧] (٥٩١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥١٣)، و(الترمذيّ) فيها (٣٠٠)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٣٣٧) وفي «الكبرى» (١٢٦٠) وفي «عمل اليوم والليلة» (١٣٩)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٩٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٧٥ و٢٧٩)، و(الدارمي) في «سننه» (١٣٥٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٣٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٦٤)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (١٣٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧١٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث على الأوزاعيّ -﵀-: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ عند المصنّف، بلفظ: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا. . .»، ونحوه عند النسائيّ، ووافقه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعيّ، عند أبي نعيم في «المستخرج». وخالفهما في ذلك جماعة فرووه عن الأوزاعيّ بلفظ: «كان إذا أراد أن ينصرف». فرواه أحمد من طريق عبد القدوس بن الحجّاج -وهو، والترمذي من طريق عبد اللَّه بن المبارك- وأبو داود من طريق عيسى بن يونس -وابن خزيمة، وأبو عوانة، وأبو العبّاس السرّاج ثلاثتهم من طريق بشر بن بكر- وابن خزيمة أيضًا من طريق عمرو بن أبي سلمة -وابن حبّان من طريق عُمَر بن عبد الواحد- خمستهم عن الأوزاعيّ اتفقوا على لفظ: «إذا أراد أن ينصرف». وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من رواية عمرو بن هاشم البيروتيّ، عن الأوزاعيّ بلفظ: «كان يقول قبل السلام». قال ابن خزيمة -﵀-: إن كان عمرو بن هاشم حفظه، فمحلّ هذا الذكر قبل السلام. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه لم يحفظه، فقد خالف هؤلاء الحفّاظ، وقد قال عنه أبو حاتم -كما في «التهذيب»-: ليس بذاك، كان صغيرًا حين كتب عن الأوزاعيّ، وقال العُقيليّ: لا يُتابع على حديثه . والحاصل أن روايته بلفظ: «قبل السلام» شاذّة غير محفوظة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ في «نتائج الأفكار»: ورواية: «إذا أراد أن ينصرف» موافقة لهذه، ويمكن ردّ رواية: «إذا انصرف» إليها، لكن المعروف أن هذا الذكر بعد السلام، ويؤيّده حديث عائشة -﵂- يعني الآتي بعد هذا، ثم قال: ويمكن الجمع بأنه كان يقول ذلك في الموضعين. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الجمع لا يُحتاج إليه ؛ لما عرفت من أن الرواية بلفظ: «قبل السلام» غير محفوظة، فلا حاجة إلى الجمع المذكور. والأحسن عندي أن يُفَسّر الانصراف هنا بالانصراف إلى جهة الحاجة، لا بالانصراف الذي هو السلام، بدليل حديث عائشة -﵂- الآتي، فيكون معنى: «إذا أراد أن ينصرف» أي إذا أراد القيام إلى حاجته بعد السلام، فيتفق مع حديث عائشة -﵂-، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاستغفار ثلاث مرّات بعد التسليم من الصلاة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع وإظهار العبودية للَّه تعالى، فيستغفر ربه، وإن كان قد غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ٣ - (ومنها): بيان أن العبد لا ينبغي له الاتّكال على الطاعة، بل يعتقد فيها النقص، وعدم أدائه حقّ اللَّه فيها، فيَجْبُر ذلك بالاستغفار، فالاستغفار ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل الطاعة تحتاج إليه أيضًا، لما يقع فيها من السهو والغفلة، وعدم القيام بها حقّ القيام، وقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن عائشة -﵂- أنها قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويَسْرِقون؟ قال: لا، يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقْبَل منهم، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] . ٤ - (ومنها): بيان وصف اللَّه تعالى بأنه السالم من كلّ نقص، وعيب، وبأن السلامة لعباده منه ﷿، لا من غيره، وأنه متصف بالعظمة ذاتًا وصفةً، وبإكرام أوليائه، الذين قال في حقهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٨] (٥٩٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أثبت الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب ابن سيرين وخَتَنُهُ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يوسف، وعاصم الأحول، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال سليمان بن حرب: كان ابن عمّ ابن سيرين ثقةٌ، وتَعَقّب ذلك الدمياطيّ، قال: بل هو ختنه. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ما المانع أن يكون ابن عمّه من الأمّ، أو من الرضاع، فلا يتخالف القولان. ورَوَى يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن نسيب، عن عائشة حديثًا، فقال ابن حبّان في «صحيحه»: وَهِمَ فيه يحيى، وإنما هو عبد اللَّه بن الحارث نَسِيب ابن سيرين، سقط عليه «الحارث»، فبقيت عبد اللَّه بن نسيب. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٥٩٢) و(٦٩٩) و(١٦١٣) و(٢٧١٢) و(٢٧٢٢). ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّلهما، حيث رويا عن أبي معاوية بالسماع منه. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سليمان، عن عبد اللَّه بن الحارث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵁- أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ) أي من صلاته (لَمْ يَقْعُدْ) أي في مكان صلاته (إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) اسم من أسماء اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ الآية [الحشر: ٢٣] (وَمِنْكَ السَّلَامُ) أي السلامة من الآفات، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩١]، ومعنى ذلك أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصل لمن سلمه اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، قاله القرطبيّ -﵀- . (تَبَارَكْتَ) هو: تفاعلتَ، من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمتَ؛ إذ كثُرت صفات جلالك وكمالك (ذَا الْجَلَالِ) أي ذا العظمة والسلطان، وهو بحذف حرف النداء، كما سبق بيانه في الحديث الماضي (وَالْإِكْرَامِ») أي الإحسان، وإفاضة النِّعَم على المطيعين. (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ:«يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ») يعني بإثبات حرف النداء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٨ و١٣٣٩ و١٣٤٠] (٥٩٢)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٥١٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٩٨ و٢٩٩)، و(النسائيّ) في«السهو»(١٣٣٨) وفي«الكبرى»(١٢٦١) وفي«عمل اليوم والليلة»(٩٥ و٩٦ و٩٧)، و(ابن ماجه) (٩٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٣٠٢ و٣٠٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(١٥٥٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٦٢ و٦/ ١٨٤ و٦/ ٢٣٥)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢٣٥٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٠٦١ و٢٠٦٢ و٢٠٦٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٣١٠ و١٣١١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٠٠٠ و٢٠٠١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ١٨٣)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٧١٣)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج ابن حبّان -﵀- في«صحيحه»(٥/ ٣٤٢) هذا الحديث أيضًا من حديث ابن مسعود -﵁-، فقال: (٢٠٠٢) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا محمد بن الصباح الدُّولابيّ منذ ثمانين سنة، قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح ، عن عبد اللَّه بن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما يقول:«اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». قال أبو حاتم -﵀-: سَمِعَ هذا الخبر عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة، وسمعه عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح، عن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، الطريقان جميعًا محفوظان. انتهى . وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المكث في مكان الصلاة بعد السلام من الصلاة: قال الحافظ ابن رجب -﵀-: المنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. رَوَى عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود -﵁- قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمرًا. وروى أيضًا بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال -لمّا سمع مصعبًا يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة-: ما له؟ قاتله اللَّه نَعَّار بالبِدَعِ. ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنًا. ففي «صحيح مسلم» عن جابر بن سمرة -﵁- «أن النبيّ -ﷺ- كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام». ورَوَى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة. قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ-: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهرن جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس. قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يُحدِث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه». فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصق الشافعيّ في «المختصر» على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر اللَّه، خصوصًا بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافًا. وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يُحِدِث. ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه. ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهًا، أو غير مكروه. قال ابن مسعود -﵁-: إذا فرغ الإمام، ولم يَقُم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعه، فقد تمّت صلاتك، أخرجه عبد الرزّاق. وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء. وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم الماموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم. وقال الزهريّ ة إنما جُعل الإمام ليؤتم به - يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه. وفي «صحيح مسلم»، عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف». وحديث أم سلمة -﵂-: «كان رسول اللَّه إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومَكَث يسيرًا قبل أن يقوم»، قال ابن شهاب: فأرى -واللَّه أعلم- أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم، رواه البخاريّ. فهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النبيّ -ﷺ- لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاءً عامّا للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: «يشهدن الخير ودعوة المسلمين». فلو كان عقب الصلاة دعاء عامّ لشهده النساء مع الرجال أيضًا. وقال الشافعي في «الأمّ»: فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ. وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم. وفي «تهذيب المدوّنة» للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- ببعض تصرّف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ في «الأم» هو الراجح عندي. وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلّاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن. وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلًّا بالحديث المتقدّم، وهو قوله: «ولا بالانصراف» فهو غير صحيح عندي؛ لأن معنى الانصراف هنا -واللَّه أعلم- هو السلام، بدليل أنه -ﷺ- قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنَهَى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ -﵁- المشهورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها: قال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق. فكَرِهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته. وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن عليّ -﵁- أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاريّ، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأمومًا، كذلك قال الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد. وقد أخرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة -﵁- قال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي اللَّه -ﷺ-، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يَهْلِك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبيّ -ﷺ- بصره، فقال: «أصاب اللَّه بك يا ابن الخطّاب» . وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضًا ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلّم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج، أخرجه مسلم. وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، قيل له: فما يُجزئ من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلّم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم، وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاريّ. وقد ذكر قتادة، عن ابن عمر أنه رأى رجلًا صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق. ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأمومًا، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال. وقد قال الشافعي في «سنن حرملة»: حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة: «أصلاتان معًا؟»، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبيّ -ﷺ- اضطجع بعد ركعتي الفجر. ورَوَى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄- أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس -﵃- في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟. وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية -﵁- يدلّ على الكراهة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ببعض تصرّف . قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية -﵁- المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب -﵀-، فليُتَنَبّه، واللَّه تعالى أعلم. وكتب الحافظ -﵀- على قول الإمام البخاريّ -﵀-: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوّع الإمام في مكانه»، ولم يصحّ. انتهى. ما نصه: قوله: «ولم يصحّ» هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في «تاريخه»، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل». رواه أبو داود، وإسناده منقطع، وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي -﵁- قال: «من السنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه». وحَكَى ابن قدامة في «المغني» عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم: «عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبيّ -ﷺ- أمرنا بذلك». ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالًا؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. وحجة الجمهور حديث معاوية -﵁-. ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية -﵁-: «أو تخرج». ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتُعُقّب بحديث: «ذهب أهل الدثور»، فإن فيه: «تسبّحون دبر كلّ صلاة»، وهو بعد السلام جزْمًا، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة. ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلًا للقبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء. انتهى كلام الحافظ -﵀-. قال بعض المحققين ردًّا على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: «اللهم أنت السلام. . . إلخ» مطلقًا؛ لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله هذا المحقِّق حسنٌ جدًّا، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة؛ لعموم حديث معاوية -﵁- المتقدّم. وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف؛ لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه. وكذا حديث أبي هريرة -﵁- عند أبي داود مرفوعًا: «أَيَعْجَز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة» -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضًا ؛ لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر أحاديث وردت باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبيّ -ﷺ-: (منها): حديث سمرة بن جندب -﵁-: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه». أخرجه البخاريّ. (ومنها): حديث البراء بن عازب -﵁- قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه»، رواه مسلم، وأبو داود. (ومنها): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ -﵁-: «صلى لنا رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس. . .» الحديث، أخرجه البخاريّ. (ومنها): حديث أنس -﵁- قال: «أخّر رسول اللَّه -ﷺ- الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه. . .» الحديث. أخرجه البخاريّ أيضًا. (ومنها): حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه -﵁-: «أنه صلى مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الصبح، فلما صلى انحرف». حديث صحيح رواه النسائيّ. فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك؛ لما يشعر به لفظ «كان»، كما هو القول الراجح فيها، فقد حقّقته في «التحفة المرضيّة»، وشرحها. [تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله -ﷺ- من الصلاحية للتعليم والموعظة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر لا يخفى. وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلًا. وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومين. وحديث سمرة -﵁- يدلّ على أنه -ﷺ- كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدلّ على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل يمينه. أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّرًا لحديث سمرة -﵁-، فيكون المراد بقوله: «أقبل علينا» أي على بعضنا. أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، أفاده في «النيل» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعًا؛ لأن هذا هو هدي النبيّ -ﷺ-، وغالب أحواله. هذا إن إذا لم تكن له حاجة، فأما إن كانت له حاجة، فله أن يذهب إليها، ويترك الإقبال عليهم؛ لما أخرجه البخاريّ عن عقبة بن الحارث النوفليّ -﵁-، قال: صليت وراء النبيّ -ﷺ- بالمدينة العصر، فسلَّم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففَزِعَ الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عَجِبوا من سرعته، فقال: «ذَكَرتُ شيئًا من تِبْر عندنا، فكرهت أن يَحْبِسني، فأمرت بقسمته». فهذا الحديث يدلّ أيضًا على أن هديه -ﷺ- كان المكث في مصلاه؛ إذ لو لم يكن كذلك لَمَا تعجّبوا من سرعة انصرافه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. والباقيان ذُكرا قبله، و«عاصم»: هو ابن سليمان الأحول. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂-. [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: اتّفقت النسخ التي بين يديّ في هذا الإسناد على قوله: «حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، وخالدٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، كلاهما عن عائشة»، وهو غلطٌ، والصواب: «حدّثنا شعبة، عن عاصم، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . . إلخ»، فشعبة يروي عن كلّ من عاصم، وخالدٍ، وكلاهما يرويان عن عبد اللَّه بن الحارث، وهو عن عائشة -﵂-، فقوله: «عن عبد اللَّه بن الحارث» يُحذف، ويكون قوله: «وخالدٍ» مجرورًا بالعطف على «عاصم»، ولفظ «كلاهما» يكتب بعد قوله: «وخالدٍ». وقد وقع عند أبي داود في «سننه» على الصواب، وسأسوق لفظه في التنبيه الآتي، وكذا وقع على الصواب عند أبي نعيم في «مستخرجه»، ولفظه بعد أن ساقه بسنده: «حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ الأحول، وخالدٍ الحذّاء، جميعًا عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . .» الحديث. وكذلك وقع في «تحفة الأشراف» ، ولفظه: «وعن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن شعبة، عن عاصمٍ، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث. . .»، فتنبّه لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣١١. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (خَالِد) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. والباقون تقدّموا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها أبو داود في «سننه»، فقال: (١٥١٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، عن عاصم الأحول، وخالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- كان إذا سلّم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤١] (٥٩٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٢ - (وَرَّاد مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) هو: «ورّاد» -بفتح الواو، وتشديد الراء- الثقفيّ، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد الكوفيّ كاتب المغيرة، ومولاه، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاه المغيرة، ووَفَدَ على معاوية. ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، والشعبيّ، وعبدة بن أبي لبابة، والْمُسَيَّب بن رافع، ورجاء بن حَيْوَة، والقاسم بن مُخَيمِرة، وأبو سعيد الشاميّ، وأبو عون الثقفيّ، وزياد بن عِلاقة، وعطاء السائب، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٥٩٣) وكرّره خمس مرّات، و(١٤٩٩): «أتَعْجَبون من غيرة سَعْد، فواللَّه لأنا أغير منه. . .» الحديث. ٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور -﵁-، أسلم قبل الحديبية، وولي إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون تقدّموا قبل باب، و«إسحاق بن إبراهيم»، هو: ابن راهويه، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد، و«منصور» هو: ابن المعتمر. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف -﵀-، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه أيضًا، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وعلى قول من عدّ منصورًا من صغار التابعين، ففيه ثلاثة منهم روى بعضهم عن بعض، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الراء، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن سفيان عند الإسماعيليّ: «حدّثني ورّاد»، وفي رواية ابن عيينة -الآتية للمصنّف- عن عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير، سمعا ورّادًا كاتب المغيرة. . . (مَوْلَى الْمُغِيرَةِ) بضمّ الميم، وحُكي كسرها إتباعًا للغين (ابْنِ شُعْبَةَ) المراد بالمولى هنا: الْمُعْتَقُ، قال في «ألفيّة الحديث»: وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي … وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ … وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي وقد تقدّم في «شرح المقدّمة» أن المولى يُطلَق على عدّة معان، أوصلها في «القاموس» إلى واحد وعشرين معنى، ونظمتها، ومنها الْمُعتَق -بفتح التاء- وهو المراد هنا. (قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَلَ معاوية -﵁-، وسيأتي سبب كتابه، من طريق ابن عيينة قال: حدّثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عُمير سمعا ورّادًا كاتب المغيرة بن شعبة، يقول: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بشيء سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه سمعت رسول اللَّه -ﷺ-. . .، وعند البخاريّ في «القدر» من رواية عبد بن أبي لبابة، عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ -ﷺ- يقول خلف الصلاة. . . (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي المكتوبة، ففي رواية للبخاريّ من طريق سفيان ، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرةُ بن شعبة في كتاب إلى معاوية، أن النبيّ -ﷺ- كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . .» الحديث. (وَسَلَّمَ) أي خرج من صلاته بالسلام (قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه تعالى (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقديره نكرةً، كما قال في»الخلاصة«: وَالْحَالُ إِنْ عُرّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ«وَحْدَكَ اجْتَهِدْ»ومنه قول الشاعر [من الوافر]: فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي أرسل الإبل، أو الخيل حال كونها معتركة، أي مزدحمةً. والمعنى هنا: منفردًا في ذاته. (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته، وهو تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد، وقال في«العمدة»:«لا شريك له»تأكيد لقوله:«وحده»؛ لأن المتّصف بالوحدانيّة لا شريك له. انتهى . وقال ابن الملقّن -﵀-: قوله:«وحده لا شريك له»هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلا فالحصر الذي قبله يُفيده. قال ابن العربيّ -﵀-: وهو إشارة إلى نفي الإعانة لما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. انتهى . (لَهُ الْمُلْكُ) بضمّ الميم، قال في«اللسان»: الْمُلْكُ: معروف، وهو يُذكّر ويُؤنّث كالسلطان، وملك اللَّه تعالى، ومَلكوته: سلطانه وعظمته، وقال أيضًا: قال ابن سِيدهْ:«الْمَلْكُ -بالفتح- والْمُلْك -بالضمّ- والْمِلْك -بالكسر-: احتواء الشيء، والقدرة على الاستبداد به. انتهى . وقدّم الخبر لإفادة الاختصاص، أي لا لغيره، ومثله قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ) أي جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع أصناف المحامد في الأولى والآخرة للَّه -﷿-؛ لأنه المستحق لها دون غيره. وزاد الطبرانيّ من طريق أخرى عن المغيرة: «يُحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير -إلى- قدير»، ورواته مُوَثَّقون، وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف، لكن في القول إذا أصبح، وإذا أمسى، قاله في «الفتح». وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد رُوي في الحديث زيادة: «بيده الخير» خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد. وروي فيه أيضًا زيادة: «يحيي ويميت». ذكرها الترمذي في كتابه تعليقًا، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقيل، عن جابر -﵁- عن النبيّ -ﷺ-، بمثل حديث المغيرة -﵁- بهذه الزيادة، وفي إسنادها ضعف. وخرّجه أيضًا من حديث ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، وفيه زيادة: «بيده الخير»، وفي إسناده ضعف. وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: «يحيي ويميت»، وقال: هو غير محفوظ. وخرّجه أبو مسلم البلخيّ في «سننه» من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ-، وفيه: «يحيي ويميت، بيده الخير»، وأبان متروك. انتهى كلام الحافظ ابن رجب -﵀- . (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال في «العمدة»: هو من باب التتميم والتكميل؛ لأن اللَّه تعالى لَمّا كانت الوحدانيّة له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كلّ شيء، وذكره للتتميم والتكميل، والقدير: اسم من أسماء اللَّه تعالى، كالقادر، والمقتدر، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض. انتهى . [تنبيه]: لم يُقيّد هذا الذكر بثلاث مرّات في رواية المصنّف، وكذا عند البخاريّ هنا، لكن أخرج البخاريّ -﵀-: الحديث في «كتاب الرقاق» من «صحيحه» مقيّدًا بالثلاث، ونصه: حدّثنا عليّ بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضًا، عن الشعبي، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير - ثلاث مرّات. . .» الحديث. وكذلك أخرجه النسائيّ في «المجتبى» (٨٦/ ١٣٤٣) عن الحسن بن إسماعيل المجالديّ، ويعقوب الدورقيّ، كلاهما عن هُشيم به. غير أن الشيخ الألبانيّ -﵀- ضعّف قوله: «ثلاث مرّات»؛ لأجل الشذوذ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، بل هي زيادة صحيحة، وقد أخرجها البخاريّ، والنسائيّ، فالذي يظهر أن تقييد هذا الذكر بثلاث مرّات هو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي أعطيته، فالعائد محذوف، وكذا ما بعده، قال في «الخلاصة»: . . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِل إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ «مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» والمعنى: أن من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي من قضيت عليه بحرمان شيء، فلا أحد يقدر على إعطائه ذلك (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظّ منك غناه، وضبطه جماعة بكسر الجيم، ومعناه: الاجتهاد، وقد تقدّم في «باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع». وقال الخطابيّ -﵀-: «الجَدّ»: الغنى، ويقال: الحظّ، قال: و«مِنْ» في قوله «منك» بمعنى البدل، قال الشاعر [من الطويل]: فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ يريد: لنا بدل ماء زمزم. انتهى. وفي «الصحاح»: معنى «منك» هنا: «عندك»، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى «البدل»، ولا بمعنى «عند»، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء، إن أنا أردتك بسوء. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى «عندك»، أو فيه حذف، تقديره: «من قضائي»، أو «سطوتي»، أو «عذابي». واختار الشيخ جمالُ الدين في «المغني» الأولَ. قال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: «منك» يتعلّق بـ «ينفع»، وينبغي أن يكون «ينفع» قد ضُمّن معنى «يمنع»، أو ما قاربه، ولا يعود «منك» إلى «الجدّ» على الوجه الذي يقال فيه: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافع. انتهى. و«الجدّ» مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغنى، كما نقله البخاريّ عن الحسن، أو الحظّ. وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب، أي لا ينفع أحدًا نسبه. وقال القرطبي -﵀ -: حُكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. وقال القزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن اللَّه قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرّده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل اللَّه ورحمته، كما ثبت في حديث: «لا يُدخلُ أحدًا منكم الجنةَ عمَلُهُ»، وقيل: المراد على رواية الكسر السعي التامّ في الحرص، أو الإسراع في الهرب. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى لا يُنجيه حظه منك، وإنما يُنجيه فضلك ورحمتك. [تنبيه]: اشتَهَرَ على الألسنة في الذكر المذكور زيادة: «ولا رادّ لما قضيت»، وهي في مسند عبد بن حُميد من رواية معمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد به، لكن حذف قوله: «ولا معطي لما منعت»، ووقع عند الطبراني تامًّا من وجه آخر، قاله في «الفتح» . وعبارة ابن الملقّن في «إعلامه»: مِنَ الناس من يزيد في هذا الدعاء: «ولا رادّ لما قضيت»، ورأيت من يُنكر هذه اللفظة، وهو عجيبٌ، فقد أخرجها عبد بن حُميد في «مسنده» ، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ورّاد، قال: كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتُب لي بشيء من حديث رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكتب إليه: إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يتعوّذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وسمعته يقول: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا رادّ لما قضيت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». انتهى . وقال الحافظ في «نتائج الأفكار» بعد أن ساق هذه الرواية بسنده إلى الطبرانيّ قال: قال شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ-: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. انتهى . [تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاري في «كتاب القدر» في آخر هذا الحديث أن ورّادًا قال: «ثم وَفَدت على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك». وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في «الموطأ» من وجه آخر عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: «أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- على هذه الأعواد». قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي احتجاجه بما ذُكِر نظرٌ لا يخفى؛ إذ الذي ذَكَر أنه سمعه منه -ﷺ- هو الذي قاله على المنبر في خطبته، لا ما كتب إليه المغيرة أنه كان يقوله في دبر كل صلاة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤١ و١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥] (٥٩٣)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٤٤ و١٤٧٧ و٢٤٠٨ و٥٩٧٥) و«الدعوات» (٦٣٣٠) و«الرقاق» (٦٤٧٣) و«القدر» (٦٦١٥) و«الاعتصام» (٧٢٩٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥٠٥)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٣٤١ و١٣٤٢ و١٣٤٣) وفي «الكبرى» (١٢٦٣ و١٢٦٤ و١٢٦٦) وفي «عمل اليوم والليلة» (١٢٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤٢٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٢٣١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٦٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٥ و٤/ ٢٤٧ و٤/ ٢٥٠ و٤/ ٢٥١ و٤/ ٢٥٤ و٤/ ٢٥٥)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (٣٩٠ و٣٩١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٣٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٠٥ و٢٠٠٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠/ ٩٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٦٩ و٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢ و٢٠٧٣ و٢٠٧٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣١٢ و١٣١٣ و١٣١٤ و١٣١٥ و١٣١٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٨٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧١٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عقب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: والثواب المرتّب على الأذكار يَرِدُ كثيرًا مع خفّة الأذكار على اللسان وقلّتها، وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى امتثال السنن، وإشاعتها. ٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجراؤها مُجرَى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا أمن تغييره. واعْتَلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب، وأن يبلغ ما فيه مشافهةً. وتعُقّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن مجهول، ولو فُرض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أُرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجّح عدم الاعتداد بها، قاله في «الفتح». ٤ - (ومنها): أن فيه الاعتمادَ على خبر الشخص الواحد، وله نظائر كثيرة. ٥ - (ومنها): أن فيه استحباب الذكر عقب الصلوات المكتوبات، قال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد كلامه على حديث الباب ما نصّه: وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أُخَر، وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روى عليّ، وابن عبّاس -﵄-، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. قال: وعن عَبِيدة السلمانيّ أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من الْبِدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر، كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق. قال: وإذا صحّت السنّة بشيء، وعَمِلَ بها الصحابة، فلا نَعْدِل عنها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ رجب -﵀- أصل مهمّ جدًّا، وقاعدة ثابتة لا تتزعزع، ولا تتحرّك، وهو أن المعيار للعمل الشرعيّ صحّة السنّة، وثبوتها، واستمرارها، وذلك يكون عن طريق عمل الصحابة -﵃-، أو بعضهم بها، فإن ذلك مما يدلّ على عدم نسخها، أو كونها من خصوصيّات النبيّ -ﷺ-. فإذا صحّت السنّة، وثبت العمل بها، فلا سبيل إلى العدول عنها، وترك العمل بها لمخالفة من خالفها، وإنكار من أنكرها؛ لعدم علمه بها، أو لتأويل تأوّلها به. والحاصل أن الواجب على المسلم إذا صحّت السنة أن يتمسّك بها، وإن خالفها أهل مذهبه، أو غيرهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الدعاء بعد الصلوات المكتوبات: قال الإمام ابن رجب -﵀-: استَحبّ أيضًا أصحابنا -يعني الحنبليّة- وأصحاب الشافعيّ الدعاء عقب الصلوات، وذَكَره بعض الشافعيّة اتّفاقًا، واستدلّوا بحديث أبي أُمامة -﵁- قال: قيل لرسول اللَّه -ﷺ-: أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: «جوفُ الليل الآخرُ، ودبر الصلوات المكتوبات»، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن الصُّنَابحيّ، عن معاذ بن جبل -﵁-، أن النبيّ -ﷺ- أخذ بيده يومًا، ثم قال: «يا معاذ إني لأحبك»، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، وأنا أحبك، قال: «أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة، أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، قال: وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيّ، وأوصى الصُّنابِحيّ، أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن عُقبةَ بن مسلم . وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعيّة: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لا يُتنفّل بعدهما، وظاهر كلامهم أنه يجهر، ويُؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا حديث دعاء النبيّ -ﷺ- عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف، والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يُسرّ بالباقي، ويَعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرًّا، ويدعو سرًّا. ومن الفقهاء من يَستحبّ للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثرٌ يُتَّبَع. انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن رجب -﵀- تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أنه يُستحبّ الذكر والدعاء عقب الصلوات المكتوبات، وأن ذلك من هدي النبيّ -ﷺ- وهدي السلف، وإن كرهه بعضهم، ولكن لا وجه له، فقد ثبتت فيه أحاديث كثيرة: (فمنها): حديث معاذ بن جبل -﵁- المذكور. (ومنها): ما أخرجه المصنّف -﵀- عن البراء -﵁- قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «رَبِّ قني عذابك يوم تبعث، أو تجمع عبادك». (ومنها): ما أخرجه النسائيّ في «سننه» عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعبًا حَلَف له باللَّه الذي فَلَق البحر لموسى، إنا لنجد في التوراة أن داود نبي اللَّه -ﷺ- كان إذا انصرف من صلاته قال: «اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، قال: وحدثني كعب أن صُهيبًا حدّثه أن محمدًا -ﷺ- كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته». وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في «شرح النسائيّ» . (ومنها): ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات، عن هلال بن يساف، عن زاذان، حدّثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في دبر الصلاة: «اللهم اغفر لي، وتُب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم» . والحاصل أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات مستحبّ؛ للأدلّة الكثيرة. وقال الإمام البخاريّ -﵀- في «كتاب الدعوات» من «صحيحه»: «باب الدعاء بعد الصلاة». قال في «الفتح»: وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يُشْرَع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة -﵂-: كان النبيّ -ﷺ- إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». والجواب أن المراد بالنفي المذكور نَفْيُ استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه، فَيُحْمَل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يُقْبِل على أصحابه. قال ابن القيّم في «الهدي النبويّ»: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبيّ -ﷺ- أصلًا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخَصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبيّ -ﷺ-، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عِوَضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال -﵀-: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يُسْتَحبّ من أتى بها أن يصلي على النبيّ -ﷺ- بعد أن يَفْرُغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة. انتهى كلام ابن القيّم -﵀-. قال الحافظ -﵀-: وما ادّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال له: «يا معاذ إني واللَّه لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم. وحديث أبي بكرة -﵁- في قول: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، كان النبيّ -ﷺ- يدعو بهن دبر كلّ صلاة»، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم. وحديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-: كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمانَ، ويقول: إنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: «اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر». أخرجه البخاريّ، والنسائيّ. وحديث زيد بن أرقم -﵁-: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يدعو في دبر كلّ صلاة: «اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء. . .» الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ . وحديث صهيب -﵁- رفعه: «كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني. . .» الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد. قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة -﵁-: قيل: يا رسول اللَّه أيّ الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات»، وقال: حسن. وأخرج الطبريّ من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. وفَهِمَ كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشروعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيق نفيس جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبيّ -ﷺ- قولًا، وفعلًا، فلا يسع أحدًا إنكاره. وأمّا تأويل قوله: «دبر كلّ صلاة» بأنه قبل السلام؛ لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم؛ لأنه -ﷺ- علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة آية الكرسيّ؛ إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام. فقد أخرج ابن خزيمة في «صحيحه» رقم (٧٤٣) عن عليّ -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ-، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: «اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت». والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب -﵀-، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبّوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا. انتهى. فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار. وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب -﵀-، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم رفع اليدين عند الدعاء: (اعلم): أنه قد عقد الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بابًا لرفع اليدين في الدعاء، فقال في «كتاب الدعوات»: «باب رفع الأيدي في الدعاء»: وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيّ -ﷺ-، ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ -ﷺ- يديه، وقال: «اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». قال أبو عبد اللَّه: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبيّ -ﷺ- رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. قال في «الفتح»: وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس -﵁-: «لم يكن النبيّ -ﷺ- يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء»، وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفةٌ خاصّة، لا أصل الرفع. وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: «حتى يُرى بياض إبطيه»، بل يُجمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذريّ -﵀-: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النوويّ في «الأذكار»، وفي «شرح المهذب» جملةً، وعقد لها البخاريّ أيضًا في «الأدب المفرد» بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة -﵁-: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبيّ -ﷺ-، فقال: إن دَوْسًا عَصَت، فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: «اللهم اهد دوسًا»، وهو في «الصحيحين»، دون قوله: «ورفع يديه». وحديث جابر: «أن الطفيل بن عمرو هاجر»، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ -ﷺ-: «اللهم وليديه فاغفر، ورفع يديه». وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة -﵂- أنها «رأت النبيّ -ﷺ- يدعو رافعًا يديه، يقول: اللهم إنما أنا بشر. . .» الحديث، وهو صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاريّ في «جزء رفع اليدين»: «رأيت النبيّ -ﷺ- رافعًا يديه، يدعو لعثمان». ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة -﵁- في قصّة الكسوف: «فانتهيت إلى النبيّ -ﷺ-، وهو رافع يديه يدعو». وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: «ثم رفع يديه يدعو». وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: «فرفع يديه ثلاث مرّات. . .» الحديث. ومن حديث أبي هريرة -﵁- الطويل في فتح مكة: «فرفع يديه، وجعل يدعو». وفي «الصحيحين» من حديث أبي حميد -﵁- في قصة ابن اللُّتَبِيَّة: «ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت». ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-: «أن النبيّ -ﷺ- ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي». وفي حديث عمر -﵁-: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا. . .» الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائيّ، والحاكم. وفي حديث أسامة -﵁-: «كنت رِدْفَ النبيّ -ﷺ- بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى»، أخرجه النسائيّ بسند جيّد. وفي حديث قيس بن سعد -﵁- عند أبي داود: «ثم رفع رسول اللَّه -ﷺ- يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. . .» الحديث، وسنده جيّد. والأحاديث في ذلك كثيرة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة -براء، وموحدة، مصغرًا- أنه رأى بِشْرَ بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: «لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ-، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة». فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -الصحيحة- بمشروعيتها. وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث سلمان -﵁- رفعه: «إن ربكم حيّي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا» -بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية - وسنده جيّد. قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبريّ ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد اللَّه بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في «المدوّنة»: ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر -﵄-، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا. وعن ابن عباس -﵄- أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: «المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا». وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحّ عن ابن عمر -﵄- خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق القاسم بن محمد: «رأيت ابن عمر -﵄- يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه». انتهى كلام الحافظ -﵀- في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأحاديث والآثار أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان -﵁-: «إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرًا». فلا ينبغي للداعي أن يُهْمِل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول. وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل إليهم هذه الأحاديث الصحاح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فليس فيه حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة في ذلك كلّها ضعاف، وأما تحسين الحافظ -﵀- في «بلوغ المرام» بعضها، فليس بحسن، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعِ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ) بن أسد بن حِبّان -بكسر المهملة، بعدها موحّدة- أبو جعفر القطّان الواسطيّ، ثقة حافظ [١١]. رَوَى عن يحيى سعيد القطان، وأبي أحمد الزبيري، وأبي أسامة، ويزيد بن هارون، والشافعي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ في حديث مالك، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو موسى، وهو من أقرانه، وابنه جعفر بن أحمد بن سنان، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو حاتم. قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال إبراهيم بن أُورمة: أَعَدْنا عليه ما سمعناه منه من بُندار وأبي موسى، يعني لإتقانه وحفظه، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان من الثقات الأثبات، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقدَّمه على بُندار، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: حدثنا عنه ابنه جعفر. قيل: مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٨)، وقيل: سنة (٢٥٩)؛ وقال ابن حبّان: مات (٢٥) أو قبلها، أو بعدها بقليل. وليس له عند البخاريّ سوى حديث واحد، وقد روى عنه النسائيّ في «السنن الكبرى» عدّة أحاديث في «الحدود»، و«الطلاق»، وغير ذلك. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٩٣)، و(٢٣٢٠): «أشدّ حياءً من العذراء في خدرها. . .». ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم في هذا الباب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، ورعٌ لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: «بمثله»، أي بمثل الحديث الماضي، يعني أن الأعمش حدّث عن الْمُسيَّب بن رافع بمثل حديث منصور عنه. وقوله: (قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ) فاعل «قال» ضمير ورّاد. وقوله: (وَكَتَبْتُ بِهَا) وفي نسخة: «فكتبتُ بها». [تنبيه]: رواية الأعمش هذه ساقها الإمام أبو داود -﵀- في «سننه»، فقال: (١٥٠٥) حدّثنا مسدَّد، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن وَرّاد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: كَتَب معاوية إلى المغيرة بن شعبة، أيُّ شيء كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول إذا سلّم من الصلاة؟ فأملاها المغيرة عليه، وكتبْ إلى معاوية، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّ وَرَّادًا مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ حِينَ سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) . رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) البرسانيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في «الصلاة» ١٣/ ٨٩٧. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لمنصور، والأعمش. وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، والضمير لعبدة بن أبي لبابة، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للمفعول، أي لم يُذكر قوله: «وهو على كلّ شيء قدير» في حديث عبدة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبدة بن أبي لبابة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٧٦٧٣) حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر قالا: أنا ابن جريج، وحدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابن جريج، أخبرني عبدة بن أبي لبابة، أن ورّادًا مولى المغيرة بن شعبة أخبره، أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له وَرّاد: إني سمعت النبيّ -ﷺ- يقول حين يسلِّم: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ»، قال ورّاد: ثم وَفَدتُ بعد ذلك على معاوية، فسمعته على المنبر يأمر الناس بذلك القول، ويعلمهموه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمر بن حفص بن عمر بن عُبيد اللَّه بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقة [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٤٩. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبيد. ورَوَى عنه ابن المبارك، وهو أكبر منه، وعليّ ابن المدينيّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، والحسن بن علي الحلوانيّ، وبندار، وأبو موسى، والذُّهْليّ، وأبو مسعود الرازيُ الْكُدَيْمِيّ. قال ابن سعد: ثقة أوصى إليه عبد اللَّه بن عون، وقال ابن قانع في «الْوَفَيَات»: ثقةٌ مأمونٌ، وفي «تاريخ البخاريّ» الكبير: حكاية عن ابن عون قال: أزهر أزهر، وقال ابن معين: أروى عن ابن عون، وأعرفهم به أزهر، وقال في رواية الغلابيّ: لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سُليم بن أخضر، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: ثقةٌ، وحَكَى ابن شاهين في «الثقات» عن حماد بن زيد، أنه كان يأمر بالكتابة عن أزهر، وقال العقيليّ في «الضعفاء»: له حديث منكر، عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحَكَى العقيليّ وأبو العرب الصَّقْليّ في «الضعفاء» أن الإمام أحمد قال: ابن أبي عديّ أحب إليّ من أزهر. وتعقّب الحافظ هذا، وقال: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء، ولكن ذَكَر العقيليّ، عن عليّ ابن المدينيّ: قال: رأيت في أصل أزهر في حديث عليّ في قصة فاطمة في التسببح عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، مرسلًا، فكلمت أزهر فيه، وشكَّكته فأبى، وعن عمرو بن عليّ الفلاس قال: قلت ليحيى القطان: أزهر عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد اللَّه، حديث: «خيرُ الناس قرني. . .»؟ قال: ليس فيه عبد اللَّه، قلت: سمعته من ابن عون؟ فقال: لا، ولكن رأيت أزهر يحدِّث به من كتابه، لا يزيد على عُبيدة، قال عمرو بن عليّ: فاختلفت إلى أزهر أيامًا، فأخرج إليّ كتابه، فإذا فيه كما قال يحيى -﵀-. تُوُفّي وهو ابن أربع وتسعين سنةً، قال غيره: مات سنة (٢٠٣)، وذكر ابن حبان في «الثقات» أن مولده سنة (١١١). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٩٣) و(١٦٢٣) و(١٦٣٣) و(١٦٧١) و(١٨٢١) و(٢٥٣٣). ٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد اللَّه بن عون بن أَرْطبان، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) الشاميّ، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وعنه ابن عون، قال أبو عوانة الإسفرايينيّ: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وقال الحاكم أبو أحمد: هو عمرو بن سعيد الثقفيّ، وقال غيره: اسمه عبد ربه، وقيل: لا يعرف اسمه، [٦]. قال الحافظ: القول الأخير قول أبي مسعود، والذي قبله قول الدارقطنيّ، ولم يَجزم، واستَشْهَد لذلك بأن حماد بن سلمة، رَوَى ذلك الحديث عن الْجُريريّ، وابن عون، وداود بن أبي هند، ثلاثتهم عن أبي سعيد، عن وَرّاد، ورواه خالد الواسطيّ، عن الْجُريريّ، عن عبد ربه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: فلعل اسم أبي سعيد عبدُ ربه، وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد»: أبو سعيد هذا أظنه الحسن البصريّ، قال هذا في ترجمة يزيد بن زياد من «التمهيد»، فهذه خمسة أقوال. انتهى . تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقال النوويّ -﵀- في «شرحه»: اختَلَفوا في أبي سعيد هذا، فالصواب الذي قاله البخاريّ في «تاريخه» وغيره من الأئمة أنه عبد ربه بن سعيد، وقال ابن السكن: هو ابن أخي عائشة -﵂- من الرضاعة، وغَلَّطوه في ذلك، وقال ابن عبد الْبَرّ: هو الحسن البصريّ -﵀-، وغَلَّطوه أيضًا. انتهى . وعبارة القاضي عياض -﵀- في «الإكمال»: قال الإمام -يعني المازريّ-: كذا وقع أبو سعيد غير مسمّى، وسمّاه البخاريّ في «التاريخ الكبير» : عبد ربّه، وتابعه على ذلك ابن الجارود، وقد ذكر البخاريّ عن إسحاق، عن خالد، عن الْجُريريّ، عن عبد ربّه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: لعله اسم أبي سعيد، قال البخاريّ: قال عثمان بن عُمر، عن ابن عون، عن أبي سعيد الشاميّ، عن وَرّاد. وقال ابن السكن في «مصنّفه»: أبو سعيد عن ورّاد هو ابن أخي عائشة من الرضاعة، ووَهِمَ في هذا؛ لأن أبا سعيد رضيع عائشة، واسمه كثير بن عُبيد مشهور بذلك يُعَدّ في الكوفيين، وذلك رجل شاميّ، وأَرَى دخول الوهم على ابن السكن من قِبَل أن عبد اللَّه بن عون يروي عنهما جميعًا. وقد حَكَى ابن عبد البرّ أن أبا سعيد في هذا الإسناد هو الحسن البصريّ، وليس هذا بشيء، وقول البخاريّ، ومن تابعه أولى. انتهى كلام عياض -﵀- . والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ) يعني أن حديث ابن عون، عن أبي سعيد، عن ورّاد مثل حديث منصور، والأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن ورّاد. [تنبيه]: رواية ابن عون هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٥٥٤) فقال: (٢٠٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم الطرسوسيّ، قال: ثنا رَوْح (ح) وحدّثنا العباس بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عُمر (ح) وحدّثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، كلهم قالوا: ثنا ابن عون، أنبأني أبو سعيد، وقال بعضهم: عن أبي سعيد، قال: أنبأني وَرّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء حفظته من رسول اللَّه -ﷺ-. قال: كان إذا صلّى ففرغ، قال: «لا إله إلا اللَّه -قال: وأظنه قال-: وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». انتهى. قال أبو عوانة: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وبعض هؤلاء قال: أبو سعيد الشاميّ. انتهى. قال الجامع عفا اللْه عنه: قد عرفت ما في كلام أبي عوانة هذا آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّادًا، كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قُدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسيّ، ثقة فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. والباقون ذُكروا قبل حديث. وقوله: (إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) أي فرغ منها، وخرج منها بالسلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٦] (٥٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في ثاني أحاديث الباب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٥ - (ابْنُ الزُّبَيْرِ) هو: عبد اللَّه بن الزبير بن الْعَوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر أو أبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، قُتِل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٦/ ٦١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم، وفي رواية الحجاج بن أبي عثمان الآتية: حدّثني أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يخطب على هذا المنبر. . . (قَالَ: كَانَ) عبد اللَّه (ابْنُ الزُّبَيْرِ) -﵄- (يَقُولُ) زاد الشافعيّ: في روايته: «بصوته الأعلى»، ونَصّه في «الأمّ»: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير، يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ» . إلا أنه ليس عنده كلمة «لا إله إلا اللَّه» بين قوله: «لا حول ولا قوّة إلا باللَّه»، وقولِهِ: «ولا نعبد إلّا إيّاه». وإبراهيم شيخه متكلّم فيه، وكان هو يوثّقه، والجمهور على تضعيفه، بل كذّبه بعضهم. (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي مكتوبة، كما تقدّم تقييده في حديث المغيرة -﵁- (حِينَ يُسَلِّمُ) قيل: فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تاليًا للسلام، مقدّمًا على غيره، لتقييد القول به بوقت التسليم. ولا يعارض هذا ما تقدّم من حديث ثوبان، وعائشة -﵄-؛ لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فتارةً يقول بعد السلام ما وقع في حديث ثوبان، وعائشة -﵂-، وتارة يقول ما وقع في حديث عبد اللَّه بن الزبير -﵄- هذا، وتارةً يقول ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة -﵁-. وعلى هذا فالسنّة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل، لا الجمع، وقيل: يجوز الجمع بينها؛ لأنه يحتمل أنه -ﷺ- كان يجمع بينها، ورَوَى كلُّ واحد ما سمعه منه -ﷺ-، ولا يخفى بُعده . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا بُعْدَ في الجمع المذكور، بل هو الظاهر؛ لأنه -ﷺ- كان يجلس لانتظار انصراف النساء من المسجد ودخولهنّ بيوتهن، وذلك الوقت يسع أكثر من الذكر المذكور بكثير، فالظاهر أنه كان يقول أكثر من ذكر واحد، فينبغي من طال جلوسه أن يجمع بين هذه الأذكار، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. («لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)»لا«نافية للجنس، وخبرها محذوف، أي لا معبود بحقّ سواه، فلا بدّ من كلمة»بحقّ«، فلا يقدّر: لا معبود إلا اللَّه، كما يقدّره بعضهم؛ لأن المعبودات كثيرة، وإنما المراد المعبود بحقّ، وكذا لا يقدّر بـ»لا موجود إلا اللَّه»؛ فإن هذا مذهب الحلوليّة، وكذا ما قدّره بعض الشرّاح هنا: أي لا إله موجود غير اللَّه تقدير فاسدٌ؛ لأن وجود الآلهة مما لا شكّ ولا ارتياب فيه، فقد قال المشركين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية، وقال فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ الآية، فليس المراد نفي وجود الآلهة، وإنما المراد نفي كونها معبودة بحقّ، وأنها لا تستحقّ العبادة، وإنما المعبود بحقّ هو اللَّه -﷿-، وهو المستحقّ للعبادة، دون غيره (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله مشتقًّا نكرةً، أي حال كونه منفردًا في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته. وقيل: تأكيد بعد تأكيد، لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد (لَهُ) أي لا لغيره، فتقديم الخبر يفيد الحصر (الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) في الأولى والآخرة، لا لغيره، فلا منعم سواه حتى يستحقّ الحمد (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) قال الأزهريّ: سمعت المنذريّ، يقول: سمعت أبا الهيثم يقول عن تفسير قوله: «لا حول ولا قوّة إلا باللَّه»، قال: الحولُ: الحَرَكَةُ، تقول: حالَ الشخصُ: إذا تحرّك، وكذلك كلّ متحوّل عن حاله، فكأن القائل إذا قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة اللَّه، وقال الكسائي: يقال: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، ولا حَيْلَ ولا قوّة إلا باللَّه، وورد ذلك في الحديث: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، وفُسّر بذلك المعنى: لا حركة، ولا قوّة إلا بمشيئة اللَّه تعالى، وقيل: الحول الحيلةُ، قال ابن الأثير، والأول أشبه. انتهى. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ) إذ لا يستحقّ العبادة سواه (لَهُ النِّعْمَةُ) المراد جنس النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، أو له نعمة التوفيق (وَلَهُ الْفَضْلُ) أي له ﷿ الفضلُ بالقبول، أو له التفضّل على عباده (وَلَهُ) ﷿ (الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) أي الوصف الحسن على ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي كرهوا كوننا مخلصين ديننَا للَّه، وكوننا عابدين وموحّدين له -﷿-. قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «مخلصين» حالٌ عاملُهُ محذوفٌ، وهو الدّالّ على مفعول «كره»، أي نقول: «لا إله إلا اللَّه» حال كوننا مخلصين، ولو كره الكافرون قولنا، و«الدين» مفعول به لـ «مخلصين»، و«له» ظرف قدّم على المفعول به للاهتمام به. انتهى. وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تكلّف، والأولى جَعْلُهُ حالًا من فاعل «نعبد» المذكور. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: التكلّف فيما قاله موجود أيضًا، حيث إن فيه الفصل بين الحال وصاحبه بقوله: «له النعمة إلخ»، فما قاله الطيبيّ -﵀- أقرب، فتأمّل. (وَقَالَ) ابن الزبير -﵄- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ) أي يرفع صوته بهؤلاء الكلمات، يقال: أهلّ الرجل: إذا رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يُعجبه . (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفي نسخة: «في دبر كلّ صلاة»، المراد المكتوبة، كما تقدّم قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الزبير بهذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨ و١٣٤٩] (٥٩٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥٠٦ و١٥٠٧)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٣٣٩ و١٣٤٠) وفي «الكبرى» (١٢٦٢ و١٢٦٣) وفي «عمل اليوم والليلة» (١٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤ و٤/ ٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٤١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٠٨ و٢٠٠٩ و٢٠١٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٧٥ و٢٠٧٦ و٢٠٧٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣١٧ و١٣١٨ و١٣١٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٨٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧١٧)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، مَوْلًى لَهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَوْلًى لَهُمْ) يعني أن أبا الزبير مولى لهشام بن عروة وأسرته، ولذا تقدّم في ترجمته أنه أسديّ، وهو قبيلة هشام بن عروة. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن حديث عبدة بن سليمان، عن هشام، مثل حديث عبد اللَّه بن نمير عنه. وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل «قال» ضمير عبدة، أي قال عبدة في روايته في آخر هذا الحديث: «ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ». [تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «سننه»، فقال: (١٣٤٠) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبدة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبي الزبير، قال: كان عبد اللَّه بن الزبير، يُهَلل في دبر الصلاة، يقول: «لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون»، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُهَلِّل بهنّ في دبر الصلاة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) عن (٩٦) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٢/ ٣١٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ) الظاهر أنه منبر مكة؛ لأن مكة كانت مقرّ خلافة عبد اللَّه بن الزبير -﵄-، وأبو الزبير مكيّ، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (أَوِ الصَّلَوَاتِ) «أو» للشكّ من الراوي. وقوله: (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الحجّاج بن أبي عثمان. [تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» (٥/ ٣٥٢) فقال: (٢٠١٠) أخبرنا ابن خزيمة، قال: حدّثنا يعقوب الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير، يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم في دبر الصلاة، يقول: «لا إله إلا اللَّه، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل، والثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّي حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي إِثْرِ الصَّلَاةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٣) (م د س) تقدم في «الطهارة» ٣٣/ ٦٨٢. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لهشام بن عروة، والحجّاج بن أبي عثمان، يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن أبي الزبير بمثل حديث هشام، والحجاج كلاهما عنه. وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل «قال» ضمير موسى بن عقبة، أي قال موسى بن عقبة في آخر الحديث: «وكان يذكر. . . إلخ»، فقوله: «وكان يذكر. . . إلخ» مقول «قال».
مصادر المؤلف (٧١)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. راجع: «المسند» ٦/ ٢٥٠.

٣. راجع: «الفتح» ٢/ ٣٧١.

٤. «المفهم» ٢/ ٢٠٨.

٥. صححه الشيخ الألبانيّ دون قوله«في الدنيا»، وهو كذلك لأنه يشهد له ما تقدّم من«صحيح البخاريّ».

٦. راجع:«السلسلة الضعيفة» ١/ ٦٨٦.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٨.

٨. راجع: «الفتح» ٢/ ٣٧٢.

٩. راجع: «الفتح» ٥/ ٦١.

١٠. راجع: «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ٣٣٩.

١١. أخرجه ابن ماجه، والدارميّ بسند حسن، وصححه الشيخ الألبانيّ -﵀-، انظر: «السلسلة الصحيحة» ٢/ ٧٠١.

١٢. «عمدة القاري» ٦/ ١٦٨.

١٣. وفي نسخة: «حدّثني».

١٤. وفي نسخة: «ومن فتنة المسيح».

١٥. وفي نسخة: «وقالا».

١٦. «المصباح» ٢/ ٤٣٧.

١٧. وفي نسخة:«وحدّثنا».

١٨. وفي نسخة «دعوتَ بها؟».

١٩. «تنبيه المعلم»(ص ١٤٢).

٢٠. راجع:«الإكمال» ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١.

٢١. «المفهم» ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

٢٢. وفي نسخة: «الوليد بن مسلم».

٢٣. وفي نسخة: «يقول».

٢٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٩.

٢٥. راجع: «لسان العرب» ٥/ ٢٥ - ٢٦.

٢٦. راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣٠٩.

٢٧. كنت استحسنته في شرح النسائيّ، لكن الآن يظهر لي عدم استحسانه، بل وجه الجمع هو ما ذكرته أخيرًا، فتنبّه.

٢٨. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في «جامعه» برقم (٣٠٩٩)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٩٨).

٢٩. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣٠. «المفهم»٢/ ٢١١.

٣١. وثقه ابن معين، وابن حبّان، انظر: «تهذيب التهذيب»، فقوله في «التقريب»: مقبول غير مقبول، فتنبّه.

٣٢. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣.

٣٣. راجع: «فتح الباري شرح صحيح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤٣٧ - ٤٤١.

٣٤. هذا الحديث ضعيف يأتي الكلام عليه قريبًا.

٣٥. «شرح صحيح البخاري» لابن رجب ٧/ ٤٣٠ - ٤٣٤.

٣٦. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- في «صحيح أبي داود»، وقد عرفت ما فيه، وراجع ما قاله في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحجاج بن عبيد.

٣٧. راجع: «نيل الأوطار» ٢/ ٣٦١.

٣٨. وفي نسخة: «قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني شعبة».

٣٩. «تحفة الأشراف» ١١/ ٢٤٣.

٤٠. بضم الميم، وفتح السين المهملة، والياء المشدّدة المفتوحة.

٤١. هو الثوريّ، قاله في«الفتح»٢/ ٣٨٦.

٤٢. «عمدة القاري»٦/ ١٩٢.

٤٣. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٠.

٤٤. «لسان العرب» ١٠/ ٤٩٢.

٤٥. «شرح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤١٧ - ٤١٨.

٤٦. «عمدة القاري» ٦/ ١٩٢.

٤٧. راجع: «صحيح البخاريّ» بالنسخة اليونينية ٨/ ١٢٤، وقد ذكر الحافظ في «الفتح» أيضًا أنها موجودة في نسخة الصغانيّ، فدلّ على أن نسخ البخاريّ مختلفة، وأصح نسخه هي النسخة اليونينية، كما هو معروف لدى كل من له عناية بـ «صحيح البخاريّ».

٤٨. «الطَّهَيَان» بفتح الطاء، والهاء المهملتين: خشبة يُبَرّد عليها الماء.

٤٩. «الفتح» ٢/ ٣٨٧.

٥٠. رقم (٣٩١).

٥١. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ١٩.

٥٢. رواه الطبرانيّ هكذا في «الدعاء» رقم (١١١٠).

٥٣. راجع: «نتائج الأفكار» ٢/ ٢٤٤.

٥٤. حديث صحيح.

٥٥. «شرح البخاريّ» لابن رجب ٧/ ٤٢٠ - ٤٢١.

٥٦. راجع: «ذخيرة العقبى» ١٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

٥٧. راجع: «مصنّف ابن أبي شيبة» ١٣/ ٤٦٢.

٥٨. حديث ضعيف الإسناد.

٥٩. وفي نسخة: «وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة».

٦٠. وفي نسخة: «بمثله».

٦١. وفي نسخة: «فكتبت بها».

٦٢. وفي نسخة: «لم يذكره».

٦٣. راجع: «تهذيب التهذيب» ١٢/ ١٢١.

٦٤. «شرح النوويّ» ٥/ ٩١.

٦٥. «التاريخ» ٦/ ٨٠.

٦٦. «إكمال المعلم» ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥.

٦٧. وفي نسخة: «في دبر كلّ صلاة».

٦٨. راجع: «الأم» ١/ ١١٠.

٦٩. راجع: «المرعاة» ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.

٧٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩.

٧١. وفي نسخة: «وحدّثنا».