HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦١٠

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح قَالَ وحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شهاب؛ أن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ. فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي. فَصَلَّيْتُ مَعَهُ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ. ثُمَّ صَلَّيْتُ معه». يحسب بأصابعه خمس صلوات.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص103
ج ١ ص ٤٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٣٦٧
(٣١) - (بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٢] (٦١٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ»، يَحْسُب بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (هـ) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ رُمْحِ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ المدنيّ، قيل: إن له رؤيةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وهلال بن جبر، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في «الثقات» في التابعين، وكذا البخاريّ، ومسلم، وأبو حاتم الرازيّ. ورَوَى ابن منده من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ابن حَلْبَس قال: قال بشير بن أبي مسعود، وكان من الصحابة، قال ابن منده: ورَوَى أبو معاوية، عن مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، قال: رأيت بشير بن أبي مسعود، وكانت له صحبة. قال الحافظ: وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذَكَر في «الثقات» أن بشيرًا وُلد بعد وفاة النبيّ -ﷺ- بقليل، كذا قال، ولفظه: وُلد في حياة النبيّ -ﷺ-، أو بعده بيسير. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٧ - (أَبُوهُ) عقبة بن عمرو بن الأنصاريّ، أبو مسعود البدريّ الصحابيّ الجليل، مات -﵁- قبل الأربعين، وقيل: بعدها، (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسناد بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه، وبشير بن أبي مسعود، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، ومن عداهم مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بأنه بدريّ، فقيل: لأنه شهد غزوة بدر، وبه قال البخاريّ، ومسلم، وقيل: لم يشهدها، وإنما قيل له: بدريّ؛ لسكناه بدرًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ، أمير المؤمنين، المتوفّى سنة (١٠١) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٤٦. (أَخَّرَ الْعَصْرَ) أي صلاة العصر (شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا، فهو مفعول مطلق على النيابة، وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «شيئًا» صفة مصدر محذوف، أي تأخيرًا يسيرًا، يعني أنه أخّر صلاة العصر حتى غَبَر شيءٌ من وقتها. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «شيئًا» يدلّ على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار، وإنما أنكر عليه لعدوله عن الأفضل، وهو ممن يُقتدَى به، فيؤدّي تأخيره لها إلى أن يُعتقَدَ أن تأخير العصر سنّة. ويَحْتَمِل أنه أخّرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقِدًا أن الوقت كلّه وقتُ اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود، والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ. انتهى . (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) بن الزبير (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، قال ابن مالك: هي حرف استفتاح بمنزلة «ألا»، ويكون أيضًا بمعنى حقًّا، ذكر ذلك سيبويه، ولا تشاركها «ألا» في ذلك. أنتهى. (إِنَّ جِبْرِيلَ) ﵇، بكسرة همزة «إنّ»؛ لوقوعها بعد «أداة الاستفتاح»، وفي نسخة: «أما عَلِمتَ أن جبرائيل»، وجبريل ﵇ هو الملك الموكّل بالوحي، وقد ذكرت ترجمته في «شرح النسائيّ» في هذا الموضع، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (قَدْ نَزَلَ) أي من السماء صبيحة ليلة الإسراء (فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بكسر الهمزة، كما بيّنه قوله الآتي: «نزل جبريل، فأمّني، فصلّيتُ معه. . .»، قاله النوويّ -﵀- ، وقال في «الفتح»: بفتح الهمزة من «أمام»، وحَكَى ابن مالك أنه رُوي بالكسر، واستشكله؛ لأن «إمام» معرفة، والموضع موضع الحال، فوجب جعله نكرةً بالتأويل. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «إمام» ضُبط في «شرح مسلم» بكسر الهمزة، وفي «جامع الأصول» مقيّد بالكسر والفتح، فبالفتح ظرفٌ، وبالكسر إما أن يكون منصوبًا بفعل مضمر، أي أعني إِمَامَ رسول اللَّه -ﷺ- أو «كان» المحذوفة، قال: وقال ابن مالك: هو من المعارف الواقعة أحوالًا، كقوله [من الوافر]: فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي معتركةً، أي مزدحمةً . ومقصود عروة بذلك: أن أمر الأوقات عظيمٌ، قد نزل لتحديدها جبريل ﵇، فعلّمها النبيّ -ﷺ- بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثل هذا ، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ) أي لعروة (عُمَرُ) بن عبد العزيز (اعْلَمْ) بصيغة الأمر، من عَلِم ثلاثيًّا، وقال السنديّ -﵀-: بصيغة الأمر من العلم، أي كن حافظًا ضابطًا له، ولا تقل عن غفلة، أو من الإعلام، أي بيّن لي حاله، وإسنادك فيه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «أو من الإعلام» فيه نظرٌ، إذ يَحتاج إلى ثبوته رواية، ولم يذكُر ذلك أحد فيما علمت، واللَّه تعالى أعلم. (مَا) موصولة مفعول «اعلم»، وهي بمعنى «اعرِفْ»، فتتعدّى لمفعول واحد، كما قال في «الخلاصة»: لِعِلْم عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ (تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) هذا تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره عليه. قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «اعلم ما تقول. . . إلخ» تنبيه منه على إنكاره عليه، ثم تصديره بـ «أما» التي هي من طلائع القسم، أي تأمّل ما تقول، وعلام تَحلِف وتُنكر؟، ومعنى إيراد عروة الحديث: أي كيف لا أدري ما أقول؟ وأنا صَحِبتُ، وسمعت ممن صحِبَ رسولَ اللَّه -ﷺ-، وسمع منه هذا الحديث، فعرفتُ كيفيّة الصلاة وأوقاتها وأركانها. انتهى . وقال في «المرعاة»: الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه أغلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته؛ إشارةً إلى مزيد الاحتياط في الرواية؛ لئلا يقع في محظور الكذب على رسول اللَّه -ﷺ-، وإن لم يتعمّده. انتهى . (فَقَالَ) عروة (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو -﵁- (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ) أي من السماء، وذلك صبيحة الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، كما بيّنه ابن إسحاق (فَأَمَّنِي) أي تقدّم أمامي ليُصلّي بي، يقال: أمّه، وأمّ به: صلّى به إمامًا، قاله الفيّوميّ (فَصَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الظهر، وفيه أن صلاة النبيّ -ﷺ- كانت مع صلاة جبريل ﵇. (ثمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العصر (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة المغرب (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العشاء (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الصبح (يَحْسُبُ) بضمّ السين المهملة، مبنيًّا للفاعل، أي يَعُدّ، والظاهر أن فاعله ضمير النبيّ -ﷺ-، أي يقول ذلك حال كونه يَحْسُبُ تلك المرّات بعقد أصابعه. قال الفيّوميّ -﵀-: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قَتَل: أحصيته عدَدًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبَةً بالكسر، وحُسْبَانًا بالضمّ، وأما حَسِبتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، فهو من باب تَعِبَ عند جميع العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع، مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسْبانًا، بمعنى ظَنَنْتُ. انتهى . (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب «خمسَ» مفعولًا لـ «يَحسُبُ»، أو لـ «صَلَّيتُ». قال الطيبيّ -﵀-: وهذا مما يشهد بإتقانه، وضبطه أحوال رسول اللَّه -ﷺ-. وقال القرطبيّ -﵀-: ليس فيه حجة واضحة على عمر؛ إذ لم يُعيِّن له الأوقات التي صلَّى فيها، وغاية ما يُتوهّم عليه أنه نبّهه، وذَكَّره بما كان يُعرَف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل، كما قد روى ذلك النسائيّ ، (٥١٣) - أخبرنا يوسف بن واضح، قال: حدّثنا قُدامة، يعني ابن شهاب، عن بُرْد، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد اللَّه، «أن جبريل أتى النبيّ -ﷺ- يُعَلِّمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول اللَّه -ﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، = وأبو داود . قال: ويظهر لي أن هذا التأويل فيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة حيث قال له: اعلم ما تُحدّث به يا عروة، أَوَ إنّ جبريل هو الذي أقام لرسول اللَّه -ﷺ- وقت الصلاة، وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده خبرٌ من = فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل، ورسول اللَّه -ﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول اللَّه -ﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل، ورسول اللَّه -ﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل، ورسول اللَّه -ﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى الغداة، ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصيه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب، فَنِمنا ثم قمنا، ثم نمنا ثم قمنا، فأتاه فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتدّ الفجر وأصبح، والنجوم بادية مشتبكة، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الغداة، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت». انتهى. وهو حديث صحيح. (٣٩٣) - حدّثنا مسدَّد، حدّثنا يحيى، عن سفيان، حدّثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مُطْعِم، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«أمّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدرَ الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حَرُم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين». انتهى. وهو حديث صحيح. حديث إمامة جبريل ، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكلُّ ذلك جائز عليه، والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة، من أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي العصر، والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تَظْهَرَ، وذَكَر له حديث جبريل موطِّئًا له، ومعلِّمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبيّ -ﷺ- عليها، وتعيينها له، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الذي بعده -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٣] (. . .) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ، فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتَ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ -﵇- هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ- «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) تقدّم في رواية الليث، عن ابن شهاب، الماضية بيان تلك الصلاة، حيث قال:«أخّر العصر شيئًا»، قال ابن عبد البرّ -﵀-: ظاهر سياقه أنَّه فَعَل ذلك يومًا ما؛ لا أن ذلك كان عادةً له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك. انتهى. وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب:«أَخَّر الصلاة مرةً، يعني العصر»، وللطبرانيّ من طريق أبي بكر بن حزم، أن عروة حَدَّث عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخرون فيه الصلاة، يعني بني أمية. وفي رواية أبي داود:«وكان قاعدًا على المنبر، فأخّر العصر شيئًا»، وفي رواية أبي عوانة في«مسنده»:«أنَّه كان قاعدًا على المنبر في إمرته على المدينة، ومعه عروة بن الزبير، فأخّر عمر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل. . .»الحديث. فتبيّن بهذا سبب تأخيره، وهو اشتغاله بأمور المسلمين، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: المراد أنَّه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنَّه أخّرها حتى غربت الشمس. انتهى. قال في«الفتح»: ويؤيده سياق رواية الليث المتقدمة. وأما ما رواه الطبرانيّ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثيّ، عن ابن شهاب، في هذا الحديث، قال:«دعا المؤذّن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها»، فمحمول على أنَّه قارب المساء، لا أنَّه دخل فيه، وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعيّ، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز يعني في خلافته، كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة، والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل. (فَدَخَلَ عَلَيْهِ) أي عمر بن عبد العزيز (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، توفي -﵁- سنة (٥٠) على الصحيح، وتقدّمت ترجمته في «المقدمة» ١/ ١. (أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) بَيَّنَ عبدُ الرزاق في روايته، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن الصلاة المذكورة العصر أيضًا، ولفظه: أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر (وَهُوَ بِالْكُوفَةِ) وفي رواية البخاريّ: «وهو بالعراق»، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ الكوفة من جملة العراق، فالتعبير بها أخصّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة -﵁- إذ ذاك أميرًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان -﵄- (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو البدريّ -﵁- (فَقَالَ: مَا هَذَا) أي التأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) كذا الرواية، وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: «ألستَ»، وفي مخاطبة الغائب: «أليس» (قَدْ عَلِمْتَ) قال القاضي عياض -﵀-: هذا يدلّ ظاهره على علم المغيرة -﵁- بذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل الظنّ من أبي مسعود -﵁-؛ لعلمه بصحبة المغيرة، قال الحافظ -﵀-: ويؤيِّد الأوّل رواية شعيب، عن ابن شهاب، عند البخاريّ في «غزوة بدر»، بلفظ: «فقال: لقد علمتَ» بغير أداة استفهام، ونحوه لعبد الرزاق، عن معمر وابن جريج جميعًا. انتهى . (أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ) بَيَّنَ ابن إسحاق في «المغازي» أن ذلك كان صبيحةَ الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، قال ابن إسحاق: حدّثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال نافع بن جبير وغيره: لَمّا أصبح النبيّ -ﷺ- من الليلة التي أُسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سُمِّيت الأولى، أي صلاة الظهر، فأَمَرَ، فَصِيح بأصحابه: «الصلاة جامعة»، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلَّى النبيّ -ﷺ- بالناس، فذكر الحديث، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحقّ أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبيّ -ﷺ-، قاله في «الفتح» . (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال القاضي عياض -﵀-: ظاهر أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبيّ -ﷺ-، فيحمل قوله: «صلَّى فصلى» على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة، تابعه النبيّ -ﷺ- بفعله. انتهى. وبهذا جزم النوويّ. وقال غيره: الفاء بمعنى الواو، واعتُرِض بأنّه يلزم أن يكون النبيّ -ﷺ- كان يتقدَّم في بعض الأركان على جبريل، على ما يقتضيه مطلق الجمع، وأجيب بمراعاة الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. وفي رواية الليث الماضية: «نَزَل جبريل، فأَمَّني، فصليت معه. . .»، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر: «نَزَل، فصلى فصلى رسول اللَّه -ﷺ-، فصلى الناس معه»، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة. وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: «الصلاة جامعة»؛ لأنَّ الأذان لم يكن شُرع حينئذ . (ثُمَّ قَالَ) أي جبريل -﵇- (بِهَذَا أُمِرْتَ) -بفتح المثناة- على المشهور، والمعنى: هذا الذي أُمِرتَ به أن تصليه كل يوم وليلة، ورُويَ بالضم: أي هذا الذي أمرتُ بتبليغه لك. (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز (لِعُرْوَةَ) بن الزبير (انْظُرْ) بصيغة الأمر، وتقدّم في رواية الليث بلفظ: «اعْلَمْ» (مَا) موصولة مفعول «انظر»، أي الذي (تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ) ببناء الفعل للفاعل، وفيه حذف العائد، أي تُحدّث به، وهو موجود في بعض النسخ، والمعنى: تأكّد، وتَثَبّت الشيء الذي تُحدّث به، وإنما قال عمر هذا؛ لكونه لم يبلغه الحديث، فأراد التأكّد منه. (أَوَ) -بفتح الهمزة- وهي للاستفهام، والواو هي العاطفة، والعطف على شيء مقدَّر، والتقدير: أصلّى جبريل بالرسول -ﷺ-، و(إِنَّ جِبْرِيلَ -﵇-) بكسر همزة «إنَّ»، ويجوز فتحها (هُوَ أَقَامَ) وفي نسخة: «هو الذي أقام»، أي حدّد، وبيّن (لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقْتَ الصَّلَاةِ؟) هكذا الرواية هنا بإفراد «وقت» والإضافة للجنس، ووقع عند البخاريّ من رواية المستملي: «وقُوت الصلاة» بصيغة الجمع (فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) هو «بَشِير» -بفتح الموحدة، بعدها معجمة، بوزن فَعِيل، وهو تابعيّ جليلٌ، ذُكِر في الصحابة؛ لكونه ولد في عهد النبيّ -ﷺ-، ورآه، قاله في «الفتح». (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعود عقبة بن عمرو -﵁-، والمعنى: نعم هكذا سمعته من بشير بن أَبي مسعود، عن أبيه -﵁-. قال ابن عبد البرّ -﵀-: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابن شهاب لم يَقُل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروةُ لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ. انتهى. وقال الكرمانيّ -﵀-: اعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصلَ الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول اللَّه -ﷺ-، ولا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-. قال الحافظ: هذا لا يُسَمَّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسل صحابيّ؛ لأنه لم يُدرِك القصة، فاحتَمَلَ أن يكون سمع ذلك من النبيّ -ﷺ-، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه، كصحابيّ آخر. على أن رواية الليث عند الشيخين تزيل الإشكال كلّه، ولفظه: «فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول»، فذكر الحديث، وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابن شهاب قد جُرِّب عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب، عن الزهريّ: سمعت عروة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، الحديث. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للحافظ -﵀- أن لا يذكر قوله: «فاحتمل. . . إلخ»، بل يكتفي بذكر رواية الليث التي أزالت الإشكال فقط؛ لأنه لا يجيء الاحتمال مع ورود التصريح بالسماع في هذه الرواية، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبيّ -﵀-: قولُ عروة: «إن جبريل نزل» ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز؛ إذ لم يعيّن له الأوقات، قال: وغاية ما يُتَوَهَّم عليه أنَّه نَبَّهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر على عروة، حيث قال له: اعْلَمْ ما تُحَدِّث يا عروة، قال: وظاهر هذا الإنكار أنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل. وتعقّبه الحافظ بأنّه لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها، أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة، من جهة العمل المستمرّ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه كان يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحْمَل عمل المغيرة وغيره من الصحابة. قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود -﵄-، والظاهر أنَّه رجع إليه، واللَّه أعلم. وأما ما زاده عبد الرزاق في «مصنَّفه» عن معمر، عن الزهريّ، في هذه القصة، قال: «فلم يَزَل عمر يُعَلِّم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا»، ورواه أبو الشيخ في «كتاب المواقيت» له، من طريق الوليد، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات، ومن طريق إسماعيل بن حكيم، أن عمر بن عبد العزيز جَعَل ساعات ينقضين مع غروب الشمس، زاد من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ: فما أخرها حتى مات، فكلُّه يدلّ على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثيرَ احتياط، إلا بعد أن حدّثه عروة بالحديث المذكور. انتهى . [تنبيه]: ورد في هذه القصّة من وجه آخر، عن الزهريّ بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يَرْفَع الإشكال، ويوضِّح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره، من طريق ابن وهب، والطبرانيّ! من طريق يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهريّ، هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره: «قال أبو مسعود: فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الظهر حين تزول الشمس. . .» فذكر الحديث، وذكر أبو داود، أن أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهريّ لم يذكروا ذلك، قال: وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة، لم يذكرا تفسيرًا. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور، في «سننه»، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة، في «مسنده». قال الحافظ -﵀-: وقد وجدت ما يَعْضِد رواية أسامة، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل -﵇-، وذلك فيما رواه الباغنديّ في «مسند عمر بن عبد العزيز»، والبيهقيّ في «السنن الكبرى» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أبي بكر بن حزم، أنَّه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك، ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البرّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه، ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية الطبرانيّ ذكرها أبو بكر الهيثميّ -﵀- في «المجمع» وقال بعد إيرادها: في «الصحيح» أصله من غير بيان لأول الوقت وآخره، وفي رواية الطبرانيّ هذه أيوب بن عتبة، ضعّفه ابن المدينيّ ومسلم، وجماعة، ووثّقه عمرو بن عليّ في رواية، وكذلك يحيى بن معين في رواية، وضعّفه في روايات، والأكثر على تضعيفه. انتهى . فتبيّن بهذا أن قول الحافظ: ووضح أن له أصلًا. . . إلخ محلّ نظر، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير: مستدلًّا على ما قاله لعمر بن عبد العزيز في تأخيره العصر بدليل آخر. قال الكرمانيّ: هو إما مقول ابن شهاب، أو تعليقٌ. وتُعُقِّب بأن احتمال التعليق غير صحيح؛ لأنه سيأتي مسندًا عن ابن شهاب، بلفظ: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ -ﷺ- أخبرته: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء في حجرتها»، متّفقٌ عليه. فتبيّن بهذا أنَّه مقول ابن شهاب، وليس بتعليق، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) -﵂-، وقوله: (زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) برفع «زوجُ» على البدليّة من «عائشة» (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي تعلو وترتفع، وفي نسخة: «قبل أن يظهر الفيء»، وسيأتي شرح حديث عائشة -﵂- هذا في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٨٢ و١٣٨٣] (٦١٠)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٢١)، و«بدء الخلق» (٣٢٢١)، و«المغازي» (٤٠٠٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٣٩٤)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٤٩٤)، و(ابن ماجه) (٦٦٨)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣)، وهو أولّ حديث وقع فيه، و(عبد الرزّاق) في «مصنَّفه» (٢٠٤٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنَّفه» (١/ ٣١٩)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٢٠ و١٢١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٥٢)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (١٤٤٨ و١٤٤٩ و١٤٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٩٧ و٩٩٨ و١٠٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٥٩ و١٣٦٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٧/ ٧١١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٥٠ و٢٥١)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٦٣ و٤٤١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنَّه يدلّ على أن مواقيت الصلوات الخمس بيّنها جبريل -﵇- للنبيّ -ﷺ- بفعله، فكان ينزل، فيُصلي به كلّ صلاة في وقتها إلى أن بيّن له مواقيتها كلّها، وكان ذلك في أول ما افتُرِضت الصلوات الخمس . ٢ - (ومنها): بيان أن الصلوات الخمس لها أوقات محدّدة من قبل الشَّارع الحكيم. ٣ - (ومنها): أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل -﵇-. ٤ - (ومنها): أنَّه يدلّ على أن أوقات الصلاة من جملة فرائضها، وأنها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وعن بعض التابعين. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صَحّ عن أبي موسى -﵁- خلافه بما يوافق الجماعة، فصار اتفاقًا صحيحًا. انتهى . ٥ - (ومنها): استحباب المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ينافي ذلك ما ورد من الإبراد بالظهر في شدة الحرّ؛ لأنَّ المبادرة تكون بما يناسب ذلك الإبراد، فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب. ٦ - (ومنها): أن فيه دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم إذا خالفوا السنّة. ٧ - (ومنها): جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنّة. ٨ - (ومنها): أنَّه استَدَلّ به من يَرَى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. قال في «الفتح»: ويجاب عنه بما يجاب به عن قصّة أبي بكر في صلاته خلف النبيّ -ﷺ-، وصلاة الناس خلفه، فإنَّه محمول على أنَّه كان مُبَلِّغًا فقط. ٩ - (ومنها): أنَّه استَدّل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، من جهة أن الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلّف به الإنس، قاله ابن العربيّ، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبيّ -ﷺ- حينئذ. وتُعُقِّب بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معَلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضًا لا نُسَلِّم أن جبريل -﵇- كان متنفلًا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه؛ لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ أن اقتداء المفترض بالمتنفل جائز؛ لحديث إمامة معاذ -﵁- لقومه بعد الصلاة معه -ﷺ-، كما سبق تحقيقه، وأما الاستدلال بهذا الحديث فغير واضح، واللَّه تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر -﵀-: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال. قال الحافظ -﵀-: وهو مسلَّم له في صورة المؤدّاة مثلًا خلف المقضيّة، لا في الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى . ١١ - (ومنها): أن فيه بيان فضيلةَ عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه تعالى. ١٢ - (ومنها): جواز قبول خبر الواحد المثبت. ١٣ - (ومنها): أنَّه استَدَلَّ به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع؛ لأنَّ عروة أجاب عن استفهام عمر له، لَمّا أن أرسل الحديث بذكر من حدّثه به، فرجع إليه، فكأن عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول اللَّه -ﷺ-، والصاحب قد سمعه من النبيّ -ﷺ-. انتهى . ١٤ - (ومنها): أنَّه استَدَلّ به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة، كصنيع عروة حين احتجّ على عمر، قال: وإنما راجعه عمر، لتثبته فيه، لا
مصادر المؤلف (٢٨)

١. وفي نسخة: «أما عَلِمتَ أن جبرائيل».

٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٧٨.

٣. «المفهم» ٢/ ٢٣١.

٤. «شرح النوويّ» ٥/ ١٠٧.

٥. «الفتح» ٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩.

٦. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٧٩.

٧. راجع: «المرعاة» ٢/ ٢٩٢.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٧٩.

٩. «المرعاة» ٢/ ٢٩٢.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

١١. هو ما رواه النسائيّ في «سننه»، فقال:

١٢. هو ما رواه أبو داود في«سننه»فقال:

١٣. سيأتي التعقّب على هذا في كلام الحافظ قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.

١٤. «المفهم»٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.

١٥. وفي نسخة:«ما تُحدّث به».

١٦. وفي نسخة:«هو الذي أقام».

١٧. وفي نسخة:«قبل أن يظهر الفيء».

١٨. «الفتح» ٢/ ٦.

١٩. «الفتح» ٢/ ٦ - ٧.

٢٠. «الفتح» ٢/ ٧.

٢١. «الفتح» ٢/ ٨.

٢٢. «الفتح» ٢/ ٨ - ٩.

٢٣. «مجمع الزوائد» ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.

٢٤. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ١٦٣.

٢٥. «الاستذكار» ١/ ٣٦.

٢٦. «الفتح» ٢/ ٧.

٢٧. «الفتح» ٢/ ٧.

٢٨. «الفتح» ٢/ ٩.