HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦١٩

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ؛ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ. فَلَمْ يُشْكِنَا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص109
ج ١ ص ٤٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٤٨٨
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٦] (٦١٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٠٦)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٦٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٠٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٣٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٠٧] (٦١٩) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ) الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ وَهْبِ) الْهَمْداني الْخَيْوَانيّ -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء التحتانيّة- ابن أبي خَيْرة، يقال له: القُرَاد -بضم القاف، وتخفيف الراء- الكوفي، ثقة مخضرم من [٢]. أدرك زمن النبيّ -ﷺ-، وسمع من معاذ بن جبل باليمن في حياة النبيّ -ﷺ-، وعن ابن مسعود، وعليّ، وسلمان، وأبي مسعود، وحذيفة، وخباب بن الأرت، وأم سلمة -﵃-. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعُمارة بن عُمير، والسّريّ بن إسماعيل. قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: عُرِف بالقُراد للزومه عليّ بن أبي طالب -﵁-، ووثقه العجليّ، وابن نمير، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: وهو الذي يقال له: سعيد بن أبي خيرة. انتهى. قال ابن أبي عاصم: توفي سنة ٧٥، وقال عمرو بن علي: سنة ٧٦. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٥ - (خَبَّاب) بن الأَرَتّ بن جَندَلة بن سعد التميميّ، أبو عبد اللَّه، شهد بدرًا، وكان قَيْنًا في الجاهلية. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، ورَوَى عنه أبو أمامة الباهليّ، وابنه عبد اللَّه بن خبّاب، وأبو معمر عبد اللَّه بن سَخْبرة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة بن قيس، وأبو وائل، وحارثة بن مُضَرِّب، وأبو الْكَنُود الأزديّ، وأبو ليلى الكِنديّ، وأرسل عنه، ومجاهد، والشعبي، وسليمان بن أبي هند، ويقال: ابن أبي هندية، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) وهو ابن (٧٣) سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين، وصَلَّى عليه عليّ بن أبي طالب، وكان من المهاجرين الأولين. قال ابن سعد: أصابه سِبَاءٌ، فبيع بمكة، ثم حالف بني زُهْرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه -ﷺ- دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبون بمكة، وحَكَى الباروديّ أنه أسلم سادس ستة، وحَكَى ابن عبد البر في «الاستيعاب» أنه شَهِد صِفِّين مع عليّ، ثم قال: وقيل: مات سنة (١٩)، وصلى عليه عمر، وقال أبو الحسن ابن الأثير: الصحيح أنه لم يشهد صفين، منعه من ذلك مرضه، وقال ابن حبان: مات منصرف عليّ من صفين، وصلى عليه عليّ، وقيل: توفي سنة (١٩)، والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦١٩) وأعاده بعده، و(٩٤٠) و(٢٦٨١) (٢٧٩٥). لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وسعيد بن وهب فانفرد به هو والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن سعيد بن وهب، وخبابًا هذا أول محل ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لسعيد هذا الحديث فقط، ولخباب -﵁- أربعة أحاديث. ٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، وفيه التحديث، والعنعنة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ) وقد صرّح أبو إسحاق بالسماع من سعيد بن وهب، وسماع سعيد من خبّاب، ولفظه من طريق شعبة، عنه: «قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبّابًا يقول. . .» (عَنْ خَبَّاب) بن الأَرَتّ -﵁- أنه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-) يقال: شَكَوته، شَكْوًا، من باب قَتَلَ، والاسم شَكْوَى، وشِكَايَةَ، وشَكَاةً، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكِيٌّ، واشتكيت منه، والشَّكِيَّة اسم للمَشْكُوّ، كالرّمِيَّة: اسمٌ للمَرميّ، والشَّكِيّ: الشاكي، والشَّكِيّ: الْمَشْكُوُّ، وأشكيته بالألف: فعلت به ما يُحْوِج إلى الشَّكْوَى، وأشكيته: أزلتُ شِكَايته، فالهمزة للسلب، مثلُ أعربته: إذا أزلت عَرَبَه، وهو فساده، ومنه: «شَكَونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- حَرَّ الرَّمْضَاء في جباهنا، فلم يُشْكِنَا»، أي لم يُزِلْ شِكَايتنا، وشكا إليّ، فما أشكيتُ، أي لم أَنْزِع عمّا يشكو، قاله في «المصباح» . وقال ابن بَرِّيّ: الشِّكَايةُ، والشَّكِيّةُ: إظهار ما يَصِفُك به غيرُك من المكروه، والاشتكاءُ: إظهار ما بك من مكروه ومَرَضٍ، ونحوه، قاله في «اللسان». ومعنى الحديث كما قال ابن الأثير في «النهاية»: أنهم شَكَوا إليه حَرّ الشمس، وما يصيب أقدامهم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلًا، فلم يُشْكِهم: أي لم يُجِبهم إلى ذلك، ولم يُزِل شكواهم. قال ابن الأثير -﵀-: وهذا الحديث يُذكَر في مواقيت الصلاة لأجل قول أبي إسحاق لما قيل له: في تعجيلها؟ قال؟ نعم، والفقهاء يذكرونه في السجود، فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدّة الحر، فنُهُوا عن ذلك، وإنهم لما شَكَوا إليه ما يجدون من ذلك لم يَفْسَح لهم أن يسجدوا على أطراف ثيابهم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن الأثير نقلًا عن الفقهاء غير صحيح؛ لمخالفته ما صحّ من حديث أنس -﵁- أنه قال: «كنا نصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- في شدّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه»، رواه مسلم. ودعوى كون المراد بالثوب الثوب المنفصل -كما قالت الشافعية- مما لا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون هذا منه -ﷺ- قبل أن يؤمروا بالإبراد، ويَحْتَمِل أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد، فلم يُجبهم إلى ذلك، وقد قال ثعلب في قوله: فلم «يُشْكِنا»: أي لم يُحْوِجنا إلى الشكوى، ورَخَّص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تفسير ثعلب يرده -كما قال الحافظ- أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: «فلم يُشْكِنا» وقال: «إذا زالت الشمس فصلُّوا»، فالأولى أن يحمل معنى «فلم يُشْكِنا» على المعنى الأول، فيكون المعنى: لم يُزِلْ شكوانا، وذلك أنهم طلبوا منه تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلم يجبهم إليه، واللَّه تعالى أعلم. (الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ) بضاد معجمة بوزن الحمراء: هي الرمل الحارّ لحرارة الشمس، قاله السندي. وفي «المصباح»: الرمضاء: الحجارة الحامية من حرّ الشمس. والمعنى: أنهم شَكَوا إليه شدّةَ ما يَلْقَونَ من حرّ الأرض الحماة بالشمس في أقدامهم إذا صَلَّوْا. (فَلَمْ يُشْكِنَا) -بضمّ أوله-: مضارع أشكى رباعيًّا، يقال: أشكيت فلانًا: إذا أزلت شكايته، فالهمزة للسلب، مثل أعربته: إذا أزلت عَرَبه، وهو فساده. قاله في «المصباح»، وتقدم أنه يقال: أشكيته بالألف: إذا فعلت به ما يحوج إلى الشكوى، فهو من الأضداد. وقال القرطبيّ -﵀- : قوله: «لم يُشكنا»: أي لم يُسْعِفْ طَلَبَنا، ولم يُجبنا إلى مطلوبنا، يقال: شكوت إلى فلان: إذا رفعت إليه حاجتك، وأشكيته: إذا نزعت عنه الشَّكْوى، وأشكيته: إذا ألجأته إلى الشكوى، كما قال [من البسيط]: تُشْكِي الْمُحِبَّ وَتَشْكُو وَهْيَ ظَالِمَةٌ … كَالْقَوْسِ تُصْمِي الرَّمَايَا وَهْيَ مِرْنَانُ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث خباب -﵁- من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٧ و١٤٠٨] (٦١٩)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٤٩٧)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٦٧٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٥٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٠٥٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٥٢ و١٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٠٨ و١١٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٦٧٦ و٣٦٧٨ و٣٦٨٦ و٣٧٠٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٨٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩ و٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٥٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب التعجيل بصلاة الظهر في شدة الحر، وقد تقدّم أن هذا كان قبل الأمر بالإبراد، فالصحيح أن هذا الحديث منسوخ بأحاديث الأمر بالإبراد، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من مراجعتهم للنبيّ -ﷺ- فيما أشكل عليهم، ولا يتقدمون بين يديه؛ امتثالًا لقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يُكَلِّف نفسه تَحَمُّل ما يَشُقّ عليها في طاعة اللَّه تعالى؛ لينال به الأجر العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر الحافظ ابن رجب -﵀-: أنه استَدَلّ بعضُ من لم ير السجود على الثوب بحديث خبّاب -﵁- هذا، قالوا: المراد بذلك أنهم شَكَوْا إليه -ﷺ- مشقّة السجود على الحصى في شدّة الحرّ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم، فلم يُجبهم إلى ما سألوا، ولا أزال شكواهم، واستدلُّوا على ذلك بما روى محمد بن جُحَادة، عن سليمان بن أبي هند، عن خبّاب -﵁- قال: شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- شدّة الحرّ في جباهنا وأكفّنا، فلم يُشكنا. قال: ويُجاب عن ذلك بأن حديث خبّاب اختُلِف في إسناده على أبي إسحاق، فرُوي عنه، عن سعيد بن وهب، عن خبّاب -﵁-، ورُوي عنه، عن حارثة بن مُضرِّب، عن خبّاب، وقد قيل: إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لمن يَرْوِ عنهم غيره. وفي إسناده اختلاف كثيرٌ، ولذلك لم يُخرّجه البخاريّ. قال: وأما معنى الحديث، فقد فسَّره جمهور العلماء بأنهم شَكَوْا إلى رسول اللَّه -ﷺ- في شدّة الحرّ، وطلبوا منه الإبراد بها، فلم يُجبهم، وبهذا فسّره رُواةُ الحديث، منهم أبو إسحاق، وشَرِيك. وقد أخرجه البزّار في «مسنده»، وزاد فيه: «وكان رسول اللَّه -ﷺ- يُصلّي الظهر بالهَجِير» . وأخرجه ابن المنذر، وزاد في آخره: «وقال: إذا زالت الشمس فصلُوا» . وأما رواية من زاد فيه: «في جِبَاهنا وأكفّنا»، فهي منقطعةٌ، حَكَى إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: هي مرسلةٌ - يعنى أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خبّاب . وعلى تقدير صحّتها فقد يكون شَكَوا إليه ما يلقونه من شدّة حرّ الحصى في سجودهم، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه، وأيضًا فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حرّ الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل؛ فإن ذلك لا يُكره عند الشافعيّ ولا عند غيره لشدّة الحرّ كما سبق. [فإن قيل]: فحمله على هذا ترُدّه أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدّة الحرّ. [قيل]: عنه جوابان: أحدهما: أن ذلك كان قبل أن يُشرع الإبراد، ثمّ نُسخ، وقد رُوي من حديث المغيرة ما يدلّ على ذلك. والثاني: أن شدّة الحرّ في الصيف لا يزول في المدينة إلا بتأخير الظهر إلى آخر وقتها، وهو الذي طلبوه، فلم يُجبهم إلى ذلك، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير، ولا يزول به شدّة حرّ الحصى. وقد قيل: إنهم إنما شَكَوا إليه أنهم كانوا يُعذَّبون في اللَّه بمكة في حرّ الرمضاء قبل الهجرة، وطلبوا منه أن يدعو لهم، ويستنصر، فأمرهم بالصبر في اللَّه، وقد رَوَى قيس بن أبي حازم عن خبّاب هذا المعنى صريحًا، وبهذا فسّره ابن المدينيّ وغيره، والصحيح الأول. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ عَوْنٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَاللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنَا زُهَبْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا، قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣٠/ ٢٢٨. ٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبىِ إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. قال الجامع عفا اللَّه عنه: [إن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية زُهير، عن أبي إسحاق، مع أن سماعه بآخره بعد اختلاطه؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعة لأبي الأحوص، وأيضًا روى الحديث شعبة والثوريّ، عن أبي إسحاق، وهما ممن روى عنه قبل اختلاطه، قال الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»: (٢٠٥٤٧) حدّثنا سليمان بن داود، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبّابًا يقول: شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- الرمضاء، فلم يُشكِنا، قال شعبة: يعني في الظهر. انتهى. وقال أيضًا: (٢٠٥٥٨) حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان (ح) وابنُ جعفر قال: حدّثنا
مصادر المؤلف (٨)

١. «المصباح المنير» ١/ ٣٢١.

٢. «النهاية» ٢/ ٤٩٧.

٣. «المفهم» ٢/ ٢٤٧.

٤. «المفهم» ٢/ ٢٤٧.

٥. يقال: أصميتُ الصيد: إذا رميته، فقتلته، وأنت تراه، وأصمى الرميّة: أنفذها، و«الْمِرْنان: مِن أنّت القوسُ في إنباضها: إذا صَوَّتت».

٦. «مسند البزّار» ٦/ ٧٨.

٧. «الأوسط» ٢/ ٣٥٨.

٨. «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٨٤).