HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٢٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ. بَاب اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص109
ج ١ ص ٤٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٤٩٦
شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خبّاب، قال: شكونا إلى النبيّ -ﷺ- شدّة الرَّمْضَاء، فما أشكانا، يعني في الصلاة، وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. انتهى. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (حَرَّ الرَّمْضَاءِ) أي الرجل الذي اشتدّت حرارته. وقوله: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يُزل شكوانا. وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية. وقوله: (قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ) أي السبيعيّ. وقوله: (أَفِي الظُّهْرِ؟) أي أكان طلبهم تأخير الصلاة في صلاة الظهر؟. وقوله: (أَفِي تَعْجِيلِهَا؟) أي أكانت الشكوى في شأن تعجيل صلاة الظهر؟. وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي قال أبو إسحاق: نعم، كانت في ذلك. وحاصل المعنى: أن زهيرًا لَمّا حدّثه أبو إسحاق بهذا الحديث، قال له: هل هذه الشكوى من أجل تعجيل صلاة الظهر الذي تسبب لإيذاء حر الرمضاء لهم؟، فقال أبو إسحاق: نعم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٠٩] (٦٢٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُوَل اللَّهِ -ﷺ- فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (غَالِبٌ الْقَطَّانُ) بن خُطَاف -بضم المعجمة، وقيل: بفتحها، وتشديد الطاء- ابن أبي غَيْلان القَطّان أبو سليمان البصريّ، مولى ابن كُرَيز، وقيل: مولى بني تَمِيم، وقيل غير ذلك، صدوق [٦]. رَوَى عن أنس، فيما قيل، ومحمد بن سيرين، والحسن، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، وغيرهم. وعنه شعبة، وابن عُلَيّة، وخالد بن عبد الرحمن السلميّ، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عمار بن عمر بن المختار، عن أبيه: حدثنا غالب القَطّان، وكان واللَّه من خيار الناس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن عديّ بعد أن ساق له أحاديث: الضُّعْفُ على أحاديثه بيّنٌ، وفي حديثه النكرة، ثم أورد له حديثًا منكرًا، الحمل فيه على الراوي عنه، عمر بن المختار، وقال الذهبي: لعل الذي ضعّفه ابن عديّ آخر. أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف، والنسائي إلا هذا الحديث. [تنبيه]: «خطّاف» ضبطه أحمد بالفتح، وابن المديني، وابن معين بالضم. و«القطان»: نسبة إلى بيع القطن . ٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المزَنيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) (خت م ٤) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٢. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الصحابيّ الشهير، مات -﵁- (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) وفي رواية النسائيّ: «كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- بالظهائر»، وهي: جمع ظَهِيرة، وهي شدة الحرّ نصفَ النهار، ولا يقال في الشتاء: ظهيرة (فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ) أي من شدّة الحرّ (بَسَطَ ثَوْبَهُ) قال في «الفتح»: والثوب في الأصل يُطْلَق على غير المخيط، وقد يُطْلَق على المخيط مجازًا. انتهى. ثم إن الظاهر أن المراد بالثياب الثيابُ التي هم لابسوها، ضرورةَ أن الثياب في ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟، فهذا يدلّ على جواز أن يسجد المصلي على ثوب، هو لابسه، كما عليه الجمهور، أفاده السنديّ -﵀-. (فَسَجَدَ عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: «كنّا نصلّي مع النبيّ -ﷺ-، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ في مكان السجود»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه. [تنبيه]: قد كتب الإمام ابن رجب -﵀- على هذا الحديث بحثًا مفيدًا، حيث قال بعد أن ساق نصّ البخاريّ عن أبي الوليد -هشام بن عبد الملك- عن بشر بن المفضّل بسند المصنّف ومتنه: وقد خرّجه في موضع آخر من كتابه من طريق ابن المبارك، عن خالد بن عبد الرحمن -وهو ابن بكير السلميّ البصريّ: حدّثني غالب القطّان، عن بكر المزنيّ، عن أنس قال: كنّا إذا صلّينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ. ثم أورد رواية مسلم هذه، ثم قال: وخرّجه البخاريّ في أواخر الصلاة كذلك، وقد خرّجه الترمذيّ من طريق خالد بن عبد الرحمن، وقال: حسنٌ صحيحٌ. قال: وإنما ذكرت هذا؛ لأن الْعُقيليّ قال: حديث أنس في هذا فيه لينٌ، ولعلّه ظنّ تفرّد خالد به، وقد قال هو في خالد: يخالف في حديثه، وقد تبيّن أنه تابعه بشر بن المفضّل على جلالته وحفظه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن حديث أنس -﵁- هذا لا كلام فيه، وأن تليين العقيليّ له غير مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث الحسن البصريّ بين بكر وأنس، وهو وَهَمٌ، قاله الدارقطني . قال: وقد رُوي عن أنس -﵁- حديث يخالف هذا، أخرجه أبو بكر بن أبي داود في «كتاب الصلاة»: ثنا محمد بن عامر الأصبهانيّ، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن عثمان الطويل، عن أنس بن مالك قال: «كنّا نصلّي مع النبيّ -ﷺ- في الرمضاء، فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة، فجعلها تحت قدميه، ولم يجعل تحت جبينه؛ لأن صلاة النبيّ -ﷺ- كانت خفيفة في إتمام». قال: سنةٌ تفرّد بها أهل البصرة. قال ابن رجب: يشير إلى تفرّد عثمان الطويل به عن أنس، وهما بصريّان، وعثمان هذا قد رَوى عنه شعبة وغيره، وقال أبو حاتم: هو شيخٌ. وأما من قبل عثمان فهم ثقاتٌ مشهورون، فعنبسة هو ابن سعيد قاضي الريّ، أصله كوفيّ ثقةٌ مشهور، وثّقه أحمد، ويحيى، ويعقوب هو الْقُمّيّ ثقةٌ مشهور أيضًا، وعامرٌ هو ابن إبراهيم الأصبهانيّ، ثقةٌ مشهورٌ من أعيان أهل أصبهان، وكذلك ابنه محمد بن عامر. ولكن إسناد حديث بكر أصحّ، ورُواته أشهر، ولذلك خُرَّج في «الصحيح» دون هذا، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التحقيق الذي ذكره ابن رجب -﵀- حسنٌ جدًّا، حاصله أن حديث أنس -﵁- الذي أخرجه الشيخان هو الأصحّ والأرجح مما أخرجه أبو بكر بن أبي داود، فلا معارضة بينهما، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٩] (٦٢٠)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٨٥)، و«المواقيت» (٥٤٢)، و«العمل في الصلاة» (١٢٠٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٦٠)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٤)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (١١١٦)، و«الكبرى» (٧٠٣)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٠٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٣٤٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤١٥٢ و٤١٥٣)، و(ابن خزيمة) (٦٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٥٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٨٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٥٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز استعمال الثياب وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض؛ لاتقائه بذلك حرّ الأرض وكذا بردها. ٢ - (ومنها): أن مباشرة ما باشر الأرض بالجبهة واليدين هو الأصل؛ لأنه علّق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وذلك يُفهم منه أن الأصل والمعتاد عدم بسطه، قاله ابن دقيق العيد -﵀-. ٣ - (ومنها): جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النوويّ -﵀-: وبه قال أبو حنيفة، والجمهور، وحمله الشافعيّ على الثوب المنفصل. انتهى. قال في «الفتح»: وأيَّد هذا الحمل البيهقيُّ بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: «فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه، وسجد عليه»، قال: فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه. وتُعُقِّب باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة، يسجد عليها، مع بقاء سترته له. انتهى. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: يَحتاج من استَدَلّ به على الجواز إلى أمرين: (أحدهما): أن تكون لفظة «ثوبه» دالّة على المتصل به، إما من حيث اللفظ، أو من أمر خارج عنه، ونعني بالخارج قلة الثياب عندهم، ومما يدلّ عليه من جهة اللفظ قوله: «بسط ثوبه، فسجد عليه» يدلّ على أن البسط معَقّب بالسجود عليه، لدلالة الفاء على ذلك ظاهرًا. (الثاني): أن يدلّ الدليل على تناوله لمحل النزاع؛ إذ من منع السجود على الثوب المتصل به يشترط في المنع أن يكون متحركًا بحركة المصلي، وهذا الأمر الثاني سهل الإثبات؛ لأن طول ثيابهم إلى حيث لا تتحرك بالحركة بعيد. انتهى كلام ابن دقيق -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يُستفاد من كلام ابن دقيق العيد -﵀- هذا أن استدلال من استَدَلّ بهذا الحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي الذي يتحرك بحركته ظاهر؛ إذ تعقيبه بالفاء التعقيبية في قوله: «بسط ثوبه، فسجد عليه» كما في رواية مسلم ظاهر في ذلك، ويؤيد ذلك قلة ثيابهم، ويؤيده أيضًا بُعْدُ حمله على غير المتحرك بحركته؛ لأن طول ثيابهم بهذا القدر بعيد كل البعد. والحاصل أن مذهب الجمهور هو الراجح؛ لظهور دليله، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن الظاهر أن صنيعهم هذا لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض. ٥ - (ومنها): تقديم الظهر في أول الوقت، لكن يعارض هذا ما ورد من الأحاديث في الأمر بالإبراد. قال في «الفتح»: فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال: سنة، فإما أن يقول: التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول: منسوخ بالأمر بالإبراد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدّة الحرّ قد توجد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمرّ حره بعد الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظل يُمْشَى فيه إلى المسجد، أو يُصَلَّى فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبيّ، ثم ابن دقيق العيد -رحمهما اللَّه تعالى- وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين. انتهى. ٦ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: «كنا نفعل كذا» من قبيل المرفوع؛ لاتفاق الشيخين على تخريج هذا الحديث في «صحيحيهما»، بل ومعظم المصنفين، لكن قد يقال: إن في هذا زيادة على مجرد الصيغة، لكونه في الصلاة خلف النبيّ -ﷺ-، وقد كان يرى فيها مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أَمَامه، فيكون تقريره فيه مأخوذًا من هذه الطريق، لا من مجرد صيغة «كنا نفعل»، قاله في «الفتح»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في سجود المرء على ثوبه في الحرّ والبرد، فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵀- يقول: إذا اشتدّ الحر، فليسجد على ثوبه، وقال عباس بن سهل: أدركت الناس في زمن عثمان بن عفان -﵀- يضعون أيديهم على الثياب، يتقون بها حرّ الحصى. وممن رَخَّص في السجود على الثوب في الحرّ والبرد إبراهيم النخعي، والشعبي، ورَخَّص طاوس، وعطاء في السجود على الثوب في الحرّ، وكان مالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي لا يرون بأسًا بالسجود على الثوب في الحر والبرد. وكان الشافعي يقول: ولو سجد على جبهته، ودونها ثوب لم يجزه. إلا أن يكون جريحًا، فيكون ذلك عذرًا، وأحب أن يباشر براحتيه الأرض، فإن سترهما من حرّ، أو برد، فسجد عليهما، فلا إعادة عليه. قال ابن المنذر -﵀-: أقول كما قال عمر بن الخطاب -﵁-، ومن تبعه من أهل العلم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجَّحه الإمام ابن المنذر -﵀- من جواز السجود على الثوب المتصل، سواء تحرك بحركة المصلي أم لا، هو الحقّ عندي؛ لوضوح حجّته، وهو ظاهر حديث أنس -﵁- المذكور في الباب، كما أسلفنا تحقيقه في المسألة الماضية. قال الحافظ ابن رجب -﵀-: ومن تأول حديث أنس -﵁- هذا على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر الصحابة -﵃-، أو كثير منهم يَجِد ثوبين يصلّي فيهما، فكانوا يصلّون في ثوب واحد -كما سبق- فكيف كانوا يجدون ثيابًا كثيرةً يصلّون في بعضها، ويتّقون الأرض ببعضها؟. انتهى . والحاصل أن أرجح المذاهب في المسألة مذهب الجمهور، وهو صحّة السجود على الثوب المتّصل بالمصلي، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السجود على كَوْر العمامة: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في السجود على كَوْر العمامة، فرُوي عن عليّ -﵁- أنه قال: ليرفعها عن جبهته، ويسجد على الأرض، وحَسَر عبادة بن الصامت -﵁- العمامة عن جبهته، وكره السجود عليها ابن عمر -﵄-. وقال مالك: أُحِبّ أن يرفعها عن بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الأرض. وقال الشافعيّ: لا يجوز السجود عليها، وقال أحمد: لا يُعجبني إلا في الحرّ والبرد، وكذلك قال إسحاق. ورخصت طائفة في السجود على كور العمامة، وممن رخص فيه الحسن البصريّ، ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد. وكان شريح يسجد على برنسه. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الراجح عندي قول من قال بجواز السجود على كور العمامة؛ لدلالة حديث أنس -﵁- المذكور في الباب، ولما أخرجه البيهقيّ عن الحسن بسند صحيح: «كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٤)

١. راجع: «لب اللباب» ٢/ ١٨٣.

٢. راجع: «علل الدارقطنيّ» ٤/ ٤٠.

٣. «فتح الباري» ٣/ ٣٥ - ٣٧.

٤. «فتح الباري» ٣/ ٣٦.