HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٢١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح قَالَ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن رمح. أخبرنا الليث عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رسول الله ﷺ: كان يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. وَلَمْ يذكر قتيبة: فيأتي العوالي.
ج ١ ص ٤٣٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٠٤
(٣٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤١٠] (٦٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺكَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِيَ، فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ: «فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مُهاجِر، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعَد الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (أنسُ بْنُ مَالِك) -﵁- تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن أنسًا وابن شهاب مدنيّان، والباقون مصريّون، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر. ٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- هو الخادم المشهور، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، ومن المعمرين، قد جاوز المائة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ) أي أَنَسًا (أَخْبَرَهُ) أي ابنَ شهاب (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) في تأويل المصدر مفعول ثانٍ لـ «أخبر» (كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة حاليّة من الفاعل، والرابط الواو محذوف (حَيَّةٌ) قال الخطّابيّ -﵀-: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفرّ، أو تتغيّر، وهذا مثل قوله: «بيضاء نقيّة»، وقال هو أيضًا وغيره: حياتها بقاء حرّها . (فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ) أي بعد الصلاة، وفي رواية الطحاويّ: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء نقيّةٌ، ثم أرجع إلى قومي. . .» الحديث. (إِلَى الْعَوَالِي) قال في «اللسان»: «العوالي»: أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، والنسبة إليها عَالِيّ على القياس، وعَلَوِيّ نادرٌ على غير قياس. انتهى . وقال في «الفتح»: «العوالي»: عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال لها: السافلة. انتهى . [تنبيه]: وقع عند البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة لهذا الحديث عن الزهريّ في آخره زيادة: «وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال، أو نحوه». قال في «الفتح»: كذا وقع هنا أي بين بعض العوالي والمدينة المسافة المذكورة. وروى البيهقيّ حديث الباب من طريق أبي بكر الصغاني، عن أبي اليمان شيخ البخاريّ فيه، وقال في آخره: «وبُعْدُ العوالي»، بضم الموحدة، وبالدال المهملة، وكذلك أخرجه البخاريّ في «الاعتصام» تعليقًا، ووصله البيهقيّ من طريق الليث، عن يونس، عن الزهريّ، لكن قال: «أربعة أميال، أو ثلاثة». وروى هذا الحديث أبو عوانة في «صحيحه»، وأبو العباس السّرّاج جميعًا عن أحمد بن الفرج أبي عتبة، عن محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، عن الزهريّ، ولفظه: «والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال»، أخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ، عن أبي عتبة المذكور بسنده، فوقع عنده: «على ستة أميال»، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، فقال فيه: «على ميلين، أو ثلاثة». فتحصّل من ذلك أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستة أميال، إن كانت رواية المحامليّ محفوظة. ووقع في «المدونة» عن مالك: «أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال»، قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البرّ، وغير واحد، آخرهم صاحب «النهاية». ويَحْتَمِل أن يكون أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ -﵀-: فسّر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، وقال غيره: هي مفترقة، فأدناها ميلان وأبعدها ثمانية أميال. [تنبيه آخر]: ثم إن هذه الزيادة في هذا الحديث مدرجة من كلام الزهريّ في حديث أنس -﵁-، بيّنه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ في هذا الحديث، فقال فيه -بعد قوله: «والشمس حيّة»- قال الزهريّ: «والعوالي من المدينة على ميلين، أو ثلاثة»، قاله في «الفتح». (فَيأْتِي الْعَوَالِيَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة حاليّة أيضًا من الفاعل، والارتفاع هنا دون الارتفاع في قوله: «كان يصلي العصر، والشمس مرتفعة»، ولكن لا تَصِل إلى أن توصف بالانخفاض، كما أفاده في «الفتح». قال القرطبيّ: وهذا إنما يتّفق في الأيام الطويلة إذا عُجّلت العصر في أول وقتها، وفي الرواية الأخرى: «إلى قباء» مكانَ العوالي، وكلاهما صحيحُ الرواية والمعنى، فإن قباء من أدنى العوالي، وبينها وبين المدينة ميلان أو نحوهما، قاله الباجيّ. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: المراد بهذه الأحاديث، وما بعدها المبادرة لصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة، والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يَحصل هذا الا في الأيام الطويلة. (وَلَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، وفي نسخة: «لم يذكر» بحذف الواو (قُتَيْبَةُ) يعني شيخه الأول، وقوله: («فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ») مفعول به لـ «يذكر»، محكيّ لقصد لفظه. وغرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اختلاف شيخيه، في قوله: «فيأتي العوالي»، فذكره محمد بن رُمْح، ولم يذكره قتيبة، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٠ و١٤١١ و١٤١٢ و١٤١٣] (٦٢١)، و(البخاريّ) في «مواقيت الصلاة» (٥٤٨ و٥٥٠ و٥٥١)، و«الاعتصام» (٧٣٢٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٠٤)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٠٧)، و«الكبرى» (١٤٩٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٦٨٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٩٣)، و(الشافعيّ) في «المسند»، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٣١ و١٦١ و١٦٩ و١٨٤ و٢٠٩ و٢١٤ و٢١٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٤٩ و١/ ٢٧٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥١٨ و١٥١٩ و١٥٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٣٢ و١٠٣٣ و١٠٣٤ و١٠٣٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٨٦ و١٣٨٧ و١٣٨٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٥٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٤٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٣٦ و٣٦٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب التعجيل بالعصر: قال الحافظ ابن المنذر -﵀-؛ اختلفوا في تعجيل العصر وتأخيرها؛ فقالت طائفة: تعجيلها أفضل. كتب عمر بن الخطاب -﵁- أن وقت العصر، والشمس بيضاء نَقِيّة، بقدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة، وقال جابر بن عبد اللَّه -﵄-: صلى أبو بكر العصر، ثم جاءنا، ونحن في دور بني سلمة، وعندنا جَزُور، وقد تشركنا عليها، فنحرناها، وجزيناها، وصنعنا له، فأكل قبل أن تغرب الشمس، وقال نافع: كان ابن عمر يصلي العصر، والشمس بيضاء لم تتغير، مَن أسرع السير سار قبل الليل خمسة أميال. قال ابن المنذر: وهذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأخبار الثابتة دالّة على صحة هذا القول. وذهبت طائفة إلى أن تأخير العصر أفضل، ورُوي ذلك عن أبي هريرة، وابن مسعود، وطاوس، وأبي قلابة، وابن سيرين، وحُكي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لِتُعْصَر، وكذلك قال ابن شبرمة، وعن إبراهيم، وهمام، وعلقمة أنهم كانوا يؤخرون العصر، وقال أصحاب الرأي: يصلي العصر في آخر وقتها، والشمس بيضاء لم تتغير في الشتاء والصيف. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار . وقال النوويّ -﵀-: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل، وبه قال جمهور العلماء، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه: تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس، واحتجُّوا بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وبحديث عليّ بن شيبان قال: «قَدِمتُ على رسول اللَّه -ﷺ-، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس نقيّة»، وعن عبد الواحد بن نافع، عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه -﵁- قال: «أمر رسول اللَّه -ﷺ- بتأخير العصر»، ولأنها إذا أُخِّرت اتسع وقت النافلة. قال: واحتجّ أصحابنا بقول اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا أخّرها عَرَّضها للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والصلاة تُحَصِّل دْلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبحديث أنس -﵁- قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم، والشمس مرتفعة»، متّفقٌ عليه. وبحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: «صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي الحصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول اللَّه -ﷺ- التي كنا نصلي معه»، متّفقٌ عليه. وبحديث رافع بن خديج -﵁- قال: «كنا نصلي العصر مع رسول اللَّه -ﷺ-، ثم ننحر الجزور، فتقسم عشر قسم، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس»، متّفقٌ عليه. وبحديث أنس -﵁- قال: «صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمَة. . .» الحديث، رواه مسلم. وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب -﵁- كتب إلى أبي موسى الأشعريّ -﵁-: «أن صل العصر، والشمس بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب ثلاث فراسخ»، رواه مالك في «الموطأ» عن هشام. وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية، فقال أصحابنا: قال أهل اللغة: الطَّرَفُ ما بعد النصف. وعن حديث عليّ بن شيبان: أنه باطل، لا يُعْرَف، وعن حديث رافع: أنه ضعيف، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وضعّفاه، وبَيَّنا ضعفه، ونَقَل البيهقيّ عن البخاريّ أنه ضعّفه، وضعّفه أيضًا أبو زرعة الرازيّ، وأبو القاسم اللالكائي، وغيرهم. وعن قولهم: يتسع وقت النافلة، أجيب بأن هذه فائدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه أعلم بالصواب. وقال العلامة المباركفوريّ -﵀- في «تحفة الأحوذيّ»: وقال محمد -يعني ابن الحسن- في «الموطأ»: تأخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذا صليتها، والشمس بيضاء نقيّة، لم تدخلها صفرة، وبذلك جاء عامة الآثار، وهو قول أبي حنيفة. انتهى. وعلله صاحب «الهداية» وغيره من فقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير النوافل، وقد ردّه صاحب «التعليق الممجد»، وهو من علماء الحنفية بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالّة على أفضلية التعجيل، وهي كثيرة مروية في الكتب الستة وغيرها. انتهى. وقد استدلّ العيني في «البناية شرح الهداية» على أفضلية التأخير بأحاديث: الأول: أخرجه أبو داود عن يزيد بن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، عن أبيه، عن جدّه قال: «قدمنا على رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية». والثاني: حديث رافع بن خديج: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بتأخير هذه الصلاة» يعني العصر، أخرجه الدارقطنيّ. والثالث: حديث أم سلمة -﵂-: «(كان رسول اللَّه -ﷺ- أشدّ تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه»، أخرجه الترمذيّ. الرابع: حديث أنس -﵁-: «كان النبيّ -ﷺ- يصلي العصر، والشمس بيضاء». وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب «التعليق الممجد»، فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستدلال بهذه الأحاديث. أما الحديث الأول، فلا يدلّ إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير، وهو ليس بثابت منه. لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته، يشهد به لفظ «كان» المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة؛ لأنا نقول: لو دلّ على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالّة على أن عادته كانت التعجيل، فالأولى أن لا يُحْمَل هذا الحديث على الدوام دفعًا للمعارضة، واعتبارًا لتقديم الأحاديث القويّة. قال المباركفوريّ -﵀-: حديث عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان ضعيف، فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، وهو مجهول، كما صرّح به في «التقريب» و«الخلاصة» و«الميزان»، فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج به. قال اللكنويّ -﵀-: وأما الحديث الثاني، فقد رواه الدارقطني في «سننه» عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلت مسجد الكوفة، فأذَّن مؤذن بالعصر، وشيخ جالس، فلامه، وقال: إن أبي أخبرني أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه؟ فقالوا: عبد اللَّه بن رافع بن خديج، رواه البيهقي في «سننه»، وقال: قال الدارقطنيّ فيما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف الإسناد، والصحيح عن رافع ضدّه، ولم يروه عن عبد اللَّه بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحلُّ ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه. انتهى. ورواه البخاريّ في «التاريخ الكبير» في ترجمة عبد اللَّه بن رافع: حدّثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال: لا يتابع عليه، يعني عن عبد اللَّه بن رافع، وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال، مختلف في حديثه، كذا ذكره الزيلعيّ في تخريج أحاديث «الهداية». وأما الحديث الثالث: فإنما يدلّ على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير. وأما الحديث الرابع: فلا يدلّ أيضًا على استحباب التأخير. قال المباركفوريّ -﵀-: بل يدلّ على استحباب التعجيل، فإن الطحاويّ رواه هكذا عن أنس مختصرًا، ورواه أصحاب الكتب الستة عنه بلفظ: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال»، أو نحوه. فالعجب من العينيّ أنه كيف استدلّ بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها لا يصلحان للاستدلال، والثالث، لا يدلّ على استحباب التأخير، والرابع يدلّ على استحباب التعجيل. قال العلامة المباركفوريّ -﵀-: ولم أر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على أفضلية تأخير العصر. انتهى خلاصة ما كتبه المباركفوريّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله المباركفوريّ -﵀-: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن أحاديث استحباب التعجيل صحاح، وأصرح في المقصود، ولا ينبغي لطالب الحقّ أن يعارضها بهذه الأدلة التي لا يصحّ أكثرها للاستدلال به، وما صحّ منها ليس صريحًا في الدلالة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلهم تقدّموا، فأما الثلاثة الأولون، فتقدّموا قبل، وأما الباقيان، ففي السند الماضي، و«عمرو»: هو ابن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ الحافظ المصريّ. وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) أي بمثل حديث الليث عن ابن شهاب المذكور قبله. [تنبيه]: رواية عمرو هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ٢١٧) فقال: (١٣٨٧) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: «أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي صلاة العصر، والشمس مرتفعة، حيّةٌ، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتي العوالي والشمس مرتفعة»، قال: رواه مسلم عن هارون الأيليّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. والباقيان تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٣) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ) وللبخاريّ: «ثم يذهب الذاهب منا»، قال الحافظ: كأن أنسًا أراد بالذاهب نفسه، كما تشعر بذلك رواية الطحاويّ من طريق أبي الأبيض عن أنس. قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد صلى». انتهى. (إِلَى قُبَاءٍ) متعلِّق بـ «يذهب»، وهو بضم القاف، والباء الموحَّدة، والقصر، والمدّ، والصرف، وعدمه، والتذكير، والتأنيث، والأفصح فيه المد، والصرف، والتذكير، قاله في «الطرح» . والمراد أهل قباء، وهو على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر -﵀-: لم يُخْتَلَف على مالك أنه قال في هذا الحديث: «إلى قباء»، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهريّ، بل كلهم يقولون: «إلى العوالي»، وهو الصواب عند أهل الحديث، قال: وقول مالك: «إلى قباء» وَهَمٌ، لا شك فيه. قال الحافظ -﵀-: وتُعُقِّب بأنه رُوي عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ: «إلى قباء»، كما قال مالك، نقله الباجي عن الدارقطني، فنسبة الوَهَم فيه إلى مالك مُنتقَدٌ، فإنه إن كان وَهَمًا احتَمَل أن يكون منه، وأن يكون من الزهريّ حين حدَّث مالكًا. وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك، فقال فيه: «إلى العوالي» كما قال الجماعة، فقد اختُلِف فيه على مالك، وتوبع عن الزهريّ بخلاف ما جزم به ابن عبد البرّ. وأما قوله: الصواب عند أهل الحديث «العوالي»، فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متقارب، لكن رواية مالك أخصّ؛ لأن قباء من العوالي، وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكًا لما رأى أن في رواية الزهريّ إجمالًا حملها على الرواية المفسَّرة، وهي روايته عن إسحاق، حيث قال فيها: «ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف»، وسيأتي أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصّة واحدة؛ لأنهما جميعًا حدّثاه عن أنس، والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وهم فيه. وأما استدلال ابن بطال على أن الوَهَم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهريّ، ففيه نظرٌ؛ لأن مالكًا أثبته في «الموطأ» باللفظ الذي رواه عنه كافّة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه شاذّة، فكيف تكون دالّة على أن رواية الجماعة وَهَمٌ؟ بل إن سلّمنا أنها وَهَمٌ فهو من مالك، كما جزم به البزار، والدارقطنيّ، ومن تبعهما، أو من الزهريّ حين حدّثه به، والأولى طريق الجمع التي أوضحناها. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا. (فَيَأْتِيهِمْ) أي أهل قباء، وقوله: (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، والرابط الواو. والمعنى: أن ذلك الذاهب يأتي أهل قباء، ويصل إليهم في حال ارتفاع الشمس، دون ذلك الارتفاع الذي صلى فيه رسول اللَّه -ﷺ-، ولكنها لم تَصِلْ إلى الحدّ الذي توصف به بأنها منخفضة. وفي هذا الحديث استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها؛ لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال، أو نحو ذلك، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها، وذهب إليه طائفة من السلف، كما تقدم تفصيل ذلك قريبًا. قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: وحاول الطحاويّ تأويل هذا الحديث، وأنه لا يدلّ على التعجيل؛ لجواز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرّت، فرَوَى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس أنه قال: «ما أحد أشد تعجيلًا لصلاة العصر من رسول اللَّه -ﷺ-، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول -ﷺ- لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عبيس بن جبر أحد بني حارثة، ودار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبيس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول اللَّه -ﷺ- العصر، ثم يأتيان قومهما، وما صلَّوها، لتبكير رسول اللَّه -ﷺ- بها». ثم رَوَى عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس -﵁-، قال: «كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر»، ثم رَوَى حديث الزهريّ عن أنس هذا. ثم رَوَى عن أبي الأبيض، قال: حدّثنا أنس بن مالك، قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي العصر، والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قد صلى». ثم قال الطحاويّ: فقد اختُلِف عن أنس في هذا الحديث، فكان ما رَوَى عاصم بن عمر بن قتادة، وإسحاق بن عبد اللَّه، وأبو الأبيض عنه يدلّ على التعجيل بها؛ لأن في حديثهم أنه -ﷺ- كان يصليها ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا، فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل. وأما رواية الزهري عن أنس، فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرّت، فقد اضطرب حديث أنس؛ لأن معنى ما روى الزهريّ منه بخلاف ما روى إسحاق، وعاصم، وأبو الأبيض عنه. هذا كلام الطحاويّ. وفيه نظر من أوجه: [أحدها]: أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم، والشمس مرتفعة، قد اصفرّت يردّه قوله في رواية أبي داود عن قتيبة، عن الليث، عن الزهريّ، عن أنس: «والشمس مرتفعة حيّة»، كذا رواه البيهقي في «السنن» من طريق ابن داسة، عن أبي داود، وقال في «المعرفة»: وفي رواية الليث: «فيأتيهم، والشمس مرتفعة حيّة». انتهى، وحياتها بقاء حرّها ولونها، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرّت. [ثانيها]: لو لم ترد هذه اللفظة: «وهي حيّة»، وكان ارتفاعها لا ينافي صفرتها على ما قرره الطحاويّ، فذلك لا يُحَصِّل مقصوده؛ لأن المصلي مع النبيّ -ﷺ- بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة أميال، والشمس مرتفعة، فذلك دليل التعجيل، ولو كانت الشمس مصفرّة، ولا سيما الرواية التي فيها العوالي وقدّروها أنها على أربعة أميال، وفي رواية ستة أميال، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى هذه المسافة إلا بعد الغروب. [ثالثها]: كيف يَجعَلُ حديث أنس مضطربًا مع أن الروايات عنه لم يتحقق اختلافها؟ وغاية ما ذكره أن رواية الزهريّ عن أنس تحتمل مخالفة رواية الباقين، وقد صرّح هو بذلك في قوله: فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة قد اصفرّت، ومع احتمال المخالفة والموافقة لا يكون اضطرابًا، بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات المصرّحة، وجعلها على نسق واحد، لا اختلاف بينها، ولا تضادّ، وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود، لا تَحْتَمِل التأويل، فنردّها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالًا مرجوحًا؟ بل لو كان احتمال المخالفة راجحًا لكان الواجب الحمل على المرجوح؛ ليوافق بقية الروايات، فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح، أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا؟ والواقف على كلام الطحاويّ في هذا الموضع يفهم منه التعَصُّب ببادئ الرأي؛ لأنه ذَكَر أولًا أن رواية الزهريّ عن أنمس محتملة لأن تكون الشمس قد اصفرّت، ثم إنه نزّل هذا الاحتمال منزلة المجزوم به، وقال: فقد اضطرب حديث أنس، ثم جزم بأن معنى ما روي عن الزهري بخلاف ما رواه غيره، مع قوله أولًا: إنه يحتمل المخالفة فقط. ثم ذكر الطحاويّ حديث أبي الأبيض عن أنس، قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي صلاة العصر، والشمس بيضاء محلِّقة»، وقال: ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم ذكر أنه رُوي عن النبيّ -ﷺ-: «أنه كان يصليها، والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة»، فذكر أنه دليل على التأخير أيضًا، وهذا من أعجب العجب، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ وليّ الدين العراقيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ولي الدين -﵀-: تحقيق نفيسٌ جدًّا في الردّ على من يتعصب لمذهب الحنفية في قولهم باستحباب تأخير العصر، مثل الطحاويّ، ومن تبعه كالعينيّ، وصاحب العرف الشذيّ، من المنهمكين في التقليد. والواجب على المسلم أن يكون ناصرًا للحقّ، ومتبعًا للدليل، يدور حيثما دار، ولا يلتفت إلى من خالفه، أيًا كان قدره ومنزلته من العلم، ولا يمنعه من ذلك تقليده لإمام من الأئمة المجتهدين، فإنهم يصيبون ويخطئون، ولكنهم مأجورون على خطئهم أجرًا واحدًا، كما أنهم يؤجرون على إصابتهم أجرين، فإنهم ما خالفوا النصّ، إلا لعدم وصوله إليهم، أو بلغهم إلا أنه عن طريق لا يرتضونها، أو تأوّلوه على حسب ما ظهر لهم، فأخطئوا في تأويله، إلى غير ذلك من الأعذار التي تبرئ ساحتهم أن ينزل فيها لوم وتوبيخ. وأما هؤلاء الذين يقلِّدونهم في أخطائهم فليس لهم عذر، إلا أنهم يقولون: إن إمامهم أعلم من غيره، فلا ينبغي مخالفته، يا للعجب! هل إمامهم أعلم من الصحابة والتابعين، المخالفين له في تلك المسألة، القائلين بما وافق النصّ الصريح الصحيح؟! إن هذا لشيء عجاب!. [تنبيه]: قد ذكرت جملة الأعذار التي يُعتذر بها عن الأئمة في «التحفة المرضيّة»، فقلت: ثُمَّ اعْلَمَنَّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ … مِنَ الأَئِمَّةِ إِمَامٌ يُلْحِدُ بِخُلْفِهِ الرَّسُولَ مُطْلَقًا لِذَا … يَلْزَمُنَا إِعْذَارُهُمْ يَا حَبَّذَا قَدْ فَصَّلَ الْمَسْأَلَةَ الْعَلَامَةُ … أَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ ذَاكَ الْهَامَةُ فَقَالَ الاعْذَارُ ثَلَاثَةً تُرَى … أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ وَالثَّانِي … عَدَمُ الاعْتِقَادِ بِذَا الشَّانِ أَيْ بِإِرَادَةِ النَّبِي وَالثَّالِثُ … تَوَهُّمُ النَّسْخِ فَمَا هُوْ لَابِثُ وَهَذِهِ الأَصْنَافُ قَدْ تَفَرَّعَتْ … لِعِدَّةِ الأَسْبَاب فَاضْبِطْ مَا حَوَتْ أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَصَلَا … لَهُ الْحَدِيثُ فالتَّكْلِيفُ قَدْ خَلَا وَالثَّانِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَهُ … لَكِنْ لِضُعْفِهِ أَبَى قَبُولَهُ ثَالِثُهَا اعْتِقَادُ ضُعْفٍ خَالَفَهْ … سِوَاهُ فِيهِ لاجْتِهَادٍ حَالَفَهْ رَابِعُهَا اشْتِرَاطُهُ فِي الْخَبَرِ … شَرْطًا يُخَالِفُهُ أَهْلُ النَّظَرِ خَامِسُهَا أَنَّ الْحَدِيثَ ثَبَتَا … لَدَيْهِ لَكِنْ نَاسِيًا قَدْ فَوَّتَا سَادِسُهَا عَدَمُ فَهْمِ مَا يَدُلْ … لَهُ الْحَدِيثُ أَيْ لأَسْبَابٍ تُخِلْ سَابِعُهَا اعْتِقَادُهُ أَنْ لَيْسَ فِي … هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ دَلَالَةٍ تَفِي ثَامِنُهَا اعْتِقَابٌ أَنْ عَارَضَا … تِلْكَ الدَّلَالَةَ دَلِيلٌ نَاقَضَا تَاسِعُهَا اعْتِقَادُ أَنْ قَدْ وُجِدَا … مُعَارِضُ الْحَدِيثِ مِمَّا أَفْسَدَا مِنْ ضُعْفٍ أَوْ نَسْخٍ أَوِ التَّأْوِيلِ … مِمَّا يَصُدُّهُ عَنِ التَّعْوِيلِ عَاشِرُهَا إِتْيَانُهُ مُعَارِضَا … لَهُ بِمَا لَيْس دَلِيلًا مُرْتَضَى كَرَدِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ الصَّحِيحَ منْ … حَدِيثِهِ حَيْثُ رَأَوْهُ قَدْ وَهِنْ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَدْ رَأَوْا … ظُهُورَ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ نَأَوْا وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى … نَصِّ الْكِتَابِ يَبْدُو نَسْخًا حُصِلَا وَرَدِّهِمْ بَعْضَ الأَحَادِيثِ بِمَا … رَأَوْا مِنَ الْقَيْسِ الْجَلِيِّ بِئْسَمَا فَهَذِهِ الْعَشَرَةُ الأَسْبَابُ … ظَاهِرَةٌ يَأْتِي بِهَا احْتِجَابُ وَقَدْ يَكُونُ مَانِعٌ لِلْعَالِمِ … لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ لِلتَّفَاهُمِ لأَنَّ مُدْرَكَ الْعُلُومِ وَاسِعُ … يَصْعُبُ حَصْرُهُ لِمَنْ يُطَالِعُ وَكُلُّهَا لَهُ مِنَ الأَعْذَارِ لَا … لَنَا إِذِ الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَنَا أَنْ نَتْبَعَ الظَّاهِرَ حُجَّةً فَمَا … صَحَّ وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْعُلَمَا لَزِمَنَا قَبُولُهُ وَلَا نَحِيدْ … لِعَالِمٍ خَالَفَهُ وَلَوْ مَجِيدْ إِذِ النُّصُوصُ حُجَّةٌ عَلَى الْعِبَادْ … خِلَافَ رَأْيِ عَالِمٍ بِلا عِنَادْ إِذْ هُوَ عُرْضَةٌ لِكَوْنِهِ خَطَا … وَهْيَ بَرِيئَةٌ لَهَا نُورٌ سَطَا فإن أردت شرح معاني الأبيات، فارجع إلى الشرح «المنحة الرضيّة»، وباللَّه تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان بقيّة مسائله قبل حديث، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ).
مصادر المؤلف (١٤)

١. وفي نسخة: «لم يذكر».

٢. «المفهم» ٢/ ٢٤٨.

٣. «لسان العرب» ٤/ ٣٠٩٠.

٤. «الفتح» ٢/ ٣٦.

٥. «المفهم» ٢/ ٢٤٩.

٦. راجع: «الأوسط» ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥.

٧. راجع: «المجموع شرح المهذّب» ٣/ ٥٤ - ٥٥.

٨. راجع: «تحفة الأحوذيّ» ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.

٩. «طرح التثريب» ٢/ ١٦٤.

١٠. «الفتح» ٢/ ٣٧.

١١. «الفتح» ٢/ ٣٦.

١٢. «طرح التثريب» ٢/ ١٦٥ - ١٦٧.

١٣. بدرج الهمزة للوزن.

١٤. وفي نسخة: «وحدّثني».