HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٢٧

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ؛ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا. كَمَا حَبَسُونَا وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى. حَتَّى غَابَتِ الشمس».
ج ١ ص ٤٣٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٥٩
المشروح بما يتطلبه من الفوائد الإسنادية، والمتنية، والمصطلحات الحديثية، والمعاني اللغوية، والنحوية، والفقهية، وغير ذلك من أنواع العلوم التي يَحتاج إليها طالب العلم، فإيّاك أن تلومني بما جمعت له من هذه الفوائد، واللَّه -﷿- يتولاني وإياك بما تولّى به عباده الصالحين، إنه رؤوف رحيم آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٢] (٦٢٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا حَبَسُونَا، وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن سلمة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. ٥ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السلمانيّ المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه مخضرمٌ، فاضلٌ [٢] مات قبل (٧٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٩/ ٤٦٨. ٦ - (عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد -﵁-، استُشهد سنة (٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون إلا هشامًا وابن سيرين، فبصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: محمد، عن عَبيدة. ٥ - (ومنها): أن عليًا -﵁- أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة -﵃-، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيٍّ) -﵁- أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ) «كان» هنا تامّةٌ بمعنى جاء، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ في «مُلحته»: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ ويومُ الأحزاب هو: يوم الخندق، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاريّ، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون. وسميت الْغَزْوَةُ بالأحزاب؛ لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين: قريشٍ، وغَطَفَانَ، وبني أسد، وبني سُلَيم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا. وسُمِّيَت بالخندق؛ لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره -ﷺ- حولَ المدينة لَمَّا أشار به سلمانُ الفارسيُّ -﵁-، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه النبيُّ -ﷺ- بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال . (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَلَأَ اللَّهُ) دعاء عليهم، وأخرجه في صورة الخبر تأكيدًا، وإشعارًا بأنه من الدعوات المجابة سريعًا، وملأَ بالماضي ثقةً بالاستجابة، فكأنه أُجيب سؤاله، فأخبر عن حصول إجابته ووقوعها . (قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا) قال الأشرف -﵀-: خصّهما بالذكر لأن أحدهما مسكن الأحياء، والآخر مضجع الأموات، أي جَعَلَ النار ملازمة لهم، لا تنفك عنهم، لا في حياتهم، ولا في مماتهم. وقال الطيبيّ -﵀-: دعا عليهم بعذاب الدارين، من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسَبْي ذراريّهم، وهَدْم دُورهم، ومن عقاب الآخرة باشتعال قبورهم نارًا، ووقوع الزجر والنكال في جهنم خالدًا، فالأسلوب إما من المشاكلة؛ لذكره النار في البيوت، أو من الاستعارة، استعيرت النار للفتنة، وعلى الثاني هو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] حيث استعمل «ملأ» في الحقيقة والمجاز. انتهى . (كمَا حَبَسُونَا) من باب ضرب: أي منعونا (وَشَغَلُونَا) أي منعونا، فهو مؤكّد لمعنى «حبسونا»، يقال: شَغَلَهُ الأمر شَغْلًا، من باب نَفَعَ، فالأمر شاغلٌ، وهو مشغولٌ، والاسم: الشُّغْل، بضمّ الشين، وتُضمّ الغين، وتسكّن للتخفيف، وقد تقدّم أن أشغل بالهمزة لا تثبت، وجعلها بعضهم لغة رديئة، فمن الأخطاء الشائعة ما اشتهر على الألسنة من قولهم في الدعاء: اللهم أشغله بنفسه، فتنبّه لذلك، وقوله: (عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى) تنازعه الفعلان قبله، وهو بتعريف «الصلاة»، و«الوُسطى» صفة لها. والوُسْطى: فُعْلَى، مؤنثة الأوسط، وهي من الوسَطَ الذي هو الخِيَارُ، وليست من الوَسَط الذي معناه متوسط بين شيئين؛ لأن فُعْلى معناها التفضيل، ولا يُبْنَى للتفضيل إلا ما يَقْبَلُ الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف التوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل للتفضيل . وأشار الشيخ زاده في حاشيته على البيضاويّ إلى جواز كونه من الوسط بمعنى المتوسط بين شيئين؛ فقال: ثم إن الأوسط قد يكون من الوسط بين الشيئين، وقد يكون اسم تفضيل من الوسط بمعنى العدل والخيار، فالوسط بهذا المعنى يقبل الزيادة والنقصان، فَيُبْنَى منه أفعل التفضيل، بخلاف الوسط بمعنى المتوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، ولا يبنى منه أفعل التفضيل، فالأوسط الذي يكون من الوسط بهذا المعنى يكون صفة كأحمر لا اسم تفضيل، فيحتمل حمل الآية على كل من المعنيين. اهـ. باختصار وتصرف ١/ ٥٥١. وكذا ذكر الزمخشريّ، وابن العربيّ القولين على الاحتمال . وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -﵀- في «تفسيره»: والوُسْطَى تأنيث الأوسط، ووَسَطُ الشيءِ خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال أعرابي يمدح النبيّ -ﷺ-[من البسيط]: يَا أوْسَطَ النَّاسِ طُرًّا فِي مَفَاخِرهِمْ … وأَكْرَمَ النَّاسِ أمًّا بَرّةً وَأبَا ووَسَطَ فُلانٌ القومَ يَسِطُهُم، أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر، وقد دخلت قبلُ في عموم الصلوات؛ تشريفًا لها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]. انتهى . وقوله: (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ») غاية«لحبسهم، وشغلهم، يعني أنهم منعوهم عن أداء صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّاها إلا بعده. قال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِل أنه -ﷺ- نسيها لشغله بالعدوّ، ويَحْتَمِل أن يكونوا لم يُمكّنوه منها، ولم يُفرّغوه لفعلها، ويَحْتَمِل أن يكون أخّرها قصدًا؛ لأجل شغله بالعدوّ، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعًا، ثم نُسِخ بصلاة الخوف، وقد ذهب مكحول والشاميّون إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن، والصحيح الذي عليه الجمهور أن يؤخّرها، ويُصلّيها على سنّتها، على ما يأتي -إن شاء اللَّه تعالى- انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ١٤٢٢ و١٤٢٣ و١٤٢٤ و١٤٢٥ و١٤٢٦ و١٤٢٧) (٦٢٧)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٩٣١)، وفي «المغازي» (٤١١١)، وفي «الدعوات» (٤٥٣٣)، وفي «التفسير» (٦٣٩٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٠٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٨٤)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٤٧٣)، وفي «الكبرى» في «التفسير» (١١٠٤٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٦٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٢٢ و١٣٥ و١٣٧ و١٥٣ و١٥٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٨٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٤٤ و١٠٤٥ و١٠٤٦ و١٠٤٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٩٧ و١٣٩٨ و١٣٩٩ و١٤٠٠ و١٤٠١ و١٤٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. ٢ - (ومنها): بيان وجوب المحافظة على صلاة العصر. ٣ - (ومنها): بيان وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هي دار أكدار. ٤ - (ومنها): جواز حصول الأعراض البشرية التي ليس فيها نقص لأفضل المرسلين -عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم-. ٥ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم بما يليق به. ٦ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃- أخَّرُوا صلاة العصر حتى خرج وقتها؛ لاشتغالهم بالعدوّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حديث عليّ -﵁- هذا يقتضي أن الأحزاب شَغَلُوا النبيّ -ﷺ- عن العصر فقط، وأخرج أحمد، والنسائيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: «أنهم شَغَلُوه -ﷺ- عن الظهر والعصر والمغرب، وصَلَّوا بعد هُويّ من الليل، وذلك قبل أن يُنزِلَ اللَّهُ في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩]». وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ من حديث ابن مسعود -﵁-: «أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه». [فإن قيل]: كيف يُجمَعُ بين هذا الاختلاف؟. [قلت]: يُجْمَعَ -كما قال النوويّ -﵀-: بأن وَقْعَة الخَنْدَق دامت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وذلك في بعضها الآخر. وقوله في حديث ابن مسعود: «عن أربع صلوات»، فيه تجوّز؛ لأن العشاء ما خرج وقتها، أو يُحْمَل على تأخيرها عن وقتها المعتاد، ويدل عليه قوله: «حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه». ثم إن هذا التأخير لهذه الصلوات كان عن عمد، لاشتغاله بالعدو فكان عذرًا، ويَحْتَمِل أن يكون نسيانًا، والأول هو الظاهر؛ لقوله في حديث أبي سعيد: «قبل أن يُنزل اللَّه في صلاة الخوف»، وأما بعد نزول صلاة الخوف فلا يجوز هذا التأخير، بل يصلون صلاة الخوف على حسب الحال، رجالًا أو ركبانًا، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى الصلاة الوسطى: (اعلم): أنه قد اختَلَف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على أقوال: [الأول]: أنها الصبح، وبه قال أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعُبَيد بن عُمَير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم، نقله عنهم ابن أبي حاتم، وهو أحد قولي ابن عمر، وابن عباس، نقله مالك والترمذيّ عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن عليّ، والمعروف عنه خلافه. ورَوَى ابنُ جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رَجَاء العُطَارديّ، قال: «صليت خلف ابن عباس الصبح، فقَنَتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمِرْنَا أن نقوم فيها قانتين». وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية: «صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصلاة». وهو قول مالك، والشافعيّ فيما نص عليه في الأمِّ، واحتجّوا له بأن فيها القنوت، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر، وصلاتي سرّ. وأجيب بأن ما استدلّوا به لا يصلح لمعارضة ما ثبت من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنها العصر؛ ولذا قال النووي في «شرح المهذَّب»: الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار، وقال صاحب «الحاوي»: نصَّ الشافعيّ: أنها الصبح، وصحّت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتّباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، ولا يكون في المسألة قولان، كما وَهِمَ بعض أصحابنا. انتهى. [القول الثاني]: أنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه، قال: «كان النبيّ -ﷺ- يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- منها، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية». وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وغيره، ورَوَى مالًا في «الموطأ» عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، ورَوَى الطيالسيّ من طريق زُهْرَةَ بن مَعْبَد، قال: «كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر». ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد: «كان النبيّ -ﷺ- يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت». [القول الثالث]: أنها العصر، وبه قال علي بن أبي طالب -﵁-، فقد رَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق زِرّ بن حُبَيش، قال: قلنا لعبيدة: سَلْ عَلِيًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله؟ فقال: كنا نُرَى أنها الصبح، حتى سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». انتهى. قال الحافظ -﵀-: وهذه الرواية تَدْفَعُ دَعْوَى من زَعَمَ أن قوله: «صلاة العصر»، مُدْرَجٌ من تفسير بعض الرواة، وهي نصّ في أن كونها العصر من كلام النبيّ -ﷺ-، وأن شُبْهَة من قال: إنها الصبح قويّة، لكن كونها العصر هو المعتمد. وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية؛ لصحة الحديث فيه، قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة -﵃-، وقال الماورديّ: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البرّ: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية: ابنُ حبيب، وابن العربيّ، وابن عَطِيَّة، ويؤيّده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب -﵄-: «نزلت حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نُسِخت، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت». [القول الرابع]: أنها المغرب، نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: «صلاة الوسطى هي المغرب»، وبه قال قَبِيصَةُ بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، وأنها لا تُقْصَر في الأسفار، وأن العمل مَضى على المُبَادَرَةِ إليها، والتعجيل لها في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتي سر، وبعدها صلاتي جهر. [القول الخامس]: أنها جميع الصلوات، وهو آخر ما صحّحه ابن أبي حاتم، أخرجه أيضًا بإسناد حسن عن نافع، قال: «سُئِلَ ابنُ عمر؟ فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن»، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يتناول الفرائض، والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كلّ الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البرّ. [القول السادس]: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتَجَّ بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجّحه أبو شامة. [القول السابع]: أنها الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة. [القول الثامن]: العشاء؛ نقله ابن التين، والقرطبيّ، واحتج له بأنها بين صلاتين، لا تُقْصَرَانِ، ولأنها تقع عند النوم، فلذلك أمِرَ بالمحافظة عليها، واختاره الواحديّ. [القول التاسع]: الصبح، والعشاء؛ للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهريّ من المالكية. [القول العاشر]: الصبح والعصر؛ لقوة الأدلة في أن كلًا منهما قيل: إنها الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنّة العصر. [القول الحادي عشر]: صلاة الجماعة. [القول الثاني عشر]: الوتر، وصنّف فيه عَلَمُ الدين السخاويّ جزءًا، ورجّحه القاضي تقيّ الدين الأخنائيّ، واحتجَّ له في جزء، قال الحافظ: رأيته بخطه. [القول الثالث عشر]: صلاة الخوف. [القول الرابع عشر]: صلاة عيد الأضحى. [القول الخامس عشر]: صلاة عيد الفطر. [القول السادس عشر]: صلاة الضحى. [القول السابع عشر]: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثَيْم، وسعيد بن جبير، وشُرَيح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعيّة، ذكره في «النهاية»؛ قال: كما أُخفيت ليلة القدر. [القول الثامن عشر]: أنها الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلًّا منهما يقال له: الصلاة الوسطى. [القول التاسع عشر]: التوقّف، فقد رَوَى ابنُ جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. [القول العشرون]: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهِلْت الآن عن معرفة قائله. وقال النوويّ -﵀- بعد ذكر الأقوال ما نصّه: والصحيح من هذه الأقوال قولان: العصر والصبح، وأصحهما العصر؛ للأحاديث الصحيحة، ومن قال: هي الصبح يتأول الأحاديث على أن العصر تُسَمَّى وسطًا، ويقول: إنها غير الوسطى المذكورة في القرآن، وهذا تأويل ضعيف. ومن قال: إنها الصبح يَحتجّ بأنها تأتي في وقت مشقة، بسبب بَرْد الشتاء، وطيب النوم في الصيف، والنعاس، وفتور الأعضاء، وغفلة الناس، فخُصَّت بالمحافظة؛ لكونها مُعَرَّضةً للضَّيَاع، بخلاف غيرها. ومن قال: هي العصر يقول: إنها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعايشهم وأعمالهم. وأما من قال: هي الجمعة، فمذهب ضعيف جدًّا؛ لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها، إنما كان لأنها مُعَرَّضةٌ للضَّيَاع، وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها؛ لأنها تأتي في الأسبوع مرةً بخلاف غيرها. ومن قال: هي جميع الخمس فضعيفٌ، أو غلطٌ؛ لأن العرب لا تَذكُر الشيء مُفَصَّلًا، ثم تُجْمِلُهُ، وإنما تذكره مُجْمَلًا ثم تُفَصِّله، أو تُفَصِّل بعضه؛ تنبيهًا على فضيلته. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀- بعد ذكر الأقوال أيضًا ما نصّه: وأضعف الأقوال من قال: هي الصلوات كلّها؛ لأن ذلك يؤدّي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه: (أحدها): أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مُفَصَّلًا مُبيّنًا، ثم يذكُرونه مُجْمَلًا، وإنما عادتهم أن يُشيروا إلى مجمل، أو كلّيّ، ثم يفصِّلوه، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والصلوات مبيَّنٌ، والصلاة الوسطى مُجمَلٌ. (وثانيها): أن الفصحاء لا يُطلقون لفظ الجمع، ويَعطفون عليه أحدَ مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع؛ فإن ذلك في غاية الْعِيّ والإلباس. (وثالثها): أنه لو أريد بالصلاة الوسطى الصلوات لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات، ويريد بالثاني الأولَ، ولو كان كذلك لما كان فَصِيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأوّل؛ لأنه معطوف، ولا يفيد معنى آخر، فيكون حشوًا، وحَمْلُ كلام اللَّه تعالى على شيء من هذه الثلاثة عير مُسَوَّغٍ ولا جائزٍ. قال: وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين صلاحية «الوسطى» لأن يراد بها التوسّط في العدد، أو في الزمان. فإن راعينا أعداد الركعات أدَّى إلى أنها المغرب؛ لأن أكثر أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلّها ركعتان، وأوسطها ثلاثٌ، وهي المغرب. وإن راعينا أعداد الصلوات أنفسها، فما من صلاة إلا وهي متوسّطة بين شفعين؛ إذ الصلوات خمسٌ. وإن راعينا الأوسط من الزمان كان الأبين أنها الصبح؛ لأنها بين صلاتي نهار مُحَقَّق، وهما: الظهر والعصر، وبين صلاتي ليلٍ مُحَقَّق، وهما: المغرب والعشاء، فأما وقت الصبح فوقتٌ متردّدٌ بين النهار والليل. قال القرطبيّ -﵀-: قلت -واللَّه أعلم-: لا يصلح هذا الذي ذُكر أن يكون سببًا في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذُكر؛ لكون هذه الصلاة أفضل، أو أوكد من غيرها، أما أعداد الركعات فالمناسب هو أن تكون الرباعيّة أفضل؛ لأنها أكثر ركعات، وأكثر عملًا، والقاعدة أن ما كثُر عمله كثُر ثوابه. وأما مراعاة أعداد الصلوات، فيلزم منه أن تكون كلُّ صلاة هي الوسطى، وهذا الذي أبطلناه، وأيضًا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثريّة الثواب. وأما اعتبارها من حيث الأزمانُ، فغير مناسب أيضًا؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلّها من حيث الزمانيّة واحدةٌ، فإن فُرِض شيء يكون في بعض الأزمان فذلك لأمر خارج عن الزمان. قال: والذي يظهر لي أن السبب في اختلافهم فيها اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنّة في ذلك المعنى، ونحن نتكلّم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام، وصحيح الأحاديث -إن شاء اللَّه تعالى- فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هو من باب قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فخصَّ الرمان والنخل، وجبريل وميكال بالذكر، وإن كانوا قد دخلوا فيما قبلُ بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا، وإذا كان ذلك كذلك، فلهذه الصلاة المعبّر عنها بالوسطى شرفيّةٌ وفضيلةٌ ليست لغيرها، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يُعيِّنها اللَّه تعالى في القرآن، فوجب أن يُبحَثَ عن تعيينها في السنّة، فبحثنا عن ذلك، فوجدنا ما يُعيّنها، وأصحّ ما في ذلك أنها العصر على ما في حديث عليّ -﵁-، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذيّ، وصحّحه، وهو قوله -ﷺ-: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» ، وهذا نصّ في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعّث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراء بن عازب -﵄- وذلك أنه قال: «نزلت هذه الآية:«حافظوا على الصلوات وصلاة العصر»، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلزم من هذا أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها، وأُبهمت، فارتفع التعيين، ولم يُمكنا أن نتمسّك بالأحاديث المتقدّمة، فلما أُبهم أمر تعيينها، أخذ العلماء يستدلّون على تعيينها بما ظهر لكلّ واحد منهم بما يناسب الأفضليّة، فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الصبح أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة، واستصعاب الطهارة، فتكثر المشقّة في المحافظة عليها أكثر من غيرها، فتكون هي الأحقّ بكونها أفضل، وأيضًا فإنه وقتٌ يتمكّن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرّغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم، وأَشْغال النهار بعدُ لم يأت، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي يحضره القارئ بفراغ ذهنه على أحد التأويلات، وهو أحسنها، وبنحو من هذا يُستدلّ لسائرها من الصلوات، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى. وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكلّ من المختلفين على تعيين ما عيّنه من الصلوات بحسب ما غَلَب على ظنّه من أرجحيّة ما عيّن. قال: والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين أن القول قول من قال: إن اللَّه تعالى أخفاها في جملة الصلوات؛ ليُحافَظَ على الكلّ، كما فَعَل في ليلة القدر، وساعة الجمعة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تحقيق القرطبيّ -﵀- حسن إلا أن ترجيحه عدم تعيينها فيه نظر لا يخفى، بل الراجح أنها معيّنة، وأنها صلاة العصر، كما يأتي تحقيقه بعد هذا، فتأمّل. قال الحافظ -﵀-: وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثُ البراء الذي تقدّم لمسلم، فإنه يُشعر بأنها أبهمت بعدما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبيّ، قال: وصار إلى أنها أُبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح؛ لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح. قال الحافظ -﵀-: وفي دعوى أنها أُبهمت، ثم عُيِّنت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عُيِّنت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يُشْعِر بالتوقّف؛ لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث عليّ. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، ففيه: «وصلاة العصر» بالعطف، ورَوَى مالكٌ عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذِنِّي، فَأمْلَتْ عليَّ: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر»، وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. ورَوَى ابن المنذر من طريق عبيد اللَّه بن رافع: «أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا» فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواءً، ومن طريق سالم بن عبد اللَّه بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: «كما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقولها»، قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو. فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث عليّ، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها: «وهي العصر»، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أُبَيّ بن كعب أنه كان يقرؤها: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر» بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله: «والصلاة الوسطى والعصر» لم يقرأ بها أحدٌ، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولًا: «والعصر»، ثم نزلت ثانيًا بدلها: «والصلاة الوسطى» فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدَّمًا على النصّ الصريح بأنها صلاة العصر؟. انتهى. وقال الحافظ ابن كثير -﵀- في الردّ على من زعم أن العطف يقتضي المغايرة ما نصّه: وتقرير المعارضة أنه عطف «صلاة العصر» على «الصلاة الوسطى» بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلّ ذلك على أنها غيرها. وأجيب عن ذلك بوجوه: [أحدها]: أن هذا إن رُوي على أنه خبر، فحديث عليّ أصحّ، وأصرح منه، وهذا يَحْتَمِل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، أو تكون لعطف الصفات، لا لعطف الذوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وأشباه ذلك كثيرة، وقال الشاعر: إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ وقال أبو داود الإياديّ: سُلِّطَ الْمَوْتُ وَالْمَنُونُ عَلَيْهِمْ … فَلَهُمْ فِي صَدَى الْمَقَابِرِ هَامُ والموت هو المنون، وقال عديّ بن زيد العتاديّ: فَقَدَّدَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ … فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا والكذب هو الْمَيْنُ، وقد نَصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير -﵀- . وقال الحافظ صلاح الدين العلائيّ -﵀-: حاصل أدلة من قال: إنها غير صلاة العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: (أحدها): تنصيص بعض الصحابة، وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنصّ الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة. (ثانيها): معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحثّ على المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارَض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر. (ثالثها): ما جاء عن عائشة، وحفصة من قراءة: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر» فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يَرِدُ عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلَفٌ فيه، سلّمنا لكن لا يصلح معارضًا للمنصوص صريحًا، وأيضًا فليس العطف صريحًا في اقتضاء المغايرة؛ لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]. انتهى كلام العلائيّ -﵀- ملخصًا . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن لك بما سبق من التحقيقات أن أرجح الأقوال، قول من قال: إنها العصر؛ لقوّة حجّته، ووضوحه؛ فإن حديث عليّ -﵁- المذكور في الباب نصّ صريحٌ لا خفاء فيه، وكلُّ ما ذكروه مما يُعارضه فليس في قوّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُ) هو: محمد بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم، أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. وهشام، وهو ابن حسّان المذكور في السند السابق. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَاد) يعني أن يحيى بن سعيد، والمعتمر بن سليمان كليهما رويا هذا الحديث عن هشام بن حسّان بالسند الماضي، وهو: عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة، عن عليّ -﵃-. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ٢٢٧) فقال: (١٣٩٧) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد، ثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا يزيد، أنبا هشام (ح) وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا أبو أسامة، عن هشام (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام (ح) وحدّثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد شيرويه، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا المعتمر بن سليمان، عن هشام، قالوا: عن محمد، عن عَبِيدة، عن عليّ، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال -يوم الخندق-: «شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى غربت الشمس، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم نارًا». ثمّ قال: لفظ يحيى بن سعيد. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بهذا بيان أن اللفظ الذي ساقه هو لفظ يحيى بن سعيد القطّان، ولهذا أورده هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية المعتمر، فساقها ابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٢٨٩) فقال: (١٣٣٥) أنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، نا المعتمر، قال: سمعت هشامًا، نا محمد، عن عَبِيدة، عن عليّ، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال -يوم الأحزاب-: «ما لهم؟ ملأ اللَّه قبورهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ بُيُوتَهُمْ، أَوْ بُطُونَهُمْ»، شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ) غندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٦ - (أَبُو حَسَّانَ) الأعرج الأجْرَدُ البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد اللَّه، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤]. رَوَى عن عليّ، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عَمْرو، وناجية بن كعب، والأشتر، والأسود بن يزيد، وعَبِيدة السلمانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه قتادة، وعاصم الأحول، قال أبو حاتم: زعموا أن ابن سيرين كان يروي عنه. قال الأثرم عن أحمد: مستقيم الحديث، أو مقارب الحديث، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: من رَوَى عن أبي حسان غير قتادة؟ قال: لا أعلم، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الآجري عن أبي داود: سُمِّي الأجرد؛ لأنه كان يمشي على عَقِبِه، خَرَجَ مع الخوارج، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، ويقال: إنه كان يَرَى رأي الخوارج. وقال ابن عبد البر: الأجردُ الذي يمشي على ظهر قدميه وقدماه مُلْتَوِيَتَانِ، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه رُوِي عن قتادة، قال: سمعت أبا حسان الأعرج، وكان حَرُورِيًا، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى. قُتِلَ يوم الحَرَّة سنة (١٣٠). رَوَى له البخاريّ تعليقًا، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٢٧) و(١٢٤٣) و(١٢٤٤) وأعاده بعده و(٢٦٣٥). والباقيان ذُكرا قبل حديث. وقوله: (عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى) بتنكير «صلاة» وإضافتها إلى «الوُسطى»، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في النسخ، وأصول السماع: «صلاة الوسطى»، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويُقَدِّرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا: عن صلاةِ الصلاةِ الوسطى، أي عن فِعْل الصلاةِ الوسطى. انتهى . وقوله: (حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ) قال الحربيّ: معناه رجعت إلى مكانها بالليل، أي غربت، من قولهم: آب: إذا رجع، وقال غيره: معناه: سارت للغروب، والتأويب: سَيْرُ النهار . وقوله: (شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ) يعني أن شعبة شكّ في أيّ اللفظين ذُكر مع «قبورهم»، هل هو «بيوتهم»، أم هو «بطونهم»؟ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٥] (. . .) - (وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ»، وَلَمْ يَشُكَّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عَمْرو البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٢ - (سَعِيد) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة السابق، وهو: عن أبي حسّان، عن عَبِيدة، عن عليّ -﵁-. وقوله: (وَلَمْ يَشُكَّ) الفاعل ضمير سعيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، أَوْ قَالَ: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَارًا»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ) -بالجيم، والزاي، وآخره راء- الْعُرَنيّ -بضمّ العين المهملة، وفتح الراء، ثم نون- الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان -بزاي، وموحّدة- وقيل: بل لقبه، صدوقٌ، رُمي بالغلوّ في التشيّع [٣] (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٦ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ) وقال في الطريق الثاني: (عَنْ يَحْيَى، سَمَعَ عَلِيًّا) قال النوويّ -﵀-: إنما أعاده مسلم؛ للاختلاف في «عن»، و«سَمِعَ». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ -﵀-: في كلامه هذا أن المصنّف إنما أعاد سند هذا الحديث؛ لبيان الاختلاف الواقع في صيغتي الأداء، حيث وقع في رواية وكيع، عن شعبة بلفظ «عن»، ووقع في رواية معاذ، عن شعبة بلفظ «سَمِعَ»، ومعلوم أن سمع صريحٍ في الاتصال، بخلاف «عن»، ففيها خلاف مشهور، قد سبق البحث فيه مستوفى في «شرح المقدّمة» حيث ذكره المصنّف، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ) بضمّ الفاء، وإسكان الراء، وبالضاد المعجمة، وهي المدخل من مداخله، والمنفذ، وأصلها المشارع إلى المياه . وقال الفيّوميّ -﵀-: فُرْضَةُ القوس: موضع حَزِّها للوَتَر، والجمع فُرَضٌ، وفِرَاضٌ، مثلُ بُرْمَةٍ وبُرَمٍ، وبِرَامٍ، والْفُرْضةُ في الحائط ونحوه: كالْفُرْجة، وجمعها فُرَضٌ، وفُرْضةُ النهر: الثُّلْمَةُ التي يَنحَدر منها الماء، وتَصعَدُ منه السُّفُنُ، وفَرَضْتُ الخشبةَ فَرْضًا، من باب ضَرَبَ: حَزَزتها. انتهى . وقوله: (مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، أَوْ قَالَ: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَارًا) قال بعضهم: ذكر القبور في جميع الروايات، والبيوت في أكثرها، والبطون والأجواف في بعضها، فقد يكون النبيّ -ﷺ- ذكر الجميع، فاقتصر بعض الرواة على بعضها، أو ذكر بعضها، وشكّ الراوي فيما ذَكَر، والمقصود بالدعاء عليهم بملء القبور نارًا تعذيبهم في قبورهم، وبملء البيوت نارًا احتراقهم في الدنيا، أو اشتعال الفِتَن في بيوتهم، وبملء البطون والأحشاء نارًا كثرة مصائبهم، واحتراق قلوبهم بالكوارث والبلوى في أموالهم وأبدانهم، وأولادهم، ونحو ذلك ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «شَغَلُوَنَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا»، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٧. ٤ - (مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ) -بالتصغير- الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٥ - (شُتَيْرُ -بشين معجمة، فمثنّاة فوقيّة، مصغّرًا- ابْنُ شَكَلٍ) -بفتح المعجمة، والكاف- ابن حُميد الْعَبسيّ، أبو عيسى الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأمه، وعليّ، وابن مسعود، وحفصة، وأم حبيبة، إن كان محفوظًا، وغيرهم. ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأبو الضُّحَى، والشعبيّ، وعبد اللَّه بن قيس. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في ولاية ابن الزبير، وقال ابن سعد: توُفّي زمن مصعب، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ من أصحاب عبد اللَّه، وقال أبو موسى في «ذيل الصحابة»: يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٧)، و(١١٠٧): «كان رسول اللَّه -ﷺ- يقبّل، وهو صائم». والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (صَلَاةِ الْعَصْرِ) بالجرّ بدلًا عن «الصلاة الوسطى»، أو عطف بيان لها، والحديث نصّ في أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا هو القول الراجح، كما سبق تحقيقه. وقوله: (ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) «بين» بدل من «بين» الأول. قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا أنه صلّى العصر المتروكة بعد أن صلّى المغرب، وليس بصحيح، بدليل ما جاء في حديث جابر -﵁- قال: «فصلى رسول اللَّه -ﷺ- العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلّى بعدها المغرب» . وهذا نصّ، وإنما أراد بقوله: «بين العشاءين» بين وقتي العشاءين، فإن التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس، ثم توضّأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب. وقد روى الترمذيّ عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه: «أن
مصادر المؤلف (٢١)

١. راجع: «المرعاة شرح المشكاة» ٢/ ٣٣٩.

٢. «المرعاة» ٢/ ٣٤٠.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٩٠٠.

٤. «الفتوحات الإلهيّة على تفسير الجلالين» ١/ ١٩٤.

٥. «المرعاة» ٢/ ٣٤٠.

٦. «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

٧. «المفهم» ٢/ ٢٥٦.

٨. «شرح النووي» ٥/ ١٢٩.

٩. رواه الترمذيّ برقم (٢٩٨٦ و٢٩٨٨) من حديث سمرة بن جندب، وابن مسعود -﵄-.

١٠. «المفهم» ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.

١١. «تفسير ابن كثير» ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.

١٢. «الفتح» ٨/ ٤٣ - ٤٥، وذكر في «الفتح» أيضًا أن الدمياطيّ جمع في ذلك جزءًا مشهورًا سماه «كشف الغِطَا عن الصلاة الوسطى»، فبلغ تسعة عشر قولًا، ثم ساقها كما تقدم.

١٣. وفي نسخة: «حدّثناه».

١٤. «شرح النوويّ» ٥/ ١٢٩.

١٥. «شرح النوويّ» ٥/ ١٢٩.

١٦. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٧. وفي نسخة: «حدّثني».

١٨. «إكمال المعلم» ٢/ ٥٩٤، و«شرح النووي» ٥/ ١٣٠.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩.

٢٠. راجع: «فتح المنعم» ٣/ ٣٣٤.

٢١. رواه البخاريّ برقم (٥٩٨)، وأحمد (٣/ ١٢٩)، والترمذيّ (١٨٠)، والنسائيّ ٣/ ٨٤.