HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٢٩

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لها مصفحا. وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [٢/البقرة/ الآية ٢٣٨]. فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا. فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص112
ج ١ ص ٤٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٣ ص٥٨٤
وفي هذا الحديث بيان أن الصلاة التي فاتت كانت العصر، وظاهره أنه لم يفُت غيرها، وفي «الموطّأ» أنها الظهر والعصر، وفي غيره أنه أخّر أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هويّ من الليل. وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أيّامًا، فكان هذا في بعض تلك الأيام ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٢٨] (٦٢٨)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٨١)، و«التفسير» (٢٩٨٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٦٨٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٣٦٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٩٢ و٤٠٣ و٤٠٤ و٤٥٦)، و(الحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٧٤)، و(الطبري) في «تفسيره» (٥٤٢٠ و٥٤٢١ و٥٤٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٤٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٦١)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٩] (٦٢٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ، فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى -وَصَلَاةِ الْعَصْرِ- وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد اللَّه، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيم) الكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٤. ٥ - (أَبُو يُونُسَ) مولى عائشة زوج النبيّ -ﷺ-، ثقةٌ [٣]. روى عن عائشة -﵂-، وعنه زيد بن أسلم، وأبو طُوالة الأنصاريّ، والقعقاع بن حكيم، ومحمد بن أبي عَتِيق. ذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبّان في «الثقات». أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب والسنن حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٩)، وحديث (١١١٠): «إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه. . .»، وأخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد» حديثًا آخر. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير القعقاع؛ فأخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، وأبي يونس؛ فما أخرج له البخاريّ في «الصحيح»، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع، عن أبي يونس. ٥ - (ومنها): أن أبا يونس، هذا الباب أول محلّ ذكره من الكتاب، وهو من المُقِلِّين، فليس له عند المصنّف، وأصحاب السنن إلا حديثان فقط، كما أسلفته آنفًا. ٦ - (ومنها): أن عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يُونُسَ) لا يُعرف اسمه (مَوْلَى عَائِشَةَ) بنت الصدّيق -﵂- (أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ -﵂- أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا) قال في «القاموس»: المصحف -مثلثة الميم، من أُصْحِفَ بالضم- أي جُعِلَت فيه الصُّحُفُ. انتهى . وذكر في «المصباح»: أنه بضم الميم أشهر من كسرها. انتهى . وقال في (اللسان: والمُصْحَف -أي بالضم- والمِصْحَفُ -أي بالكسر-: الجامع للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفَّتَيْنِ، كأنه أصْحِفَ، وكذا يقال: مُطْرَفٌ ومِطْرَفٌ، من أُطرف، إذا جُعِل في طرفيه الْعَلَمان، استُثقلت الضمّة، فكسرت الميم، فأصلها الضمّ، فمن ضمّ جاء به على أصله، ومن كسر فلاستثقال الضمّة. انتهى باختصار . (وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ) الآتي ذكرها (فَآذِنِّي) بالمدّ، وتشديد النون بإدغام نون الكلمة في نون الوقاية، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلمني ببلوغك إيّاها، وإنما أمرته بذلك لتُمِليَ عليه ما ظنّته من الآية، ثم ذكرت الآية المشار إليها بقولها: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) أَمَر اللَّه تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها، وقال القرطبيّ -﵀-: هو خطاب لجميع الأمة، والآية أَمْرٌ بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، والمحافظة هي المداومة على الشيءِ، والمواظبة عليه. (﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) بالجرّ عطفًا على ﴿الصَّلَوَاتِ﴾، أي وحافظوا على أداء الصلاة الوُسْطَى، وقرأ أبو جعفر الواسطيّ: «والصلاةَ الوُسْطَى» بالنصب على الإغراء، أي الزموا الصلاة الوُسْطى، وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالون عن نافع: «الوُصْطَى» بالصاد لمجاورة الطاء لها؛ لأنهما من حَيِّز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. انتهى. قال أبو يونس (فَلَمَّا بَلَغْتُهَا) أي الآية المذكورة (آذَنْتُهَا) أي أعلمتها ببلوغي إياها (فَأَمْلَتْ عَلَىَّ) من الإملاء، ولأبي داود: «فأملّت» بتشديد اللام، أي ألقت عليّ لأكتب، وهما لغتان فصيحتان. قال الفَيُّوميُّ -﵀-: وأَمْلَلْتُ الكتابَ على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمْلَيْتُ عليه إملاء، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء بهما الكتاب العزيز ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الذي عليه الحق، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى . (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ -صَلَاةِ الْعَصْرِ) هكذا الرواية بواو العطف، واستَدَلّ به بعضهم على أن صلاة العصر ليست هي صلاة الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وَرُدَّ عليه بأن العطف للتفسير، بدليل الأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث عليّ -﵁- الماضي. وقال النوويّ -﵀-: واستَدَلّ به بعض أصحابنا على أن الوُسْطَى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، لكن مذهبنا أن القراءة الشاذّة لا يُحْتَجُّ بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا، والمسألة مقررة في الأصول، وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال في هذه المسألة قول من قال: إن ما قُرئ في الشواذّ يكون حجةً، كسائر أخبار الآحاد، كما أوضحت ذلك في «التحفة المرضيّة»، حيث قلت: وَكُلُّ مَا تَوَاتَرًا لَمْ يَنَلِ … عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ شَاذًا يَنْجَلِي وَاتَّفَقُوا أَنْ لَيْسَ قُرْآنًا تُلِي … وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِثْلُهُ فِي الْعَمَلِ وَكَوْنُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … وَجُوبِ الاحْتِجَاجِ رَاجِحًا يَفِي وإن أردت مزيد إيضاح فراجع شرحها «المنحة الرضيّة» تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال السنديّ -﵀-: والظاهر أن هذا كان من النبيّ -ﷺ- قاله تفسيرًا للآية، فَزَعَمَت عائشة أنه جزء من الآية، أو كان جزءًا فنُسِخ، وزعمت عائشة بقاءه، واللَّه أعلم. انتهى. وقال أبو محمد بن حزم -﵀- في كتابه «المحلَّى»: [فإن قيل]: فكيف تصنعون أنتم في هذه الروايات التي أُوردت عن حفصة، وعائشة، وأم سلمة، وأُبَيّ، وابن عباس التي فيها «وصلاة العصر» -أي بواو- والتي فيها «صلاة العصر» عنهم بلا واو حاشا حفصة؟، وكيف تقولون في القراءة بهذه الزيادة، وهي لا تحلّ القراءة بها اليوم؟. [فجوابنا]: -وباللَّه تعالى التوفيق- أن الذي يظن من اختلاف الرواية في ذلك، فليس اختلافًا، بل المعنى في ذلك مع الواو ومع إسقاطها سواءٌ، وهو أنها تعطف الصفة على الصفة، لا يجوز غير ذلك، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، فرسول اللَّه -ﷺ- هو خاتم النبيين، وكما تقول: أَكْرِم إخوانك، وأبا زيد الكريم والحسيب، أخا محمد، فأبو زيد هو الحسيب، وهو أخو محمد. فقوله: «وصلاة العصر» بيان للصلاة الوسطى، فهي الوسطى، وهي صلاة العصر. وأما قوله -ﷺ-: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر»، فلا يَحْتَمِل تأويلًا أصلًا، فوجب بذلك حمل قوله -ﷺ-: «والصلاة الوسطى، وصلاة العصر» على أنها عطف صفة على صفة، ولا بُدَّ. ويُبَيِّن أيضًا صحة هذا التأويل عنهم ما قد أوردناه عنهم أنفسهم، من قولهم: «والصلاة الوسطى، صلاة العصر». وصحت الرواية عن عائشة بأنها العصر، وهي التي رَوَت نزول الآية، وفيها: «وصلاة العصر»، فصح أنها عَرَفَت أنها صفة لصلاة العصر، وهي سمعت النبيّ -ﷺ- يتلوها كذلك، وبهذا ارتفع الاضطراب عنهم، وتتفق أقوالهم، ويصح كلُّ ما روي عن رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك، وينتفي عنه الاختلاف، وحاشا للَّه أن يأتي اضطراب عن رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى كلام ابن حزم -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾) أي خاشعين ذليلين، مستكينين بين يديه، قاله ابن كثير -﵀- ، وقال القرطبيّ -﵀-: اختُلِف في معنى ﴿قَانِتِينَ﴾ على أقوال: [الأول]: أن معناه ساكتين، وبه قال السُّدّيّ. [الثاني]: طائعين، وبه قال الشعبيّ، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة. [الثالث]: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع، والخشوع، وغَضّ البصر، وخفض الجَنَاح. [الرابع]: القنوت طول القيام، وبه قال ابن عمر، وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾، وأخرج مسلم في «صحيحه»: «أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت»، وقال الشاعر [من الرَّمَل]: قَانِتًا للَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ … وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَالْ [الخامس]: معناه داعين، لما في «الصحيحين» من حديث أنس -﵁-: «قَنَتَ رسولُ اللَّه -ﷺ- شهرًا. . .» الحديث. أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه. قال الجامع: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لما في «الصحيحين» من حديث زيد بن أرقم -﵁- قال: «كنا نتكلم في الصلاة يُكَلِّمُ الرجلُ منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام». فهذا نصّ واضحٌ في كون معنى القنوت في الآية هو السكوتَ، فتبصر، واللَّه أعلم. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتًا، وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (سَمِعْتُهَا) أي الآية على هذه القراءة (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) هذا الكلامُ من عائشة -﵂- يَحْتَمِل وجهين: [أحدهما]: أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن، ثم نُسِخَت كما أخرجه مسلم عن البراء بن عازب -﵄- الآتي بهذا، فلعل عائشة -﵂- لم تعلم بنسخها، فأرادت إثباتها في المصحف، أو اعتقدت أنها مما نُسِخَ حكمها، وبَقِيَ تلاوتها، فأرادت إثباتها. [الثاني]: أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبيّ -ﷺ- ذَكَرَهَا على أنها من القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى، كما ثبت في حديث جرير بن عبد اللَّه البَجَلِيّ -﵁- قال: كنَّا جلوسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- إذ نَظَرَ إلى القمر ليلةَ البدر، فقال: «أمَا إنكم سَتَرَوْنَ ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها -يعني العصرَ والفجرَ- ثم قرأ جرير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾» [ق: ٣٩]. أخرجه الجماعة، فأكَّد فضيلتها، فأرادت عائشة أن تثبتها في المصحف؛ لما ظنت أنها من القرآن، أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن، كما رُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعب، وغيره من الصحابة -﵃- أنهم جَوَّزُوا إثبات القنوت، وبعض التفسير في المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآنًا، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعانُ، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٢٩] (٦٢٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤١٠)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٨٢)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٤٧٢)، وفي «الكبرى» (٣٦٦)، وفي «الكبرى» أيضًا في «التفسير» (١١٠٤٦)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ١٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٥٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٠٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع: «المرعاة» ٢/ ٣٤٠.

٢. وفي نسخة: «قال: فلمّا بلغتها».

٣. «القاموس المحيط» ٣/ ١٦١.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٣٣٤.

٥. راجع: «لسان العرب» ٩/ ١٨٦.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٧. بتخفيف الذال؛ للوزن.

٨. «المحلَّى» ٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٩. «تفسير ابن كثير» ١/ ٤١١.

١٠. انظر تفاصيل الأقوال في: «تفسير القرطبيّ» ٣/ ٢١٣ - ٢١٤.