HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٤٥

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وزهير بن حرب. كلهم عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزهري، عن عروة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ. لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.
ج ١ ص ٤٤٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص١٢٥
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) أي إن الأعراب تؤخّر حلب إبلها إلى شدّة الظلام، فمن ثمّ يسمّون العشاءَ العتمة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَيَانِ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٨] (٦٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في«المقدمة»٤/ ٢٣. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵄-، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في«شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ، وسفيان مكيّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة -﵂- المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قال النوويّ -﵀-: صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه، واختُلِف في تأويله وتقديره، فقيل: تقديره: نساء الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن «نساء» هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم: أي فضلاؤهم، ومقدموهم. انتهى . (كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي الرواية التالية: «لقد كان نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول اللَّه -ﷺ- (ثُمَّ يَرْجِعْنَ) أي إلى بيوتهنّ (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالعين المهملة بعد الفاء: أي متجلّلات، ومتلفّفات، وهو منصوب على الحال من»نساء المؤمنات«، اسم فاعل من التَّلَفُّع -بالفاء والعين المهملة- أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل العين، والأكثرون على خلافه. قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يَشتمل به حتى يُجَلِّل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ: الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاع: وهو المِلْفَع أيضًا. وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاع الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء، وقال أبو عمرو: وهو الكساء، وعن صاحب «العين»: تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته. وفي «شرح الموطأ»: التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف به، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفُّف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه. وفي «المحكم»: الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لِحَافٍ، أو قِنَاعٍ، وفي «المُغِيث»: وقيل: اللِّفَاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ. وفي «الصحاح»: لَفَّعَ رأسه تَلْفِيعًا: أي غطاه، قاله في «العمدة» . (بِمُرُوطِهِنَّ) أي بأكسيتهنّ، وهو: جمع مِرْط -بكسر الميم- قال القزاز: المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط، وقيل: يكون المِرْطُ كِساءً من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان، وفي «المحكم»: وقيل: هو الثوب الأخضر، وفي «مجمع الغرائب»: أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خَزّ أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وقال عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ»: هو كساء صوف رقيق، خفيف، مربع، كُنّ النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن، أفاده في «العمدة». (لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) أي من شدّة الغَلَس، قال في «الفتح»: قال الداوديّ: لا يُعْرَفن أنساء هنّ أم رجال؟، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصًا خاصة. وقيل: لا يُعْرَف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب، وضعّفه النوويّ؛ لأن المتلفعة في النهار، لا تُعْرَف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة. قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن عدم معرفتهنّ لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بيانًا للواقع. قال: وتعقب -يعني كلام النوويّ- بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغَطّى. وقال الباجيّ: هذا يدل على أنهن كنّ سافرات؛ إذ لو كن متغطيات لمنع تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه؛ لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالبًا ففيه ما سلف. انتهى . قال الصنعانيّ: نعم قد يسلم للحافظ مُدّعاه فيمن تطول مصاحبته من الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قال الصنعانيّ -﵀- في سودة: «مع أنها كانت متلفعة» نظر؛ لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يُعْلَم كونها متلفعة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٥٨ و١٤٥٩ و١٤٦٠] (٦٤٥)، (والبخاريّ) في «الصلاة» (٣٧٢)، و«المواقيت» (٥٧٨)، و«الأذان» (٨٦٧ و٨٧٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٤٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٣)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٤٥)، وفي «الكبرى» (١٥٢٨)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٦٦٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٥)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٥٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٤٥٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٧٨ و١٧٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٥٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٩٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٧٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١٠٩٥ و١٠٩٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٣١ و١٤٣٢ و١٤٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٥٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٥٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه خلاف العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل مع الرجال، وليس في الحديث ما يدلّ على كونهن عُجُزًا، أو شوابّ، وكَرِهَ بعضهم الخروج للشوابّ، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهمّ من جلب المصالح. انتهى . وقال الحافظ -﵀-: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن فتنة. انتهى. قال الصنعانيّ -﵀-: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر؛ لظهور محاسنهن، ولذا كان نساؤه -ﷺ- لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلًا، كما أفاده حديث عائشة في قصة الإفك. انتهى، وستأتي المسألةُ في بابها -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة. وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف، قاله في «الفتح». قال الصنعانيّ -﵀-: رواية البخاريّ التي ذكرناها أولًا، ورواية مسلم -يعني قوله: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن»- يدل لما قاله ذلك البعض؛ لأنه جعل متلفعات حالًا من فاعل شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى الروايات ليست على اللفظ -يعني رواية النسائي- إلا أنه قد يقال: من أين يلزم منه تغطية الأنف والفم؟ إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصرح الروايات في ذلك رواية النسائيّ بلفظ: «كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول اللَّه -ﷺ- الصبح متلفعات بمروطهنّ»، فهذه رواية صريحة في كون الصلاة مع التلفع، فالظاهر جواز صلاتها مختمرةً؛ لظاهر هذا النصّ، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في التغليس بصلاة الصبح: ذهب أكثرهم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان، وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة -﵁-، ونقله الحازميّ عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء. وذهب بعضهم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وأكثر العراقيين، وهو مرويّ عن عليّ، وابن مسعود -﵄-. قال النوويّ: احتَجّ هؤلاء بحديث رافع بن خَدِيج -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود: «أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر». وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: «ما رأيت رسنول اللَّه -ﷺ- صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع -يعني بالمزدلفة- وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها»، رواه البخاريّ، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا بها، قالوا: ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل. واحتَجَّ الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصلاة تُحَصّل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وبحديث عائشة -﵂- هذا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وبحديث أبي برزة -﵁- المذكور في هذا الباب، وفيه: «وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل إلى وجه جليسه الذي يعرف، فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة»، مُتّفق عليه. وبحديث جابر -﵁- الآتي بعد هذا قال: «والصبح كان النبيّ -ﷺ- يصليها بغلس»، مُتَّفق عليه. وبحديث أنس -﵁- قال: «تسحّر نبيّ اللَّه -ﷺ-، وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي اللَّه -ﷺ-، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية»، رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه. وعن سهل بن سعد -﵁- قال: «كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول اللَّه -ﷺ-»، رواه البخاريّ. وعن أبي مسعود البدريّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات لم يَعُدْ إلى أن يسفر»، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابيّ: هو صحيح الإسناد. وعن مغيث بن سُمَيّ، قال:«صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى بغلس، وكان يُسْفِرُ بها، فلما سلّم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، فلما قُتل عمر أسفر بها عثمان -﵁-»، قال الترمذيّ في«كتاب العلل»: قال البخاريّ: هذا حديث حسن. وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج -﵁-، فمن وجهين: أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سَفَرت المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله -ﷺ-:«فإنه أعظم للأجر»؛ لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتيقن فيها القجر إلا باستظهار في الإسفار. والثاني: ذكره الخطابيّ أنه يَحْتَمِل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول، والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم. فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله -ﷺ-: «إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله أجر». وأما الجواب عن حديث ابن مسعود -﵁- فمعناه أن النبيّ -ﷺ- صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ الْمُحْدِث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة الجماعة، ويتسع به وقت النافلة: إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول الوقت، ولهذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يُغَلِّس بالفجر، ذكر هذا كلّه النوويّ -﵀- في «شرح المهذّب» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسُّفٌ ظاهر، وأحسن الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث الإسفار معناه مَدّ القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس، والخروج في الإسفار. قال العلامة ابن القيّم -﵀- بعد ذكر حديث رافع بن خَدِيج -﵁- ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداءً، فيدخل فيها مُغَلِّسًا، ويخرج مُسْفِرًا؛ كما كان يفعله -ﷺ-، فقوله موافق لفعله، لا مناقضٌ له، وكيف يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟!. انتهى. وهذا هو الذي اختاره الطحاويّ في «شرح معاني الآثار»، وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول اللَّه -ﷺ-، وأصحابه -﵃-، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن . انتهى. وأصرح حديث يدلّ على هذا الجمع: ما أخرجه النسائيّ من حديث أنس -﵁-، وفيه». . . . ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر«، ولفظ أحمد في »مسنده« : ». . . والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر«، ففيه دلالة على أنه كان يدخل في الغلس، ويمدّ القراءة إلى أن يُسْفِرَ، واللَّه تعالى أعلم. والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس؛ لقوة أدلّته، ولأنه واظب عليه النبيّ -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعًا، حيث يُحمل حديث الإسفار على مدّ القراءة حتى يسفر الصبح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ). قد تقدّم هذا الإسناد بعينه في أول الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى القزّاز المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٣. ٤ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٦ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ، أكثرت عن عائشة -﵂-[٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٧ - (عَائِشَةَ) -﵂- تقدمت في الباب. وقوله: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) «إن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي إنه كان. . . إلخ. وقوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالفاء والعين المهملة، من التلفّع، وهو تغطية الرأس والجسد. وقوله: (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع: مِرْط بكسر الميم: وهو الكساء. وقوله: (مَما يُعْرَفْنَ) بالبناء للمفعول.
مصادر المؤلف (٩)

١. وفي نسخة:«عن سفيان، قال عمرو».

٢. «شرح النوويّ» ٥/ ١٤٣.

٣. «عمدة القاري» ٤/ ٨٩.

٤. «فتح الباري»٢/ ٦٦ - ٦٧.

٥. «العدة حاشية العمدة» ٢/ ٧٠.

٦. «العدة» ٢/ ٢٢.

٧. راجع: «المجموع شرح المهذب» ٣/ ٥١ - ٥٤ نُقل عنه بتصرف يسير.

٨. هكذا عزا الطحاويّ هذا المذهب إليهم، لكن المشهور عند الحنفيّة أنهم يقولون باستحباب الإسفار دخولًا وخروجًا، انظر: «الدرّ المختار» مع حاشية «ردّ المحتار» ١/ ٣٨٢، واللَّه تعالى أعلم.

٩. راجع: «المسند» ٣/ ١٢٩ و١٦٩.