HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٤٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بخمسة وعشرين جزءا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص121
ج ١ ص ٤٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص١٨٦
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٣] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب، والباقون يأتون في الحديث الآتي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «تَفْضُلُ صَلَاةٌ فِي الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، قَالَ: وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ)، تقدّم قبل باب. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من الزهريّ، وشيخه كوفيّ، وعبد الأعلى بصريّ، ومعمر بصريّ، ثم يمنيّ. ٤ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-: الزهريّ، عن سعيد، عنه. ٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة -﵁- أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «تَفْضُلُ) بفتح أوله، ضمّ الضاد، وفتحها، قال في»القاموس«: الفضل: ضدّ النقص، جمعه فُضُولٌ، وقد فَضَلَ، كنصَرَ، وعَلِمَ، وأما فَضِلَ كعَلِمَ يفضُلُ كينصُرُ، فمركّبة منهما. انتهى . وقال الفيّوميّ: فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، قال: وفَضَلَ فضْلًا، من باب قتل أيضًا: زاد. انتهى . قال ابن الأثير في«شرح المسند»: لما كانت«تَفْضُل»بمعنى«تزيد»، وهي تتعدى بـ«على»أعطاها معناها، فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها، قال: وأما الذي في«صحيح مسلم»:«أفضل من صلاة الفذّ»، فجاء بها بلفظ«أفعل»التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من«تفضل»على ما لا يخفى. انتهى . وقوله: (صَلَاةٌ) بالرفع على الفاعليّة، أي تزيد في الأجر والثواب صلاة الرجل (فِي الْجَمِيعِ) أي مع جماعة الناس، وفي نسخة:«صلاة في الجمع»، وفي أخرى:«صلاة الجميع»بالإضافة، والإضافة بمعنى«في»، لا بمعنى اللام، قاله العيني، وقال السنديّ: الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف المضاف، أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين. انتهى. (عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ) فيه دليلٌ على أن صلاة المنفرد صحيحة، وفيه ردّ على من جعل الجماعة شرطًا في صحية الصلاة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا (خَمْسًا وَعِشْرِينَ) وفي حديث ابن عمر -﵄-: «سبعًا وعشرين درجةً»، فيُحْمَل على أنه أوحِيَ إليه أولًا بخمس وعشرين، ثم بسبع وعشرين، تفضلًا من اللَّه تعالى، حيث زاد درجتين، أو يُحْمَل على أن المراد بالعدد التكثير لا التحديد، وسيأتي تمام البحث فيه. وقوله: (دَرَجَةً) تمييز العدد المذكور، وفي الروايات كلّها التعبير بـ «درجةً»، أو حذفُ التمييز، إلَّا طرُق حديث أبي هريرة -﵁-، ففي بعضها «ضعفًا»، وفي بعضها «جزءًا»، وفي بعضها «درجةً»، وفي بعضها «صلاةً»، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس -﵁-، والظاهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من التفنّن في العبارة. وأما قول ابن الأثير -﵀-: إنما قال: «درجةً»، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ «درجة»، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف، فتنبّه. (قَالَ) -ﷺ- (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ») فيه بيان مَزِيَّة صلاةِ الفجر جماعةً؛ حيث إن الملائكة تجتمع في وقتها، ومثلها صلاة العصر، كما تقدم في حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا:«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. . . »الحديث، متّفق عليه، فلذلك حَثَّ الشارعُ على المحافظة عليهما؛ ليكون من حضرهما تَرْفَعُ الملائكة عمله، وتشفع له. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، ظاهر هذا أنه من قول أبي هريرة -﵁-، وليس من قول النبيّ -ﷺ-، لكن أخرج الترمذيّ في«التفسير»، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال:«تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. فهذا ظاهر في كونه مرفوعًا إلى النبيّ -ﷺ-. ويُمكن أن يُجمع بينهما بأن أبا هريرة -﵁- كان تارةً يرفعه إلى النبيّ -ﷺ-، وتارة يذكره عن نفسه، واللَّه تعالى أعلم. (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن أردتم أن تعرفوا مصداق ذلك من كتاب اللَّه تعالى، فاقرؤوا هذه الآية (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾) بالنصب عطفًا على الصلاة، من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي وأقم قرآنَ الفجر، أو منصوب على الإغراء، أي وعليك قرآنَ الفجر، على رأي من يقول: إن أسماء الأفعال تَعْمَل مقدَّرةً، ويقدر على رأي غيرهم: الْزَمْ قرآنَ الفجر (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾) أي صلاة الصبح، سميت قرآنًا، وهو القراءة؛ لأنها ركن منها، لا تجوز الصلاة إلَّا بها، كما سميت ركوعًا، وسجودًا، وقنوتًا؛ أي قيامًا، وإنما خص القراءة بالتسمية هنا للحثّ على تطويل القراءة فيها. (﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾) أي محضورًا؛ تحضره الملائكة. قال السنديّ -﵀-: ولا يخفى أن طائفة من الملائكة على البدلية تشهد الصلوات كلها، وكلتا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما أيضًا؛ لقولهم: «تركناهم وهم يصلون»، فكأنهم يشهدون القرآن جميعًا، ثم تذهب طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ من الصلاة، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٧٣ و١٤٧٤ و١٤٧٥ و١٤٧٦ و١٤٧٧] (٦٤٩)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٤٨) و«التفسير» (٤٧١٧)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٢١٦)، و(النسائيّ) فيها (٤٨٦ و٨٣٨) وفي «الكبرى» (٤٦١ و٩١٢)، و(ابن ماجه) فيها (٧٨٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٤٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٦٤)، و(ابن خُزيمة) في «صحيحه» (١٤٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٥١ و٣٠٥٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٤٥ و١٢٤٦ و١٢٤٧ و١٢٤٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦ و١٤٤٧ و١٤٤٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تأكيد صلاة الجماعة، وفضلها، والحثّ عليها. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن أقل الجماعة اثنان؛ لأنه جعل هذا الفضل لغير المنفرد، وما زاد على المنفرد فهو جماعة، وقد يقال: إنما رتب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرّض لنفي درجة متوسطة بين المنفرد والجماعة، كصلاة الاثنين مثلًا، ولكن قد ورد في غير حديثٍ التصريح بكون الاثنين جماعة، فقد روى ابن ماجه، من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اثنان في فوقهما جماعة»، ورواه البيهقيّ أيضًا من حديث أنس -﵁-، وفيهما ضعف، لكن استُدلّ لذلك بما رواه الشيخان من حديث مالك بن الحويرث -﵁-: «إذا حضرت الصلاة، فأذِّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما»، وقد بَوَّب عليه الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: «باب اثنان في فوقهما جماعة»، قال النوويّ في «الخلاصة»: ويُستَدَلّ فيه أيضًا بالإجماع، قال العراقيّ: وفي الإجماع نظرٌ، وقد حكى ابن الرفعة في «الكفاية» خلافًا في أن أقلّ الجماعة ثلاثة، وهو ضعيف، وحكاه ابن بطال في «شرح البخاريّ»، عن الحسن البصريّ. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من جعل الجماعة من شروط صحّة الصلاة، وهو داود الظاهريّ، ووجه دلالته أنه -ﷺ- أثبت لمن صلّى وحده صلاةً، فلو كانت الجماعة شرطًا لما صحتّ صلاته، وقد قال -ﷺ-: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ»، وقال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده»، فجعل لمن صلّى وحده صلاة صحيحة، لها ثواب دون ثواب من صلّى مع الجماعة، واللَّه تعالى أعلم. وأما قول العراقيّ -﵀-: فيه ردّ على داود الظاهريّ، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، فيما ذهبوا إليه من أن الجماعة فرض عين، وحُكي أيضًا عن أحمد، وعزاه بعضهم قولًا للشافعي فيما حكاه الرافعيّ. ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الحقّ مع هؤلاء في كون الجماعة فرض عين، على ما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أنه استدَلَّ به بعض المالكية للمشهور عن مالك، أنه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين، وخمس وعشرين، ولم يفرِّق بين جماعة وجماعة. وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أن الجماعات تتفاوت؛ لما روى أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، بإسناد حسن، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحب إلى اللَّه تعالى» . وليس في حديث الباب حجةٌ لمن تعلق به في تساوي الجماعات؛ لأنا نقول أقلّ ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف، ولا مانع من تضعيف آخر بسبب آخر، من كثرة الجماعة، أو شرف المسجد، أو بُعْد طريق المسجد، أو غير ذلك، قاله العراقيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ حسنٌ. ٥ - (ومنها): ما قاله العراقيّ -﵀-: هل هذا الفضل المذكور للجماعة مقيَّد بكونها في المسجد، أو التضعيف حاصل بمطلق الجماعة، في أيّ موضع كانت؟، حَكَى صاحب «المفهم» فيه خلافًا، قال: والظاهر الإطلاق؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم. قال العراقيّ: ولكن ظاهر الرواية المذكورة في «الصحيحين» في آخر الباب يقتضي التقييد بالمسجد؛ لما فيه من الإشارة إلى العلة، فإنه لما ذكر أنها تفضل بخمسة وعشرين ضعفًا، أو ببضع وعشرين درجةً قال: «وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلَّا الصلاة. . .»، فذكر الحديث، فعَلَّل ما ذكر من الثواب أَوّلًا بما ذكره ثانيًا، وفيه الخروج إلى المسجد، وكذا قوله في أول الحديث: «تزيد على صلاته في بيته، وفي سوقه»، وربما كانت صلاته في بيته أو في سوقه جماعةً، فرَتَّب عليها الفضل بالتضعيف المذكور. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب وجوب صلاة الجماعة»، وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقةً عليه لم يطعها، ثم أورد حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في الباب: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس. . .» الحديث. قال الحافظ -﵀-: هكذا بَتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعمّ من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلَّا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين؛ لما عُرف من عادته أنه يَستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب. وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المروزيّ في كتاب «الصيام» بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة. وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنّة لم يهدَّد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول -ﷺ- ومن معه. ويَحْتَمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك. وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعيّ، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالًا على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلًا على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلَّا أنه لا يتم إلَّا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب. ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة غير شرط. انتهى. وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة: (منها): ما تقدم. (ومنها): -وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النوويّ الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه -ﷺ- هَمّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما همّ بتركها إذا توجه. وتُعُقِّب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين. (ومنها): -وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال -ﷺ-: «لقد هممت. . . إلخ»، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان. (ومنها): -وهو رابعها-: ما قال الباجيّ وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في «الجهاد» الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع. (ومنها): -وهو خامسها-: كونه -ﷺ- ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجةٌ؛ لأنه -ﷺ- هَمّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم. وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه -ﷺ- لا يهم إلَّا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون. . .» الحديث. (ومنها): -وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقَّب بأن في رواية مسلم: «لا يشهدون الصلاة،. . .»، أي لا يحضرون. وفي رواية عجلان عن أبي هريرة -﵁- عند أحمد: «لا يشهدون العشاء في الجميع»، أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد -﵄- عند ابن ماجه مرفوعًا: «لينتهين رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم». (ومنها): -وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحثّ على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين ابن الْمُنَيِّر، وهو قريب من الوجه الرابع. (ومنها): -وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل. وتُعُقِّب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعْرِضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويّتهم، وقد قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وتَعَقَّب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلَّا إذا ادُّعِي أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيّرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في صدر حديث أبي هريرة -﵁-: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر. . .» الحديث، ولقوله: «لو يعلم أحدهم. . . إلخ»؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: «لا يشهدون العشاء في الجميع»، وقوله في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة». وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة -﵁-، عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة»، فهذا يدل على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه اللَّه به من الكفر والاستهزاء، نَبَّه عليه القرطبيّ. وأيضًا فقوله في رواية المقبريّ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيّن طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبيّ: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود -﵁-: «لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلَّا منافق». رواه مسلم. انتهى كلامه. وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما يشهدهما منافق» يعني العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوّي ما ظهر لي أولًا، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا؛ لما دل عليه مجموع الأحاديث. (ومنها): -وهو تاسعها-: ما ادّعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسخ، حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفيه نظر؛ إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلَّا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): -وهو عاشرها- أن المراد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبيّ. وتُعُقّب بالأحاديث المصرِّحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلَّا إن تعيّن كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى. قال الحافظ -﵀-: قد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود -﵃-، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومئ إلى أنها العشاء لقوله في أَخره: «لَشَهِد العشاء»، وفي رواية مسلم: «يعني العشاء»، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعيّنها السرّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: «أخَّر العشاء ليلة، فخرج، فوجد الناس قليلًا، فغضب»، فذكر الحديث، وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: «يعني الصلاتين، العشاء والغداة»، وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد التصريح بتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام. وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال: «الجمعة» أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها؛ لشذوذها. ويدلّ على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عني، أو غيرها؟ قال: صُمَّت أُذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول اللَّه -ﷺ-، ما ذكر جمعة، ولا غيرها. فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن أم مكتوم -﵁- فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة -﵁-. وأما حديث ابن مسعود -﵁- فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقلّ؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيُحْمَل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النوويّ، والمحب الطبريّ. وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة -﵁- على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول اللَّه -ﷺ- استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: «لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم»، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه، قد علمت ما بي، وليس لي قائد، زاد أحمد: وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: «أتسمع الإقامة؟» قال: نعم. قال: «فاحضرها»، ولم يرخِّص له. ولابن حبان من حديث جابر -﵁-، قال: «أتسمع الأذان؟» قال: نعم، قال: «فأتها ولو حَبْوًا». وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشقّ عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان. واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلَّا عن واجب، وفيه نظر. ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول بما ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولا سيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضًا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة -﵁- عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد. قال الحافظ -﵀-: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلامه -﵁-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث: «من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلَّا من عذر». والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام الحافظ -﵁-، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك، فتبصر. ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في الباب: «لقد هممت. . .» الحديث. ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁-، قال: أتى النبيّ -ﷺ- أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه -ﷺ- أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «فأجب». ومنها: حديث ابن عباس -﵄-: أن النبيّ -ﷺ- قال: «من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له، إلَّا من عذر»، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي . ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر -﵃-، أنهما سمعا النبيّ -ﷺ- يقول على أعواده: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وأخرجه مسلم بلفظ «الجمعة». فهذه النصوص تدلّ دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات. وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة -﵁-، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-»، رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه. وعن ابن مسعود -﵁-، أنه قال: «حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن. . .» الحديث. وعن أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: «من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له»، صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود -﵁- مثله. وعن أبي هريرة -﵁-: «لأن يمتلئ أذنا ابن آدم رصاصًا مُذابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه». وعن عائشة -﵂-: «من سمع النداء فلم يأته، فلم يرد خيرًا، ولم يُرَد به». وعن علي بن أبي طالب -﵁-: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد»، فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؛ قال: من سمع الأذان«. وعن ابن عباس -﵄-، قال:«من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلَّا من عذر». وعن عطاء:«ليس لأحد من خلق اللَّه تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة»، وعنه:«كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلَّا منافق». وعن إبراهيم النخعي:«أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلَّا لمريض، أو خائف». وعن الحسن، قال:«إذا سمع الرجل الأذان فقد احتبس». وسال رجل سعيد بن المسيِّب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مَضَوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قال:«لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلَّا منافق، إلَّا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة»، فأبى الرجل إلَّا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، الم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله؟ قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر، نقل هذه الآثار الإمام أبو محمد بن حزم -﵀- في كتابه«المحلى». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث:«صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، وحديث:«صلاة الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده. . . »، وحديث:«صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده. . . »لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة. وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عَليهنّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قد حقّق الحافظ ابن رجب -﵀- في تفنيد أدلّة القائلين بعدم فرضية صلاة الجماعة، في شرح حديث أبي هريرة -﵁- الآتي:«لقد هممت أن آمر. . . »الحديث، فقال بعد قوله:«وهذا الحديث ظاهر في وجوب شهود الجماعة في المساجد»ما نصّه: وقد اعترض المخالفون في وجوب الجماعة على هذا الاستدلال، وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ: مِنْهَا: حمل هَذَا الوعيد عَلَى الجمعة خاصة. واستدلوا عَليهِ بما فِي«صحيح مُسْلِم»عَن ابن مَسْعُود، أن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لقوم يتخلفون عَن الجمعة:«لَقَدْ هممت أن آمر رجلَّا يصلي بالناس، ثُمَّ أحرق عَلَى رجال يتخلفون عَن الجمعة». ومنها: أَنَّهُ أراد تحريق بيوت المنافقين لنفاقهم؛ ولهذا قَالَ ابن مَسْعُود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلَّا منافق معلوم نفاقه، وقد سبق ذكره. والمنافق إذا تخلف عَن الصلاة مَعَ المُسْلِمِين لا يصلي فِي بيته بالكلية، كما أخبر اللَّه عنهم، أنهم ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وهذا التأويل عَن الشَّافِعِيّ وغيره. ومنها: أَنَّهُ لَمْ يفعل التحريق، وإنما توعّد بِهِ. وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز أن يهدِّد الحَاكِم رعيِّته بما لا يفعله بهم، واستَدَلّ بعضهم لذلك بما أخبر بِهِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَن سُلَيْمَان، أَنَّهُ قَالَ حِينَ اختصصت إليه المرأتان في الولد: «ايتوني بالسكين حَتَّى أشقه»، ولم يَرِد فعل ذَلِكَ، إنما قصد بِهِ التوصل إلى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقّتها عَلَى ولدها. والجواب: أَنَّهُ لا يصح حمل الحَدِيْث عَلَى شيء من ذَلِكَ. أما حمله عَلَى الجمعة وحدها فغير صحيح. وفي ذكر النَّبِيِّ -ﷺ- شهود العشاء فِي تمام الحَدِيْث مَا يدل عَلَى أن صلاة العشاء الموبَّخ عَلَى ترك شهودها هِيَ المراد. وقد روي ذَلِكَ عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب، وأنها داخلة فِي عموم الصلاة؛ فإن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يعم، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا قَوْل جماعة من العلماء. وقد جَاءَ التصريح بالتحريق عَلَى من تخلف عَن صلاة العشاء. فروى الحميدي عَن سُفْيَان: ثنا أبو الزناد، عَن الأعرج، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «لَقَدْ هممت أن أقيم الصلاة صلاة العشاء، ثُمَّ آمر فتياني فيخالفوا إلى بيوت أقوام يتخلفون عَن صلاة العشاء، فيحرقون عليهم بحزم الحطب»، وذكر بقية الحَدِيْث. وروى ابن أَبِي ذئب، عَن عجلان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «لينتهين رجال ممن حول المسجد، لا يشهدون العشاء الآخرة فِي الجمع، أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب». خرّجه الإمام أحمد. وخرّج -أيضًا- من حَدِيْث أَبِي معشر، عَن سَعِيد المقبري، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «لولا مَا فِي البيوت من النِّسَاء والذرية أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون مَا فِي البيوت بالنار». وروى عاصم، عَن أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أخر رَسُول اللَّه -ﷺ- صلاة العشاء حَتَّى تهوّر الليل وذهب ثلثه أو قريبًا مِنْهُ، ثُمَّ خرج إلى المسجد، فإذا النَّاس عزون، وإذا هم قليل، فغضب غضبًا مَا أعلم أني رأيته غضب غضبًا قط أشد مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ أن رجلًا نادى النَّاس إلى عرق أو مرماتين أتوه لذلك [ولم يتخلفوا]، وهم يتخلفون عَن هذه الصلاة، لَقَدْ هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثُمَّ أتتبع هذه الدور ائَتِي تخلف أهلوها عَن هذه الصلاة، فأحرقها عليهم بالنيران». وورد التصريح بأن العقوبة عَلَى ترك الجماعة دون الجمعة. خرّجه الطبراني فِي «أوسطه»: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم -هُوَ ابن هاشم البغوي-، ثنا حوثرة بْن أشرس، ثنا حماد بْن سَلَمَة، عَن ثابت، عَن أنس، أن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ أن رجلًا دعا النَّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يدعون إلى هذه الصلاة فِي جماعة فلا يأتونها، لَقَدْ هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس فِي جماعة، ثُمَّ أنصرف إلى قوم سمعوا النداء، فَلَمْ يجيبوا فأضرمها عليهم نارًا؛ فإنه لا يتخلف عَنْهَا إلَّا منافق». حوثرة: ضَعِيف، قَالَ ابن نقطة فِي «تكملة الإكمال». وأما ذكر الجمعة فِي حَدِيْث ابن مَسْعُود، فلا يدل عَلَى اختصاصها بذاك؛ فإنه كما همّ أن يحرق عَلَى المتخلف عَن الجمعة فَقَدْ همّ أن يحرق عَلَى المتخلف عَن العشاء. وقد قيل إنه عبّر بالجمعة عَن الجماعة للاجتماع لها. قَالَ البيهقي: هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِيهِ سائر الرواة. واستدل بما خرّجه من «سنن أَبِي داود» عَن يزيد بْن يزيد، عَن يزيد بْن الأصم، قَالَ: [سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول]: سَمِعْت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول: «لَقَدْ هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثُمَّ آتي قومًا يصلّون فِي بيوتهم، ليس بهم علة فأحرقها عليهم». قيل ليزيد بْن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها؟ فَقَالَ: صمّتا أُذناي إن لَمْ أكن سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يأثره عَن النَّبِيّ -ﷺ-، مَا ذكر جمعة ولا غيرها. وخرّجه -أيضًا- من طريق معمر، عَن جَعْفَر بْن برقان، عَن يزيد بْن الأصم مختصرًا، وفي حديثه: «لا يشهدون الجمعة»، وهذه الرواية، أو أَنَّهُ أراد بالجمعة الجماعة، كما قَالَ البيهقي؛ فإن مسلمًا خرّجه من طريق وكيع، عَن جَعْفَر بْن برقان، وَقَالَ فِي حديثه: «لا يشهدون الصلاة». ورواية أَبِي داود صريحة فِي أن التحريق عقوبة عَلَى المتخلف عَن الجماعة. وإن صلى المتخلف فِي بيته. وأما دعوى أن التحريق كَانَ للنفاق فهو غير صحيح؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- صرح بالتعليل بالتخلف عَن الجماعة، ولكنه جعل ذَلِكَ من خصال النفاق، وكل مَا كَانَ علمًا عَلَى النفاق فهو محرَّم. وفي حَدِيْث أَبِي زرارة الأنصاري، عَن النَّبِيّ -ﷺ-: «من سَمِعَ النداء ثلاثًا فَلَمْ يجب كتب من المنافقين»، وإسناده صحيح؛ لكن أبو زرارة، قَالَ أبو الْقَاسِم البغوي: لا أدري أله صحبة أم لا؟. وخرّج الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة، عَن زبان بْن فائد، عَن سَهْل بْن معاذ بْن أنس، عَن أبيه، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: «الجفاء كل الجفاء، والكفر والنفاق من سَمِعَ منادي اللَّه ينادي بالصلاة ويدعو بالفلاح فلا يجيبه». ورواه رشدين بْن سعد، عَن زبان. قَالَ الحافظ أبو موسى: رواه جماعة عَن زبان، وتابعه عَليهِ يزيد بْن أَبِي حبيب. وَقَالَ النخعي: كفى علَمًا عَلَى النفاق أن يكون الرَّجُلُ جار المسجد، لا يُرى فِيهِ. وقد كَانَ النَّبِيّ -ﷺ- يعلم نفاق خلق من المنافقين ولا يعاقبهم عَلَى نفاقهم، بل يكل سرائرهم إلى اللَّه، ويعاملهم معاملة المُسْلِمِين فِي الظاهر، ولا يعاقبهم إلَّا عَلَى ذنوب تظهر منهم، فَلَمْ تكن العقوبة بالتحريق إلَّا عَلَى الذَّنْب الظاهر، وَهُوَ التخلف عَن شهود الصلاة فِي المسجد، لا عَلَى النفاق الباطن. وأما دعوى أن ذَلِكَ كَانَ تخويفًا وإرهابًا مِمَّا لا يجوز فعله، فَقَدْ اختلف فِي جواز ذَلِكَ. فروي جوازه عَن طائفة من السلف، منهم: عَبْد الحميد بْن عَبْد الرحمن عامل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى الكوفة، وميمون بْن مهران، وروي -أيضًا- عن عُمَر بْن الخَطَّاب من وجه منقطع ضَعِيف، وعن عَلِيّ بْن أَبِي طالب. وأنكر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد العزيز وتغيّظ عَلَى عَبْد الحميد لمّا فعله، وَقَالَ: إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوءٍ. وقد ذكر هذه الآثار عُمَر بْن شبة البصري فِي «كِتَاب أدب السلطان». وبكل حال؛ فليس مَا ذكره النَّبِيّ -ﷺ- من التحريق من هَذَا فِي شيء؛ لأنه -ﷺ- أخبر بأنه همّ، وأنما يَهُمُّ بما يجوز لَهُ فعله، والتخويف يكون عِنْدَ من أجازه بما لا يجوز فعله ولا الهم بفعله، فتبين أَنَّهُ ليس من التخويف فِي شيء، وإنما امتنع من التحريق لما فِي البيوت من النّسَاء والذرية وهم الأطفال، كما فِي الرواية الَّتِي خرجها الإمام أحمد، وهم لا يلزمون شهود الجماعة؛ فإنها لا تجب عَلَى امرأة ولا طفل، والعقوبة إذا خشي أن تتعدى إلى من لا ذنب لَهُ امتنعت، كما يؤخر الحد عَن الحامل إذا وجب عَلَيْهَا حَتَّى تضع حملها. فإن زعم زاعم أن التحريق منسوخ؛ لأنه من العقوبات المالية، وقد نُسِخت، وربما عضَّدَ ذَلِكَ بنهي النَّبِيّ -ﷺ- عَن التحريق بالنار. قيل لَهُ: دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلِكَ، كأمره -ﷺ- بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متاع الغالّ، وأمره بكسر القدور الَّتِي طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية، وحرّق عُمَر بيت خمّار. ونصّ عَلَى جواز تحريق بيت الخمّار أحمد وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور فِي «مسائله»، وَهُوَ قَوْل يَحْيَى بْن يَحْيَى الأندلسي، وذكر أن بعض أصحابه نقله عَن مَالِك، واختاره ابن بطة من أصحابنا. وروي عَن عَلِيّ -أيضًا- وروي عَنْهُ أَنَّهُ أنهب ماله. وعن عُمَر، قَالَ فِي الَّذِي يبيع الخمر: كسِّروا كل آنية لَهُ، وسَيِّروا كل ماشية لَهُ، خرّجه وكيع فِي «كتابه». وأما نهيه -ﷺ- عَن التحريق بالنار، فإنما أراد بِهِ تحريق النفوس وذوات الأرواح. فإن قيل: فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه، وَهُوَ ممنوع. قيل: إنما يقصد بالتحريق دارهُ ومتاعهُ، فإن أتى عَلَى نفسه لَمْ يكن بالقصد، بل تبعًا، كما يجوز تبييتُ المشركين وقتلهم ليلًا، وقد أتى القتل عَلَى ذراريهم ونسائهم. وقد سئل النَّبِيّ -ﷺ- عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: «هم منهم»، رواه البخاريّ. وهذا مِمَّا يحسن الاستدلال بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجبًا عِنْدَ جمهور العلماء. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب -﵀- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن تأويل القائلين بعدم وجوب صلاة الجماعة للأدلّة الواضحة الظاهرة على وجوبها تأويل غير صحيح، فلا يلتفت إليه، فالحقّ أنها فرض من فروض الصلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابد، من أثبت الناس في الزهري [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و«أبو سلمة» هو: ابن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن أبا اليمان، حدّث عن شعيب عن الزهريّ بمثل ما حذث به عبد الأعلى، عن معمر عنه. [تنبيه]: رواية أبي اليمان، عن شعيب هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٦٤٩) حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر»، ثم يقول أبو هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال شعيب: وحدّثني نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: «تفضلها بسبع وعشرين درجة». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابد، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في «الموطّأ» أحدًا، من صغار [٩] مات في أول سنة (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (أَفْلَحُ) بن حُميد بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في «الحيض» ٩/ ٧٣٧. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: كنيته أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٢. ٤ - (سَلْمَانُ الْأَغَرُّ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى جُهينة، أصله من أصبهان، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٣/ ٣١٩. ٥ - (أبو هريرة) تقدم في الباب. وقوله: (مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ) بالفاء، والذال المعجمة المشدّدة، أي المنفرد، أي المصلّي وحده، قال صاحب «المطالع»: ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون، وهي غنّة لا نون حقيقةً، قال: وكذلك يقوله أهل الشام. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ، فَدَعَاهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «صَلَاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أبو موسى الحمّال، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٥ - (عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) -بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الواو- المكيّ، مولى بني عامر، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس، والسائب بن يزيد، وعبيد اللَّه بن عياض، وعُبيد بن جريج، وعطاء بن بخت، ونافع بن جبير بن مطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، ومولى لأبي الأسقع. ورَوَى عنه ابن جريج، وإسماعيل بن أمية. قال الدُّوريّ، عن ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووَثّقه يعقوب بن سفيان، والعجليّ. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن عمر بن عطاء الذي رَوَى عنه ابن جريج؟ فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار، بلغني عن يحيى أنه ضعَّفه. قال الحافظ المزيّ -﵀-: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وَثَّقه، وضعّف الذي بعده. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٩)، وحديث (٨٨٣): «أن لا توصل صلاة بصلاة. . .» الحديث، وروى أبو داود ثلاثة أحاديث فقط. ٦ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ) هو سلمان الأغرّ الذي تقدّم في السند الماضي. وقوله: (خَتَنُ زيدِ بْنِ زَبَّانٍ) قال النوويّ -﵀-: هو بفتح الزاي، وتشديد الباء الموحّدة، و«الختنُ»: زوج بنت الرجل، أو أخته، ونحوها. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: «الْخَتَنُ» بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أختان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَةُ أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة، والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة من الطرفين، وخاتنتهم: إذا صاهرتهم. انتهى . [تنبيه]: زيد بن زبّان هذا لم أجد من ترجمه، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٩)

١. وفي نسخة: «بخمس».

٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣. وفي نسخة: «صلاة الجميع»، وفي أخرى: «صلاة في الجمع».

٤. «القاموس المحيط»٤/ ٣١.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٤٧٥.

٦. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ١٦٦.

٧. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩٦.

٨. حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (٥٥٤)، والنسائيّ في «المجتبى» برقم (٨٤٣).

٩. «طرح التثريب» ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.

١٠. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.

١١. هو ما أخرجه البخاريّ في «كتاب الجهاد من»صحيحه«(٣٠١٦) عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: بعثنا رسول اللَّه -ﷺ- في بعث، فقال:»إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار«، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- حين أردنا الخروج:»إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلَّا اللَّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما«.

١٢. انظر: تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على «المحلّى» ٤/ ١٩٠.

١٣. قد ورد حديث:«لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد»مرفوعًا من حديث أبي هريرة -﵁- عند الدارقطنيّ، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليماميّ منكر الحديث، ومن حديث جابر -﵁- عند الدارقطنيّ، وفي إسناده محمد بن سُكين، وهو ضعيف، ولذا قال الحافظ في«التلخيص»: حديث:«لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد»مشهور بين الناس، وهو ضعيف، انظر: ما كتبه الشيخ أحمد شاكر على«المحلى»٤/ ١٩٠.

١٤. «المحلّى»٤/ ١٩٤ - ١٩٦.

١٥. «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٤٥٣ - ٤٦١.

١٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٧. «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ٢/ ٣٤٩.

١٨. «شرح النوويّ» ٥/ ١٥٢.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ١٦٤.