HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٥٨

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ. فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَأُصَلِّيَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ. فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ. فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ. وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ركعتين. ثم انصرف.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص127
ج ١ ص ٤٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٢٩٧
(٤٩) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، وَالْخُمْرَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْتَهَنُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٠] (٦٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا، فَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتَ إِلَى حَصِيرٍ لنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الحافظ المتقن [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٩١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس -﵁- عمّ لإسحاق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- هو خادم رسول اللَّه -ﷺ-، خدمه عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة -﵁-، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ووقع عند الكشميهنيّ، والحمويّ في رواية البخاريّ: «عن إسحاق بن أبي طلحة» منسوبًا إلى جده (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بصيغة التصغير، قال القاضي عياض -﵀-: ضبطاه في مسلم وغيره بضمّ الميم، وفتح اللام، وكذا ذكره الناس، وحَكَى ابن عتّاب عن الأصيليّ أنها مَلِيكة بفتح الميم، وكسر اللام. انتهى . وهو بالنصب بدلٌ من اسم «أن»، والضمير في «جدته» يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البرّ، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، وصححه النوويّ. وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في «النهاية»، ومن تبعه، وكلام عبد الغنيّ في «العمدة»، وهو ظاهر السياق. قال الحافظ -﵀-: ويؤيده ما رويناه في «فوائد العراقيين» لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدَّميّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس -﵁-، قال: «أرسلتني جدّتي إلى النبيّ -ﷺ-، واسمها مُلَيكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة. . .» الحديث. وقال ابن سعد في «الطبقات»: أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى عديّ بن النجّار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال: الرُّميصاء، ويقال: اسمها سَهْلة، ويقال: أُنَيفة -أي بالنون، والفاء، مصغرة- ويقال: رُمَيثة، وأمها مُلَيكة بنت مالك بن عديّ، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي أم سليم- مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خَلَف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد اللَّه، وأبا عمير. قال الحافظ: وعبد اللَّه هو والد إسحاق، رَاوِي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك -﵁-. ومقتضى كلام من أعاد الضمير في «جدته» إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مُلَيكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: «صَفَفْتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبيّ -ﷺ-، وأمي أم سليم خلفنا». هكذا أخرجه البخاريّ في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طَوَّلها مالك، واختصرها سفيان، ويَحْتَمِل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مُليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيّناه. لكن الرواية التي رواها الدارقطني في «غرائب مالك» عن البغويّ، عن عبد اللَّه بن عون، عن مالك، ولفظه: «صنعت مليكة لرسول اللَّه -ﷺ- طعامًا، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوضوء، فتوضأ» الحديث، ظاهرة في أن مُليكة اسم أم سليم نفسها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الحمل على تعدد الواقعة أولى؛ لأنه لا يؤدِّي إلى التكلُّف، والتعسُّف بالتأويل البارد، واللَّه تعالى أعلم. (دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) جملة في محل رفع خبر لـ «أن» (لِطَعَامٍ) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ -﵀-: وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصَلًّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك المتقدّمة، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله. انتهى . واعترضه العينيّ، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول اللَّه -ﷺ- في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها. وقوله: وهذا هو السر. . إلخ فيه نظر؛ لأنه يَحْتَمِل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدَّم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ردّ به العينيّ على الحافظ غير صحيح؛ فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس -﵁- قال: «إن جدته مليكة دعت رسول اللَّه لطعام»، وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان -﵁- قال: «وددت يا رسول اللَّه أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى» وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ -﵀- رأي معقول، واستنباط مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (صَنَعَتْهُ) جملة فعلية في محل جر صفة لـ «طعام»، ولفظ البخاريّ: «صنعته له»، وللنسائيّ: «قد صنعته له» (فَأَكَلَ مِنْهُ) أي أكل -ﷺ- بعض ذلك الطعام (ثُمَّ قَالَ) بعد الأكل («قُومُوا) قال في»الفتح«: استُدِلّ به على ترك الوضوء مما مست النار؛ لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر؛ لرواية الدارقطنيّ السابقة، ففيها:»ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ. . .«الحديث. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلّة صحيحةٌ صريحةٌ، قد تقدم البحث عنها مُستَوْفًى في موضعها من«كتاب الطهارة»، فراجعه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَأُصَلِّيَ لَكُمْ») أي لأجلكم، وقوله: «فلأصلي» هكذا وقع في معظم النسخ، وعليه فـ «أصليَ» منصوب بـ «أن» مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب الأمر، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: «فلأصلِّ لكم»، وعليه فهو مجزوم بلام الأمر، ووقع في شرح القاضي عياض: «فلأصلي بكم»، وفي رواية البخاريّ: «فلأصلي لكم»، قال في «الفتح»: كذا في روايتنا بكسر اللام، وفتح الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء، قال ابن مالك: رُوي بحذف الياء، وثبوتها مفتوحةً وساكنةً، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام «كي» والفعل بعدها منصوب بـ «أن» مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا، فقيامُكم لأصليَ لكم، ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ «قوموا». وعند سكون الياء يَحْتَمل أن تكون اللام أيضًا لام «كي»، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إجراءً للمعتلّ مجرى الصحيح، كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. بإثبات الياء في «يتقي». وعند حذف الياء اللامُ لام الأمر، وأمرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، قال: ويجوز فتح اللام، ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن الرواية لم ترد به، وقيل: إن في رواية الكشميهني: «فأصل» بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة. وحَكَى ابن قرقول عن بعض الروايات «فلنصلّ» بالنون، وكسر اللام، والجزم، واللامُ على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى كلام الحافظ -﵀- . وقال في «العمدة»: قوله: «فلأصلي لكم» فيه ستة أوجه من الإعراب: [الأول]: «فلأصلي» بكسر اللام، وضمّ الهمزة، وفتح الياء، ووجهه أن اللام فيه لام «كي»، والفعل بعدها منصوب بـ «أن» المقدرة، تقديره: فلأن أصلي، قال القرطبيّ: رَوَيناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، على رأي الأخفش، واللام متعلِّق بـ «قوموا». [الوجه الثاني]: «فلأصلي» مثلها إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة. [الثالث]: «فلأصل» بحذف الياء؛ لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيليّ. [الرابع]: «فأصلي» على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر. [الخامس]: «فلنصلِّ» بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء. [السادس]: «فَلَأصلي» بفتح اللام، ورُوي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فواللَّه لأصلي لكم. انتهى . [تنبيه]: قال السهيليّ -﵀-: الأمر في قوله: «فلأصلِّ لكم» بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. انتهى . (قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- قال في «المحكم»: هي سَفِيفةٌ تُصْنَعُ من بَرْديّ، وأَسَلٍ، ثم تُفْرَش، سُمِّي بذلك؛ لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يُسَمَّى حصيرًا. و«السَّفِيفة» -بفتح السين المهملة، وبالفاءين-: شيءٌ يُعْمَل من الْخُوص، كالزَّنْبِيل. و«الأَسَلُ» -بفتح الهمزة، والسين المهملة، وفي آخره لام-: نباتٌ له أغصان كثيرةٌ دُقَاقٌ، لا وَرَقَ لها. وفي «الجمهرة»: والحصير عربيّ سُمِّي حصيرًا؛ لانضمام بعضها إلى بعض. وقال الجوهريّ: الحصير: الباريّة، ذكره في «العمدة» . وقال الفيّوميّ: والحصير: الباريّةُ، وجمعها حُصُر، مثلُ بَرِد وبُرُد، وتأنيثها بالهاء عاميّ. انتهى . وقوله: (لَنَا) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف صفة لـ «حصير»، وقوله: (قَدِ اسْوَدَّ) جملة في محل جر صفة بعد صفة لـ «حصير»، أو في محل نصب على الحال منه. (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) «ما» مصدرية و«لُبِسَ» بالبناء للمفعول، صلتها، أي من طول لبسه، وهو كناية عن كثرة استعماله. وقال النوويّ -﵀-: احتَجّ بقوله: «من طول ما لُبِس» أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوبًا، ففرشه، فعندهم يَحْنَث، وأجاب أصحابنا -يعني الشافعيّة- بأن لُبْس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف مَن حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى. وقال في «الفتح»: فيه أن الافتراش يسمى لبسًا، وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يَرِدُ على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. انتهى . وقد اعتَرَض العينيّ على كلام الحافظ هذا بما لا يُسَلَّم له، فتبصر . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ مجرّد تحامل، وتعضب، فإن تفسيره للبس بالتمتّع إن صحّ كما زعمه لغةً ليس معارضًا لما قاله الحافظ، فإنه = (فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ) من النَّضْح، وهو الرّشّ، وهذا النضح يَحْتَمِل أن يكون لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ: قال إسماعيل بن إسحاق: إنما نضحه ليلين، وليتوطّأ للصلاة، والأظهر قول غيره: إن ذلك إما لنجاسة متيقَّنَةٍ، فيكون النضح هنا غسلًا، أو متوقَّعَة؛ لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشًّا لزوال الشكّ وتطييب النفس، وهذا هو الأليق، لا سيّما وقد كان عندهم أبو عُمير أخو أنس طفلًا صغيرًا حينئذ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «والأظهر إلخ» فيه نظرٌ، بل الأظهر ما قاله إسماعيل؛ لأن الأصل الطهارة كما قال في «الفتح»، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ أَنَا) أتى بكلمة «أنا» لأجل العطف على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقوله: (وَالْيَتِيمُ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع أرجح؛ لوجود الفصل بالضمير. وقد وقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: «وصففت واليتيم» بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح؛ لكون العطف على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفًا. = فسّره بالأعمّ، فيدخل على قوله جميع أنواع التمتّع، إلا ما استُثني شرعًا، كإباحة لبسه للحكّة مثلًا، فيحرُم الالتحاف به، والاتّزار، والارتداء، والاشتمال، والافتراش، وجميع أنواع انتفاع الرجال به، إلا ما أُبيح لهم شرعًا، كالانتفاع بالبيع، والصدقة، ونحو ذلك، فلم يكن لدفاع العينيّ معنًى، فتبضر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة»، فقال: وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضَعْفٍ أَحَقْ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ و«اليتيم»: هو ضُميرة بن أبي ضُميرة -بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، بصيغة التصغير- وأبو ضميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، كذا قاله الذهبي في «تجريد الصحابة»، ثمّ قال: له ولأبيه صحبة، وقال في «الكنى»: أبو ضُميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ- كان من حِمْيَر، اسمه سعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه سعد الْحِمْيريّ من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى. ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح بن شير زاد، أفاده في «العمدة» . وقال في «الفتح»: قال صاحب «العمدة»: اليتيم: هو ضميرة جدُّ حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد اللَّه، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وقد اختُلِف في اسم أبي ضميرة، فقيل: رَوْحٌ. وقيل غير ذلك. انتهى. ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم ضميرة، وقيل: روح، فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه، ووهم أيضًا من قال: إن اسمه سليم، وجزم البخاريّ بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ، ويقال: سعيد، ونَسَبَهُ ابن حبّان ليثيًّا. انتهى . (وَرَاءَهُ) أي خلف النبيّ -ﷺ-، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ «صَفَفْتُ» (وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويَحْتَمِل أن يُعْطَف «العَجُوزُ» على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو «صَفّ»، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما بيّنه ابن هشام الأنصاري في «المغني» . والمراد بالعجوز مليكة المذكورة أوَّلًا. (فَصَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو إمامًا بنا (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ) هذه الصلاة كانت تطوّعًا يدلّ على ذلك ما يأتي من قول أنس -﵁-: «في غير وقت صلاة» (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصلاة، أو إلى بيته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٠] (٦٥٨)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٨٠) و«الأذان» (٧٢٧ و٨٦٠ و٨٧١ و٨٧٤) و«التهجّد» (١١٦٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦١٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٤)، و(النسائيّ) في «الإمامة» (٨٠١) وفي «الكبرى» (٨٧٦)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ١٥٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٣٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٣١ و١٤٩ و١٦٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٢٩١ و١٣٨١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٥٣٩ و١٥٤٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٠٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٧٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٧٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٩٦ و١٠٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٨٢٨ و٨٢٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة. ٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع، إلا من شَذّ، وسيأتي البحث فيه مستوفى في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأةٌ، وذلك أن يَصُفّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفًّا وحدها، قال القرطبيّ: فيه حجة لكافّة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره. انتهى . ٤ - (ومنها): مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْسًا، ولو كان الداعي امرأة. ٥ - (ومنها): الأكل من طعام الدعوة. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن الخلق، والتواضع، حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهنًا، ففي حديث أنس -﵁- الآتي بعد هذا قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن الناس خلقًا، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ثم يُنضَحُ، ثم يَؤُمُّ رسول اللَّه -ﷺ-، ونقوم خلفه. . . الحديث. ٧ - (ومنها): صلاة النافلة جماعة في البيوت، قال في «الفتح»: وكأنه -ﷺ- أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة؛ لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها. انتهى. ٨ - (ومنها): أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا حيث لا يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولا سيما في حقه -ﷺ- . ٩ - (ومنها): تنظيف مكان المصلي. ١٠ - (ومنها): قيام الصبيّ مع الرجل صفًّا، قال القرطبيّ -﵀-: فيه حجة على أن من يَعْقِل الصلاة من الصبيان حكمهم في القيام خلف الإمام حكم الرجال، وهو مذهب الجمهور، ورُوي عن أحمد كراهة ذلك، وقال: لا يقوم مع الناس، إلا من بلغ، ورُوي عن عمر بن الخطّاب -﵁- وغيره أنه كان إذا أبصر صبيًّا في الصفّ أخرجه، وهذا عند الكافّة محمول على من لا يعقل الصلاة، ولا يكُفُّ عن العبث فيها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما قاله الإمام أحمد -﵀-، ونُقل عن عمر -﵁- من أن الصبيّ لا يقوم مع الناس؛ لقوله -ﷺ-: «ليلني أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم. . .» الحديث، رواه مسلم. وأخرج النسائيّ -﵀- في «سننه» بإسناد صحيح، عن قيس بن عُبَاد، قال: بينا أنا في المسجد في الصفّ المقدَّم، فجبذني رجل من خلفي جَبْذَةً، فنَحّاني، وقام مقامي، فواللَّه ما عَقَلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا هو أُبَيّ بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك اللَّه، إنّ هذا عَهْدٌ من النبيّ -ﷺ- إلينا، أن نَلِيَهُ. وأما حديث أنس -﵁- فمحمول على ما إذا كان البالغ وحده، فيقوم الصبيّ معه؛ لئلا يكون منفردًا في الصفّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): قيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها. ١٢ - (ومنها): تأخير النساء عن صفوف الرجال. ١٣ - (ومنها): أن بعضهم استَدَلّ به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف وحده، وفيه نظر؛ لأن هذا للمرأة، لا للرجل، فهو مخالف لهذا في هذا، فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن وابصة بن معبد -﵁- قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: «يعيد الصلاة». وأخرجه أيضًا هو، والترمذيّ، والدارميّ بلفظ: «أن رجلًا صلى خلف الصفّ وحده، فأمره النبيّ -ﷺ- أن يعيد الصلاة». فهذا صريح في مخالفة الرجل للمرأة في هذه المسألة، فالمرأة تصلّي وحدها خلف الرجال، على حديث أنس -﵁- هذا، والرجل لا يصلّي وحده على حديث وابصة -﵁- المذكور، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلًا، أو نهارًا، وسيأتي ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. ١٥ - (ومنها): صحة صلاة المميِّز، ووضوئه. ١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: يجوز أن يُتمسّك به على أن المرأة لا تؤمّ الرجال؛ لأنها إذا كان مقامها في الائتمام متأخّرًا عن مرتبة الرجال، فأبعد أن تتقدّمهم، وهو قول الجمهور، خلافًا للطبريّ، وأبي ثور في إجازتهما إمامة النساء للنساء والرجال جملة، وحُكي عنهما إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها، واختُلف في إمامتها للنساء، فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من العلماء إلى منع إمامتها للنساء، وأجاز ذلك الشافعيّ، وفيه رواية شاذّة عن مالك. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح جواز إمامة النساء لأهل دارها؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث الأنصاري -﵂-، وكانت قد جَمَعَت القرآن، وكان النبيّ -ﷺ- قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذِّن، وكانت تؤم أهل دارها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: قوله: «قد اسودّ من طول ما لُبِس يدلّ على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه، واستعماله في الجلوس عليه. واستَدَلّ بذلك مَن حَرّم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير. وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن مَن حَلَف لا يلبس ثوبًا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسًا. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويُفْتَرش، أو أُطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئًا، فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرًا فجلس عليه. ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسًا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠]. وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. ولا نعلم خلافًا أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم يحنث، وقد سمّاها اللَّه بساطًا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى اللَّه السماء سقفًا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس. فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز، واللَّه أعلم. وإنما قال أصحابنا -يعنى الحنبليّة-: لو حلف لَيَرَيَنّ امرأته عاريةً لابسةً أنه يَبَرُّ برؤيتها في الليل عاريةً؛ لأن جمعه بين عُرْيها ولُبْسها قرينة تدلّ على أنه لم يُرِد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الحصير، والْخُمْرة، ونحو ذلك: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير، والسجود عليه، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض. وممن رُوي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر. وقال النخعيّ: كانوا يصلون على الحصير والبوري. وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت. ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها، والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء. . وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض. وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قومًا يصلون على بُسُط، فقال لهم: أَفْضُوا إلى الأرض، وفي إسناده نظر. ورُوي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض، ونحوه عن علي بن الحسين، وقال النخعيّ في السجود على الحصير: الأرض أحب إليّ، وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ. ونَقَلَ حَرْب، عن إسحاق، قال: مضت السنّة من النبيّ -ﷺ- أنه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض، قال: وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إليّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا. وأكثر صلاة النبي -ﷺ- كانت على الأرض، يدلّ على ذلك: أنه لَمّا وَكَفَ المسجد وكان على عَرِيش فصلى النبي -ﷺ- صلاة الصبح، وانصرف وأثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وأخرج أبو داود من رواية شُريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مُطِرنا مرةً بالليل، فطرحنا للنبي -ﷺ- نِطَعًا، فكأني انظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء من ثيابه قط. وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يتقي الأرض بشيء، إلا مرة؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني انظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه. وأخرجه ابن جرير، والبيهقيّ وغيرهما، وعندهم: أن شُريحًا قَالَ: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ- فذكرت الحديث. وفي رواية لابن جرير: أن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صلى على شيء قط، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعًا، فصلى عليه. وأخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئًا، إلا أنّا مطرنا يومًا فوضع تحت قدميه نطعًا. وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه. وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في «مسنده» من رواية يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناسًا يصلون على هذه الحصر، ولم أسمع اللَّه يذكرها في القرآن، إلا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي -ﷺ- يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الحصير. قال ابن رجب -﵀-: وهذا غريب جدًا. ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وأخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر، ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي على خمرة، فقال: «يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس». قال ابن رجب: وهذا غريب جدًا، ولكنه اختلف فيه على يونس: فرواه مُفَضَّل بن فَضَالة، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أن النبي -ﷺ- كان يصلي على الخمرة، يسجد لها. ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلًا. ورواه ابن وهب في «مسنده» عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل أسمع أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى على الخمرة، وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الخمرة ويسجد لها، فرواه بالوجهين جميعًا. وأما رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها، هكذا ذكر هذا البحث كلّه الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ» ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ جواز الصلاة على الحصير ومثله ما في معناه مما يُفرش، سواء كان مأخوذًا من حيوان، أو نبات، بلا كراهة؛ لحديث الباب وغيره، وهذا إذا لم يكن عليه ما يَشْغَلُ المصلّي، ويُلهيه عن صلاته، من نقش أو غيره، وإلا فيُكره؛ لحديث الخميصة، فقد قال -ﷺ-: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني
مصادر المؤلف (٢١)

١. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٣٥.

٢. «الفتح» ١/ ٥٨٤.

٣. «الفتح» ١/ ٥٨٤.

٤. «عمدة القاري» ٤/ ١١١.

٥. «الفتح» ١/ ٥٨٥.

٦. «عمدة القاري» ٤/ ١٦٥.

٧. «الفتح» ١/ ٥٨٤.

٨. «عمدة القاري» ٤/ ١٦١.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٣٨ - ١٣٩.

١٠. «الفتح» ١/ ٥٨٤.

١١. عمدة القاري ٤/ ١١١ حيث قال: وليس ههنا لُبِس، من لَبستُ الثوبَ، وإنما هو من قولهم: لَبِست امرأة، أي تمتعت بها زمانًا، فحينئذ يكوَن معناه: قد اسوَدّ من كثرة ما تُمُتِّع به طولَ الزمان، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم -يعني الحافظ ابن حجر- وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة، من جواز افتراش الحرير، وتوسُّده، ولكن الذي يُدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويُقِرّ بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سُدًى. انتهى كلام العينيّ.

١٢. ١/ ٥٨٥.

١٣. «المفهم» ٢/ ٢٨٦.

١٤. «عمدة القاري» ٤/ ١١١.

١٥. «الفتح» ١/ ٥٨٥.

١٦. «مغني اللبيب» ٢/ ١٠ بنسخة «حاشية الأمير».

١٧. «المفهم» ٢/ ٢٨٦.

١٨. «الفتح» ١/ ٥٨٥.

١٩. «المفهم» ٢/ ٢٨٧.

٢٠. «المفهم» ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.

٢١. «فتح الباري» لابن رجب ٣/ ١٨ - ٢٢.