HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٥٩

وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ. كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ. قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا. فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا. فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ. ثُمَّ يُنْضَحُ. ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا. وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص127
ج ١ ص ٤٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٣١٣
بأنبجانيّته، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي»، وفي رواية:«كنت انظر إلى علَمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني»، متّفقٌ عليه. وقد حَكَى جواز ذلك الإمام الترمذيّ -﵀- في«جامعه» عن أكثر أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وهو قول أحمد، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وجمهور الفقهاء. والحاصل أن ما عليه الجمهور من الجواز هو الحقّ، والذي نُقل من كراهة ذلك عن بعض السلف، فيُحْمَل على أنه من باب التورّع، أو أنه لم يصل إليهم حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠١] (٦٥٩) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) عن بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يَثبُت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- ذُكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٩٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول أُبُليّ، نسبة إلى أُبُلّة، بضمتين، وتشديد اللام قرية بالبصرة، والثاني بصريّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن أبا التيّاح منفرد بهذه الكنية، فلا يوجد في الرواة من يُكنى أبا التيّاح، وتقدّم ما يتعلّق بأنس -﵁- في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) منصوب على التمييز، وهو بضمّتين: السَّجِيّة، وأخرجه المصنّف في «كتاب الأدب» بسند الباب، كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عُمَير، قال: أحسبه قال: كان فَطِيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول اللَّه -ﷺ-، فرآه، قال: «أبا عُمير ما فعل النُّغَيْر؟»، قال: فكان يَلْعَبُ به. وأخرجه البخاريّ في «الأدب» أيضًا، من طريق شعبة، عن أبي التّيّاح، قال: سمعت أنس بن مالك -﵁- يقول: إن كان النبيّ -ﷺ- ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟». ومن طريق مسدَّد، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبيّ -ﷺ- أحسنُ الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ، يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فَطِيمًا، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، نُغَرٌ كان يَلْعَب به، فربما حضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ويُنضَحُ، ثم يقوم، ونقوم خلفه، فيصلي بنا. قال في «الفتح»: قوله: «كان النبيّ -ﷺ- أحسن الناس خُلُقًا» هذا قاله أنس -﵁- تَوْطِئةً لما يريد أن يذكره من قصّة الصبيّ، وأول حديث شعبة المذكور، عن أنس: قال: «إن كان النبيّ -ﷺ- ليخالطنا»، ولأحمد من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يزور أمَّ سُلَيم»، وفي رواية محمد بن قيس: «كان النبيّ -ﷺ- قد اختلط بنا أهلَ البيت»، يعني لبيت أبي طلحة وأم سليم، ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يغشانا، ويخالطنا»، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يأتي أبا طلحة كثيرًا»، ولأبي يعلى من طريق خالد بن عبد اللَّه، عن حميد: «كان يأتي أم سُلَيم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ»، ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن عبد اللَّه بن الجارود، عن أنس: «كان يزور أُمَّ سُلَيم، فتتحفه بالشيء تصنعه له». انتهى . وقوله: (فَرُبَّمَا) قال في «القاموس»: ورُبَّ، ورُبّةَ، ورُبّما، بضمّهن، مشدّدات، ومخفَّفات، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفّفةً، ورُبْ كمُذْ: حرفٌ حافظٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليل، أو تكثير، أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليل، ولا لتكثير، بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى . وقال في «المصباح»: ورُبّ حرف يكون للتقليلٍ غالبًا، ويدخل على النكرة، فيقال: ربّ رجل قام، وتدخُل عليه التاء مُقحَمَة، وليست للتأنيث؛ إذ لو كانت للتأنيث لسَكَنتْ، واختَصَّت بالمؤنّث، وأنشد أبو زيد: يَا حَاحِبًا رُبَّتَ إِنْسَانٍ حَسَنْ … يَسْأَلُ عَنْكَ الْيَوْمَ أَوْ يَسْأَلُ عَنْ واختار ابن هشام في «مغنيه» أنها حرف جرّ، وليس معناها التقليل دائمًا، ولا التكثير دائمًا، بل ترد للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا. انتهى . فـ «رُبّ» هنا للتقليل (تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي بَيْتِنَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ) بكسر الموحّدة: ما بُسِط، أي فُرِشَ، وهو: فِعَالٌ بمعنى مفعول، ومثله كتاب بمعنى مكتوب، وفِرَاشٌ بمعنى مفروش، ونحو ذلك، وجمعه بُسُط بضمّتين (الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ) بالبناء للمفعول، يقال: كَنَسَ البيت يَكْنُسُه كَنْسًا، من باب نصر: كَسَحَ الْقُمَامة عنه، وكُنَاسةُ البيت: ما كُسِح منه من التراب، فأُلقِي بعضه على بعض، أفاده في «اللسان» . (ثُمَّ يُنْضَحُ) بالبناء للمفعول أيضًا، أي يُرشّ بالماء، قال النوويّ -﵀-: وإنما نضحه؛ ليلين، فإنه كان من جريد النخل، كما صرح به في هذه الرواية، ويَذهَبَ عنه الغبار ونحوه، هكذا فسره القاضي إسماعيل المالكيّ، وآخرون، وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، وهذا على مذهبه في أن النجاسة المشكوك فيها تُطَهَّر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الطهارة لا تَحْصُل إلَّا بالغسل، فالمختار التأويل الأول. انتهى . (ثُمَّ يَؤُمُّ) بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: «ثمّ يقوم» (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ) أي بساط أهل ذلك العصر (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) «الْجَرِيد» -بفتح الجيم، وكسر الراء-: سَعَفُ النخَلِ، الواحدة: جَرِيدة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسَمَّى جَرِيدةً إذا جُرِدَ عنها خُوصُها، قاله في «المصباح» . و«النَّخْل»: اسم جمع، الواحدة «نَخْلَةٌ»، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يذكّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما «النَّخِيلُ» بالياء، فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك، ذكره الفيّوميّ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠١] (٦٥٩) وفي «الأدب» بقصّة الصبيّ دون الصلاة، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٢٩ و٦٢٠٣) وفي «الأدب المفرد» (٢٦٩)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٣٣٣) وفي «البرّ والصلة» (١٩٨٩)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥ و٣٣٦)، و(ابن ماجه) قصة مزاحه في «الأدب» (٣٧٢٠ و٣٧٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٩ و٢١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٧٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صلاة النافلة جماعة، وجواز الصلاة على البساط. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن الخلق، والتواضع حيث كان يزور أم سليم وأهل بيتها، ويصلي على البساط الممتَهَن. ٣ - (ومنها): جواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا أُمِنت الفتنة. ٤ - (ومنها): تخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض. ٥ - (ومنها): جواز مشي الحاكم وحده. ٦ - (ومنها): جواز الصلاة على الحصير، وترك التقزُّز؛ لأنه علم أن في البيت صغيرًا وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه. ٧ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما كان للتنظيف على الراجح.
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. وفي نسخة: «ثم يقوم».

٣. «النُّغَرُ» بضم، ففتح، وزان رُطَب، قيل: فَرْخ العُصفور، وقيل: ضرب من العصافير أحمر المنقار، وقيل: يُسمّى البُلْبُل، قاله في «المصباح» ٢/ ٦١٥.

٤. «الفتح» ١٠/ ٥٩٩ «كتاب الأدب» رقم (٦٢٠٣).

٥. «القاموس المحيط» ١/ ٧١.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢١٤.

٧. «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٢٦٥ تحقيق حسن أحمد.

٨. «لسان العرب» ٦/ ١٩٧.

٩. «شرح النوويّ» ٥/ ١٦٤.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٩٦.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.