وقوله: (أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا) بفتح همزة «أنا» لوقوعها في موضع فاعل «يَسُرّنا»، أي لا يسرّنا كوننا متحوّلين من منازلنا إلى قرب المسجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٢) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْي إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، وَتُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢٢] (٦٦٦) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، أخو يوسف، ثقةٌ حافظ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سَكَن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٦) وقيل: (١٢٤) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وزكريّا أخرج له أبو داود في «المراسيل».
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عديّ، عن أبي حازم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (تَطَهَّرَ) أي بالوضوء، أو الغسل أو التيمّم بشروطه (فِي بَيْتِهِ) الظاهر أن المراد محلّه وموضع سكنه (ثُمَّ مَشَى) فيه أن من ركب لا ينال هذا الفضل (إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ) يعني المساجد، وأشار به إلى أنه صلى مع الجماعة؛ لأن ذلك هو الغرض من المشي إلى المسجد (لِيَقْضِيَ) أي ليؤدّي، والقضاء يُطلق على الأداء، يقال: قضيتُ الحجَّ والدينَ: إذا أدّيته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: أي أدّيتموها، وقال أيضًا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]: أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، وقد استَعْمل الفقهاء القضاءَ في العبادة التي تُفْعَل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأَداءَ إذا فُعِلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ لهم ليُمييزُوا بين الوقتين، أفاده الفيّوميّ -﵀- . (فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ) فيه أنه لو صلّى نافلة لا يحصل له مثل هذا، وفيه إشارة إلى أن غير الفريضة يُستحبّ أن تُصلى في البيت، وهو مصرّحًا به في قوله -ﷺ-: «أيها الناس صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة»، متّفقٌ عليه. (كَانَتْ
خَطْوَتَاهُ) بفتح الخاء هنا؛ لأن المراد بها فعل الماشي، وقوله: (إِحْدَاهُمَا) بدلٌ من «خَطْوتاه»، أو مبتدأ خبره قوله: (تَحُطُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من نصر، مبنيًّا للفاعل: أي تُزِيل (خَطِيئَةً) أي إثمًا، وجملة «تحُطّ. . . إلخ» خبر «كانت» (وَالْأُخْرَى) أي الْخَطْوة الأخرى (تَرْفَعُ) بالبناء للفاعل أيضًا، وقوله: (دَرَجَةً») منصوب على المفعوليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٢] (٦٦٦)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١/ ٣٩٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٤٩٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٠٤٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٣/ ٦٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التطهّر في البيت.
٢ - (ومنها): بيان إتيان المسجد مشيًا بلا ركوب؛ إن فيه تحمّل مشاقّ الطريق، فهو كما قال -ﷺ- لعائشة -﵂- في عمرتها:«ولكنها على قدر نصبك»، متّفقٌ عليه، يعني المثوبة، قال في«الفتح»: والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب، أو النفقة. انتهى .
٣ - (ومنها): الحثّ على أداء الفرائض في المساجد.
٤ - (ومنها): بيان أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ماحية لخطيئته، والثانية رافعة لدرجته، وهذا هو الفضل العظيم، الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، جعلنا اللَّه تعالى ممن يسابق إلى مغفرته ورضوانه بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رءوفٌ رحيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.