HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٦٧

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ) كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أبي هريرة؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ. وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ «قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ»فَذَلِكَ مَثَلُ الصلوات الخمس. يمحو الله بهن الخطايا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص131
ج ١ ص ٤٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٣٨٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٣] (٦٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيههٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بَغلانيّ، والباقيان مصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين المدنيين، رَوى بعضهم عن بعض: ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنه ممن اشتَهَر بالكنية. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ) وقوله: (وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ) إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين ليث، وبين بكر بن مضر، فقال ليث: «عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال»، وقال بكر: عن أبي هريرة (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه: أخبروني، ويُرْوَى:»أرأيتكم«بالكاف والميم، ولا محل لهما من الإعراب، قاله في»العمدة«. (لَوْ أَنَّ نَهْرًا) قال الطيبيّ -﵀-:»لو«الامتناعيّة تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي، وأن تُجاب، والتقدير: لو ثبت نهر بباب أحدكم يَغتسل فيه كلَّ يوم خمسًا لَمَا بَقِيَ من دَرَنه شيءٌ، فوُضِع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا؛ إذ هو في الحقيقة متعلَّق الاستخبار، أي أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟. انتهى . و«النهر»-بفتح الهاء، وسكونها، وبفتحتين أيضًا- وكذلك يقال في كل ما كان عين الفعل منه حرف حلق، مثلُ شَعْرٍ وشَعَرٍ، ودَهْرٍ ودَهَرٍ، وبَحْرٍ وبَحَرٍ، وبَعْرٍ وبَعَرٍ، وهو: ما بين جَنْبَي الوادي، سُمِّي نهرًا؛ لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه . (بِبَابِ أَحَدِكُمْ) جارّ ومجرور في محلّ نصب صفة لـ«نهرًا»، أي نهرًا كائنًا بباب أحدكم، قال القاضي عياض -﵀-: فيه تنبيه على قرب تناوله، وسهولة تأتِّي استعماله. انتهى . (يَغْتَسِلُ مِنْهُ) أي من ذلك النهر، والجملة في محلّ نصب على الحال من«نهرًا»؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، أو صفة له بعد صفة (كُلَّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ«يغتسل»، وقوله: (خَمْسَ مَرَّاتٍ) مفعول مطلق على النيابة لـ«يغتسل»، أي اغتسالًا خمسَ مرّات. (هَلْ يَبْقَى) بفتح أوله، وثالثه مضارع بَقِيَ ثلاثيًّا، من البقاء، وفي رواية البخاريّ:«يُبْقِي»من الإبقاء رباعيًّا (مِنْ دَرَنِهِ) متعلّق بـ«يَبْقَى»، و«الدَّرَن»بفتحتين: الوسَخُ، قال في«الفتح»: وقد يُطلق الدرن على الْحَبّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد هذا الإطلاق في«القاموس»، ولا في«اللسان»، ولا في«المصباح»، ولا في«المختار»، إلا أنه قال في«المعجم الوسيط»: الدَّرَنُ من أمراض الرئتين مُحْدثةٌ. انتهى. وكون هذا هو المراد في الحديث بعيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر القرطبيّ -﵀- في«المفهم»رواية بلفظ:«هل يبقى من درنه»، بلا ذكر لفظة«شيءٌ»، قال: كذا صحّت الرواية بفتح ياء«يَبْقَى»مبنيّ للفاعل، وبإثبات«مِنْ»، وبتمام الكلام على«دَرَنِهِ»، من غير«شيء»، ويُحْمَلُ على أن«من»زائدة على الفاعل؛ لأن الكلام قبلها غير موجب، فكأنه قال:«هل يَبْقَى دَرَنُهُ»؟، وقد تَخَيَّل بعض الناس أن في الكلام حذفًا، فقال: هل يَبْقَى من درنه شيءٌ؟ ولا تَعْضِده الرواية، ولا القانون النحويّ. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الرواية التي ذكرها القرطبيّ -﵀- لم أجدها في النسخ التي بين يديّ، من نسخ«صحيح مسلم»، فكلّ النسخ فيها:«هل يَبْقَى من درنه شيءٌ»بإثبات لفظة«شيءٌ»، فليُحرّر، واللَّه تعالى أعلم. وقد ذكر الطيبيّ أيضًا نحو ما ذكره القرطبيّ، حيث أعرب الجملة بقوله: و«من»في قوله:«من درنه»استغراقيّة زائدة لِمَا دَخَلَ في حيِّز الاستفهام، و«درنه»فاعل«يَبْقَى». انتهى . وقوله: (شَيْءٌ؟») مرفوع على الفاعليّة لـ «يبقى» (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لهذا السؤال (لَا يَبْقَى) بعد هذه الاغتسالات المتكرّرة (مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ) قال الطيبيّ -﵀-: فيه مبالغة في نفي درن الذنوب ووسخ الآثام، ومن ثمّ ما اكتفَوْا في الجواب بـ «لا»، بل زادوا فيه. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: «ما تقول ذلك يُبْقي من دَرَنه؟»، فقال ابن مالك: فيه شاهدٌ على إجراء فعل القول مُجرى الظنّ، والشرط فيه أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، متّصلًا بالاستفهام، مثاله: «أتقول زيدًا منطلقًا؟»، وكما في هذا الحديث، هذه هي اللغة المشهورة للعرب، وأما بنو سُلَيم فإنهم يُجرون القول مطلقًا مُجرى الظنّ، بلا شرط، فيقولون: قلتُ زيدًا منطلقًا، ونحو ذلك، وإلى هذا كلّه أشار في «الخلاصة» بقوله: وَكَـ «تَظُنُّ» اجْعَلْ «تَقُولُ» إِنْ وَلي … مُسْتَفْهَمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ … وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقًا … عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ «قُلْ ذَا مُشْفِقَا» قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «ذلك» مفعولٌ أوّل لـ «تقول»، و«يُبقي» مفعوله الثاني، و«ما» استفهاميّة منصوبةٌ بـ «يُبقِي»، وقُدِّم؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أيّ شيء تظنُّ أيها السامع ذلك الاغتسال مُبقيًا من درنه؟. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («فَذَلِكَ) أي ما ذُكر من الاغتسال الموصوف بالتكرار خمس مرّات (مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) قال الطيبيّ -﵀-: الفاء في قوله:»فذلك«داخلة على جواب شرط محذوف، أي إذا أقررتم ذلك، وصحّ عندكم، فهو مَثَلُ الصلوات الخمس، ومِصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: صلاة الفجر والظهر طرفٌ، وصلاة العصر والمغرب طرفٌ، وزلفًا من الليل صلاة العشاء. انتهى . و«المثل»-بفتحتين، وبكسر، فسكون-، ويقال فيه أيضًا: المثيل كالكريم: الشبيه، وقيل: الْمِثْل -بكسر، فسكون-: الشِّبْهُ، والْمَثَلُ -بفتحتين-: الوصف، أفاده الفيّوميّ . ومعنى الحديث: أن ما ذُكر من الاغتسال شبيه بالصلوات الخمس، أو ما ذُكِر من إزالة الوسخ على وجهٍ أبلغَ صفةُ الصلوات الخمس. وجملة قوله: (يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا») جملة في محلّ نصب على الحال من «الصلوات الخمس»، أي حال كونه ﷿ مُزيلًا بهذه الصلوات الخمس خطايا المصلّي. قال السنديّ -﵀-: [إن قلت]: من أيّ التشبيهِ هذا التشبيُه؟. [قلت]: هو من تشبيه الهيئة بالهيئة، ولا حاجة فيه إلى تكلُّف اعتبار تشبيه الأجزاء بالأجزاء، فلا يقال: أيُّ شيء يُعْتَبَرُ مِثْلًا للنهر في جانب الصلاة. انتهى. وقال في «الفتح»: وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس. وقال الطيبيّ -﵀-: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب؛ لأنهم لم يقتصروا في الجواب على «لا» بل أعادوا اللفظ تأكيدًا. وقال ابن العربيّ -﵀-: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويُطَهِّره الماءُ الكثيرُ، فكذلك الصلوات تُطَهِّر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبْقِي له ذنبًا إلا أسقطته وكفّرته. انتهى. ثمّ ظاهر الحديث أن الخطايا أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال -﵀-: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصّةً؛ لأنه شَبَّهَ الخطايا بالدَّرَنِ، والدَّرَنُ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القُرُوح والخُرَاجَات. انتهى. قال الحافظ -﵀-: وهو مبنيّ على أن المراد بالدَّرَن في الحديث الحبّ، والظاهر أن المراد به الوَسَخُ؛ لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتَّنَظُّفُ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إطلاق الدَّرَن على الحبّ المذكور ليس معروفًا في اللغة، كما سبق بيانه، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، بل الأولى أن المراد به الوَسَخُ، ولا سيما وقد جاء التصريح به في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، فقد أخرج البزّار والطبرانيّ بإسناد لا بأس به، -كما قال الحافظ- من طريق عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ -﵁- يحدث أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلًا كان لهُ مُعْتَمَلٌ، وبين منزله ومُعْتَمَله خمسةُ أنهار، فإذا انطلق إلى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ ما شاء اللَّهُ، فأصابه وَسَخٌ، أو عَرَقٌ، فكلما مَرَّ بنهر اغتسل منه، ما كان ذلك يُبقي من درنه؟، فكذلك الصلوات كلّما عَمِل خطيئةً، أو ما شاء اللَّه، ثمّ صلّى صلاةً، فدعا، واستغفر غُفِر له ما كان قبلها». قال ابن رجب -﵀-: هذا الحديث مما يدلّ على أن المراد بالدَّرَن الصغائر التي تُصيب الإنسان في كسبه، ومعاشه، ومخالطته للناس المخالطة المباحة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تَسْتَقِلُّ بتكفير جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، وليس الأمر كذلك؛ لاشتراطه في الحديث المتقدّم اجتناب الكبائر، فدَلّ ذلك على أن المكفَّر بالصلوات هي جميع الصغائر -إن شاء اللَّه- وقد تقدّم القول في ذلك في «كتاب الإيمان» . انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ -﵀- حسنٌ جدًّا، وحاصله أن المطلق هنا ينبغي أن يُحمل على ما سبق من الأحاديث من قوله -ﷺ-: «الصلواتُ الخمسُ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنّ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ»، فتكفير الصلوات الخمس المطلق هنا يُحمل على هذا المُقَيَّدِ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن بزيزة في «شرح الأحكام»: يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلُّصُ منه، وذلك أن الصغائر بنصّ القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟. انتهى. قال الحافظ -﵀-: وقد أجاب شيخنا الإمام البُلْقِينِيُّ بأن السؤال غير وارد؛ لأن مراد اللَّه «إن تجتنبوا» أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفِّرُ ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارُض بين الآية والحديث. انتهى. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلُّص منه -بحمد اللَّه- سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعَدَّ مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها، واللَّه أعلم. وقد فَصَّل البلقينيّ أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يَصْدُر منه من صغيرة وكبيرة؛ فقال: تنحصر في خمسة: [أحدها]: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعَاوَضُ برفع الدرجات. [ثانيها]: أن يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تُكَفَّرُ عنه جزمًا. [ثالثها]: مثله لكن مع الإصرار، فلا تكفَّر، إذا قلنا: إن الإصرار على الصغائر كبيرة. [رابعها]: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. [خامسها]: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظرٌ، يَحْتَمِل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفِّر الكبائر، بل تكفِّر الصغائر، ويَحْتَمِل أن لا تكفِّر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يُعْمَل به، فهنا لا تكفِّر شيئًا، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحُّض الكبائر، أو تكفِّر الصغائر، فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لِدَوَرَانه بين الفصلين، فلا يُعْمَل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر، ومقتضى «ما اجتنبت الكبائر» أن لا كبائر، فيُصَانُ الحديثُ عنه. انتهى . وقال السنديّ -﵀- عند قوله: «يمحو اللَّه بهن الخطايا»- ما نصه: خصّها العلماء بالصغائر، ولا يَخْفَى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدَّرَن؛ إذِ النَّهرُ المذكور لا يُبْقِي من الدرن شيئًا أصلًا، وعلى تقدير أن يُبْقِي فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير الكبير، فاعتبار بقاء الكبائر وارتفاع الصغائر قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعلّ ما ذكروا من التخصيص مبنيّ على أن للصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدلّ عليه ما ورد من خروج الصغائر من الأعضاء عند الوضوء بالماء بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيرًا في دَرَنِ الباطن، كما جاء أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نقطةٌ سوداءُ، ونحو ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وقد عُلِمَ أنَّ أثَرَ الكبائر تُذْهِبُهَا التوبةُ التي هي الندامة بالقلب، فكما أن الغسل إنما يَذهَب بدرن الظاهر دون الباطن فكذلك الصلاة، فتفكر. انتهى كلام السنديّ -﵀- ، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٣] (٦٦٧)، و(البخاريّ) في «مواقيت الصلاة» (٥٢٨)، و(الترمذيّ) في «الأمثال» (٢٨٦٨)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٤٦٢) و«الكبرى» (٣٢٣) ، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٧٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٤٩٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٦١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٤٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصلوات الخمس، وأنهنّ تُمحَى بهنّ الخطايا، قال الحافظ ابن رجب -﵀-: هذا مثلٌ ضربه النبيّ -ﷺ- لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجَعَل مَثَل ذلك مثل مَن ببابه نهرٌ يغتسل فيه كل يوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه يُنَقَّى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء. قال: وتمثيله -ﷺ- بالنهر فيه مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يُذْهِب الدرن الذي غُسِل فيه، ولا يَبْقَى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غُسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على أنبأنا محمد بن يحيى، عن بُكَير بن بَكَّار، عن عمر بن علي بن مُقَدَّم، عن سفيان بن حُسَين، عن الزهري. قال أبو عبد الرحمن: وَبكْرُ بن بَكَّار ليس بالقويّ في الحديث، وسُفْيَانُ بنُ حسين ليس بالقويّ في الزهريّ خاصّة، وفي غيره لا بأس به. انتهى. طول الزمان؛ ولهذا جاء النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، كما سبق ذكره في «كتاب الطهارة». انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف . ٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل اللَّه تعالى العظيم على هذه الأمة المرحومة، حيث يُكفّر عنها الخطايا بالصلوات الخمس، وهي أعمال سهلة هيّنة على كل مؤمن موفَّق، وإنما تكون كبيرة على ضعفاء الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. [فائدة]: قال الحافظ ابن عبد البرّ -﵀- في «التمهيد»: وبلغني أن أبا زرعة الرازيّ قال: خَطَر ببالي تقصير الناس، وتقصيري في الأعمال من النوافل، والحجّ، والصيام، والجهاد، فَكَبُر ذلك في قلبي، فرأيت ليلةً فيما يرى النائم، كأن آتيًا أَتاني، فضرب بيده بين كتفيّ، وقال: قد أكثرت في العبادة، وأيُّ عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة؟. انتهى . ٣ - (ومنها): ضرب المثل في التعليم؛ زيادةً في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس. ٤ - (ومنها): حرص النبيّ -ﷺ- في تعليم أمته، وشدّةُ رأفته بهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجبّ -﵀-: واستَدَلّ بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفّر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفِّرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خُصّ منه الكبائر بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر». وفيه -أيضًا-: عن عثمان -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله». وأخرج النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام». وأخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، من حديث أبي أيوب -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- بمعناها أيضًا. وقال ابن مسعود -﵁-: «الصلوات الخمس، كفاراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر»، ورُوي عنه مرفوعًا، والموقوف أصح. وقال سلمان -﵁-: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تُصَب المقتلة. وقد حَكَى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تُكَفَّر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفّر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. وقد ذهب طائفة من العلماء -منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا- إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفّر الصلوات شيئًا من الصغائر، وحكاه ابن عطية في «تفسيره» عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: «ما اجتنبت الكبائر». والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجَّحه ابن عطية، وحكاه عن الْحُذّاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفّر الصغائر مطلقًا إذا لم يُصِرَّ عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر. قال: وحديث عثمان -﵁- المتقدّم يدلُّ على أن كل صلاة تكفِّر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة، وقد ورد مصرَّحًا بذلك في أحاديث كثيرة. وحينئذ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر، وجمع بينهما، فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معًا، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع. انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه
مصادر المؤلف (٢١)

١. وفي نسخة: «ابن الهادي».

٢. «عمدة القاري»٥/ ٢٣.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن»٣/ ٨٦٥.

٤. راجع:«المفهم»٢/ ٢٩٣.

٥. «إكمال المعلم»٢/ ٦٤٤.

٦. «المفهم» ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

٧. هكذا النسخة، والظاهر أن لفظة: «زائدة» مقدّمة على «استغراقيّة»، فتأمل.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٦٥.

٩. وفي رواية ابن حبّان: «ما تقولون؟».

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٦٥.

١١. «الكاشف» ٣/ ٨٦٥.

١٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤.

١٣. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٤/ ٢٢٧.

١٤. هكذا وقع في النسخة: في «كتاب الإيمان»، والظاهر أنه غلط، والصواب في «كتاب الطهارة»، فتنبّه.

١٥. «المفهم» ٢/ ٢٩٤.

١٦. «فتح الباري» ٢/ ١٦.

١٧. «شرح النسائيّ» للسنديّ -﵀- ١/ ٢٣١.

١٨. وزاد النسائيّ في «الكبرى» ١/ ١٤٣ بعد تخريجه الحديث ما نصُّهُ: قال أبو عبد الرحمن: ابنُ الهاد اسمه يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد، وأبو سلمة اسمه عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة اسمه عبد عمرو، ويقال: عبد شمس، ويقال: سُكَين، وقال سفيان بن حسين عن الزهري، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرة قال: اسم أبي عبد عمرو بن عبد غَنْم.

١٩. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٢٢١ - ٢٢٤.

٢٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ -﵀- ٢٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٢١. «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٢٢١ - ٢٢٧.