HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٨٥

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يحيى قال: قرأت على مالك عن صالح بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي ﷺ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صلاة الحضر.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص142
ج ١ ص ٤٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص١٠
وقال العلّامة ابن قُدامة -﵀-: الأصل في قصر الصلاة: الكتابُ والسنةُ، والإجماع: أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب -﵁-: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد أَمِنَ الناس؟، فقال: عَجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: «صدقةٌ تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، أخرجه مسلم. وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يَقْصُر في أسفاره حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا. وقال ابن عمر -﵄-: صحبت رسول اللَّه -ﷺ- حتى قُبِضَ -يعني في السفر- وكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قُبض، وكان لا يزيد على ركعتين، وعمر وعثمان كذلك. وقال ابن مسعود -﵁-: صليت مع النبيّ -ﷺ- ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ووَدِدت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين. وقال أنس -﵁-: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة، حتى رجع. متّفق عليهنّ. وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تُقْصَر في مثله الصلاة، في حجّ، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين. انتهى كلام ابن قُدامة -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [١٥٧٠] (٦٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المُتَثَبِّتين الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) ماتت سنة (٥٧) أو بعدها (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) بجرّ «زوج» على البدليّة، أو عطف البيان (أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) ببناء الفعل على المفعول؛ أي: فرض اللَّه الصلاة أولًا بمكة ليلة الإسراء ركعتين، والمراد بها الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يُسْتَشكَل بالمغرب والفجر، وقد وردت زيادة تُوَضِّح المراد عند الإمام أحمد في»مسنده«، ولفظه:»إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا«. (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالنصب على الحاليّة، حال كونها ركعتين، وإنما كرّرت لفظ«ركعتين»؛ لتفيد عموم التثنية لكلِّ صلاة، قاله في«الفتح» . (فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فِعلٌ ونائبُ فاعله؛ أي: رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يُشكل بأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، يفيد أن صلاة السفر قُصِرت بعد أن كانت تامّة، فكيف يصح القول بأنها أُقِرّت؟ وأيضًا اندفع أن يقال: مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة -﵂- تتمها في السفر؟ فليتأمل، قاله السنديّ -﵀- . (وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ) وفي رواية أخرى عند مسلم: (وأُتمّت صلاة الحضر) أي: بعد الهجرة إلى المدينة؛ لِمَا عند البخاريّ في «صحيحه»، في «كتاب الهجرة» من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂- قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ -ﷺ-، فَفُرِضَتْ أربعًا». وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. وقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح صحيح البخاريّ»: تريد عائشة -﵂- أن اللَّه تعالى لما فرض على رسوله -ﷺ- الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض، وصلى به جبريل ﵇ عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم أُقِرّت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة. ويدل عليه: ما خرّجه البخاري في «الهجرة» من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي -ﷺ- ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأول. كذا خرّجه من رواية يزيد بن زُريع، عن معمر، وقال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخرّجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر، ولفظه: «فرضت الصلاة على النبي -ﷺ- بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر ركعتين». وقال: هذا التقييد تفرّد به معمر عن الزهري، وسائر الثقات أطلقوه - يعني: لم يذكروا الأربع. انتهى. وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة. وقد ورد ذلك صريحًا عنها في رواية أخرى خرّجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة -﵂-، قالت: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه -ﷺ- من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأَقَرّ الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن عائشة -﵂-، قالت: فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، إلا المغرب فُرِضت ثلاثًا؛ لأنها وتر، قَالَتْ: وكان رَسُول اللَّه -ﷺ- إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ فإنها وتر، والصبح؛ لأنه يطول فيها القراءة. وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه -ﷺ- ركعتان ركعتان، إلا المغرب؛ فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرّجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محبوب بن الحسن، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة -﵂-، ولفظه: فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول اللَّه -ﷺ- بالمدينة زيد في صلاة الحضر، وتُركت صلاة الفجر؛ لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار. وخرّجه البيهقي من وجه آخر عن داود كذلك. وهذه الرواية إسنادها متصلٌ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة. وكذلك روى أبو داود الطيالسيّ: ثنا حبيب بن يزيد الأنماطيّ، ثنا عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة -﵂-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بمكة ركعتين -تعني: الفرائض-، فلما قدم إلى المدينة وفُرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثًا صلى، وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تمامًا للسفر. وخرّج الطبراني هذا المعنى أيضًا بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي -﵁-. وخرّج الإسماعيلي في «مسند عمر» من رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد: أما بعد، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين، فقال الناس: إنا قد أُمرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي -ﷺ- تطوّعهم صلاها أربعًا، وأمرهُ اللَّه بذلك، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويُعْلن بالثانية، فافعلوا ذلك. هذا إسناد ضَعِيف منقطع، ومتن منكر. وقد عارض هذا كله: ما رُوي أن جبريل أَمَّ النبيّ -ﷺ- عند البيت أول ما فُرضت الصلاة، وصلى به أربعًا. فخرّج الدارقطني من طريق جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، أن جبريل أتى رسول اللَّه -ﷺ- بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فُرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي -ﷺ-، وقام الناس خلف رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول اللَّه -ﷺ-، ويأتم رسول اللَّه -ﷺ- بجبريل ﵇، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول اللَّه -ﷺ- ويأتم رسول اللَّه -ﷺ- بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. ثم خرّجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي -ﷺ- بنحوه مرسلًا. وهذا المرسل أصح، وروايات جرير بن حازم، عن قتادة خاصّة فيها منكرات كثيرة، لا يتابَعُ عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ: منهم أحمد، وابن معين، وغيرهما، ومراسيل الحسن فيها ضعف عند الأكثرين، وفيه نكارة في متنه في ذكر التأذين للصلاة؛ والأذان لَمْ يكن بمكة، إنما شرع بالمدينة. وخرّجه البيهقي من طريق شيبان، عَن قتادة، قَالَ: حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلًا، وذكر أنه نودي لهم: «الصلاة جامعة». وخرّجه أبو داود في «مراسيله» من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن. ورَوَى البيهقي بإسناده من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود، قال: أتى جبريل النبي -ﷺ-، قال: قم فصل؛ وذلك دلوكُ الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين، ثم قال: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه. وقد نقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق ابن راهويه، قال: كل صلاة صلى النبي -ﷺ- بمكة كانت ركعتين ركعتين، إلا المغرب ثلاثًا، ثم هاجر إلى المدينة، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين، إلا الفجر والمغرب، تركهما على حالهما، قال: وصلى جبريل بالنبي -ﷺ- بمكة عند المقام مرتين. وممن قال: إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين: الشعبي، والحسن في رواية، وابن إسحاق. وقالت طائفة: فُرضت الصلاة أول ما فُرضت أربعًا، إلا المغرب والصبح، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم، والحسن في رواية، وابن جريج، وهو اختيار إبراهيم الحربي، ورجحه ابن عبد البرّ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه، ولا يعارض حديث عائشة -﵂-. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٠] (٦٨٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٥٠)، وفي «تقصير الصلاة» (١٠٩٠)، وفي «المناقب» (٣٩٣٥)، و(أبو داود) فيها (١١٩٨)، و(النسائيّ) فيها (٤٣٥)، و«الكبرى» (٣١٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٣٤ و٢٧٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٣٦ و٢٧٣٧ و٢٧٣٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٣٢٤ و١٣٢٥ و١٣٢٦ و١٣٢٧ و١٣٢٨ و١٣٢٩ و١٣٣٠ و١٣٣١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٤٠ و١٥٤١ و١٥٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفيّة فرض الصلاة، وأنها كانت ركعتين، ثم تغيّرت في الحضر، فزيد فيها. ٢ - (ومنها): أن السفر يخالف حكمه حكم الحضر، حيث شُرع فيه قصر الصلاة، وجمعها، قال العلامة ابن رُشد -﵀-: السفر له تأثير في القصر باتفاقٍ، وفي الجمع باختلاف، أما القصر فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ، وهو قول عائشة ، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقالوا: إن النبيّ -ﷺ- إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: أحدها في حكم القصر، والثاني في المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير، والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة. انتهى كلامه -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: سنأتي بهذه المسائل مفصّلة بما لها، وما عليها -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان أن فرض المسافر ركعتان، وإن صلى أربعًا، فقد اختُلِف فيه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أن صلاة المقيم أربع ركعات، وهذا مجمع عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القصر في السفر: قال ابن رشد -﵀-: اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه، ومنهم من رأى أن القصر والإتمام كلاهما فرضٌ، مُخَيَّر له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أن القصر سنة، ومنهم من رأى أنه رُخْصة، وأن الإتمام أفضل. وبالقول الأول قال أبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون بأسرهم، أعني أنه فرض متعين، وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعيّ، وبالثالث أعني أنه سنة، قال مالك في أشهر الروايات عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة، قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول، ومعارضة دليل الفعل أيضًا للمعنى المعقول، ولصيغة اللفظ المنقول، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر، إنما هو الرخصة لموضع المشقة، كما رُخِّص له في الفطر، وفي أشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية -﵁-، قال: قلت لعمر: «إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يريد في قصر الصلاة في السفر، فقال عمر -﵁-: عَجِبت مما عجبت منه، فسألت رسول اللَّه -ﷺ- عما سألتني عنه؟ فقال: صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، رواه مسلم، فمفهوم هذا الرخصة، وحديث أبي قلابة، عن أنس بن مالك الكعبيّ -﵁-، أنه أتى النبيّ -ﷺ-، فقال له النبيّ -ﷺ-: «إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، رواه النسائيّ، وهو حديث صحيح. وهذا كلّه يدلّ على التخفيف والرخصة ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب، ولا أنه سنة. وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول، ومفهوم هذه الآثار، فحديث عائشة -﵂- الثابت باتفاق، قالت: «فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأُقِرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر». وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول، ومفهوم الأثر المنقول، فإنه ما نُقِل عنه -ﷺ- من قصر الصلاة في كل أسفاره، وأنه لم يصحّ عنه -ﷺ- أنه أتمّ الصلاة قطّ. فمن ذهب إلى أنه سنة، أو واجب مخيَّرٌ، فإنما حمله على ذلك أنه لم يصحّ عنده أن النبيّ -ﷺ- أتم الصلاة، وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد الوجهين، أعني إما واجبًا مخيرًا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضًا معينًا، لكن كونه فرضًا معينًا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصةً يعارضه اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبًا مخيرًا، أو سنةً، وكان هذا نوعًا من طريق الجمع. قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأولى كونه واجبًا معيّنًا؛ لوضوح الأدلّة فيه، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. قال: وقد اعتلُّوا لحديث عائشة -﵂- بالمشهور عنها، من أنها كانت تتمّ، وروى عطاء عنها أن النبيّ -ﷺ- كان يتم الصلاة في السفر ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث «كان يُتمّ في السفر، ويقصر» ليس بصحيح، كما سيأتي، وإنما الصحيح، فطره، وصومه، وجمعه بين الصلاتين، فتفطّن. قال: ومما يعارضه أيضًا حديث أنس، وأبي نَجِيح المكيّ، قال: اصطحبت أصحاب محمد -ﷺ-، فكان بعضهم يتمّ، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يَعِيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء . ولم يُختَلَف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة -﵄-، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول. انتهى كلام ابن رُشد -﵀- . وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فرَوَينا عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، ورَوَينا عن جابر بن عبد اللَّه -﵄- أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر -﵄-: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف السنة، فقد كفر . ورَوينا عن ابن عباس -﵄-، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين . وقالت عائشة -﵂-: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر. وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما، وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا، وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يَرْجِع، إلا أن يدخل مِصْرًا من الأمصار، فيتمّ، وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- تركوها؛ لأنها ثقلت عليهم؟. وسئل مالك عن مسافر أَمَّ مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلًا، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه. واختُلِف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنةُ ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه. وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأوليين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد؛ لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلًا لما بينهما. وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر. انتهى كلام ابن المنذر باختصار . وقال العلامة الشوكانيّ -﵀- بعد ذكر نحو ما تقدّم من الاختلاف ما حاصله: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج: الأولى: ملازمة النبيّ -ﷺ- للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر -﵄- المذكور في الباب، ولم يثبت عنه -ﷺ- أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيِّم. وأما حديث عائشة -﵂-: «كان يقصر في السفر، ويُتمّ»، فلا يصحّ مرفوعًا . ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم. والحجة الثانية: حديث عائشة -﵂- المتفق عليه بألفاظ: (منها): «فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر»، وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر. وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة: (منها): أن الحديث من قول عائشة -﵂- غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتًا لنُقل تواترًا، قال: وهذا فيه نظرٌ لا يخفى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تُعُقّب هذا بأنه مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وعلى تقدير تسليم أنها لم تُدرك القصة يكون مرسلَ صحابي، وهو حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن تكون أخذته عن النبيّ -ﷺ-، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك. ونقل التواتر في مثل هذا غير لازم، فليس من شرط صحّة الحديث أن يُنْقَلَ نقل تواتر، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن المراد بقولها: «فرضت» أي: قدّرت، قال: وهو خلاف الظاهر. (ومنها): ما قاله النوويّ: إن المراد بـ «فرضت» أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله. (ومنها): المعارضة لحديث عائشة -﵂- بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها. والحجة الثالثة: ما في «صحيح مسلم» عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: «إن اللَّه ﷿ فرض الصلاة على لسان نبيكم -ﷺ- على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة»، فهذا الصحابي الجليل قد حَكَى عن اللَّه ﷿ أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان. والحجة الرابعة: حديث عمر -﵁- عند النسائيّ وغيره: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد -ﷺ-»، وهو حديث صحيح. وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصِرت، وقوله: «على لسان محمد -ﷺ-» تصريح بثبوت ذلك من قوله -ﷺ-. والحجة الخامسة: حديث ابن عمر -﵄- عند النسائيّ: «إن رسول اللَّه -ﷺ- أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه ﷿ أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر»، وهو حديث صحيح. واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحُجَج: الأولى: منها قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ونفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه. وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد. قال في «الهدي» -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية. انتهى. الحجة الثانية: قوله -ﷺ- في حديث الباب: «صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم»، فإن الظاهر من قوله: «صدقة» أن القصر رخصة فقط. وأجيب: بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب. الحجة الثالثة: ما في «صحيح مسلم» وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه -ﷺ-، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض. وتُعُقّب بأنه لا يوجد في «صحيح مسلم» قوله: «فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ»، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار. وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه أن النبيّ -ﷺ- اطّلَع على ذلك، وقرّرهم عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره -ﷺ- ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات. قال ابن القيّم -﵀-: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم»، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في «مسنده»، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه. الحجة الرابعة: حديث عائشة -﵂-: «كان يقصر في السفر، ويتمّ». وتُعُقّب بأنه حديث لا يصحّ . هذا هو حاصل النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما تقدّم رجحان القول بوجوب القصر. وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمما لا وجه له، ويردّه ملازمة النبيّ -ﷺ- للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، ويبعد أن يلازم -ﷺ- طول عمره المفضول، ويَدَعَ الفاضل . وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀- بعدما ذكر اختلاف العلماء في المسألة ما نصّه: ومن حجة من رأى أن صلاة المسافر ركعتان حديث عمر بن الخطّاب -﵁-، ثم أخرج بسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال عمر: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيّكم، وقد خاب من افترى»، حديث صحيح. قالوا: فهذا الخبر يُصرّح بأن الركعتين في السفر تمامٌ غير قصر، وهو خبر ثابتٌ، وغير جائز أن يُقابل هذا الخبر خبر مغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، ولو كان الحديث الذي أتى به المغيرة بن زياد في حديث من هو أجلّ منه أسقط حديثه من أجله، وذلك أن النبيّ -ﷺ- قد سافر أسفارًا كثيرة، ومعه أصحابه، أو من كان معه منهم، وقد حَفِظُوا عنه صلاته ومواقيتها، وجمعه بين الصلاتين حيث جمع بينهما، وتطوّعه الذي تطوّع به في أسفاره في ليله ونهاره، وصلاته على راحلته، والوتر عليها، ونزوله عنها للمكتوبة، وغير ذلك من أحكام صلاته، وحفِظوا عنه صومه وإفطاره في سفره، ولو كان المسافر مخيّرًا بين الإتمام والقصر لبيّن ذلك النبيّ -ﷺ- لأصحابه؛ لأنه المبيّن عن اللَّه تعالى ما أنزل عليه من الكتاب. قالوا: ففيما ذكرناه دليلٌ وبيان على أن أصل فرض صلاته ركعتان، وأنه غير مخيّر في القصر والإتمام. ومن الدليل على صحّة هذا القول خبر ابن عبّاس -﵄-: «فَرَضَ اللَّه ﷿ الصلاة على لسان نبيّكم -ﷺ- في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين»، مع قول جابر -﵁-: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وقول ابن عمر -﵄-: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وقال ابن عبّاس -﵄- لرجل قال له: «ما تطيب نفسي أن أصلّي بمكة ركعتين»، قال: فتطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعًا؟ فإنه كذلك. وأجمع أهل العلم على أن من صلّى في السفر الذي للمسافر أن يقصر في مثله الصلاة ركعتين أنه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، وقد اختُلف فيمن صلّى أربعًا، هل أدّى فرضًا أم لا؟ فالفرض ساقط عمن صلى ركعتين؛ لإجماعهم، ولا يسقط الفرض عمن صلى أربعًا؛ لاختلافهم. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال العلماء، وبيان أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب القصر؛ لأمره -ﷺ- بذلك، وهو للوجوب، مع ما ثبت عنه من ملازمته القصر في جميع أسفاره؛ إذ لم يصحّ عنه أنه أتمّ صلاته في السفر قطّ، وأما ما ثبت من إتمام عثمان، وعائشة، وغيرهما من الصحابة -﵃- فمن باب الاجتهاد، وقد خالفهم غيرهم من الصحابة، وإذا وقع الاختلاف بينهم، فليس قول أحد منهم حجة، بل يجب الرجوع إلى النصوص؛ لقوله ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فإذا رجعنا إليها، فقد توافقت النصوص القوليّة والفعليّة على القصر لا على الإتمام، فوجب القول به، وقد كنت رجّحت في «شرح النسائيّ» القول بالجواز، ثم مِلت إلى هذا؛ لما ذكرته، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: ثم إن قولنا بوجوب القصر لا يستلزم بطلان صلاة من أتمّ، وإن كان تركَ الواجب، بدليل اتفاق الصحابة الذين حجّوا مع عثمان -﵃- على صحة صلاة عثمان -﵁-، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلَّوا معه، واعتدُّوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر -﵃-، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يُصلُّوا معه، فتنبّه لهذا الدقيق، فإنه مهمٌّ. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قرّر نحو هذا الذي قلته، فقال -﵀- ما حاصله: وأما صلاة عثمان -﵁- فقد عُرِف إنكار أئمة الصحابة -﵃- عليه، ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعًا، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شَرّ، وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين، وهذا دليلٌ على أن صلاة السفر أربعًا مكروهة عندهم، ومخالِفَةٌ للسنة، ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها، وإذا فعلها الإمام اتُّبعَ فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع، فقال: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان نبيكم -ﷺ-، وقد خاب من افترى»، رواه أحمد، والنسائي. انتهى كلامه -﵀- . والحاصل أن قصر الصلاة للمسافر واجبٌ، وإن أتمّ جاز مع الكراهة؛ لمخالفة السنة، وإنما جاز؛ لفعل عثمان -﵁-، وصلاة الصحابة -﵃- خلفه، مع إنكارهم لإتمامه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المسافة التي يجوز فيها القصر: قال ابن رُشد -﵀-: اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة بُرُد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط. وقال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون: أقل ما تُقْصَر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أُفُق إلى أُفُق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه، مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبيّ -ﷺ-: «إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة»، فكل مَن انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم ، عن عمر بن الخطاب -﵁- أن النبيّ -ﷺ- كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلًا. وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد قيل: إنه مذهب عائشة -﵂-، وقالوا: إن النبيّ -ﷺ- إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا. وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة بُرُد مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه مالك، ومذهب الثلاثة أيام مَرويّ أيضًا عن ابن مسعود، وعثمان، وغيرهما. انتهى كلام ابن رشد -﵀- . وقال الإمام ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة. واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار التي رويت عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-. من ذلك أن ابن عمر -﵄- ركب إلى رِيم فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد، وأن ابن عباس -﵄- سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع بُرُد، فما فوق ذلك. وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحَكَى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون. وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلًا بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث؛ احتياطًا على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي. وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر -﵄- كان يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة ، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تامّ، ثلاثون ميلًا، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم. وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، رَوَينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام. وفيه قول خامس: رَوَينا عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه خرج إلى النُّمَيلة ، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم -ﷺ-. ورَوَينا عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأَقصُر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصُرْ بعرفة. قال ابن المنذر -﵀-: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول مَن قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة. وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا. قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لَمّا لم يوجد نصٌّ قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة -﵃-، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر شرعًا، فوجدنا النبيّ سَمّى ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى اليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرًا، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا بالنصّ، لكن لمّا صح حديث أنس -﵁- في «صحيح مسلم» وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنَائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين -شعبة الشاكّ- ورواه أيضًا أحمد، وأبو داود. عَلِمنا من هذا النصّ أن ثلاثة فراسخ هي أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها؛ لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطًا، فتبيّن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ. قال في «الفتح»: وهو أصحّ حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقيّ ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس. . . فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. انتهى . فتبيّن بما قاله في «الفتح» أن هذا الحديث ذكره أنس -﵁- تحديدًا للمسافة التي كان النبيّ -ﷺ- إذا خرج إليها قصر الصلاة. والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهان]: (الأول): ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يَفْنَى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت. وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شَعيرات معترضة معتدلة. انتهى. وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قَدَم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب «البيان»، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجَمَل. قال الحافظ -﵀-: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرّره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمُن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا، وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها. انتهى . وقد نظم بعضهم معنى الميل، والفرسخ، والبريد، بقوله [من الكامل]: إِنَّ الْبَرِيدَ مِنَ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعٌ … وَلفَرْسَخٍ فَثَلَاثَ أَمْيَالٍ ضَعُوا وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنَ الْبَاعَاتِ قُلْ … وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ فَتَتَبَّعُوا ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنَ الأَصَابِعِ أَرْبَعٌ … مِنْ بَعْدِهَا الْعِشْرُونَ ثُمَّ الإِصْبَعُ سِتٌّ شَعِيرَاتٌ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ … مِنْهَا إِلَى بَطْنِ لأُخْرَى تُوضَعُ ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعْرَاتٍ فَقَطْ … مِنْ ذَيْلِ بَغْلٍ لَيْسَ عَنْ ذَا مَرْجَعُ واختُلِف في معنى الفَرْسخ، فقيل: هو السكون، ذكره ابن سِيدَهْ، وقيل: السَّعَةُ، وقيل: المكانُ الذي لا فُرْجة فيه، وقيل: الشيء الطويل، ذكره في «الفتح» . (التنبيه الثاني): مقدار الميل بالتحديد المعاصر (كيلو متر ونصف كيلو متر) فيكون الفرسخ ثمانية عشر كيلو مترًا، وعليه فتكون مسافة القصر أربعًا وخمسين كيلو مترًا تقريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافرًا. واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر مَن نَحْفَظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أن يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار. وفيه قول ثان، قال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: لا يقصر إلا في حج، أو جهاد، وروينا عن عمران بن حصين -﵄- قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا ، أو يحضره العدو. ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلَّب، أن عثمان بن عفان -﵁- كتب: إنه بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر ، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ. وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك. واختلفوا فيمن سافر في معصية اللَّه، ففي قول للشافعي، وأحمد: عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية. وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية. وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . وقال العلامة صديق حسن القنّوجيّ -﵀-: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها اللَّه كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولًا زائدًا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامّةً، وإنما المراد بطلان القياس. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعًا كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجيّ -﵀-. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد أجاد في تحقيق هذه المسألة، وأفاد، ودونك نصّه: قال -﵀- بعد ذكر الاختلافات: والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، كما قال في آية التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم يَنْقُل قط أحد عن النبيّ -ﷺ- أنه خَصّ سفرًا من سفر، مع علمه بأن السفر يكون حرامًا ومباحًا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر، لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بَيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمتُ عن الصحابة في ذلك شيئًا. وقد عَلّق اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- أحكامًا بالسفر، كقوله تعالى في التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله في الصوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقول النبيّ -ﷺ-: «يَمْسَح المسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ»، وقوله: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي محرم»، وقوله: «إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة»، ولم يُذْكَر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقًا بأحد نوعي السفر، ولا يبيّن اللَّه ورسوله -ﷺ- ذلك؟ بل يكون بيان اللَّه ورسوله -ﷺ- متناولًا للنوعين. وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير، وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ورجعيّ، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفَّرة، وغير مكفَّرة، وأمثال ذلك مما علَّق اللَّه ورسوله -ﷺ- الحكم فيه بالجنس المشترك العامّ، فجعله بعض الناس نوعين: نوعًا يتعلق به ذلك الحكم، ونوعًا لا يتعلق من غير دلالةٍ على ذلك من كتاب، ولا سنة، لا نصًّا، ولا استنباطًا. والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرَّم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين، وهم المحاربون قُطّاع الطريق. قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم، فسائر الرُّخَص أولى، وقالوا: إذا اضطَرّ العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعيّ وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوَّزا له أكل الميتة دون القصر والفطر. قالوا: ولأن السفر المحرَّم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك، فلا تجوز الإعانة على المعصية. وهذه حُجَجٌ ضعيفةٌ، أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرَّم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن اللَّه أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية؛ ليبيّن ما يَحِلّ وما يَحرُم من الأكل، والضرورةُ لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر، فليس السفر المحرَّم مختصًّا بقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبيّ -ﷺ- إمام يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر اللَّه بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أوّلًا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختصّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سفر محرَّم، فالمذكور في الآية لو كان كما قيل، لم يكن مطابقًا للسفر المحرَّم فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرَّم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من ﴿اضْطُرَّ﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومعلوم أن الإثم إنما يُنْفَى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطُرّ، فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يَتَعَدَّى. واللَّه تعالى يَقْرُن بين البغي والعدوان، فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان مجاوزة القدر المباح، كما قَرَن بين الإثم والعدوان، في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فالإثم جنس الشرّ، والعدوان مجاوزة القدر المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الْجَنَف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد، لكن قال كثير من المفسرين: الجنف الخطأ، والإثم العمد؛ لأنه لَمّا خَصّ الإثم بالذكر، وهو العمد، بقي الداخل في الجنف الخطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ونحو ذلك. ومما يشبه هذا قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، والإسراف مجاوزة الحدّ المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شرّ وإثم . وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم، وإذا عَدِمَ الماء في السفر المحرَّم كان عليه أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعةً، ولا مأمورًا بها أحدٌ من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيًّا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطنٍ، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصيًا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعًا، وكذلك صومه في السفر ليس برًّا، ولا مأمورًا به، فإن النبيّ -ﷺ- ثبت عنه أنه قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى اللَّه من صيامه في سفر محرَّم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرَّم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أَمَا كان يتحرى ويصلي، ولو أُخِذت ثيابه أَمَا كان يصلي عريانًا. فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا، قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع في حقه أن لا يصوم، وقد اختَلَف الناس لو صام هل يَسقُط الفرض عنه، واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياطٌ، فإن طائفة يقولون: من صلى أربعًا، أو صام رمضان في السفر المحرَّم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم، وطائفة يقولون: لا يجزيه إلا صلاة أربع، وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطرّ، سواءٌ كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرَّم، فلو ألقى ماله في البحر، واضطَرَّ إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرًا محرَّمًا، فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدًا، ولو قاتل قتالًا محرَّمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدًا. فإن قيل: فلو قاتل قتالًا محرمًا، هل يصلي صلاة الخوف؟. قيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرَّم فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرًا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت، وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاعٌ. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، والنظر في أدلّتهم أن الراجح قول من قال: إن المسافر له القصر في السفر مطلقًا، سواء كان سفره سفر طاعة، أم سفر معصية؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الموضع الذي يبدأ المسافر بقصر الصلاة فيه: قال ابن رُشد -﵀-: قال مالك -﵀- في «الموطأ»: لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها، وقد رُوي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعةً حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور. والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شَرَع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم، قال: إذا خرج من بيوت القرية قَصَرَ، ومَن راعى دليل الفعل أعني فعله -ﷺ- قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال؛ لِمَا صَحَّ من حديث أنس -﵁- قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاكُّ- صلى ركعتين، رواه مسلم. انتهى . وقال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: قد أجمع كلُّ من نَحْفظ عنه من أهل العلم على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي منها يخرج، واختلفوا في تقصير الصلاة قبل الخروج عن البيوت، فقال كثير من أهل العلم: لا يقصر الصلاة حتى يخرُج من بيوت القرية، رَوَينا حديثًا فيه أنهم خرجوا مع عليّ بن أبي طالب، قال الراوي: فقصرنا الصلاة، ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا، فقصرنا، ونحن نرى البيوت، وروينا عنه أنه خرج من البصرة، فرأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصّ لقصرنا، وكان ابن عمر يقصُرُ الصلاة، وهو ينظر إلى المدينة. قال: وروينا عن علقمة، وعمرو بن ميمون، وأبي فاختة أنهم قصروا حين خرجوا من البيوت، وبه قال النخعيّ، وقال قتادة: إذا جاوز الجِسر، أو الخندق يصلي ركعتين، وممن قال: إنه يقصر إذا خرج من بيوت القرية: مالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وفيه قولٌ ثالثٌ، روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد اللَّه، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا خرج الرجل حاجًّا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وقال سليمان بن موسى: إذا خرج الرجل من بيته ذاهبًا لوجهه، فلم يخرج من القرية حتى حانت الصلاة، فليقصُر، وكذلك إذا دخل القرية راجعًا من سفره، ثم حانت الصلاة، فليقصُرها حتى يدخل بيته. قال: وقد روينا عن مجاهد قولًا ثالثًا، لا أعلم أحدًا قال به، روينا عنه أنه قال: إذا خرجت مسافرًا، فلا تقصُر الصلاة يومك حتى الليل، وإن رجعت، أو خرجت ليلًا طويلًا، فلا تقصر الصلاة حتى تُصبح. قال ابن المنذر -﵀-: يلزم المقيم ما دام مقيمًا إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر، وخرج من منزله، ولم يبرُز عن قريته، واختلفوا في أمره، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرُز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يقصر في مثله الصلاة؛ إذ لا أعلم أحدًا يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبيّ -ﷺ- قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما رُوي عن مجاهد، فقد تُكُلّم في إسناده، والسنّة تدلّ على خلافه، صلّى النبيّ -ﷺ- بذي الْحُليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم، ولا نصف يوم. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن من أراد سفرًا، فخرج من بيوت القرية قصر، سواء كان قريبًا أم بعيدًا، وإلا فلا يقصر؛ لأنه -ﷺ- ما قصر إلا بعد خروجه من المدينة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإقامة التي يجب على المسافر إتمام الصلاة بها: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة: فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، وروينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتمّ الصلاة، هذا قول عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي. وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن بن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ. وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد بن جُبير، وعبد اللَّه بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد. الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعًا، هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف. السادس: قول ابن عباس -﵄-: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة. السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يُقيم أكثر من ذلك أتمّ . واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- قَدِمَ لصبح رابعة، قال: فأقام النبيّ -ﷺ- الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبيّ -ﷺ- قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. الثامن: قول سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة. التاسع: قوله أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان لا نعلم أحدًا قال بهما. وله قول آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك. العاشر: ذكره إسحاق ابن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبيّ -ﷺ- إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع. وعن ابن عباس بأن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخُرَاسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وَالٍ أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مِجْلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة. الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار، هذا قول الحسن البصري. الثاني عشر: قول من فرّق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه -ﷺ- من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتمّ أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللَّه -ﷺ- أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد ليس مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركًا للمقام به آخذًا في سفره. الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم. القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق ابن راهوَيْه عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبيّ -ﷺ- وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنًا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصًا من كلام ابن المنذر -﵀- في كتابه «الأوسط» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن قول الإمام أحمد -﵀- هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبيّ -ﷺ-، فمن أجمع على إحدى وعشرين صلاةً، قَصَرَ، ومن زاد على ذلك أتمّ. قال ابن المنذر -﵀-: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه؛ لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه -ﷺ- في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام. انتهى. ونَصُّ مختصر الْخِرَقيّ: «وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتمّ». قال ابن قدامة في «المغني»: المشهور عن أحمد: أن المدة التي تُلزم المسافر الإتمام بنيّة الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات ما نصه: ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة، متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبيّ -ﷺ- قَدِمَ لصبح رابعة، فأقام النبيّ -ﷺ- اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ -ﷺ- قَصَرَ، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى . والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبيّ -ﷺ- في مكة أتمّ، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قَصَرَ، كما قصر النبيّ -ﷺ- في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عَزَم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة. وهذا هو القول الموافق لفعل النبيّ -ﷺ-، وأما ما عداه من الأقوال فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) منصوب على الحال. وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى) أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الثبت الفقيه [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (أَنَّ الصَّلَاةَ) وللبخاريّ في رواية الكشميهني: «الصلوات» بصيغة الجمع. وقوله: (أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ) بنصب «أوّلَ» على الظرفية، وهو متعلّق بالفعل المقدر، و«ما» مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فُرِضت حال كونها ركعتين، أو «ما» موصولة عبارة عن وقت، وجملة «فُرِضت الصلاة» صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فُرِضت حال كونها ركعتين. وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) وعند البخاريّ في رواية كريمة: «ركعتين ركعتين» مكرّرًا. قال في «الفتح»: واستُدِلَّ بقولها: «فُرِضت ركعتين» على أن صلاة المسافر لا تجوز إلا مقصورةً، ورُدَّ بأنه مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنه دالّ على أن الأصل الإتمام، ومنهم من حَمَل قول عائشة -﵂-: «فُرِضَت»؛ أي: قُدِّرت، وقال الطبريّ: معناه: أن المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه، ومن أدلّ دليل على تعيُّن تأويل حديث عائشة -﵂- هذا كونها كانت تُتِمّ في السفر، ولذلك أورده الزهريّ، عن عروة. وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فعلٌ ونائب فاعله؛ أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر. وقوله: (مَا بَالُ عَائِشَةَ) أي: ما حالها، وما شأنها. وقوله: (تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من عائشة، و«تُتِمّ» بضم أوله، من الإتمام؛ أي: تصلي في السفر الرباعيّة أربع ركعات، مع أنها قالت: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين». وقوله: (إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ: «تأوّلت ما تأوّل عثمان»، قال في «الفتح» ما حاصله: مراد عروة بقوله: «كما تأوّل عثمان» التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختَلَفَت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة، وقد أخرج ابن جرير في تفسير «سورة النساء» أن عائشة -﵂- كانت تصلي في السفر أربعًا، فإذا احتجّوا عليها تقول: إن النبيّ -ﷺ- كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟ وقد قيل في تأويل عائشة: إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال عليّ -﵁-، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان باطلان، لا سيما الثاني، ولعل قول عائشة -﵂- هذا هو السبب في حديث حارثة بن وهب -﵁- قال: «صلّى بنا النبيّ -ﷺ- آمن ما كان بمنى ركعتين»، متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم: «قال: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- بمنى، آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين». وقال القرطبيّ -﵀-: اختُلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان -﵃- في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رُخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسدٌ، وإما بعيدٌ، ولنذكُر ما قيل في ذلك: (فمنها): أن عائشة تأوّلت أنها أمّ المؤمنين، فحيثُ حلّت نزلت في أهلها وولدها، وهذا يَبطُلُ بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تُتمّ فيها، وهي على ظهر سفر. (ومنها): أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحجّ والعمرة والغزو، وذلك باطلٌ؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها، ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليّ -﵄-. (ومنها): أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطلٌ قطعًا، فإنها كانت أتقى للَّه، وأخوف، وأطوع من أن تخرُج في سفر لا يرضاه اللَّه تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة، وتشنيعاتهم عليها: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وإنما خرجت -﵂- مجتهدةً محتسبةً في خروجها، تريد أن تُطفئ نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقلّ درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر». قال: وأما عثمان -﵁- فقد تُؤُوّل له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو بمنزلتهم، وهذا يردّه أن النبيّ -ﷺ- كان أولى بذلك، ومع ذلك فلم يفعله. (ومنها): أنه كان معه أهله بمكة، وهذا يردّه أن النبيّ -ﷺ- سافر بزوجاته، وكنّ معه بمكة، ومع ذلك قصر. (ومنها): أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب؛ لئلا يظنّوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان، وهذا يردّه أن النبيّ -ﷺ- كان أولى بذلك، ولم يفعله، وثمّ قد عَلِمَ الأعراب، والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جَهِلَ ذلك من قُرْب عهدٍ بالإسلام نادرٌ قليلٌ، لا تُغيَّر القواعد لأجله. (ومنها): أن عثمان أزمع على الْمُقام بمكة بعد الحجّ، ويرُدّه أن المُقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع. (ومنها): أنه كان لعثمان بمنى أرضٌ ومالٌ، فرأى أنه كالمقيم، وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ: إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض، ولم يكن له فيها أهلٌ حكمه حكم المقيم، والوجه ما ذكرناه أوّلًا . انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحثٌ مفيدٌ. وقال في «الفتح»: قوله: (تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) هذا فيه رَدٌّ على من زعم أن عثمان إنما أتمّ؛ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلُّ موضع له دارٌ، أو لأنه عَزَمَ على الإقامة بمكة، أو لأنه استَجَدّ له أرضًا بمنى، أو لأنه كان يَسْبِق الناس إلى مكة؛ لأن جميع ذلك مُنْتَفٍ في حق عائشة -﵂-، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها. ويرُدُّ الأول أن النبيّ -ﷺ- كان يسافر بزوجاته وقَصَرَ، والثانيَ أن النبيّ -ﷺ- كان أولى بذلك، والثالثَ أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، كما سيأتي تقريره في محلّه من «كتاب المغازي»، والرابعُ، والخامسُ لم ينقلا، فلا يكفي التخرُّص في ذلك، والأول وإن كان نُقِلَ، وأخرجه أحمد، والبيهقيّ، من حديث عثمان -﵁-، وأنه لَمّا صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمّا قَدِمت، وإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «من تأهّل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم»، فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رُواته مَن لا يُحتجّ به، ويردُّه قول عروة: إن عائشة تأوّلت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْنِ ذلك الخبر. قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان -﵁- أنه كان يرى القصر مُختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قَدِم علينا معاوية حاجًّا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار النَّدْوَة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمك؛ لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قَدِم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قَصَرَ الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أقم الصلاة. وقال ابن بطّال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة -﵂- كانا يريان أن النبيّ -ﷺ- إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأَخَذَا لأنفسهما بالشدّة. انتهى. وهذا رجحه جماعةٌ، من آخرهم القرطبيّ، لكن الوجه الذي قبله أولى؛ لتصريح الراوي بالسبب. وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن عثمان إنما أتم الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظرٌ؛ لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرامٌ، وصحّ عن عثمان أنه كان لا يُوَدِّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج؛ خشيةَ أن يرجع في هجرته. وثبت عن عثمان أنه قال لَمّا حاصروه، وقال له المغيرة: اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي. ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهريّ، فقد رَوَى أيوب، عن الزهريّ ما يخالفه، فرَوَى الطحاويّ وغيره من هذا الوجه، عن الزهريّ قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كَثُرُوا في ذلك العام، فأحب أن يُعلمهم أن الصلاة أربع. ورَوَى البيهقيّ من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه، ولكنه حَدَثَ طَغَام -يعني بفتح الطاء والمعجمة- فَخِفتُ أن يَسْتَنُّوا. وعن ابن جريج أن أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زِلْتُ أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طُرُق يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقوِّيه من حيث إن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها، بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان -﵁-. وأما عائشة -﵂- فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقيّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشُقّ عليّ. إسناده صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشُقّ عليه أفضل. ويدلُّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يعلى، والطبرانيّ بإسناد جيّد، عن أبي هريرة -﵁- أنه سافر مع النبيّ -ﷺ-، ومع أبي بكر وعمر، فكلهم كان يصلي ركعتين، من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة في السير، وفي المقام بمكة. قال الكرمانيّ -﵀- ما ملخَّصه: تمسّك الحنفية بحديث عائشة -﵂- في أن الفرض في السفر أن يصلي الرباعية ركعتين. وتُعُقِّب بأنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة، وعندهم العبرة بما رأى الراوي إذا عارض ما روى، ثم ظاهر الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه يدلّ على أنها فُرِضت في الأصل ركعتين، واستمَرَّت في السفر، وظاهر القرآن أنها كانت أربعًا فنقصت، ثم إن قولها: «الصلاة» تعمّ الخمس، وهو مخصوص بخروج المغرب مطلقًا والصبح بعدم الزيادة فيها في الحضر، قال: والعام إذا خُصّ ضَعُفَت دلالته حتى اختُلِف في بقاء الاحتجاج به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن أرجح التأويلات في إتمام عثمان وعائشة -﵄- قول من قال: إنهما كانا يريان القصر رخصةً غير واجبة، فأخذا بالأكمل؛ اجتهادًا منهما، وهذا هو الذي تقدّم ترجيحه عن القرطبيّ -﵀-، فهذا
مصادر المؤلف (٤٤)

١. «المغني» ٢/ ٨٥ - ٩١.

٢. «الفتح» ١/ ٥٥٣.

٣. «شرح السندي على سنن النسائيّ» ١/ ٢٢٥.

٤. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٢٧ - ٣٣٣.

٥. هكذا عزاه إليها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.

٦. «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» ١/ ١٦٦.

٧. أخرجه البيهقيّ في «الكبرى» ٣/ ١٤٥، من حديث أنس -﵁-، وفي إسناده عمران ابن زيد التغلبيّ ليّن الحديث، وزيد العمّيّ متروك الحديث، فتفطّن.

٨. «بداية المجتهد» ١/ ١٦٦ - ١٦٧.

٩. أراد به -واللَّه أعلم- من خالف حكم اللَّه تعالى في هذا متعمّدًا وعنادًا، لا متأوّلًا.

١٠. هذا أيضًا مؤوّل بمن صلّى مخالفًا لحكم اللَّه تعالى، ومُعْرضًا عن قبول رخصته، فإنه يكون معاندًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

١١. «الأوسط» ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٥.

١٢. راجع: «إرواء الغليل» للشيخ الألبانيّ -﵀- ٣/ ٦ - ٩ فقد أشبع الكلام على هذا الحديث.

١٣. سيأتي تضعيف هذا التأويل -إن شاء اللَّه تعالى-.

١٤. هذا الحديث، وإن قال الدارقطنيّ: إسناده صحيح، إلا أن الإمام أحمد -﵀- استنكره، وقال ابن تيميّة: هو كذبٌ على رسول اللَّه -ﷺ-، انظر:«نيل الأوطار»٤/ ١١٩، وقد أشبع الكلام على هذا الحديث الشيخ الألبانيّ -﵀- في«إروائه»٣/ ٦ - ٩ فراجعه تستفد.

١٥. راجع«نيل الأوطار»٣/ ٢٣٩ - ٢٤١ وهو منقول بتصرّف، فتنبّه.

١٦. «الأوسط» ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦.

١٧. راجع: «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ١٠٠.

١٨. هذا وهمٌ فليس هذا الأثر عن عمر -﵁- في «صحيح مسلم»، راجع: تخريج الغماري للبداية ٣/ ٣٢٢.

١٩. «بداية المجتهد» ١/ ١٦٧ - ١٦٨.

٢٠. أصله رِئْمٌ، بكسر الراء، وسكون الهمزة، واحد الآرام، وهي الظباء الخالصة البياض، ثم سُمّي به وادٍ لمزينة قُربَ المدينة، قاله في «معجم البلدان» ٣/ ١١٤.

٢١. هكذا نسخة «الأوسط» بالجيم، وليُنظر.

٢٢. «النُّمَيلة»: قرية لبني قيس بن ثعلبة، رهط الأعشى باليمامة، قاله في «معجم البلدان» ٥/ ٣٠٦.

٢٣. «الأوسط» ٤/ ٣٤٦ - ٣٥١.

٢٤. «الفتح» ٣/ ٢٧٦.

٢٥. «الفتح» ٣/ ٢٧٦.

٢٦. «حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح» (ص ١١٤).

٢٧. «الفتح» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧.

٢٨. كتب في هامش البيهقيّ: يعني رسولًا في حاجة.

٢٩. الحشر هم القوم الذين يخرجون بدوابّهم إلى المرعى، قاله البيهقيّ. «السنن الكبرى» ٣/ ١٣٧.

٣٠. «الأوسط» ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٦.

٣١. «الروضة النديّة» ١/ ١٥٠.

٣٢. هكذا النسخة، ولعله «شرّا وإثما» أو على لغة ربيعة.

٣٣. «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ١٠٩ - ١١٤.

٣٤. «بداية المجتهد» ١/ ١٦٨ - ١٦٩.

٣٥. «الْخُصّ» بالضمّ: بيتٌ يُعمل من الخشب والقصب، وجمعه خُصاص، وأخصاص، وسُمّي به؛ لما فيه من الخُصاص، وهي الْفُرَجُ والأنقاب. انتهى. «النهاية» ٢/ ٣٧.

٣٦. هو سعيد بن علاقة الهاشميّ الكوفيّ، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وثقه جماعة، وتوفّي في ولاية عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك.

٣٧. «الأوسط» ٤/ ٣٥١ - ٣٥٤.

٣٨. لكن المشهور عن الإمام أحمد -﵀- كما يأتي قريبًا أنه إذا عزم على إحدى وعشرين صلاةً قَصَر، وإن كان أكثر أتمّ.

٣٩. «الأوسط» ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦.

٤٠. «المغني» ٣/ ١٤٩ - ١٥٠.

٤١. وفي نسخة: «حدّثني».

٤٢. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥.

٤٣. هو أن عثمان وعائشة -﵄- تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل.

٤٤. «الفتح» ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٦ «كتاب تقصير الصلاة» رقم (١٠٩٠).